النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
الجُعُ (٢١) - الجنكبُوت: ٢٩ / ٥٠-٥٥
أَ - كان الرد القرآني المفحم عليهم أنه: ألا يكفيهم هذا الكتاب المعجز
الذي قد تحداهم الله بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا. ولو أتاهم بآيات
موسى وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر؛ والكلام مقدور لهم،
ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وليس من شرط الرسالة وجود المعجزة، فقد
علمنا وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب، ولم تعلم لهم معجزة.
◌ّ - والقرآن رحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، رحمة في الدنيا باستنقاذهم
من الضلالة، وفي الآخرة بصرفهم عن النار، وهو أيضاً ذكرى في الدنيا
بإرشادهم به إلى الحق، ومعجزة باقية يتذكر بها كل إنسان على مرّ الزمان.
فيكون القرآن أتم من كل معجزة؛ لأنه باقي الأثر، والمعجزات المادية لم يبق لها
أثر، ولأنه بلغ خبره المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، والمعجزات المادية
محصورة في مكان واحد.
٤ - يقال للمكذبين: كفى بالله شهيداً يشهد للنبي ومله بالصدق في ادعائه
أنه رسول، وأن هذا القرآن كتابه. وهذا إنذار وتهديد يفيد تقريراً وتأكيداً.
٥ - قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يخفى عليه
شيء: احتجاج على المكذبين في صحة شهادة النبي وّ عليهم؛ لأنهم أقروا
بعلم الله الشامل، فلزمهم أن يقرّوا بشهادته.
أ - إن المشركين أو الكفار الذين يؤمنون بالباطل وهو إبليس أو بعبادة
الأوثان والأصنام، ويكفرون بالله لتكذيبهم برسله، وجحدهم لکتابه،
وإشراكهم به الأوثان، وإضافة الأولاد والأضداد إليه، هم الخاسرون
أنفسهم وأعمالهم في الآخرة. وهذا يشمل أهل الكتاب؛ لأنهم لم يؤمنوا
بمحمد ﴿ ولا بأن القرآن منزل من عند الله تعالى، فدل ذلك على أن الآية
إنذار عام شامل.
لاً - قال المشركون لفرط الإنكار والإمعان في الكفر: عجل لنا هذا
٢٢
الجزءُ (٢١) - الجنكُبُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
العذاب الذي توعدنا به، كما قال النضر بن الحارث وأبو جهل فيما أخبر
القرآن: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨] وقالا: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ
يَوْمِ الْحِسَابِ
(١٦)﴾ [ص: ١٦/٣٨].
٨ - اقتضت الحكمة الإلهية رحمةً بالناس ولإعطائهم فرصة كافية للإصلاح
والتوبة تأخير العذاب إلى أجل محدد ووقت معين وهو يوم القيامة، فلكل
عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر، بدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ﴾
[الأنعام: ٦٧/٦]. وسيأتي العذاب الذي استعجلوه حتماً فجأة، وهم لا يعلمون
بنزوله.
ـة - إن كفار قريش وأمثالهم يستعجلون نزول العذاب، وقد أعدّ الله لهم
جهنم، وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال؟ وإن ذلك العذاب
يصيبهم يوم القيامة من جميع جوانبهم؛ فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم
جهنم، ويقال لهم من قبل الملَك بأمر الله: ذوقوا ما كنتم تعملون.
الأمر بالهجرة عند تعذر إقامة الشعائر الدينية
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةٌ
٥٦
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ
الْمَوْتِّ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (
غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَأَ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
٥٨
الَّذِينَ صَبَرُواْ
٥٩
وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَُّنَ
وَكَأَِّنِ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ
٦٠
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
القراءات:
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ﴾: قرئ:
٢٣
الُعُ (٢١) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
١- (ياعبادي الذين) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم.
٢- (يا عبادي الذين) وهي قراءة الباقين.
﴿أَرْضِى وَسِعَةٌ﴾ :
وقرأ ابن عامر (أرضيَ واسعة).
﴿ لَنُوَّتَنَّهُم﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (لتُثْوِينَّهم).
﴿ وَكَأَبِ﴾ :
وقرأ ابن كثير (وكائن).
الإعراب:
﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: ﴿غُرَفَا﴾ مفعول به ثانٍ لـ ﴿لَمُبَوْتَنَّهُمْ﴾ لأنه
يتعدى إلى مفعولين، أما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾
[الحج: ٢٦/٢٢] فاللام زائدة في ﴿لِإِبْرَهِيمَ﴾ و﴿اَلْبَيْتِ﴾: مفعول ثان.
