النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
لِلْزُ (٢١) - الُوْفِرْ: ٣٠ /١١-١٦
إثبات الإعادة والحشر
وبيان ما يكون وقت الرجوع إلى الله
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ
﴿اَللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْحَمُونَ
وَلَمْ يَكُنَ لَّهُم مِّن شُرَكََّبِهِمْ شُفَعَدَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَبِهِمْ
اُلْمُجْرِمُونَ
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِدٍ يَنَفَرَّقُونَ
١٣
كَفِرِينَ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
١٥
وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
بِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
١٦
القراءات:
{تُرْجَعُونَ]
وقرأ أبو عمرو (يُرْجَعون).
البلاغة:
﴿يَبْدَؤُأ﴾ و﴿يُعِيدُهُ﴾ بينهما طباق.
﴿ُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المقصود.
١٥
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَتِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
١٦
بين الجملتين مقابلة بين حال السعداء والأشقياء.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ ﴿يَنَفَرَّقُونَ﴾ ﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مراعاة الفواصل
في الحرف الأخير، وذلك له وقع وتأثير على السمع.
المفردات اللغوية:
﴿يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾ ينشئ خَلْقِ الناسِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يبعث الناس ويخلقهم مرة

٦٢
الْجُزْعُ (٢١) - الُوفِنْ: ٣٠ /١١-١٦
أخرى بعد موتهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يسكت
المشركون متحيرين آيسين لانقطاع حجتهم، يقال: أبلس الرجل: إذا سكت
وانقطعت حجته، والمبلس: الساكت المنقطع الحجة، اليائس من الاهتداء
إليها ﴿وَلَمْ يَكُنَ لَّهُم مِّن شُرَكَآَيِهِمْ شُفَعَلَوْاْ﴾ أي لا يكون ممن أشركوهم بالله
وهم الأصنام شفعاء يجيرونهم من عذاب الله. وجاء التعبير بمعنى الماضي
لتحققه ﴿وَكَانُواْ﴾ أي يكونون ﴿بِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ﴾ أي متبرئين منهم،
يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم.
﴿يَوْمَيِذٍ﴾ تأكيد لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. ﴿يَفَرَّقُونَ﴾ أي يتفرق
المؤمنون والكافرون . ﴿فِى رَوْضَةٍ﴾ بستان أو أرض ذات أزهار وأنهار
يُحْبَرُونَ﴾ يسرّون سروراً تهللت له وجوههم ﴿بِئَايَتِنَا﴾ القرآن ﴿وَلِقَآٍَ
اُلَْخِرَةِ﴾ البعث وغيره ﴿مُحْضَرُونَ﴾ مُدْخَلون فيه لا يغيبون عنه.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أن عاقبة المجرمين إلى الجحيم، وذلك إشارة إلى
الإعادة والحشر، أقام الأدلة عليه بأن من بدأ خلق الناس بالقدرة والإرادة لا
يعجز عن الرجعة والإعادة. ثم بيَّن ما يكون وقت الرجوع إليه، وأخبر أن
الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير.
التفسير والبيان:
﴿اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾﴾ أي إن الله كما هو
قادر على بداءته وإنشائه، فهو قادر على إعادته، فالله هو الذي بدأ إنشاء الخلق
بقدرته وإرادته، فلا يعجز عن رجعته، ثم إليه يعودون يوم القيامة ويحشرون
للقضاء بينهم، فيجازي كل عامل بعمله، ثم وصف حال الأشقياء بقوله:
﴾ أي ويوم تقوم القيامة للفصل بين
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
-
ے
٠٠

٦٣
اِلُعُ (٢١) - التُوفِزْ: ٣٠ / ١١-١٦
الناس والحساب، يسكت المجرمون الذين أشركوا بالله وتنقطع عنهم الحجة
من شدة الأهوال، وييأسون ولا يجدون طريقاً للخلاص، ولا أملاً في النجاة
من طريق غيرهم، كما قال:
﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَّكَابِهِمْ شُفَعَتَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ
؛ أي ولن يجدوا لهم شفعاء من الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون
الله، ينقذونهم من عذاب الله، وكانوا بشركائهم وآلهتهم المزعومة جاحدين،
متبرئين منهم، إذ خانوهم في أحوج ما كانوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ
الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اٌلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَزَّءُواْ مِنَّا﴾ [البقرة: ٢/
١٦٦-١٦٧].
وهذا دليل على تبين إفلاسهم وإعلان خسرانهم.
ثم يتميز أهل المحشر إلى فريقين، فقال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ (٣)﴾ أي ويوم تقوم القيامة يتفرق
الناس فرقة لا اجتماع بعدها، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
٥٩
[يس: ٥٩/٣٦] فيؤخذ أهل الإيمان والسعادة إلى الجنان، ويؤخذ أهل
الكفر والشقاوة إلى النيران. قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع
بعدها، لهذا قال تعالى:
١٥)
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
أي فأما المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله واليوم الآخر، والعاملون بما أمر الله
به، والمنتهون عما نهى الله عنه، فهم يتنعمون ويسرّون سروراً يملأ القلب
والنفس ويظهر البشاشة بما حظوا به من روضات الجنان ذات البهجة
والخضرة والأنهار الجارية، أي فهم في جنة يسرون بكل مسرة، كما قال:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧/٣٢]، وقال ◌َِّ فيما

