النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ الجُرُ (٢١) - الروضِنْ: ٣٠ / ٣٨-٤٠ وكون هذا الإعطاء خيراً؛ لأنه سبب لتكافل الأسرة وتعاون المسلمين فيما بينهم، وفي التكافل والتعاون قوة وتوادد وتراحم وتآزر، وتخلص من أمراض الفقر والتمزق والحقد والحسد. ثم ذكر نوعين من أنواع العطاء: أحدهما حسن مقبول عند الله والآخر قبيح مبغوض عند الله، أما القبيح فهو الربا، وأما الحسن فهو الزكاة، والقبيح هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْيُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فلا ثواب له عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (®﴾ [المدثر: ٦/٧٤] أي لا تعط عطاء تريد أكثر منه، وهذا حرام على النبي وَ لجر على الخصوص، حلال على غيره، لکن لا ثواب فيه. قال ابن عباس: الربا نوعان: ربا لا یصح، وهو ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُوَأْ فِىِّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ وروي مثل ذلك عن عكرمة والضحاك ومجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي. وأما العطاء الحسن الذي يثاب عليه صاحبه فهو الزكاة كما قال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَانْتُم مِّنْ زَّكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي ومن أعطى صدقة يقصد بها وجه الله وحده خالصاً، فله الثواب المضاعف والجزاء الأفضل عند الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥/٢] وقال سبحانه: ﴿مَن ذَا الَّذِى ﴾ [الحديد: ١١/٥٧] وجاء يُقْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ، أَجْرٌ كَرِيمٌ في الحديث الصحيح: ((وما تصدَّق أحد بعِدْل تمرة من كسب طيب إلا أخذها ١٠٢ الجُعُ (٢١) - الروضِنْ: ٣٠ / ٣٨-٤٠ الرحمن بيمينه، فيُربيها لصاحبها، كما يُربِّ أحدكم فَلُوَّه أو فصیله، حتى تصير التمرة أعظم من أحد))(١) الجبل المعروف في المدينة. ثم أكد الله تعالى ما سبق بأن الزيادة والنماء داخل في رزق الله المحدّد لكل إنسان، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِينُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ أي الله هو الخالق الرازق الذي يرزق الإنسان من الميلاد إلى الوفاة، ثم هو المميت بعد هذه الحياة، ثم هو المحيي يوم القيامة للحشر والبعث. ﴿هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ﴾ أي هل من آلهتكم الذين تعبدونهم من دون الله من يفعل من ذلكم شيئاً، أي من الخلق أو الرزق أو الإماتة أو الإحياء؟! لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، لهذا قال: ﴿ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزه الله وتقدس وتعاظم عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساوٍ أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد. وأضاف الشركاء إلى عبدة الأصنام لأنهم كانوا يسمونهم بالآلهة والشركاء، ويجعلون لهم من أموالهم. ويلاحظ أنه تعالى جمع في هذه الآية بين إثبات الأصلين: الحشر والتوحيد، أما الحشر فبقوله: ﴿يُحْبِيكُمْ﴾ بدليل قدرته على الخلق في ابتداء الخليقة، وأما التوحيد فبقوله: ﴿هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ﴾ (١) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة. ١٠٣ الجُزُ (٢١) - الدُّوْفِرْ: ٣٠ / ٣٨-٤٠ فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - يأمر الله تعالى بصلة الأقارب دوي الأرحام، وبمساعدة المسكين وابن السبيل، وقد فضّل رسول الله وَل الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة، وقد أعتقت وليدة (أَمَة رقيقة): ((أما إنك لو أعطيتها أخوالَك كان أعظمَ لأجرك)). والأصح أن الآية ليست منسوخة بآية المواريث، فللقريب حق لازم في البِرّ عنى كل حال، ومعاونة المحتاجين من الفقراء والمنقطعين في الأسفار عن الوصول لبلادهم من مظاهر البرّ والخير في الإسلام. وفسّر ابن عباس ﴿وَاَلْمِسْكِينَ﴾ فقال: أي أطعم السائل الطوّاف، و﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ بأنه الضيف، فجعل الضيافة فرضاً. واستدل أبو حنيفة كما بينا بالآية على وجوب النفقة للمحارم المحتاجين. أَ - إن إعطاء الحق المقرر شرعاً لمن ذكر أفضل من الإمساك إذا أريد بذلك وجه الله والتقرب إليه، وفاعلوه هم المفلحون الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة. ٣ - إذا