خَلِينَ فِهَا﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَنْبَوِّنَنَّهُمْ﴾
﴿وَكَأَِّنْ مِّنْ دَآبَّةٍ﴾: ﴿وَكَأَِّنِ﴾: في موضع رفع مبتدأ، بمنزلة (كم)
و﴿مِّن دَابَةٍ﴾: تبيين له. و﴿ لَّا تَحِلُ﴾: في موضع جر؛ لأنها صفة ﴿دَابَةٍ﴾.
﴿اَللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ﴿اَللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَرْزُقُهَا﴾ خبره، والجملة من المبتدأ
والخبر في موضع رفع؛ لأنه خبر ﴿ وَكَأَبِنَ﴾.
البلاغة:
الإضافة للتشريف والتكريم.
يَعِبَادِىَ الذينَ ءَامَنُوا﴾
٢٤
الزُعُ (٢١) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ أي إذا لم يتيسر لكم العبادة في بلدة أو
إقامة شعائر الدين، فهاجروا إلى أي أرض أخرى تتيسر فيها العبادة؛ قال
وَلَّه: ((من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، ولو كان شبراً، استوجب الجنة،
وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام)). والفاء في قوله: ﴿فَإِنَّنَىَ﴾ في
جواب شرط محذوف، إذ المعنى: إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في
أرض، فأخلصوها في غيرها.
﴿ كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ اُلْمَوْتِّ﴾ أي تناله لا محالة. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء، ومن
هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد لذلك الجزاء. ﴿ لَنْبَوِّنَنَّهُمْ﴾ لننزلنهم،
وقرئ: (لنثوينهم) أي لنقيمنهم؛ من الثواء، أي الإقامة، وتعدية هذا الفعل
إلى كلمة ﴿غُرَفًا﴾: بحذف ﴿مِّنَ﴾ أي تكون منصوبة بنزع الخافض، أو لأنه
أجري مجرى (لننزلنهم).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ماكئين فيها على الدوام. ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ وقرئ:
((فنعم)) والمخصوص بالمدح محذوف دلّ عليه ما قبله، أي نعم هذا الأجر.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي هم الصابرون على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين
وغير ذلك من المحن والمشاق. ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَُّونَ﴾ أي ولا يتوكلون إلا على
الله، فيرزقهم من حيث لا يحتسبون، لأن الرازق هو الله الذي يهيئ الأسباب
للرزق وحده، فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة.
﴿وَكَأَيِنِ﴾ أي كم. ﴿لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي لا تطيق حمله لضعفها. ﴿ وَهُوَ
السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم . ﴿اُلْعَلِيمُ﴾ بضمائركم.
٢٥
المُزُ (٢١) - الجِنكُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
سبب النزول:
نزول الآية (٥٦):
{يَعِبَادِىَ﴾: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، كانوا في ضيق من إظهار
الإسلام بها. قال مقاتل والكلبي: هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين
كانوا بمكة على الهجرة، أي في قوم تخلفوا عن الهجرة وقالوا: نخشى إن
هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة.
نزول الآية (٦٠):
﴿وَكَأَبِنِ مِّن دَابَّةٍ﴾: عن ابن عباس أن النبي وَّر قال للمؤمنين بمكة
حين آذاهم المشركون: اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا الظلمة،
قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا، ولا من يسقينا، فنزلت
الآية: ﴿وَكَأَبِنِ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي ليس معها
رزقها مدخراً، وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة.
المناسبة:
بعد إنذار المشركين وأهل الكتاب بالخسران وجعلهم من أهل النار، اشتد
عنادهم وزاد فسادهم، وكثر أذاهم للمؤمنين، ومنعوهم من العبادة، فأمرهم
الله تعالى بالهجرة إلى بلاد أخرى، إن تعذرت عليهم العبادة في بلادهم، مما
يدل على أن المقام في دار الحرب حرام، والخروج منها واجب. وأبان تعالى أن
توقع المكروه لا يمنع من الهجرة، فالمكروه إن لم يحدث بالهجرة، وقع بالموت في
أي مكان، كما أبان أنه سبحانه تكفل بأرزاق جميع مخلوقاته حيثما كانوا.
