النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
لُعُ (٢٠) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
ويعمل صالحاً، فإن الله سيحقق له رجاءه، ويوفيه عملاً كاملاً غير منقوص،
فإن وقت البعث والحياة الثانية بالحشر كائن لا محالة، والله سميع الدعاء وجميع
أقوال عباده لا يخفى عليه منهم شيء، عليم بصير بكل الكائنات، يعلم
عقائدهم وأعمالهم، ويجازي كل واحد بما عمل، وهذا دليل على تأكد
حصول الوعد والوعيد، وحث على المبادرة بالعمل الصالح الذي يصدق
الرجاء ويحقق الأمل ويكتسب به القربة عند الله والزلفى.
وأجل الله: يمكن أن يكون المراد به الموت، ويمكن أن يكون هو الحياة
الثانية بعد الحشر.
وقوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتٍ﴾ شرط وجزاء، والمراد
وعد المطيع بما يعِده من الثواب، فمن كان يرجو لقاء الله، فإن أجل الله لآت
بثوابه، يثاب على طاعته عنده، ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل الله
آتیاً علی وجه یثاب هو.
لكن نفع التكليف للمكلف لا لله تعالى:
﴿ وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ أي ومن
جاهد نفسه وهواه، فأدى ما أمر الله به وانتهى عما نهى عنه، فإن ثمرة جهاده
تعود له، ونفع عمله لنفسه لا لغيره، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِنَفْسِهِ،﴾ [فصلت: ٤٦/٤١]، ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ١٧/
٧] فإن الله غني عن أفعال عباده وجميع خلقه من الإنس والجن.
ونوع جزاء المطيع هو:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ
الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي إنه تعالى مع غناه عن الخلائق جميعهم، فإنه
يجازي أحسن الجزاء الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالح الأعمال، بأداء
٥٦٢
لُهُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
الفرائض وفعل الخيرات، من مواساة البائسين وإغاثة المظلومين، ودعم أمتهم
بالنفس والنفيس، وأحسن الجزاء؛ هو أنه يكفر عنهم أسوأ الذين عملوا،
ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات،
ويثيب على الواحد منها بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، ويجزي على السيئة
بمثلها أو يعفو ويصفح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
[النساء: ٤ /٤٠] .
٤٠
حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً- الدنيا دار ابتلاء واختبار وتكليف بالشاق من الأعمال، فلا يكفي
مجرد إعلان الإيمان بالله تعالى ورسوله، بل لا بدّ من الابتلاء بأنواع المصائب،
وألوان الطاعات؛ لأن المقصد الأسمى من العبادة محبة الله، كما ورد في الخبر
الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: ((وما يزال عبدي يتقرب إليّ
بالنوافل حتى أُحبَّه)) فإن قال الإنسان: آمنت بالله بلسانه، فقد ادعى محبة الله
في الجنان، فاحتاج إلى شهود تصدقه، وأداء الطاعات والقربات، واجتناب
المحظورات شهود عيان للتصديق.
ويكون الابتلاء سبيلاً للرقي من أول الدرجات إلى أعلى الدرجات، كما
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١/٥٨] وقال سبحانه:
چ
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥/٤].
أَ - الابتلاء سنة الله في خلقه، وعادته في عباده، فقد ابتلى الله الماضين
كإبراهيم الخليل ألقي في النار، وكيحيى الحصور الذي قتل، وكقوم نشروا
بالمناشير في دين الله، فلم يرجعوا عنه، كما تقدم بيانه، وابتلي بنو إسرائيل
بفرعون وقومه، كما ابتلوا بقارون، وأصابهم الجهد الشديد، وابتلى المؤمنون
بعيسى بمن كذبه وأعرض عنه، وهمَّ بقتله، وهم اليهود وحكام عصره.
٥٦٣
الزُعُ (٢٠) - الجنكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
٣ - الهدف من الابتلاء إظهار صدق الصادقين في إيمانهم وتبيّنه في واقع
الأمر، وكشف كذب الكاذبين الذين يدّعون الإيمان بالله، وهم كافرون به.