٦٤
الجُزُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /١١-١٦
رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((فيها ما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)).
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾
أي وأما الكافرون الجاحدون بوجود الله ووحدانيته، المكذبون رسله وآياته،
المنكرون وقوع البعث بعد الموت، فهم مخلدون في عذاب جهنم، لا غيبة لهم
عنه أبداً، ولا فتور له عنهم إطلاقاً، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمِّ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢/٢٢] وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى
عَذَابٍ جَهَّمَ خَلِّدُونَ ﴿ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
(٧٥) ﴾ [الزخرف: ٤٣/
٧٤-٧٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - الله هو منشئ الخلق، ومعيده بقدرته، وإليه المرجع والمآب.
اً - لا يجد المشركون والكفار يوم القيامة حجة لهم يدافعون بها عن شركهم
وكفرهم، فتنقطع حجتهم، وييأسون من الاهتداء إليها، كذلك لا يجدون لهم
من غيرهم ناصراً ينصرهم ولا شفيعاً ينقذهم من عذاب الله، وحينئذ يقولون
عن آلهتهم: إنهم ليسوا بآلهة، فيتبرؤون منها، وتتبرأ منهم.
٣ - يحدث انفصال يوم القيامة بين المؤمنين وبين الكافرين، فيتميز الطيبون
من الخبيثين، ويقيم المؤمنون في جنان الخلد ذات الرياض الغناوات والأنهار
الجارية، فيغمرهم الحبور والسرور، وينعّمون ويكرمون، ويقيم الكافرون في
عذاب جهنم إقامة دائمة أبدية، فلا يفارقونها، ولا يخفف عنهم فيها شيء من
العذاب.
٤ - لا بدّ مع الإيمان من العمل الصالح، وهو الائتمار بأمر الله، واجتناب

٦٥
لُ (٢١) - الْرُوفِزْ: ٣٠ /١٧-١٩
ما نهى عنه؛ لأن العمل الصالح معتبر مع الإيمان، فإن الإيمان المجرد مفيد
للنجاة دون رفع الدرجات، ولا يبلغ المؤمن الدرجة العالية إلا بإيمانه وعمله
الصالح. وأما الكافر فهو في الدركات بمجرد كفره. وهذا هو السبب في ذكر
العمل الصالح مع الإيمان، وعدم ذكر العمل السيئ مع الكفر.
تنزيه الله تعالى وحمده في جميع الأحوال
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴿ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمِيْتَ مِنَ الْحَىّ
وَيُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
القراءات:
﴿ اَلْمَيِّتِ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (الَيَّت).
﴿تُخْرَجُونَ﴾: قرئ:
١- (تَخْرُجُون) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان.
٢- (تُخْرَجُون) وهي قراءة باقي السبعة.
البلاغة:
﴿تُمْسُونَ﴾ و﴿ تُصْبِحُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ استعارة، استعار الحي للمؤمن، والميت
للكافر.
المفردات اللغوية:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ سبحان: هو التسبيح، أي التنزيه، وهو إخبار في معنى