التفسير والبيان:
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ
﴾ أي أيها العباد
٥٦
:
٢٦
لُعُ (٢١) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
المصدقون بي وبرسولي محمد رَّة، إن أرضي واسعة غير ضيقة، يمكنكم المقام
فيها في أي موضع، فإذا تعذرت عليكم العبادة وإقامة شعائر الدين بسبب منع
الكفار وأذاهم، فهاجروا إلى المكان الذي تتمكنون فيه من إقامة الشعائر
الدينية. وبالرغم من أن كلمة ﴿يَعِبَادِىَ﴾ لا تتناول إلا المؤمنين، فقد أتبعت
بوصف ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لا للتمييز، بل لمجرد بيان اشتمالهم على هذا الوصف.
فهذا أمر للمؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين
إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما
أمرهم، وهو حثّ على إخلاص العبادة لله تعالى.
والمقصود من الهجرة: إعداد المؤمن الكامل المخلص الذي يبيع نفسه وماله
ووطنه في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وكانت الهجرة من مكة إلى المدينة واجبة
قبل الفتح، ثم زال وجوبها.
أخرج الإمام أحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَ له: ((البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبتَ خيراً فأقم)).
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مُقامهم فيها، خرجوا مهاجرين إلى
أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين لدى أَصْحَمَة
النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره، ثم هاجر
رسول الله ﴿ والصحابة الباقون إلى المدينة المنورة.
وبعد أن أمر الله تعالى عباده بالحرص على العبادة والإخلاص فيها وصدق
الاهتمام بها، أبان أن الدنيا ليست بدار بقاء، وأمر بالاستعداد إلى دار
الجزاء، فقال :
أي إن الموت کائن لا
﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْنِّ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (60)
محالة بكل نفس، وأينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث
٢٧
لُعُ (٢١) - الجنكُبُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بدّ منه ولا محيد عنه، سواء في الوطن
أو خارجه، ثم إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له جازاه أفضل الجزاء،
ووافاه أتم الثواب.
والخلاصة: إن المكروه لا بدّ من وقوعه، فلا يصح أن يصعب على المؤمنين
ترك الأوطان ومفارقة الإخوان.
ثم بيَّن الله تعالى نوع جزاء المؤمن المهاجر بدينه، فراراً من الشرك والمعاصي
فقال :
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبُوْتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
﴾ أي والذين صدقوا بالله
٥٨
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَاْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
ورسوله، وعملوا صالح الأعمال من التزام أوامر الله واجتناب نواهيه،
لننزلنهم أو لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحت أشجارها الأنهار،
على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، ماكثين فيها أبداً، لا يبغون
عنها حولاً، جزاء لهم على أعمالهم، نعم الجزاء، ونعمت هذه الغرف أجراً
على أعمال المؤمنين.
وهذا الجزاء في مقابل جزاء الكافرين السابق ذكره: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
بِلْكَفِرِينَ﴾ فكما أن للكافرين النيران، يكون للمؤمنين الجنان أجر عملهم.
ومن صفات هؤلاء العاملين:
الصبر والتوكل:
أي إن أولئك المؤمنين الذين
٥٩
﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَوَكَّلُونَ
صبروا على القيام بواجبات دينهم من صلاة وصيام وهجرة في سبيل الله،
وجهاد الأعداء، ومفارقة الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله، وتحمل أذى
المشركين، وتوكلوا على ربهم وفوضوا إليه أمورهم في أحوالهم كلها في دينهم
٢٨
الزُ (٢١) - الجُنْكُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
ودنياهم، فقاموا بما يجب عليهم، ثم تركوا أمر تحقيق النتائج إلى ربهم، من
نصر ونجاح ورزق وعزة وغير ذلك.
وذكر صفتي الصبر والتوكل هنا مناسب للمقام، فإن الهجرة والجهاد وترك
الأوطان ومفارقة الإخوان تتطلب الصبر على تحمل الأذى، والمواظبة على
عبادة الله تعالى والتوكل عليه.
ثم ذكر الله تعالى ما يعين على التوكل وهو معرفة أن الله هو الكافي في رزق
مخلوقاته فقال :
﴿ وَكَأَبِّنِ مِّن دَبَةٍ لَّا تَّحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
؛ أي إن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا
وأين وجدوا، فكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها، ولا تستطيع جمعه
وتحصيله ولا تدخر شيئاً لغد، الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره لها،
فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه ويكفيه، سواء كان في باطن
الأرض، أو طيراً في الهواء، أو حوتاً في الماء، والله هو السميع لأقوال
عباده، العليم بضمائرهم وأسرارهم وما في قلوبهم.