٤- لن يفلت الكافرون والمجرمون والعصاة من العقاب، فإن ظنوا
الإفلات، فبئس الحکم حکمهم.
٥- لابدّ من أن يجازى المحسن بإحسانه يوم القيامة.
٦- هذه الحقائق الثلاث المتقدمة وهي اختبار المؤمن بالفتن، وعقاب
العاصي على العمل، وجزاء المحسن الذي يطمع في لقاء ربه، حاصلة لا شك
فيها، ولكن من جاهد في الدين، وصبر على قتال الكفار، وأعمال الطاعات،
فإنما يسعى لنفسه، ويكون ثواب ذلك كله له، ولا يرجع إلى الله شيء من
النفع، ومن أهمل جهاد نفسه، ولم يؤد طاعة ربه، ولم يتجنب الحرام، فإنما
يسيء لنفسه: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦/٤١]
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧/١٧].
والله غني عن أعمال عباده، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
لا - إن نوع جزاء العمل الصالح لا مثيل له في الدنيا عند أحد من الخلائق،
فإن الله تعالى يغطي السيئات بالمغفرة، ويضاعف الحسنات وثواب الطاعات،
ولا يهمل شيئاً منها مهما قلّ، وإنما يقدره على أحسن وجه وأكمله، ويجازي
الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بأحسن أعمالهم.
٨- الآيات في الجملة تعرِّف بحقائق الدنيا، فهي قائمة على الابتلاء
والاختبار، وتشحذ العزائم لزرع العمل الصالح في الدنيا، وتؤكد أن يوم
الجزاء قريب الحصول، لإقامة العدل بين المحسن والمسيء، وتبين أن العمل
الصالح خير للإنسان نفسه لا لغيره، والله غني عن العالمين.
٩- دلت آية ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ
٥٦٤
لُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
: على وجوب إكثار العبد من العمل الصالح وإتقانه له؛ لأن من علم أن
الله يراه ويبصره يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أن نفعه له، ومقدّر بقدر
عمله، يكثر منه.
. ١ - الجزاء على العمل بحكم الوعد لا بالاستحقاق. وتدل الآية المتقدمة
على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله؛ لأنه ليس هناك سلطان أعلى من الله
يوجب شيئاً عليه، والعبد أدنى منه، وتدل أيضاً على أن الله ليس في مكان
معين، وليس على العرش على الخصوص، لأن العرش من مخلوقات الله، والله
غني عنهم.
١١ - في هذه الآية أيضاً بشارة وإنذار، أما الإنذار فلأن الله إذا كان غنياً
عن العالمين، فلو أهلك عباده فلا شيء عليه لغناه عنهم، وهذا يوجب الخوف
العظيم، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنياً، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من
عباده، لا شيء عليه؛ لاستغنائه عنه، وهذا يوجب الرجاء التام.
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ يدل على أن الأعمال
مغايرة للإيمان؛ لأن العطف يفيد التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه.
والإيمان: التصديق بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، وبالقضاء
والقدر خيره وشره. والعمل الصالح: كل ما أمر الله به، فيصير صالحاً بأمره،
ولو نهى عنه لما كان صالحاً، ولا بقاء للعمل الصالح إلا إذا كان لوجه الله
الباقي حتی یبقی، وما لا يكون لوجهه لا یبقی، لا بنفسه لأنه عرض زائل،
ولا بالعامل؛ لأنه ميت هالك، ولا بالمعمول له؛ لأن غير الله فانٍ، فالعمل
الصالح: هو الذي أتى به المكلف مخلصاً لله.
والنية: شرط في الصالحات من الأعمال، وهي قصد الإيقاع لله. والعمل
الصالح: لا يرتفع إلا بالكلم الطيب وهو الإيمان، فالعمل من غير المؤمن لا
يقبل.
٥٦٥
الُُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /١-٧
وقد ذكر الله في الآية نوعين من أعمال العبد: الإيمان والعمل الصالح،
وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين: تكفير السيئات وهو في مقابلة
الإيمان، والجزاء بالأحسن وهو في مقابلة العمل الصالح.