٦٦
الُ (٢١) - المُؤْخِزْ: ٣٠ /١٧-١٩
الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه، أي سبحوا الله بمعنى صلوا في هذه
الأوقات التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾
تدخلون في المساء، وفيه صلاتان: المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ تدخلون
في الصباح وفيه صلاة الصبح، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح؛ لأن آثار
القدرة والعظمة فيهما أوضح وأبين.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ اعتراض، ومعناه: يحمده أهلها
﴿وَعَشِيًّا﴾ عطف على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ وفيه صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
الآية جامعة للصلوات الخمس: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء
﴿ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر.
﴿ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ قال أكثر المفسرين: يخرج الدجاجة من
البيضة، والإنسان من النطفة، والطائر من البيضة، ويخرج البيضة من الطائر،
والنطفة من الإنسان، وقال بعضهم: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من
المؤمن ﴿وَيُحِى اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا﴾ أي يحييها بالنبات بعد يبسها ﴿ وَكَذَلِكَ
تُخْرَجُونَ﴾ أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور وتبعثون. والمعنى أن
الإبداء والإعادة متساويان في قدرة القادر على إخراج الأشياء من أضدادها
بإخراج الميت من الحي، وإخراج الحي من الميت، وإحياء الميت، وإماتة
الحي. وقرئ: تَخْرجون.
المناسبة:
بعد بيان عظمة الله تعالى وقدرته في خلق السماوات والأرض حين ابتداء
العالم، وعظمته حين قيام الساعة (القيامة) حال انتهاء العالم، وافتراق الناس
فريقين: فريق الجنة وفريق النار، أمر الله تعالى بتنزيهه عن كل سوء وعما لا
يليق به، وبحمده على كل حال؛ لأنه المتفرد بإحياء الميت وإماتة الحي، وإحياء

٦٧
الُ (٢١) - الْرُوفِزْ: ٣٠ / ١٧-١٩
الأرض بعد موتها، كإحياء الناس من قبورهم للبعث، وهذا في وقت الصباح
يشبه حال انتقال الإنسان من النوم الذي هو الموتة الصغرى إلى اليقظة التي هي
الحياة.
التفسير والبيان:
أي سبحوا الله تعالى
١٧)
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
ونزهوه وصلّوا له في جميع أوقات النهار والليل، حين ابتداء المساء، وحين
طلوع الصباح. هذا إرشاد من الله تعالى لعباده بتسبيحه وتحميده في هذه
الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء: وهو.
إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح: وهو إسفار النهار بضيائه، وفي المساء
صلاتا المغرب والعشاء، وفي وقت الصباح صلاة الفجر. وقدّم الإمساء على
الإصباح هنا؛ لأن الليل يتقدم النهار.
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي والله تعالى هو المحمود من جميع
أهل السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس. وهذا اعتراض بحمده
مناسب للتسبيح وهو التحميد.
﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أي وسبحوه ونزهوه أيضاً وقت العشي أو
العشاء: وهو شدة الظلام، وفي وسط النهار وقت الظهيرة.
قال الماوردي: الفرق بين المساء والعِشاء: أن المساء: بُدُوّ الظلام بعد
المغيب، والعشاء: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب.
ويلاحظ أن تخصيص هذه الأوقات بالتسبيح إنما هو بسبب وجود معالم
الانتقال المحسوس من حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، يشمل جميع أجزاء
اليوم، بدءاً من الصبح أو النهار وقوة الضياء، إلى الظهر حين تتحول الشمس
من جهة المشرق إلى المغرب، إلى العصر حين يبدأ أفول النهار وقدوم العشي،

٦٨
لُرعُ (٢١) - المُوفِزْ: ٣٠ / ١٧-١٩
إلى المغرب بدء الظلام، إلى العشاء في شدة الظلام. والمعنى: نزهوا الله عن
صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال في جميع هذه الأوقات المتعاقبة؛ لأن
أفضل الأعمال أدومها.
وفي هذا إشارة إلى أصول الإيمان الموجبة للظفر بروضات الجنان، فبعد أن
أبان الله تعالى أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل صالحاً في قوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِىِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
١٥
أعلمنا أن الإيمان تنزيه بالجَنَان، وتوحيد باللسان، وأن العمل الصالح القيام
بجميع الأركان، وكل ذلك تسبيح (تنزيه) وتحميد، يوصل إلى الحبور (السرور
والتنعم) في ریاض الجنان.
وقد تكرر في القرآن لفت النظر إلى الإضاءة والإظلام، وأن الله فالق
وَآلَّيْلِ إِذَا
الإصباح، وجاعل الليل سكناً، كما قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَهَا
يَغْشَنھَا
وَاُلْتَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى
(ج) [الشمس: ٣/٩١-٤]، وقال: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى
وَأُلَّيْلِ إِذَا سَجَى
[الليل: ١/٩٢-٢]، وقال: ﴿وَالضُّحَى
٣
[الضحى: ١/٩٣-٢].
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وعظمته الموجبة للتنزيه والتحميد،
فقال :
﴿ يُخْرِعُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخِيجُ الْمَّتَ مِنَ الْحَىّ﴾ أي إن الله تعالى هو القادر
على خلق الأشياء المتقابلة، فهو يخرج أولاً الإنسان الحي من التراب الميت، ثم
من النطفة، والطائر من البيضة، كما يفعل ضدّ هذا، فيخرج النطفة من
الإنسان، والبيضة من الطائر، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن،
واليقظان من النائم، والنائم من اليقظان.
وأما كون النطفة كائناً حيّاً فلا تعرفه العرب، ولم يكن التقدم العلمي
واضح المعالم في هذا لديهم.