وقد أنجز الله وعده، فكانت أرزاق المهاجرين في المدينة أكثر وأوسع
وأطيب، وصاروا بعد زمن قصير حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَبٍ مُبِينٍ (٦
﴾ [هود: ٦/١١].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مطلوبة واجبة حال وجود أذى
الكفار وتعذر إقامة شعائر الدين، فعلى المسلم أن يتلمس عبادة الله في أرضه
٢٩
الُ (٢١) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٥٦-٦٠
مع صالحي عباده، فإن كان في حال مضايقة من إظهار الإيمان في أرض،
فهاجر إلى أرض أخرى، فإن أرض الله واسعة، لإظهار التوحيد بها. وهذا
كان مناسباً للمؤمنين في صدر الإسلام حيث هاجروا من مكة مهد الشرك
والوثنية إلى المدينة الطيبة المطهرة، ثم ارتفع الوجوب ولم تعد الهجرة واجبة بعد
فتح مكة، وإنما بقيت الهجرة بمعنى هجر السوء وترك ما نهى الله عنه.
والآية نزلت في الهجرة قبل الفتح، لا في الهجرة مطلقاً في كل زمان ومن
أي بلد، ولكن بعمومها تعدّ مستنداً للقول بوجوب الهجرة على الدوام عند
الإمكان إذا لم يتمكن المسلم من إقامة شعائر دينه.
أَ - رغَب الله في الهجرة السابقة من مكة إلى المدينة بتحقير أمر الدنيا
ومخاوفها وبيان أن البشر كلهم ميتون ومحشورون إلى الله، وما عليهم إلا
المبادرة إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل.
٣ - وعد الله المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضاً منه تعالى، وذكر الجزاء
الذي ينالونه وهو دخول الجنان التي تجري من تحتها الأنهار وإسكانهم المنازل
العالية.
روى مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد أن رسول الله وَ لاه قال: ((إن أهل
الجنة ليتراؤون أهلَ الغرف من فوقهم، كما تتراؤون الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابر
من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله،
تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا
بالله وصدّقوا المرسلين)).
وروى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن في
الجنة لغُرَفاً يُرى ظهورُها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام إليه أعرابي
فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعامَ،
وأدام الصيام، وصلى الله بالليل والناس نيام)).
٣٠
الُرُ (٢١) - الجنكتُوتِ: ٢٩ /٦١-٦٣
٤ - من أهم صفات المؤمنين الذين يستحقون الجنان: الصبر على الأذى
وعلى مشاق التكاليف الشرعية، والتوكل على الله، فهما صفتان تدلان على
العلم بالله تعالى، وهما صفتان مناسبتان أيضاً للهجرة والجهاد موضوع
الآيات.
٥ - بدّد الله سبحانه مخاوف المهاجرين ومخاطر المغتربين، فأبان أن الموت
حتمي في أجل مسمى، فلا يزيد العمر ولا ينقص، سواء أكان الشخص
مقيماً في موطنه، أم مسافراً مغترباً بعيداً عن بلده، كما قال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا
تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اُلْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِىِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨/٤].
وأبان أيضاً أن الرزق مكفول ومقسوم منه تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَفِی
(4﴾ [الذاريات: ٢٢/٥١] ومن رحمته سبحانه أنه ییسر
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ
الرزق رغداً لكل دابة كل يوم، رغم ضعفها، وأنها لا تدخر شيئاً لغد، سواء
أكانت الدابة في جوف الأرض أم في ظاهرها أم في أعماق المياه، أم في أعالي
الفضاء.
والله تعالى سميع لعباده إذا طلبوا منه الرزق، يسمع ويجيب، عليم إن
سكتوا، لا تخفى عليه حاجتهم ولا مقدار حاجتهم.
اعتراف المشركين بالإله الخالق الرازق المحيي
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ
مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
البلاغة:
﴿اَللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
٣١
الُعُ (٢١) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٦١-٦٣
المفردات اللغوية:
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمِ﴾ اللام: لام القسم، والسؤال للكفار من أهل مكة
وأمثالهم . ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى
واحد واجب الوجود . ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف يصرفون عن توحيده بعد
إقرارهم بذلك .﴿يَبْسُطُ﴾ يوسع لمن يشاء امتحاناً. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق لمن يشاء
ابتلاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم مصالحهم ومفاسدهم، ومنها محل
البسط والتضييق.
﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَ﴾ هذا اعتراف منهم بأن الله الموجد للممكنات
بأسرها أصولها وفروعها، فکیف یشرکون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على
شيء من ذلك . ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ما عصمك من هذه الضلالة، وعلى
تصديقك وإظهار حجتك عليهم . ﴿بَلْ أَكْثَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ تناقضهم في
ذلك، إنهم يتناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه، ثم يشركون به
الصنم.
المناسبة:
بعد بيان أمر المشركين ومطالبهم التعجيزية وسوء أعمالهم، ثم مخاطبة
المؤمنين بقوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ذكر تعالى ما يكون إرشاداً
للمشرك إذا فكر وتأمل، بأسلوب أدبي رفيع تضمن نصح المفسد أولاً، ثم
مخاطبة الرشيد، ليسمع المفسد، على طريقة: (إياك أعني واسمعي يا جارة)،
وكأن المتكلم يقول: إن هذا لا يستحق الخطاب، فاسمع أنت، ولا تكن مثل
هذا المفسد، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح، وزجر المفسد، ودعوته إلى
سبيل الرشاد، وهو الإقرار بوحدانية مبدع العالم، وخالق السماء والأرض
وما فيهما، ورازق المخلوقات، ومحيي الأرض بعد موتها.
التفسير والبيان:
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
٣٢
الُزُ (٢١) - الجنكُبُوتِ: ٢٩ / ٦١-٦٣
4)﴾ أي والله لئن سألتَ يا محمد المشركين بالله: من الذي أوجد
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
وأبدع السماوات وما فيها من الكواكب النِّرات، والأرض وما حوته من
كنوز ومعادن، وذلَّل الشمس والقمر يجريان لمصالح الْخَلْق، وأدى ذلك إلى
تعاقب الليل والنهار، لو سألتهم لأجابوا بأن المستقل بالخلق والإيجاد هو الله
عز وجل.
وإذ أقروا بذلك واعترفوا، فكيف يصرفون عن توحيد الله وإخلاص
العبادة له؟! فإن الاعتراف بأن الله هو الخالق يمنع المشركين من عبادة إله آخر
سواه، أو اتخاذ شريك معه، والاعتراف بتوحيد الربوبية الصادر من المشركين
بقولهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما مَلَك)» يقتضي
الإقرار بتوحيد الألوهية، وكثيراً ما يذكر الله تعالى توحيد الألوهية بعد
الاعتراف بتوحيد الربوبية.
وبعد الاعتراف بالخلق، ذكر تعالى ما هو سبب لدوام الحياة، وبقاء
المخلوقات وهو الرزق، فقال:
٦٢
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
أي إن الله يوسع الرزق لمن يريد من عباده امتحاناً له، ويضيق أو يقتّر على من
يريد ابتلاء واختباراً، فالله هو الخالق الرازق لعباده، يقسم وحده الأرزاق
على وفق الحكمة ومقتضى المصلحة؛ لأن الله عليم بكل شيء من المفاسد
والمصالح، ومقتضيات سعة الرزق وتضييقه، فيمنح ويمنع، بما هو الأصلح
وما هو خير لعباده في الحالين، ويحصل التفاوت بين الناس في الأرزاق،
ويكون هناك الغني والفقير، والله هو العليم بما يصلح كلّاً منهم، ومن
يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو
اُلْقُوَّةِ الْمَتِينُ (﴿6﴾ [الذاريات: ٥٨/٥١] وقال تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ
لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى اُلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ
[الشورى: ٤٢ /٢٧]
٣٣
اِلُُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ / ٦١-٦٣
ثم ذكر تعالى سبب الرزق وهو إنزال الماء، فقال:
٠٠٠
( وَلَيْنٍ سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ اُلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْنِهَا
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُ لَا يَعْقِلُونَ (4)﴾ أي ومن الحقائق
الثابتة أنك لو سألتهم أيضاً عمن ينزل المطر من السحاب، فيحيي به الأرض
الجدباء الهامدة التي لا حركة فيها بالنبات الأخضر، لأجابوك بأنه هو الله
المبدع الموجد لكل المخلوقات، ثم يتعجب الإنسان من إشراكهم بعد ذلك بعض
مخلوقاته.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي قل يا محمد: الحمد لله على
ثبوت الحجة عليهم، واعترافهم بأن الله مصدر جميع النعم، ولكن أكثر هؤلاء
المشركين لا يعقلون هذا التناقض الحاصل منهم، فتراهم يقولون بأن الخالق
الموجد المحيي الرازق هو الله، ثم يقولون بألوهية غير الله، فيخالف فعلُهم
أقوالهم وإقراراتهم، ويعبدون مع الله إلهاً آخر سواه ليست له مقومات
الألوهية، ولا يدركون ما فيه الخير والمصلحة ودفع الضّ عنهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اَ - يقرّ المشركون بأمرين أساسيين:
أولهما - أن الله هو الخالق المبدع المستقل بخلق السماوات والأرض
والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار.