وهذا كما قال الرازي يقتضي أموراً ثلاثة :
الأول - المؤمن لا يخلد في النار؛ لأنه بإيمانه تكفر سيئاته، فلا يخلد في
النار.
الثاني - الجزاء الأحسن المذكور هنا غير الجنة؛ لأن المؤمن بإيمانه يدخل
الجنة، ولا يبعد أن يكون الجزاء الأحسن هو رؤية الله عز وجل.
الثالث - الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا، فيستر الله عيوبه في الآخرة،
والعمل الصالح يحسِّن حالة صاحبه في الدنيا، فيجزى الجزاء الأحسن في
العقبى، والإيمان لا يبطله العصيان، بل هو يغلب المعاصي ويسترها، ويحمل
صاحبها على الندم(١).
١٣ - أجمل الله حال المسيء بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾
(@
إشارة إلى التعذيب، وحال المحسن بقوله: ﴿ وَمَن جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ:﴾ ثم
فصل حال المحسن بآية: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ ليكون ذلك إشارة
إلى أن رحمته أتم من غضبه، وفضله أعم من عدله.
(١) تفسير الرازي: ٣٤/٢٥
٥٦٦
لُعُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
صلابة المكلفين ومظاهر فتنة المؤمنين
وتهديد الكافرين والمنافقين
{وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنُبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (هـ
الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِىِ الصَّلِحِينَ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ
فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اَللَّهِ وَلَيِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا
مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَلَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا
وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُمْ بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
١٣
وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
١٣٦)
الإعراب:
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ فيه حذف الجار والمجرور، أي ولنحمل خطاياكم
عنكم.
البلاغة:
﴿فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه،
فهو مجمل.
﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ استعارة، شبه الذنوب بالأثقال؛ لأنها تثقل الإنسان
معنوياً.
المفردات اللغوية:
﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَانَ﴾ أمرنا، وصى بمعنى أمر معنى وتصرفاً. ﴿حُسْنًا﴾ أي
٥٦٧
الجُزُرُ (٢٠) - الجنكُوتِ: ٢٩/ ٨-١٣
بأن يفعل معهم حُسْناً، أي فعلاً ذا حسن بأن يبرهما، أو هو الحسن نفسه
مبالغة، كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه، وقرئ: حَسَناً وإحساناً . ﴿مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ، عِلَمٌ﴾ أي ما ليس لك بإشراكه علم، أو ما ليس لك بألوهيته علم، أي
معلوم، كأنه قال: لتشرك بي شيئاً لا يصح أن يكون إلهاً ولا يستقيم، عبر عن
نفي الألوهية بنفي العلم بها إشعاراً بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه.
﴿فَلاَ تُطِعْهُمَاً﴾ في الإشراك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ﴿إِلَىَّ
مَرْجِعُكُمْ﴾ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق الجزاء، ﴿فَأَنْبِئُكُم
بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فأجازيكم به.
﴿ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِ الصَّلِحِينَ﴾ في جملتهم، وهم الأنبياء والأولياء، بأن
تحشرهم معهم. ﴿فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اُللَّهِ﴾ أي بأن عذبهم الكفرة على الإيمان. ﴿فِتْنَةَ
النَّاسِ﴾ أذاهم له في الصرف عن الإيمان. ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في صرف المؤمنين
عن الكفر، فيطيعهم فينافق . ﴿ وَلَيِنِ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ اللام لام القسم،
ومجيء النصر بالفتح للمؤمنين والغنيمة . ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حذفت منه نون الرفع،
ليقولونن لتوالي النونات، وحذفت الواو: ضمير الجمع لالتقاء الساكنين.
﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ في الدين والإيمان، فأشركونا في الغنيمة. ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ
◌ِأَعْلَمَ بِمَا فِىِ صُدُورِ اٌلْعَلَمِينَ﴾ أي بما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق؟ بلى.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ صدقوا بقلوبهم. ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾
الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين :
لام قسم . ﴿أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا﴾ طريقنا الذي نسلكه في ديننا. ﴿وَلْنَحْمِلْ
خَطَيَكُمْ﴾ أي عنكم في اتباعنا، إن كانت لكم خطايا، والأمر بمعنى الخبر.