٦٩
لُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ / ١٧-١٩
وهذا دليل على كمال القدرة الإلهية وبديع الصنع وعظمة الإله.
﴿ وَيُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا﴾ أي والله تعالى يحيي الأرضِ بالمطر، فيخرج
النبات من الحب، والحب من النبات، كما قال: ﴿وَءَايَّةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ
أَحْبَيْتَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
[يس: ٣٣/٣٦-٣٤]، وقال سبحانه:
٣٤
وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ
﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥/٢٢].
﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور أحياء بعد
أن كنتم أمواتاً، وذلك على الله يسير.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - وجوب تنزيه الله تعالى عن جميع صفات النقص، ووصفه بجميع
صفات الكمال، في جميع الأوقات المتعاقبة، وقرن التسبيح بالتحميد على نعم
الله وآلائه، والصلوات المفروضة الخمس بعض مظاهر التسبيح والتحميد
لا شتمالها على ذلك. وقد استدل ابن عباس كما تقدم بهذه الآيات على بيان
عدد الصلوات الخمس في القرآن.
وذلك دليل على الإيمان، وعلى فضل التسبيح والتحميد، قال وَل: ((من
قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآية، أدرك ما فاته في
ليلته، ومن قال حين يمسي، أدرك ما فاته في يومه)). وقال ◌َله: ((من سرَّه أن
يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
(1) الآية)).
اً - يتجلى كمال قدرة الله عزّ وجلّ ويثبت وجوده بتفرده بالخلْق والإيجاد،

٧٠
الجزءُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
والإعدام، والإحياء والإماتة، فهو سبحانه يخلق الأشياء المتقابلة أو المتضادة
بعضها من بعض، فهو يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي
الأرض بعد موتها أو يبسها، وكما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها،
كذلك يحيي الناس بالبعث.
قال القرطبي: وفي هذا دليل على صحة القياس. أي إنه قاس إحياء الموتى
من القبور على إحياء الأرض الميتة بالمطر الذي ينبت النبات الأخضر الزاهي.
بعض أدلة الوحدانية والقدرة والحشر
جَ وَمِنْ
﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
ءَيَنِهٍِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً
وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ
وَمِنْ
٢٢
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَافُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلَّوَيِّكُمَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّلْعَلِمِينَ
ءَايَئِهِ، مَنَامُكُم بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ
وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ
لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
السَّمَآءِ مَآءٍ فَيُحِى بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ
وَمِنْ ءَايَئِهِ- أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهَ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ
يَعْقِلُونَ (®
اُلْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ
وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِى
٢٧٦
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
القراءات:
{لِلْعَلِمِينَ﴾: قرئ:
١- (للعالمين) وهي قراءة حفص.

٧١
الُرُ (٢١) - المُروفِنْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
٢- (للعَالَمين) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ وَيُنَزِّلُ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ويُنْزِل).
الإعراب:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾: في موضع رفع على الابتداء،
والجار والمجرور قبلها خبرها، وتقديره: وخَلْقكم من تراب من آياته.
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَقَ﴾ فيه محذوف مقدر تقديره: ومن آياته آية
يريكم البرق فيها، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه. ومن النحويين من
يجعل تقديره: ومن آياته أن يريكم البرق، كالآيتين المتقدمتين: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ)
﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾.
﴿دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف، إما صفة للنكرة أي
دعاكم دعوة كائنة من الأرض، أو في موضع الحال من الكاف والميم في
﴿دَعَاكُمْ﴾. ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأن ما بعد ﴿إِذَا﴾ لا يعمل فيما
قبلها.
البلاغة:
﴿خَوْفًا﴾ و﴿وَطَمَعًا﴾ ﴿يَبْدَؤُأ﴾ و﴿يُعِيدُهُ﴾ بين كلٍّ منهما طباق.
﴿ دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ آيات الله تعالى الدالة على قدرته. ﴿خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ أي
خلق أصلكم آدم من تراب . ﴿ثُمَّ إِذَا﴾ هي للمفاجأة. ﴿أَنْتُم بَشَرٌ