وثانيهما - أن الله هو الخالق الرازق لعباده، المحيي الأرض بالماء النازل من
السحاب، فتصبح الأرض مخضرة بعد جدبها وقحط أهلها.
٣ - ثم في مجال الأفعال ترى المشركين متناقضين مع أنفسهم، فهم يقرون
بوجود الله، ثم يشركون معه إلهاً آخر من مخلوقاته.
.:
٣٤
الُءُ (٢١) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
◌َّ - وإذا اعترفتم بأن الله خالق كل الأشياء في السماء والأرض، فكيف
تشكُّون في الرزق؟ فمن بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العباد، وكيف
تكفرون بتوحيد الله، وتتحولون عن إخلاص العبادة لله؟
وإذا أقررتم بأن الله يحيي الأرض الجدبة، فلِمَ تشركون به وتنكرون
الإعادة؟ ومن قدر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين.
٤ - لا يختلف أمر الرزق بالإيمان والكفر، فالتوسيع والتقتير من الله، فلا
تعيير بالفقر، فكل شيء بقضاء وقدر، والله عليم بكل شيء من أحوال العباد
وأمورهم، وبما يصلحهم من إقتار أو توسيع.
٥ - يستحق الله الحمد على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته وعلى
إقرار المشركين بوجود الله، ولكن أكثر المشركين لا يتدبرون هذه الحجج، ولا
يُعُون ما فيه النفع والمصلحة الحقيقية.
بيان حال الدنيا واضطراب أوضاع الكفار فيها
﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبْ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ
ج
كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ فَلَمَّا
﴿ ◌ِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَثَّعُوْ فَسَوْفَ
نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
أَوَلَمْ يَرَوْأ ◌َنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ
يَعْلَمُونَ
أَفَبِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ◌َ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ، أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ (َم
وَالَّذِينَ جَهَدُواْ
٦٩
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
القراءات:
﴿وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾: قرئ:
٣٥
لُ (٢١) - الجنكُبُوتِ: ٢٩ / ٦٤-٦٩
١- (ولْيَتَمَتَّعوا) وهي قراءة قالون، وابن كثير، وحمزة، والكسائي.
٢- (ولِيَتَمَتَّعُوا) وهي قراءة الباقين.
وقرأ أبو عمرو (سُبْلَنَا).
الإعراب:
ج
﴿لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ يجوز في هاء ﴿لَهِىَ﴾ الكسر والتسكين، فمن كسر أتى به
على الأصل، ومن سكّن حذف الكسرة تخفيفاً، كما قالوا في كتف وكثف.
والحيوان: أصله ((الحييان)) بياءين، إلا أنه لما اجتمعت ياءان متحركتان،
استثقلوا اجتماعهما، فأبدلوا من الياء الثانية واواً كراهية لاجتماع ياءين
متحركتين، وكان قلب الثانية أولى من الأولى؛ لأن الثانية هي التي حصل
التكرار بها.
﴿ وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾ قرئ بكسر اللام وسكونها، وهي لام الأمر ومعناه التهدید،
فمن قرأ بالكسر فعلى الأصل، ومن سكَّن فعلى التخفيف، كما قالوا في ((كتِف
و کتف)).
البلاغة:
﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ تشبيه بليغ أي كاللهو واللعب،
حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه.
حَرَمًا ءَامِنًا﴾ مجاز عقلي، أي آمناً أهله.
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ إيجاز بحذف جواب الشرط، أي لو علموا لما
آثروا الدنيا على الآخرة.
٣٦
لُ (٢١) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فيها مراعاة الفواصل، ذات الإيقاع
والتأثير على السمع.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ إشارة تهوين وتحقير؛ لأن الدنيا لا تزن عند الله
جناح بعوضة . ﴿لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي كلهو الصبيان ولعبهم، يبتهجون ساعة ثم
يتفرقون متعبين، وأما الطاعات والقُرَب فمن أمور الآخرة، لظهور ثمرتها
فيها. واللهو: الاستمتاع بالملذات، واللعب: هو العبث وما لا فائدة فيها.
﴿لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ أي لهي دار الحياة الحقيقية التامة التي لا فناء فيها. ﴿لَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ تلك الحقيقة ما آثروا الدنيا عليها.