﴿مِنْ خَطَهُم مِّن شَىْءٍ﴾ من الأولى: للتبيين، والثانية: مزيدة، والتقدير:
وما هم بحاملين شيئاً من خطاياهم . ﴿أَثْقَالهَمْ﴾ أوزارهم أو ذنوبهم التي
اقترفتها أنفسهم .﴿ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمَّ﴾ أي ذنوباً أخرى معها لما تسببوا
بالإضلال وحمل الآخرين على المعاصي، من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم
٥٦٨
لُعُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /٨-١٣
شيء ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ﴾ سؤال تقريع وتبكيت ﴿عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾ من الأباطيل التي أضلوا بها.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿ وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ﴾: روى مسلم وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن
سعد بن أبي وقاص قال: قالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا
أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أموت أو تكفر، فنزلت: ﴿وَوَصَيْنَا
اُلْإِنسَنَ﴾
وتوضيح ذلك في رواية الترمذي: أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص
وأمه ◌َمنة بنت أبي سفيان لما أسلم، وكان من السابقين الأولين، وكان باراً
بأُمِّه، قالت له: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى
ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتتعيّر بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه،
ثم إنها مكثت يوماً وليلة، لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت وقد
جَهَدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال:
يا أماه، لو كانت لك مئة نفس، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني، فكلي إن
شئت، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه
الآية، آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك به.
وقال ابن عباس في آية ﴿وَإِن جَهَدَاَكَ لِتُشْرَِكَ بِىِ﴾: نزلت في عيَّاش بن أبي
ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وقد فعلت أمه مثل ذلك. وعنه أيضاً: نزلت في
جميع الأمة؛ إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق.
نزول الآية (١٠):
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾: نزلت في المنافقين. قال مجاهد: نزلت
٥٦٩
الجُزُ (٢٠) - الجِنْكُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم
افتتنوا.
وقال الضحاك: نزلت في أناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا
أُوذوا رجعوا إلى الشرك.
وقال ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون عن الدين
فارتدُّوا، والذين نزلت فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
[النساء: ٩٧/٤](١). وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة؛ أسلم وهاجر، ثم
أوذي وضرب فارتد، وكان عذبه أبو جهل والحارث، وكانا أخوين لأمه، ثم
عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه.
نزول الآية (١٢):
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال مجاهد: إن الآية نزلت في كفار قريش قالوا
لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا، فإن كان عليكم إثم فعلينا.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى حسن التكاليف وثواب الآتي بها تحريضاً للمكلف على
الطاعة، ذكر أن الإتيان بها واجب ولو كان بمخالفة الوالدين اللذين يجب
الإحسان إليهما والطاعة، فلا يكون ذلك مانعاً من الإيمان ورفض الشرك
ومقاومة معصية الله تعالى.
ثم ذكر أن العامل بالصالحات يدخله الله في زمرة الأنبياء والأولياء.
وبعد أن أبان الله تعالى حال صنفين من المكلفين: المؤمن حسن الاعتقاد
(١) أسباب النزول للواحدي: ١٩٦.
٥٧٠
الزُعُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٨-١٣
والعمل، والكافر المجاهر بكفره وعناده في قوله وعناده في قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ أردف ذلك ببيان حال الصنف الثالث وهم
المنافقون بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾.
ثم ذكر الله تعالى محاولات الكفار في فتنة المؤمنين عن دينهم، دعوتهم
بالرفق واللين إلى الشرك، ومساومتهم واستعدادهم تحمل تبعات ذنوب
المؤمنين إن كانت.
التفسير والبيان:
تشتمل الآيات على موضوعات ثلاثة: التمسك بالتوحيد ولو بمخالفة أمر
الأبوين رغم الأمر بالإحسان إليهما، وأقسام المكلفين الثلاثة، وبعض مظاهر
الفتنة عن الدين.