كان العطاء بقصد التوصل إلى الزيادة والأفضل فهو حرام على النبي ◌َّل خاصة، مباح لأمته، وإن كان لا ثواب فيه. وهذا هو الربا الحلال أو هبة الثواب. أما الربا الحرام شرعاً الذي يمحقه الله، وإثمه کبیر فهو ربا البيع وربا القرض، وهو إعطاء الشيء وأخذ بدل عنه بشرط في العقد، أو عمل بالعرف السائد. ٤ - إذا كان العطاء صدقة أو زكاة بقصد إرضاء الله وابتغاء الثواب من عنده، فله ذلك عند الله بفضله ورحمته. والعطاء لحق القرابة وصلة الرحم ١٠٤ لُعُ (٢١) - الروفِزْ: ٣٠ /٤١-٤٥ يكون لوجه الله. أما إذا كان العطاء رياء وسمعة ليحمده الناس ويُثْنوا عليه من أجله، فلا ثواب فيه في الدنيا، ولا أجر في الآخرة؛ قال الله عز وجل: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاُلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤/٢]. ٥ - ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلا يبارك الله في المأخوذ من الآخرين مقابل الهدية أو الهبة ولا ينمو ولا ثواب فيه عند الله تعالى، وأما المعطى بقصد رضوان الله، فذلك الذي يقبله الله، ويضاعف ثوابه عشرة أضعافه إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن فضل الله لا يحد ولا ينحصر ويمنح من يشاء. ٩ - الله تعالى هو القادر على البعث والحشر، كما خلَقَنا أول مرة، وهو الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له، الخالق الرازق المميت المحيي، المنزه عن الأنداد والأضداد والصاحبة والولد. ولن تستطيع الآلهة المزعومة سواه شيئاً من أفعاله السابقة كالخلق والرزق والإحياء والإماتة. جزاء المفسدين والكافرين وجزاء المؤمنين ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ قُلْ سِيُرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ ◌َ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَبِذٍ يَصَدَعُونَ ﴿® مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَهُ، وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴿َ لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِّ إِنَّهُ لَا ٤٥ يُحِبُّ الْكَفِرِينَ القراءات: لِيُذِيقَهُم﴾ ١٠٥ الْجُرُ (٢١) - الُّوْفِرْ: ٣٠ /٤١-٤٥ وقرأ قنبل (لِنُذِيقَهُم). البلاغة وَاَلْبَحُر آڵر بينهما طباق. ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ مجاز مرسل بإطلاق الجزء وهو الأيدي وإرادة الكل. ﴿ فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ استعارة، شبه القائم بالأعمال الصالحة بمن يمهد فراشه ويعدّه للنوم عليه، توفيراً للراحة والسلامة. المفردات اللغوية: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَاُلْبَحْرِ﴾ الفساد: الخلل في الأشياء، كالجدب والقحط وقلة النبات، وكثرة الحرق والغرق وأخذ المال ظلماً وكثرة المضار وقلة المنافع. والبر: الجزء اليابس من الأرض. والبحر: الجزء المائي، والمراد: في أهل البر سكان القرى والمدن والفيافي، وأهل البحر سكان السواحل، وركاب البحار .﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ بسبب معاصيهم وذنوبهم ﴿ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ﴾ أي إن الله قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها ليذيقهم وبال بعض أعمالهم وعقوبته في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة .﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما هم عليه ويتوبون. واللام: للتعليل أو للعاقبة. ﴿قُلْ سِيُرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ﴾ أي قل يا محمد لكفار قريش وأمثالهم، تأملوا فيما حدث في الأرض، لتشاهدوا مصداق ذلك، وتتحققوا صدقه .﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشوّ الشرك فيهم. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ اٌلْقَيِّمِ﴾ أي وجّه نفسك للعمل بالدين المستقيم، ١٠٦ الجزءُ (٢١) - المُوفِرْ: ٣٠ / ٤١-٤٥ البليغ الاستقامة وهو دين الإسلام. ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي قبل يوم القيامة الذي لا يقدر أن يرده واحد فلا رادّ له ولا مانع منه. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بفعل ﴿يَأْتِىَ﴾ ويجوز تعلقه بقوله ﴿مَرَدَّ﴾ على معنى: لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه .﴿ يَوْمَبِذٍ يَصَدَّعُونَ﴾ يتصدعون، أي يتفرقون بعد الحساب، فريق في الجنة، وفريق في السعير. ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي فعليه وبال كفره وهو النار المؤبّدة. صيل ﴿يَمْهَدُونَ﴾ يوطئون منزلهم ويسوونه في الجنة. ﴿لِجْزِىَ﴾ علة ليمهدون، أو ليصدعون، متعلق به. والاقتصار على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات. ﴿مِن فَضْلِهٍِ﴾ أي يثيبهم من فضله، وهذا دليل على أن الإثابة تفضُّل محض. ﴿إِنَُّ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ أي يعاقبهم. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى سوء حال المشركين، والشرك سبب الفساد، بدليل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢/٢١] ذكر أن الفساد قد ظهر بين الناس، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وفشا الظلم، وكثرت الحروب، ثم نبّههم وأمرهم بالمسير في الأرض، فينظرون كيف أهلك الأمم بسبب معاصيهم وإشراكهم، فإن الله تعالى أهلك قوماً بسبب الشرك، وقوماً بسبب المعاصي، والإهلاك قد يكون بالشرك، وقد يكون بالمعاصي، ثم أمر تعالى رسوله بالثبات في الدين الحق قبل مجيء الحساب الذي يتفرق فيه الناس: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر فعليه وبال كفره، ومن آمن وعمل صالحاً فقد أعدّ لنفسه المهاد الذي يستريح عليه. التفسير والبيان: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَبْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ١٠٧ الُ (٢١) - الُوفِنْ: ٣٠ /٤١-٤٥ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٨﴾ أي عمَّ العالم ظهور الخلل والانحراف، وكثرة المضار وقلة المنافع ونقص الزروع والأنفس والثمرات، وقلة المطر وكثرة الجدب والقحط والتصحر، بسبب شؤم معاصي الناس وذنوبهم، من الكفر والظلم، وانتهاك الحرمات، ومعاداة الدين الحق، وعدم مراقبة الله عز وجلّ في السرّ والعلن. والاعتداء على الحقوق وأكل مال الغير بغير حق، ليذيقهم الله جزاء بعض عملهم وسوء صنيعهم من المعاصي والآثام، وحينئذ ربما يرجعون عن غيهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨/٧]. ثم هدّد الله تعالى على ظهور الفساد بالعقاب كعقاب الأمم السابقة، فقال: ﴿قُلْ سِيُرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُوْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلٌ﴾ أي قل أيها الرسول للمفسدين والمشركين: سيروا في البلاد، وتأملوا بمصير من قبلكم، وكيف أهلك الله الأمم المتقدمة، وأذاقهم سوء العذاب بسب كفرهم وسوء أعمالهم، وانظروا ما حلّ بهم من تكذيب الرسل وكفران النعم، وأن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر، وكان أيضاً بغير الشرك كالإهلاك بالفسق والمخالفة، كما فعل بأصحاب السبت (اليهود). قال في الكشاف: دلّ بقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأن ما دونه من المعاصي يكون سبباً لذلك(١). فسبب عذابهم في الغالب هو كفرهم بآيات ربهم وتكذيبهم رسله، وهو تعليل لما سبق، فهو دليل على تعليل الأحكام، وعلى التزام ظاهرة العدل في العقاب الإلهي. وبعد بيان ظاهرة الشرك والانحراف والفساد وبيان عاقبتها، وبعد نهي (١) الكشاف ٥١١/٢ ١٠٨ الجُزُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ /٤١-٤٥ الكافر عما هو عليه، ذكر تعالى ما يقابلها من حال الاستقامة، وأمر المؤمن بما هو عليه، فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَيِدٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾﴾ أي بادر أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين إلى الاستقامة في طاعة الله، وبادر إلى الخيرات، ووجه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين المستقيم، البليغ الاستقامة، وهو دين الإسلام من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا رادَّ له ولا مانع منه، فلا بدّ من وقوعه؛ لأن الله كتب مجيئه وقدَّره، وما قدَّره وأراد حدوثه فلا رادّ له ولا بدّ أن يكون. ذلك اليوم الذي يتفرق فيه الناس بحسب أعمالهم، ففريق في الجنة، وفربة، في السعير. ثم بين الله تعالى أن جزاء كل فريق بحسب عمله ونتيجة فعله، فقال: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيَّهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾﴾ أي من كفر بالله وكتبه ورسله، وكذب باليوم الآخر، فعليه وبال كفره ووزره وإثمه وعاقبته، ومن آمن بالله وكتبه ورسله وبالبعث، وعمل الأعمال الصالحة، فأطاع