٧٢
لُحُ (٢١) - الروفِزْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴿بَشَرٌ﴾ من دم ولحم تنتشرون في الأرض، تبتغون من فضل الله.
﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ بأن خلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف
الرجال والنساء، أو المعنى: أنهن خلقن من جنس الرجال، لا من جنس آخر.
﴿لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ لتميلوا إليها وتألفوها، فإن اتحاد الجنس علة للضم
والاجتماع، والاختلاف سبب للتنافر. ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ أي
وجعل بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس مودة ورحمة بواسطة الزواج،
بخلاف سائر الحيوانات، تنظيماً لأمر المعيشة، قال السُّدّي: (المودة): المحبة،
و(الرحمة) الشفقة. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في ذلك المذكور
لآيات دالة على قدرة الله، لقوم يتفكرون في صنع الله تعالى، فيعلمون ما في
ذلك من الحِگم.
﴿ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ﴾ لغاتكم من عربية وغير عربية. ﴿ وَأَلْوَئِكُمْ﴾ من
بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، أو اختلاف
في تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها وجمالها، بحيث وقع التمايز والتعارف.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِّلْعَلِمِينَ﴾ أي لدلالات على قدرته تعالى لذوي العقول
وأولي العلم، لا تكاد تخفى على عاقل من ملَك أو إنس أو جن، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣/٢٩].
﴿مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ منامكم في زماني الليل والنهار، لاستراحة الجسد
والنفس والفكر. ﴿ وَأَبِْغَا ؤُكُمْ مِّن فَضْلِهٍِ﴾ أي طلبكم المعاش في الليل والنهار.
﴿لَقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهم وتدبر واستبصار واعتبار. ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ،
يُرِيكُمُ﴾ أي إراءتكم بتقدير. (أن) كقول الشاعر:
ألا أيُّهذا الزاجري أحْضُرَ الوغى وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي
أو الفعل فيه منزل منزلة المصدر، مثل: «تسمع بالْمُعَيدِيّ خير من أن تراه))
أو صفة لمحذوف تقديره: آية يريكم بها البرق.

٧٣
لِلُ (٢١) - الروضِنْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
﴿الْبَرَّقَ﴾ شرارة كهربائية تظهر في الجو نتيجة احتكاك السحب، وينشأ
عنها الرعد. ﴿خَوْفًا﴾ للمسافر من الصواعق. ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث للمقيم.
﴿بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ بعد يبسها، وإحياؤها يكون بالإنبات. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾
المذكور . ﴿لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لدلالات على قدرته تعالى لقوم يتدبرون،
يستعملون عقولهم في كيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي بإقامته لهما وإرادته قيامهما في موقعهما المعين من غير مقيم
محسوس وجعل السماء من غير عمد ترونها . ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾
أي خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة، فيقول: أيها الموتى
اخرجوا، أو بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور . ﴿إِذَا أَنْتُمْ
تَخْرُجُونَ﴾ أي تخرجون من القبور أحياء. ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ملكاً
وخلقاً وعبيداً .﴿قَِئُونَ﴾ مطيعون منقادون لفعله فيهما، لا يمتنعون عليه.
﴿يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ﴾ خلق الناس. (ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد هلاكهم. ﴿وَهُوَ أَهْوَثُ
عَلَيْةٍ﴾ أي الإعادة أسهل عليه من البدء، بالنظر إلى مفهوم المخاطبين أن إعادة
الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة. ﴿ وَلَهُ
اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله، أي الوصف
بالوحدانية، الأعلى الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه في السماوات
والأرض، يتصف به دلالةً ونطقاً. أو له الوصف العجيب الشأن كالقدرة
العامة والحكمة التامة. ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ القادر في ملكه الذي لا يعجز عن
إبداء ممكن وإعادته . ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ الذي يجري الأفعال في خلقه على مقتضى
حكمته.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تعجب