الموضوع الأول:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن جَهَدَالَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَمُ
فَلَا تُطِعْهُمَاً إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنُبِئْكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي لقد أمرنا العباد
بالإحسان إلى الوالدين ببرهما قولاً وفعلاً؛ لأنهما سبب وجوده، كما قال
تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً إِمَا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلا تَقُل لَُّمَا أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا
وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ أَرْحَمْهُمَا كما
كَرِيمًا (
[الإسراء: ٢٣/١٧-٢٤]. ونكَّر كلمة ﴿حُسْنًا﴾ ليدل على
٢٤
رَبَّيَانِى صَغِيرًا
الكمال.
ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما ،
فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، فإنه وإن حرصا على أن تتابعهما على
دينهما إذا كانا مشركين، فلا تطعهما في ذلك، في دعوتهما إلى الاعتقاد فيما
٥٧١
اِلُعُ (٢٠) - الجَنْكُتِ: ٢٩ / ٨-١٣
ليس معلوماً لك؛ إذ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم
عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
وإذا كان لا يصح اتباع ما ليس معلوماً ثبوته، فلا يجوز اتباع ما علم بطلانه
بالأولى، وهذا دليل على أن متابعتهم في الكفر لا تجوز.
والسبب مرجعكم جميعاً إلى يوم القيامة، المؤمن والكافر، والبار بوالديه
والعاق لهما، فأجازيكم على أعمالكم، المحسن بإحسانه وصبره على دينه،
والمسيء بإساءته، لذا قال محرضاً على الصلاح والإيمان:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي وإن الذين صدقوا بالله ورسوله،
وعملوا ما أمرهم به ربهم، فأصلحوا نفوسهم، وأدوا فرائضهم، لنحشرنهم
في زمرة الصالحين: الأنبياء والأولياء، لا في زمرة الوالدين المشركين، وإن
كانا أقرب الناس إليه في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب
حباً دينياً.
والسبب في إعادة ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ بيان حال الهادي هنا
بعد بيان حال المهتدي قبل ذلك، بدليل أنه قال أولاً: ﴿لَتُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ثم قال ثانياً هنا: ﴿لَنُدِْلَنَّهُمْ فِ الصَّلِحِينَ﴾ والصالحون هم
الهداة؛ لأنه مرتبة الأنبياء، ولهذا قال كثير من الأنبياء: ﴿وَأَلْحِقْنِى
بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١/١٢] و[الشعراء: ٨٣/٢٦]. كما أنه تعالى ذكر أولاً حال
الضال بقوله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ ثم هدد المضل بقوله: ﴿إِلَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَّبِّئُكُمْ﴾ فصار البيان المتقدم لقسمين من المكلفين: المهتدي والضال، والبيان
المتأخر لقسمين آخرين هما: الهادي والمضل(١).
(١) تفسير الرازي: ٣٦/٢٥.
٥٧٢
لُزُرُ (٢٠) - الجُنْكُتُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
الموضوع الثاني:
حال المنافقين ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِىِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ
النَّاسِ كَعَذَابِ اُللَّهِ﴾ أي ويوجد فريق من الناس، هم قوم من المكذبين
المنافقين الذين يقولون بألسنتهم: صدقنا بوجود الله ووحدانيته، ولكن لم يثبت
الإيمان في قلوبهم، بدليل أنه إذا نزلت بهم محنة وفتنة في الدنيا، فآذاهم
المشركون لأجل إيمانهم بالله، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله بهم، فارتدوا عن
الإسلام، وكان ذلك صارفاً لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف
المؤمنين عن الكفر.
وهكذا كقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ
أَطْمَأَنَّ ◌ِهِ، وَإِنْ أَصَابَنْهُ فِئْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ
اُْسْرَانُ الْمُبِينُ
[الحج: ٢٢ /١١] .
١١
وهذا دليل على أن التخلي عن الإيمان سهل على المنافق؛ لأنه لم يخالط
الإيمان شغاف قلبه، وإنما كان مجرد ترداد على اللسان، لمصالح دنيوية، فإذا
تعرض لأدنى أنواع الأذى، ترك الله بنفسه، أما المؤمن الصادق الإيمان فلا
يتزحزح عن إيمانه القلبي مهما تعرض لأنواع الأذى، فإن أكره على الردة
أمكنه مجاراة المكرِه باللسان، مع اطمئنان قلبه بالإيمان، فلا يترك الله بحال.
قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله. روى الإمام أحمد
والترمذي وابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((لقد أوذيت في الله
وما يُؤْذَى أحد، ولقد أُخِفْت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة،
وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال)).
ثم تحدث الله تعالى عن انتهازية المنافقين ونفعيتهم فقال:
﴿وَلَيِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى
٥٧٣
اِلُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
صُدُورِ اٌلْعَلَمِينَ﴾ أي ولئن تحقق نصر قريب من ربك يا محمد بالفتح والغنيمة
لقال هؤلاء المنافقون: إنا كنا معكم ردءاً وإخواناً لكم في الدين، نناصركم
على الأعداء، كما أخبر تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ يَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن
كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ
ج
أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١/٤].
ثم رد الله عليهم وكشف أمرهم متوعداً مبيناً لهم أنه لا تخفى عليه
أوضاعهم فقال ﴿أَوَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورِ الْعَلَمِينَ﴾ أي أو ليس الله
بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم من الإيمان والنفاق، وإن أظهروا لكم
الموافقة على الإيمان؟ بلى، إن الله عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، يعلم
السر وأخفى، فيعلم المؤمن الحق والمنافق الكاذب.
ثم ذكر الله تعالى أنهم معرّضون للاختبار فقال:
أي وليختبرن
﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ
الناس بالسراء والضراء، ليتميز المؤمنون من المنافقين، فيعرف من يطيع الله في
كل حال، ومن يعصيه وقت الشدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
اُلْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ([®﴾ [محمد: ٣١/٤٧] وقال سبحانه
بعد وقعة أُحُد التي كانت محك اختبار وامتحان: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩/٣].
ويلاحظ أنه تعالى حكم هنا على ما في القلب، فيعلم إيمان المؤمن وهو
التصديق، ونفاق المنافق وهو صدقه في قوله باللسان: الله واحد، وأما فيما
سبق فقال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ ليميز بين المؤمن القائل بأن الله
واحد، وبين الكافر الكاذب في قوله: الله أكثر من واحد، فكان هناك
قسمان: صادق وكاذب، وهنا قسم واحد وهو صادق.
٥٧٤
الزعُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
الموضوع الثالث:
محاولات فتنة المسلمين عن دينهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
أُتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ أي وقال كفار قريش لمن آمن منهم واتبع
الهدى بعد بيان أحوال الناس الثلاثة: المؤمن والكافر والمنافق: ارجعوا عن
دینکم إلی دیننا واتبعوا سبيلنا، وأما آثامکم إن كانت لكم آثام ووجد حساب
فعلينا وفي رقابنا، كما يقول القائل الجاهل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي.
وهذه محاولة فتنة وإغراء للمسلمين على ترك دينهم بالرفق واللين. وقوله:
﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ صيغة أمر من الشخص لنفسه، ولكن يراد بها الخبر، والمعنى
شرط وجزاء، أي إن اتبعتمونا حملنا خطاياكم، كما يقول الواحد: ليكن
منك العطاء وليكن مني الدعاء، فليس هو في الحقيقة أمر طلب.
فرد الله عليهم تكذيباً لهم:
﴿ وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي وإنهم لا
يتحملون شيئاً من ذنوبهم وأوزارهم، وإنهم لكاذبون فيما قالوه: إنهم يحملون
عنهم الخطايا، فهم لا يحملون شيئاً؛ لأنه لا يحمل أحد وزر أحد، كما قال
تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌَ﴾
يُبْصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:
[فاطر: ١٨/٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسَْلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
١٠/٧٠- ١١] وقال جل وعز: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦].
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة هذا القول، فقال:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ (®﴾ أي إن دعاة الكفر والضلال هؤلاء ليحملن يوم القيامة أوزار
أنفسهم وأوزار غيرهم الذين أضلوهم من الناس، من غير أن ينقص من
أوزار أتباعهم شيئاً، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥/١٦]. وكما جاء في
٥٧٥
الجزءُ (٢٠) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ / ٨-١٣
الحديث الصحيح: ((من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه
إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة،
كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً))(١) وفي
الصحيح أيضاً: ((ما قُتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من
دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل)) وثبت أيضاً: ((من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها
ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء))(٢).