الله فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه، فقد أعدّ لنفسه الفراش الوطيء الوثير المريح، والمسكن الفسيح، والقرار الدائم. وإنما قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا﴾ ولم يقل: ومن آمن؛ لأن العمل الصالح المقبول لا يكون إلا بعد الإيمان، ولأن بالعمل الصالح يكمل الإيمان، فذكره تحريضاً للمكلف عليه، وأما الكفر إذا حدث فلا زنة للعمل معه. وسبب التفرقة في الجزاء هو ما قال: ﴿ لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهَِّ إِنَُّ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ ٤٥ أي أنا المجازي فكيف يكون الجزاء؟ وأنهم يتفرقون فريقين فكيف يجازون؟ ١٠٩ لُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ / ٤١-٤٥ إنني أجازي المؤمنين الذين يعملون الصالحات بفضلي وإحساني، فالمجازاة مجازاة الفضل، فأكافئ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى ما شاء الله، وأما الكافرون فإن الله يبغضهم ويعاقبهم، ولكنه عقاب عادل لا يجور فیه، وهذا تهديد ووعید. ودلّ قوله: ﴿مِن فَضْلِهٌِ﴾ على أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، لقلته وحقارته، ولكن بمحض فضل الله تعالى. ويلاحظ أنه عندما أسند الله تعالى الكفر والإيمان إلى العبد المخلوق، قدَّم الكافر، فقال: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وعندما أسند الجزاء إلى نفسه، قدّم المؤمن، إظهاراً للكرم والرحمة، فقال: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَا ◌ُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ لأنه تهديد ووعید. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يلي: اً - انتشار ظاهرة الفساد والانحراف في العالم، من الشرك أعظم الفساد، والقحط وقلة النبات وذهاب البركة، والمعاصي وقطع السبيل والظلم وغير ذلك من الآثام والذنوب. والعالم هو البر والبحر المعروفان المشهوران في اللغة وعند الناس، لا ما قاله بعض المفسرين: البَر: الفيافي، والبحر: القرى، والعرب تسمي الأمصار البحار. أَ - إن ظهور الفساد سبب للدمار والهلاك في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وعقاب الدنيا على المعاصي التي عملها بعض الناس في البر والبحر، كحبس الغيث وغلاء الأسعار، وكثرة الحروب، والفتن والقلاقل، قد يكون باعثاً على التوبة، وحافزاً على الرجوع إلى الله والاستقامة على الطاعة، واجتناب الذنوب والمنكرات. ١١٠ الُ (٢١) - الروضِزْ: ٣٠ /٤١-٤٥ ٣ - على الناس قديماً وحديثاً أن يعتبروا بمن قبلهم من الأمم السابقة، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل، وقد كان أكثرهم مشركين أي کافرین فأهلكوا. ٤ - النبي والمؤمنون مخاطبون بتوجيه القصد والعزيمة إلى اتباع الدين القيم، يعني الإسلام، في دار التكليف دار الدنيا، قبل مجيء يوم القيامة الذي لا يردّه الله عنهم ولا عن غيرهم، وليس لأحد دفعه أو منعه، لعجزه عن ذلك أمام قدرة الله وقدره وقضائه السابق. وخاطب الله النبي وَلّ ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به، فإنه أمر به أشرف الأنبياء، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: ((إن الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين)). ٥ - يتفرق الناس يوم القيامة فريقين بحسب أعمالهم: فريق في الجنة، وفريق في السعیر. أَ - للكافر جزاء كفره وهو النار، وللمؤمن الذي عمل صالحاً الجنة، وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات يوطّئون أو يقدمون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً بالعمل الصالح. لاً - اقتضت رحمة الله أن يجزي الله من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين يمهّدون لأنفسهم، ليتميز المسلم من الكافر، وكل إنسان يدخل الجنة بفضل الله ورحمته، لا بعمله، حتى الأنبياء. كذلك كان مقتضى العدل أن يجازى الكافرون ويعاقبوا على كفرهم ومعاصيهم؛ إذ لا يعقل التسوية بين المسلمين والكافرين كما قال تعالى: ٤٥َ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَكُونَ ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿ أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كْمُجْرِمِينَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيُِّونَ (٢٨)﴾ [القلم: ٣٥/٦٨-٣٨]. ١١١ الجرح (٢١) - الشروفر: ٣٠ / ٤٦-٥١ الاستدلال بالرياح