٧٤
الجزءُ (٢١) - التُوفِزْ: ٣٠ / ٢٠-٢٧
الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ
أَهْوَكُ عَلَيْهِ﴾
المناسبة:
بعد بيان الأمر بتنزيه الله تعالى عن جميع النقائص، واستحقاقه الحمد على
خلق جميع الأشياء، وبيان قدرته على الإماتة والإحياء، ذكر هنا أدلة التوحيد
والوجود والعظمة وكمال القدرة، والحجج المثبتة للبعث والإعادة، مبتدئاً
بدليل خلق الإنسان من تراب ثم بقاء النوع الإنساني بالتوالد، ثم خلق
· السماوات والأرض ومشاهد الكون، واختلاف ألوان البشر ولغاتهم،
ومنامهم بالليل واكتسابهم بالنهار، وتلك أوصاف تعرض للنفوس، ثم
عوارض الكون من البرق والمطر والإنبات، ثم خضوع السماء والأرض
لإرادته وإذعان الأموات لدعوته بالخروج أحياءً من القبور، وأعقب كل ذلك
بما هو كالنتيجة لما سبق، من تقرير كمال القدرة على بدء الخلق وإعادته
واتصافه بالصفة العليا وهي الوحدانية وجميع الصفات الباهرة كالقدرة التامة
والحكمة الشاملة.
التفسير والبيان:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٣)﴾ أي
ومن آياته تعالى الدالة على عظمته وكمال قدرته على الخلق والإيجاد والإعدام
والإفناء بدء خلق الإنسان، فخلق أباكم في الأصل من تراب، وجعل مصدر
غذائكم من لحوم الحيوان والنبات من التراب، ثم بعد إنشائكم تعمرون
الأرض وتتوزعون فيها لأغراض مختلفة من بناء المدائن والحصون، وزراعة
الحقول، والاتِّجار بالسفر في البلاد المختلفة لتحصيل الأرزاق، وكسب
المعايش، وجمع الأموال، مع اختلاف المواهب والعقول والأفكار، والغنى
والفقر، والسعادة والتعاسة.

٧٥
الُ (٢١) - الرُّومِنْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
روى الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري قال: قال
رسول الله وَله: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو
آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك،
والخبيث والطيب، والسهل والخَزْن، وبين ذلك)).
ثم ذكر الله تعالى طريق بقاء النوع الإنساني فقال:
﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ (٣)﴾ أي ومن آياته
الدالة على قدرته ورحمته أن خلق النساء لكم من جنس الرجال، وجعل بدء
خلق المرأة من جسد الرجل، ليتحقق الوفاق ويكتمل الأنس، وجعل بين
الجنسين المودة أي المحبة، والرحمة أي الشفقة ليتعاون الجنسان على أعباء
الحياة، وتدوم الأسرة على أقوى أساس وأتم نظام، ويتم السكن والاطمئنان
والراحة والهدوء، فإن الرجل يمسك المرأة ويتعلق بها إما لمحبته لها، أو لرحمة
بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما وغير
ذلك.
إن في ذلك الخلق والإيجاد الأصلي من التراب، وجعل الأزواج من أَنْفُس
الرجال، وتقوية الروابط بينهما بالمودة والمحبة والرحمة والرأفة لدلالة على
الخالق الموجد والمنعم المتفضل لمن تأمل وفكر في أسباب الحياة، وتحقيق
النتائج، وبناء الروابط على وفق الحكمة والمصلحة، والنظام البديع.
فأبونا من تراب، وذريته من ماء، والماء من الدم، والدم من الغذاء،
والغذاء من النبات وخواص الأرض وكنوزها، ثم جعل الرابطة الزوجية بين
الجنسين من تكوين واحد، وطباع واحدة، وغرائز متحدة، ليتحقق السكن إلى
المرأة، ويتوافر الميل إليها، ويحدث الهدوء النفسي معها؛ فإن النفس ميالة إلى
ما يلائمها، وينسجم معها في الأغراض، نافرة مما يناقضها ويعاكسها في
الجملة.