﴿اَلْفُلْكِ﴾ السفينة السائرة في البحر. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ الدعاء، أي لا
يدعون معه غيره؛ لأنهم في شدة لا يكشفها إلا الله، فيظهرون في صورة من
أخلص دينه من المؤمنين، فلا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه. ﴿إِذَا هُمْ
يُشْرِكُونَ﴾ فاجؤوا المعاودة إلى الشرك.
﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ﴾ اللام فيه لام ((كي)) أي يشركون ليكونوا كافرين
بشركهم نعمة النجاة وكذلك اللام في: ﴿وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾ باجتماعهم على عبادة
الأصنام وتوادهم عليها، أي قاصدين التمتع بها والتلذذ، لا غير، أي إن
هذه اللام لام التعليل في تقدير الله، ولام العاقبة بالنسبة إليهم. ويصح أن
تكون اللام في الفعلين المذكورين لام الأمر، وهو أمر تهديد ﴿فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ﴾ يعلموا، يعني أهل مكة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا﴾ أي جعلنا
بلدهم مكة مصوناً من النهب والتعدي، آمناً أهله من القتل والسبي.
﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ﴾ يُختلسون قتلاً وسبياً، وهم في أمان.
﴿ أَفَبِاَ لْبَطِلٍ﴾ أي بعد هذه النعمة الواضحة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله
٣٧
الُعُ (٢١) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
يؤمنون بالصنم أو الشيطان.﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أشركوا به غيره.
وتقديم الجار والمجرور في قوله ﴿أَفَبِاَ لْبَطِلِ﴾ و﴿وَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ﴾ للاهتمام أو
الاختصاص على طريق المبالغة.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد . ﴿مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن زعم أن له
شريكاً . ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهٌ﴾ أي كذب بالنبي الرسول وَله أو القرآن.
وقوله ﴿لَمَّا﴾ فيه تسفيه لهم بأن لم يتوقفوا، ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل
سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه . ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى﴾ مأوى،
والاستفهام تقرير لثوائهم، أي ألا يستوجبون الثواء في جهنم، وقد افتروا
مثل هذا الكذب على الله وكذبوا بالحق !! ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا﴾ أي في
حقنا، والجهاد يعم أنواع الجهاد الظاهرة والباطنة لكل الأعداء. ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا﴾ طريق السير إلينا أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقاً لسلوكها.
﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي المؤمنين بالنصر. والعون.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ﴾ أخرج جويبر عن ابن عباس أنهم قالوا: يا محمد، ما يمنعنا
أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا، والأعراب أكثر منا،
فمتى ما يبلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا، فكنا أكلة رأس، فأنزل الله :
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾.
المناسبة:
بعد بيان كون المشركين يعترفون بأن الله هو الخالق وهو الرازق وهو
المحيي، وهم مع ذلك يتركون عبادته، ويعبدون من دونه الشركاء حرصاً على
زينة الحياة الدنيا ومكاسبها المادية، أوضح الله تعالى أن ما يميلون إليه وهو
٠
٣٨
الزُجُ (٢١) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
الدنيا ليس بشيء، وأن الحياة الآخرة هي الحياة الحقة التامة التي تستحق
الحرص عليها والعمل من أجلها، فلو كان عندهم شيء من العلم ما آثروا
الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.
ثم أبان الله تعالى أحوال تخبطهم وتناقضهم، فهم مع شركهم بربهم في
الدعاء والعبادة إذا تعرضوا لمحنة أو شدة، رجعوا إلى الفطرة الشاهدة
بالتوحيد، ولجؤوا إلى الله وحده، وأخلصوا له النية والدعاء لتخليصهم من
الشدة، وتلك نعمة عظمى.
ثم ذكّرهم تعالى بنعمة أخرى تتناسب مع حال الخوف الشديد، وهي حالهم
عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة بلدهم ومولدهم ومسكنهم البلد الآمن
الحرام، بتحصين الله أمنها، ودفع الشرور عن سكانها، لكنهم نفعيون
متناقضون جاحدون النعمة في الحالتين: نعمة النجاة ونعمة الأمن في بلدهم،
فاستحقوا اللوم والتعنيف، إذ إنهم في أخوف ما كانوا، يدعون الله، وفي آمن
ما حصلوا عليه من الأمن السكني، يكفرون بالله، فكيف يكفرون بالله حين
الأمن. ويؤمنون به حال الخوف؟!