والأمطار على قدرة الله وتوحيده ﴿وَمِنْ ءَلِهِ: أَن يُرْسِلَ الْرِيَعَ مُبَشِرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَهِ، وَلِتَجْرِىَ اُلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلَا إِلَى قَوْمِهِمْ وَلِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٤٧ فَهُ وهُم بِالْبِمِنَتِ فَأَنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ فَنُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّنٍ قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ﴿﴿ فَأَنْظُرْ إِلَى ءَائَرٍ ٤٨ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنِىّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ ٥١ وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ ۵٠ شَىْءٍ قَدِيرٌ القراءات: ﴿الْرِّيَاحَ﴾: قرئ: ١- (الريح) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي. ٢- (الرياح) وهي قراءة الباقين. كِسَفًا﴾: وقرأ ابن ذكوان (كِسْفاً). ﴿ يُنَزَّلَ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُنْزِل). ﴿ءَثَرِ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أَثَر). ١١٢ المُعُ (٢١) - التُوفِنْ: ٣٠ / ٤٦-٥١ ﴿رَحْمَتِ﴾ رسمت بالتاء، فوقف بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ووقف الباقون بالتاء. الإعراب: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ﴾ تكرار ﴿قَبْلِ﴾ إما للتأكيد، وإما مع اختلاف التقدير والضمير، أي: وإن كانوا من قبل أن ينزل الغيث عليهم من جهة السحاب لمبلسين، والضمير يعود إلى السحاب في قوله تعالى: ﴿فَنُثِيرُ سَحَابًا﴾ والسحاب يجوز تذكيره وتأنيثه. ﴿فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا﴾، الهاء يعود إلى الزرع الذي دلّ عليه. ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ او إلى السحاب، وإذا أريد به الزرع فسبب تذكير الضمير: أن تأنيث الرحمة غير حقيقي. ﴿كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَهَاً﴾ في موضع نصب على الحال، حملاً على المعنى؛ لأن اللفظ لفظ الاستفهام، والحال خبر، والتقدير: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها. البلاغة: ﴿ وَمِنْ ءَِهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَثْرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمِنَّهِ، وَلِنَجْرِىَ اَلْفُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ بأسلوب الإطناب، فإنه أسهب تذكيراً للعباد بالنعم الكثيرة، وكان يكفي الجملة الأخيرة. ﴿أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ فيهما جناس الاشتقاق. ﴿لَّهُ وهُم بِالْبَيِّنَتِ فَأَنْنَقَمْنَا﴾ فيه إيجاز بالحذف، حذف منه: فكذبوهم واستهزؤوا بهم. ١١٣ لُرُ (٢١) - الشُوفِزْ: ٣٠ / ٤٦-٥١ المفردات اللغوية: ﴿الْرِّيَاحَ﴾ أي رياح الخير والرحمة وهي الشمال والصبا والجنوب، وأما الدَّبور فريح العذاب، قال رَّه: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)). ﴿مُبَشِّرَتِ﴾ تبشر بالخير وهو المطر. ﴿ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي ليذيقكم بها المطر والخصب أي المنافع التابعة لها . ﴿ وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ السفن بها بإذنه. ﴿وَلَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الرزق من فضل الله بالتجارة في البحر. ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا نعمة الله فيها، فتوحدوه. ﴿فَآءُ وُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم، فكذبوهم .﴿فَأَنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ أهلكنا الذين كذبوا، ودمرنا الذين فعلوا ◌ُرماً. ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين. وهو إشعار بأن الانتقام لصالح المؤمنين وإظهار كرامتهم، حيث جعلهم الله مستحقين لديه أن ينصرهم، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني وغيره عن أبي الدرداء: ((ما من امرئ مسلم يردّ عن عِرْض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يردّ عنه نار جهنم)) ثم تلا الآية. ﴿فَتُثِيرُ﴾ أي تحرك وتهيج. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَآءِ﴾ ينشره متصلاً بعضه ببعض. ﴿كَيْفَ يَشَآءُ﴾ من قلة وكثرة، ﴿كِسَفًا﴾ قطعاً متفرقة، وقرئ بسكون السين، تخفيفاً. ﴿اُلْوَدْقَ﴾ المطر. ﴿مِنْ خِلَلِهِ﴾ وسطه. ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن ◌َشَآءُ مِنْ عِبَادِهٍِ﴾ أصاب بالودق بلادهم وأراضيهم . ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بالمطر أمارة الخصب. ﴿مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر. (من قبله) كرره للتأكيد والدلالة على طول زمن تأخر المطر. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيسين من إنزاله. ﴿فَانْظُرُ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ آثار الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار، وقرئ: إلى أثر. ﴿كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، بأن يجعلها تنبت، وقرئ: تحيي ١١٤ الزرعُ (٢١) - المُوفِنْ: ٣٠ /٤٦-٥١ بإسناده إلى ضمير الرحمة. ﴿لَمُحِى الْمَوْنَى﴾ لقادر على إحيائهم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن قدرته على جميع الممكنات سواء. ﴿وَلَيِنْ﴾ اللام لام القسم. ﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مضرة على نبات. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ فرأوا الأثر أو الزرع، وقد صار جواب القسم. ﴿مِنْ بَعْدِهِ،﴾ من بعد اصفراره. ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يجحدون النعمة بالمطر، وقوله: ﴿لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ﴾ جواب سدّ مسد جزاء الشرط، وحرف الشرط هو (إن) في قوله ﴿وَلَيِنْ﴾ المناسبة: بعد وصف ظاهرة الفساد في العالم بسبب الشرك والمعاصي، أقام الله تعالى الأدلة القاطعة على وحدانيته بإرسال الرياح والأمطار، وعلى البعث والنشور وعلى قدرته ورحمته بإحياء الأرض بعد موتها، وتخلل ذلك التسرية عن الرسول وَ له بأنه ليس أول من كذبه الناس، فقد تقدمه رسل كثيرون جاؤوا أقوامهم بالبينات فكذبوهم، فانتقم الله منهم بالتدمير والهلاك، فلا يجزع ولا يحزن، والنصر دائماً في جانب المؤمنين. التفسير والبيان: يذكر الله تعالى نعمه وفضله على خلقه بإرساله الرياح مبشرات بمجيء الغيث، فقال: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَشِرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ. وَلِتَبْنَغُوْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي ومن أدلة وحدانيته تعالى وقدرته ونعمته وآياته الكونية أنه المهيمن على كل شيء في الوجود، فيرسل الرياح مبشرة بالخير والبركة ونزول المطر الذي يحيي الأرض بعد يبسها، وينبت الزرع ويخرج الثمر، وليذيق الناس من آثار رحمته بالمطر الذي ينزله، فيحيي به العباد والبلاد، ولتسيير السفن في البحار بالريح، وللتمكين من ممارسة ١١٥ اِلُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ /٤٦-٥١ التجارة والتنقل في البلاد والأقطار للكسب والمعيشة ولشكر الله تعالى على ما أنعم به من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تعد ولا تحصى، كما قال: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤/١٤]. ثم آنس الله تعالى عبده ورسوله محمداً وَ له، فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَهُ وُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَأنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أي إن كذبك كثير من قومك أيها أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ إ الرسول، فلست أول من كُذِّب، فلقد كُذِّبت الرسل المتقدمون بالرغم مما جاؤوا به أممهم من الدلائل الواضحات على أنهم رسل من عند الله، فكذبوهم كما كذبك قومك، فانتقم الله ممن كذبهم وخالفهم، ونجّى المؤمنين الذين صدقوا بالله ورسله، وما جرى على النظير يجري على نظيره قياساً عقلياً وشرعياً، فسيكون الانتقام من كفرة قومك كالانتقام ممن تقدمهم. والخلاصة: إن الله تعالى بعد إثبات الأصلين: الوحدانية والبعث، ذكر الأصل الثالث وهو النبوة. ثم أخبر الله تعالى عن مبدأ عام وهو تأييد المؤمنين بالنصر، وأنه حق أوجبه الله على نفسه الكريمة تكرماً وتفضلاً، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤/٦]. وفي هذا وعيد للكفار بالهزيمة ووعد وبشارة بالظفر للمؤمنين. روى ابن أبي حاتم والطبراني والترمذي وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ◌َلا يقول: ((ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة)) ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم أبان تعالى