٧٦
الجزء (٢١) - الروضِ: ٣٠ /٢٠-٢٧
وقوله: ﴿لِّنَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ يفسره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩/٧].
ثم ذكر الله تعالى أدلة أخرى على وجوده وربوبيته وتوحيده وقدرته من
الكون العظيم وعظمة تكوين الإنسان، فقال:
﴿وَمِنْ ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَكُمَّ إِنَّ فِ
(#) أي ومن آياته تعالى الدالة على قدرته العظيمة
ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ
ووجوده: خلقه السماوات المرتفعة بدون عمد، المزينة بالكواكب والنجوم
الثوابت والسيارات، وخلق الأرض بطبقاتها المترعة بالكنوز والمعادن
والخيرات، المثبّتة بالجبال، المشتملة على الوديان والقفار، والبحار،
والحيوان، والأشجار.
ولم يكن ذلك الكون فارغاً من المخلوقات، وإنما أوجد فيه الأنس بالناس
ذوي الجنسيات المتعددة، واللغات المختلفة، والألوان المتنوعة، والأصوات
المتميزة، والسمات والهيئات والتقاطيع المتفاوتة كاختلاف البصمات وغير
ذلك من حسن وجمال، وقبح وتفاوت بالرغم من كونهم من أصل واحد وأب
[القيامة:
واحد وأم واحدة. قال الله تعالى: ﴿بَ قَدِرِينَ عَلَى أَن نَُّوِّىَ بَنَانَهُ
٤/٧٥].
إن في ذلك المذكور لآيات دالة على تمام القدرة الإلهية لقوم ذوي عقول
نافذة، وأفكار مبصرة، وعلوم نافعة تهديهم إلى الحق، وترشدهم إلى التفكير في
المخلوقات، وتبين لهم أنها خلقت لحكمة بالغة، ومصلحة راقية، لا عبثاً ولا
فساداً.
﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُ بِلَّيْلِ وَالنََّارِ وَأَبْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَنْتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٣) أي ومن علامات قدرته ورحمته تعالى التمكين.
من الراحة من التعب، والهدوء والاستقرار بالليل، والحركة والسعي للرزق

٧٧
إِلُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
والنشاط المتتابع في النهار، إن في ذلك المذكور لدلالات وعبراً لقوم يسمعون
سماع اتعاظ وتدبر، ووعي وتفهم للحجج، يؤدي بهم إلى القناعة والاعتقاد
الجازم بأن الله قادر على بعث العالم وإعادته.
ثم ذكر الله تعالى أدلة من عوارض الأكوان وتقلبات الحياة، فقال:
﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَقَ خَوْفًا وَطَمَعَا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحْىِ، بِهِ
)) أي ومن آياته
اُلْأَرْضِ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ
الدالة أيضاً على عظمة قدرته إراءتكم البرق، خوفاً للمسافر وغيره من
الصواعق المتلفة، وطمعاً فيما تحبون من المطر المحتاج إليه لحياة الإنسان
والحيوان والنبات، كما قال: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحِى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
ج
مَوْتِهَاً﴾ [الروم: ٢٤/٣٠]، أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما
جاءها الماء ﴿أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥/٢٢].
إن في ذلك المذكور من الإحياء بعد الموت لبرهاناً ساطعاً دالاً على البعث
والمعاد وقيام الساعة، فإن الذي أحيا الأرض قادر على إحياء الموتى، وهو على
كل شيء قدير.
﴿ وَمِنْ ءَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ
إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ أي ومن أدلة قدرته ووجوده تعالى قيام السماء بلا
عمد، والأرض الكروية الدائرية القائمة في الفضاء بلا وتد، بل بإقامته
وتدبيره وإحكامه وتصرفه، كما قال: ﴿اَللَّهُ أَلَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢/١٣]، وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلََّّ
بِإِذْنِهٌِ﴾ [الحج: ٦٥/٢٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنَ
تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١/٣٥].
ثم إنه تعالى يحفظ نظام هذا العالم حتى ينتهي أجل الدنيا، فإذا دعاكم
الداعي حينئذ للخروج من قبوركم أحياء خرجتم، كما قال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ

٧٨
الجزء (٢١) - الشروفِ: ٣٠ /٢٠-٢٧
[المعارج: ٤٣/٧٠]، وقال: ﴿يَوْمَ
٤٣
اُلْأَهْدَاثِ سِرَاءَ كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
﴾ [الإسراء: ١٧ /٥٢]،
٥٣
يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
[النازعات: ١٣/٧٩-
١٤)
وقال: ﴿فَإَِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا هُم بِلسَّاهِرَةِ
١٤]، وقال: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
[٥٣) ﴾ [يس: ٥٣/٣٦].
والنتيجة الحتمية هي:
﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ ﴾﴾ أي ولله جميع من
في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً وعبيداً وتصريفاً، وهم جميعاً خاضعون
خاشعون لما يريد الله من موت أو حياة، وحركة أو سكون، طوعاً أو كرهاً.
روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى النبي وَ له قال: ((كلّ قنوت في القرآن
فهو الطاعة)).
﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةِ﴾ أي والله تعالى
هو الذي بدأ خلق الإنسان من غير أصل سابق له، ثم يميته ويفنيه، ثم يعيده
كما بدأه، وذلك أيسر وأسهل عليه، بحسب تصور البشر المخاطبين وإدراكهم
أن الإعادة أسهل من البدء، وكل ما ذكر كان تقريباً لعقول الكفرة الجهلة
منكري البعث، وإلا فالبدء والإعادة سواء في قدرة الله تعالى، فأهون بمعنى:
هَيِّن؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء.
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّه:
(يقول الله تعالى: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك،
فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أولُ الْخَلْق بأهون عليَّ
من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: ﴿اَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦/٢]
ومواضع أخرى، وأنا الأحد الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدُ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ
﴾ [الإخلاص: ٣/١١٢-٤])).
يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ

٧٩
الُ (٢١) - الروضْ: ٢٠/٣٠-٢٧
﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي وله
الصفة العليا الكاملة وهي تفرده بالوحدانية، أي إنه لا إله إلا الله، ولا ربَّ
غيره، واتصافه بكل صفات الكمال، وتنزهه عن جميع صفات النقصان،
وليس كمثله شيء، فلا ندّ ولا شبيه ولا نظير له، وهو القوي في ملكه الذي لا
يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، خلَق
فسوَّى، وقدّر فهدى، يجري كل شيء في الوجود على وفق علمه وإرادته،
ومقتضى حكمته، ونطق كل موجود بأنه الخالق الواحد القادر القاهر فوق
عباده، لا راد لقضائه، ولا معقِّب لحكمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيات ستة أدلة على ربوبية الله تعالى ووحدانيته ونتيجة مقررة لها وهي:
أ - الدليل الأول:
خَلْق أصل الإنسان من تراب، والفرع كالأصل. وقد خلق الله تعالى
الإنسان أولاً، لا أنه خلقه حيواناً ثم جعله إنساناً، ثم زوده بعد الخلق بطاقات
الإدراك والمعرفة والعلم والعقل، فأصبح هناك عقلاء ناطقون يتصرفون في
قوام معايشهم، لم يخلقهم عبثاً، وإنما لحكمة ورسالة معينة، ومن قدر على هذا
فهو أهل للعبادة والتسبيح.
والتعبير بقوله: ﴿بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارة بقوله ﴿بَشَرٌ﴾ إلى القوة المدركة
المغايرة للحيوان، وبقوله ﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ إشارة إلى القوة المحركة، وكلاهما من
التراب عجيب. وقد خصّ الله تعالى بالذكر عنصري التراب والماء، مع أن
الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار؛ لأن
الحاجة إلى الهواء والنار تكون بعد امتزاج الماء بالتراب، ولأن المحسوس من
العناصر في الغالب هو التراب والماء (١).
(١) تفسير الرازي: ١٠٨/٢٥-١١٠

٨٠
الُزُعُ (٢١) - الْرُوفِزْ: ٣٠ /٢٠-٢٧
اً - الدليل الثاني:
بقاء النوع الإنساني بالتوالد: دلّ قوله تعالى ﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ على أن الله
خلق حواء من جسم آدم كما قال بعضهم، والصحيح كما قال الرازي: أن
المراد منه من جنسكم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ
أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨/٩]، ويدلّ عليه قوله: ﴿لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ أي إن
السكن والألفة والاطمئنان لا تتحقق إلا بين متحدي الجنس (١). وأحاط الله
تعالى رباط الزوجية بما يكفل دوامه واستمراره، فجعل النساء موضع سكون
قلبي واطمئنان للرجال، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة أي محبة وشفقة،
كما قال السُّدِّي، وروي معناه عن ابن عباس قال: المودّة: حبُّ الرجل
امرأته، والرحمة: رحمته إياها أن يصيبها بسوء.
والخلاصة: إن الله تعالى حافظ على النوع الإنساني بأمرين: كون الزوج من
جنس الرجل، وما تفضي إليه الجنسية وهو السكون إليه، فالجنسية توجب
السكون، وأحاط السكون بأمرين: المودة والرحمة، والمودة تكون أولاً ثم إنها
تفضي إلى الرحمة؛ لأن الإنسان يجد بين القرينين الزوجين من التراحم ما لا
يجده بين ذوي الأرحام، وليس ذلك بمجرد الشهوة، فإنها قد تنتفي وتزول أو
يعصف بها الغضب الكثير الوقوع، وتبقى الرحمة التي هي من الله تعالى، وبها
يدفع الإنسان المكاره عن حرمه.
٣ - الدليل الثالث:
دلائل الآفاق والأنفس: وأهمها خلق السماوات والأرض، ثم اختلاف
الكلام واللغات العديدة في العالم من عربية وغيرها، واختلاف الألوان من
البياض والسواد والحمرة، واختلاف الأصوات والصور، ومقاطع الجلد
(١) تفسير الرازي: ١١٠/٢٥