التفسير والبيان:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبَّ وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ
ج
كَانُوْ يَعْلَمُونَ (®) يقارن الله تعالى بين الدنيا والآخرة، ويخبر بأن الحياة
الدنيا حقيرة زائلة لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو يتلهى به، ولعب يتسلى به،
وأما الآخرة فهي دار الحياة الدائمة التي لا تزول ولا تنقضي، بل هي مستمرة
أبد الآباد، فلو علموا ذلك لآثروا ما يبقى على ما يفنى.
والفرق بين اللهو واللعب: أن اللعب إقبال على الباطل، واللهو: إعراض
عن الحق. وليس المراد بالحيوان: الشيء النامي المدرك، وإنما الحيوان مصدر
حي كالحياة، لكن فيها مبالغة ليست في الحياة.
٣٩
الجُزُ (٢١) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
ثم يخبر الله تعالى عن حال المشركين حين الترفع عن الدنيا ووقت التعرض
للمحنة والشدة، فيقول:
﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلْدِيْنَ فَلَمَّا نَجَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا
هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي إن المشركين عند الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك
له، فهلا يكون هذا منهم دائماً؟! فتراهم إذا ركبوا في السفينة، وأحدق بهم
الغَرَق، دعوا الله وحده، مفردين إياه بالطاعة، مخلصين له النية، صادقين في
اتجاههم إلى الله، فإذا تحقق لهم الأمن والنجاة من الهلاك، عادوا إلى شركهم،
ودعوا الآلهة المزعومة كافرين بنعمة النجاة.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ
فَلَّا نَجَُّمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا
[الإسراء: ١٧ /٦٧] وهذا
دليل على أن معرفة الله في فطرة كل إنسان.
ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبي جهل أنه لما فتح رسول الله ولقد
مكة، ذَهَبَ فارّاً منها، فلما ركبَ في البحر، ليذهب إلى الحبشة، اضطربت
بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا ينجي هاهنا
إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في
البر أيضاً غيره، اللهم لك علي عهد لئن خرجت لأذهبنَّ، فلأضعن يدي في
يد محمد، فلأجدّه رؤوفاً رحيماً، فكان كذلك.
﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) اللام لام العاقبة
أو الصيرورة، أي يشركون لتكون عاقبة أمرهم الكفر بنعمة النجاة، والتمتع
بالاجتماع على عبادة الأصنام، وعقد الروابط بسببها، ولكنهم سوف يعلمون
عاقبة فعلهم هذا، وسيجازون الجزاء الوفاق على أعمالهم. وهذا وصف لسوء
ما يترتب على شركهم، وتهديد ووعيد على بقائهم على كفرهم.
ويصح أن تكون اللام لام الأمر، ويكون المعنى التهديد أي: ليكفروا،
٤٠
الجزءُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ /٦٤-٦٩
كما قال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١] وقال: ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى
مَكَانَتِكُمْ إِنِ عَلَمِلُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٣٩/٣٩] فساد ما تعملون.
ثم وصف الله تعالى تناقض المشركين إذ يلجؤون إلى الله وحده مخلصين له
الدعاء وقت الشدة، ويكفرون بالله ويشركون به حين الأمن في بلدهم مكة،
فقال :
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِالْبَطِلِ
؟! أي أو لم يعلم هؤلاء المشركون ما
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (49)
أنعمنا به عليهم من إسكانهم في بلد حرام آمن وهو مكة، لا يتعرضون
فيه لقتل وسبي وخطف، فيشكروا الله على هذه النعمة، وهذا امتنان على
قريش بما أحلهم من حرم الله الآمن، كما قال سبحانه: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ
خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤/١٠٦].
١
ولكن عجباً لهم أنهم قابلوا الشكر بالكفر، أفكان شكرهم على هذه النعمة
العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، وبدلوا نعمة
الله كفراً، فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله؟! فكان اللائق بهم إخلاص العبادة
لله، وألا يشركوا به، وأن يصدّقوا برسوله، ويعظموه ويوقروه.
وبعد بيان حالهم العجيبة وتناقضهم، أبان الله تعالى أنهم قوم أظلم من
یکون، فقال:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ، أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْكَفِرِينَ ﴾﴾؟ أي لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله
بالشرك وتكذيب كتابه ورسوله وقوله: إن الله أوحى إليه، ولم يُوح إليه شيء،
أو قوله إذا فعل فاحشة: إن الله أمر بها، والله لا يأمر بالفحشاء، ألا
يستوجب هؤلاء المشركون من أهل مكة وأمثالهم المقام في جهنم؟