كيفية خلقه السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال: ١١٦ الجزءُ (٢١) - التُّوْفِرْ: ٣٠ / ٤٦-٥١ ﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّبَحَ فَنُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أي الله هو الذي يسير الرياح على وفق الحكمة ومقتضى الإرادة إلى الجهة المرادة، فتحرك السحاب وتهيجه بعد سكونه، فينشره في السماء ويجمعه ويكثره، فيجعل من القليل كثيراً، ثم يجعله قطعاً متفرقة ذات أحجام متنوعة، فتارة يكون السحاب خفيفاً، وتارة يأتي السحاب من جهة البحر مشبعاً بالرطوبة، ثقيلاً مملوءاً بذرات الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىَ إِذَا أَقَلَّتُ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ كَذَلِكَ ثُرْجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿6﴾ [الأعراف: ٧/ ٥٧]. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فتنظر المطر أو القطر يخرج من وسط ذلك السحاب، فإذا أصاب به الله بمشيئته بعض العباد والبلاد، فرحوا بنزوله عليهم ووصوله إليهم، لحاجتهم إليه. فقوله: ﴿مِنْ خِلَلِهِ﴾ الضمير عائد في الظاهر على السحاب؛ إذ هو المحدّث عنه. ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ﴾﴾ أي ينزل عليهم هذا المطر بعد أن كانوا قبل نزوله قانطين يائسين من نزوله قبل ذلك، فكانت الفرحة شديدة التأثير في نفوسهم، لمفاجأتهم بالغيث الذي كادوا ييأسون من نزوله. وتكرار كلمة ﴿قَبْلِهِ،﴾ أي قبل الإنزال للتأكيد. ومجمل معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، وكانوا قبل ذلك بفترات متفاوتة متقطعة يترقبونه فيها، فتأخر، ثم انتظروه مرة أخرى فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فصارت أرضهم الهامدة منتعشة بالنبات من کل زوج بهیج. ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ أي فانظر ١١٧ الُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /٤٦-٥١ أيها الرسول ومن تبعك نظرة تأمل واستبصار واستدلال إلى المطر الذي هو أثر من آثار رحمة الله، كيف يكون سبباً لإحياء النبات والزرع والأشجار والثمار، مما يدل على واسع رحمة الله وعظيم قدرته. ثم نبّه الله تعالى بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال : ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنِى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، أو من يقدر على إحياء الأرض بعد يبسها بالخضرة والنبات قادر على إحياء الموتى، والله وحده بالغ القدرة على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سواء في الابتداء أو في الإعادة، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ مَن يُخِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨/٣٦ -٧٩]. ثم بيَّن تعالى سوء حال الكافرين، وتنكرهم للمعروف والجميل، وعدم ثباتهم على منهج واحد، فتراهم يفرحون بالخير، ثم ييأسون وينقطع رجاؤهم من الخير إن تعرضوا لسوء، فقال: ﴿ وَلَيِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ (٥)﴾ أي وتالله لئن بعثنا ريحاً ضارة، أو سامة، حارة أو باردة على نبات أو زرع أو ثمر، فرأوا ذلك الزرع قد اصفر، ومال إلى الفساد بعد خضرته، لظلوا من بعد ذلك الفرح والبِشْر، يجحدون نعم الله التي أنعم بها عليهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - من دلائل كمال قدرة الله إرسال الرياح مبشرات بالمطر؛ لأنها تتقدمه، والغيث والخصب أثر من آثار رحمة الله، ومن خواص الرياح أيضاً عند هبوبها ١١٨ المُجُ (٢١) - الشروقِنْ: ٣٠ /٤٦-٥١ تسيير السفن في البحر، وبالسفن ينتقل الركاب والتجار، وتحمل البضائع من قطر إلى آخر، فتكون وسيلة الرزق بالتجارة، وكل ذلك من نعم الله وأفضاله التي تستوجب الشكر بالتوحيد والطاعة. اً - النبوة والرسالة من نعم الله أيضاً التي تتطلب التصديق والتأييد، ولكن استبداد الكافرين وعنادهم يدفعهم إلى التكذيب برسالات الرسل قديماً وحديثاً، فقد أرسل الله رسلاً كثيرين إلى مختلف الأمم والأقوام والشعوب، مؤيدين بالمعجزات والحجج النيرات، فكذبوهمٍ وآذوهم وسخروا منهم، وكفروا برسالاتهم، فانتقم الله ممن كفر، ونجّى المؤمنين ونصرهم على أعدائهم، وسنة الله الثابتة أنه ينصر عباده المؤمنين، وهذا خبر صدق، والله لا يخلف الميعاد، ولا خُلْف في خبره. ◌َّ - أخبر الله تعالى أيضاً عن كيفية تكون السحاب، وهو أن الله يرسل الرياح، فتحرك الغيوم وتنقلها من مكان إلى آخر، ثم ينشرها ويجمعها في الجو على وفق مشيئته وإرادته وحكمته، ويجعلها قطعاً متفاوتة الأحجام والأوزان والنوعية، تارة تكون خفافاً، وتارة تصبح ثقالاً مملوءة بالماء، فإذا أنزل المطر على بعض العباد فرحوا بنزول المطر عليهم. وكانوا قبل نزول المطر عليهم يائسين حزينين لاحتباس المطر عنهم، وأكد تعالى وجود ظاهرة اليأس والاكتئاب قبل إنزال المطر، ليدل على شدة حال الناس، ثم تغيرها إلى حال البشر والفرح، فكلمة ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ للتأكيد عند أكثر النحويين، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا﴾ [الحشر: ١٧/٥٩]. وقال الرازي: والأولى أن يقال: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل إرسال الرياح، وذلك لأنه بعد الإرسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر أو ليس فيها مطر، فقبل المطر إذا هبت الريح، لا يكون مبلساً، وإنما قد يكون راجياً غالباً على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب ١١٩ المُرُ (٢١) - الُومِنْ: ٣٠/ ٥٢-٥٣ الرياح، فقال: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل ما ذكرنا من إرسال الرياح وبسط السحاب، لبيان حال حدوث الإبلاس أي اليأس(١). ٤ - إن النتيجة الطبيعية لإنزال المطر هي الدلالة بذلك على أن من قدر عليه قادر على إحياء الموتى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى الْمَوْنَىّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ نوع من القياس يقال له: قياس الغائب على الشاهد، أو استدلال بالشاهد على الغائب، أي إثبات البعث بناء على ثبوت ظاهرة مشابهة هي إحياء النبات. ٥ - المشركون مضطربون قلقون في عقيدتهم، فتراهم عند إقبال الخير فرحين به، وعند ظهور السوء يائسين مكتئبين، ومثال ذلك: أنهم إن أحرقت الريح زرعهم، فاصفر ثم يبس، كفروا وجحدوا وجود الخالق، وتنكروا لمن أنعم عليهم في أحيان أخرى، حيث أغرقهم بسيل متلاحق من النعم، فهم متقلّبون غير ثابتين، لا يدومون على حالة واحدة، وذوو نظر قاصر على الحال دون المآل أو الماضي. عما يلقاه من الإعراض عن دعوته صي الله وسلم إيناس النبي ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدُبِينَ (9َ﴾﴾ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْىِ عَن ضَلَلَئِهِمَّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بَِايَنِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ٥٣٦ القراءات: ﴿ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ : (١) تفسير الرازي: ١٣٣/٢٥، وكذلك قال أبو حيان في البحر المحيط (١٧٩/٧): ما ذكره ابن عطية والزمخشري من فائدة التأكيد في قوله: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ غير ظاهر. ١٢٠ للزُرُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ / ٥٢-٥٣ وقرأ ابن كثير (ولا يَسمعُ الصُمُّ). ﴿بِهَدِ اٌلْعُمْىِ﴾: وقرأ حمزة (تهدي العميَ). البلاغة: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾ استعارة تصريحية، شبه الكفار بالموتى وبالصم في عدم سماعهم سماع تدبر ووعي العظات والعبر والأدلة على صدق الرسالة النبوية. المفردات اللغوية: ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَى﴾ أي سماع تدبر واتعاظ؛ لأنهم سدّوا عن الحق مشاعرهم. ﴿إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ﴾ فَيَّد عدم السماع به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم إذا أقبل على السماع، وإن لم يسمع الكلام، استفاد منه بواسطة الحركات على اللسان بعض الأشياء. ﴿اَلْعُمْيِ﴾ سمى الكفار عمياً لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار . ﴿إِن ◌ُْمِعُ﴾ أي ما تسمع سماع إفهام وقبول إلا المؤمنين؛ لأن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى . ﴿بِثَايَنِنَا﴾ القرآن. ﴿فَهُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ مخلصون منقادون لما تأمرهم به. المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد والبعث، ومهام الرسل، والوعد والوعيد، والإعراض عن دعوة النبي وَلّ، سلاّه ربه عما يراه من تمادٍ في الإعراض وعناد، فهم أشبه بالموتى والصمّ والعمي، لعدم استعدادهم لسماع أدلة الهداية سماع تدبر واتعاظ، وقد رتب المشبّه بهم على حسب مدى الإعراض،