وسوف يسألون يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يكذبون
ويختلفون من البهتان في الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح: ((إن الرجل
ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا،
وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق
له حسنة، أخذ من سيئاتهم، فطرح عليه)).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
اً - بالرغم من وجوب أو افتراض بر الأبوين اللذين كانا سبباً في وجود
الإنسان وتربيته والإنفاق عليه، فإنه لا يجوز إطاعتهما فيما يدعوان الولد إلى
الشرك والعصيان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يجوز متابعتهم
في الكفر.
لذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعيداً في طاعة الوالدين في معنى
الكفر، وأنه تعالى سيجازي كل إنسان بما عمل، المحسن بإحسانه، والمسيء
بإساءته.
(١) رواه ابن ماجه في السنن عن أنس بن مالك.
(٢) أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة.
٥٧٦
الجُزءُ (٢٠) - الجنكتُوت: ٢٩ / ٨-١٣
أَ - كرر الله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِ الصَّلِحِينَ
٩
لتحريك النفوس إلى نيل مراتب الصالحين: وهم الذين بلغوا نهاية
الصلاح وأبعد غاياته، من الأنبياء والأولياء، وإذا وصل المؤمن إلى تلك
المرتبة حظي بالثمرة المرجوة وهي الجنة.
٣ - ينكشف أمر النفاق وشأن المنافقين وقت المحنة، فإذا قال المنافق: آمنت
بالله، ولم يؤمن قلبه، ثم تعرض لأذى أو مصاب، ارتد على عقبيه، وترك
الإسلام إلى الكفر، جاعلاً أذى الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة، وما
أفسد هذا القياس؟! وتراه يجزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر
على الأذية في الله تعالى.
وإذا تحقق نصر للمؤمنين بالفتح والغنائم طالب هؤلاء المرتدون بنصيب
منها قائلين: ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهم كاذبون.
٤- حاول الكفار فتنة المسلمين عن دينهم بالرفق واللين والإغراء، ليبينوا
أنهم بكثرتهم على الحق، والمسلمون على باطل، وأظهروا استعدادهم لتحمل
أوزار المسلمين يوم القيامة، وهم في الحقيقة والواقع كاذبون فيما يقولون،
فإنهم لا يتحملون شيئاً من أوزار غيرهم. وإنما على العكس يتحملون الإثم
مضاعفاً: إنم أنفسهم وإثم إضلالهم غيرهم، فهم دعاة كفر وضلالة، ويسألون
يوم القيامة عن افترائهم بأن لا خطيئة في الكفر، وأن لا حشر وأنهم يتحملون
خطايا غيرهم، ويقال لهم حينئذ: لم افتريتم ذلك؟!
٥٧٧
اِلُزُعُ (٢٠) - الجَنْكُوتِ: ٢٩ /١٤-١٥
قصة نوح عليه السلام مع قومه
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا
فَأَخَذَهُمُ الْقُوفَاتُ وَهُمْ ظَلِمُونَ ﴿ فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَآ ءَايَةً
١٥
لِلْعَلَمِينَ
الإعراب:
﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا﴾ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: منصوب على
الظرف، و﴿خَمْسِينَ عَامًا﴾: منصوب على الاستثناء.
البلاغة:
﴿ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ تفنن في التعبير، فلم يقل: إلا خمسين
سنة، تحاشياً للتكرار المنافي للبلاغة، إلا إذا كان لغرض كالتفخيم أو
١٢ ﴾ [القارعة: ١/١٠١-٢].
التهويل، مثل: ﴿اَلْقَارِعَةُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ (
المفردات اللغوية:
فَلَِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ أي مكث في قومه يدعوهم إلى
توحيد الله تسع مئة وخمسين سنة، فكذبوه. روي أنه بعث على رأس أربعين،
ودعا قومه تسع مئة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. قال البيضاوي:
ولعل اختيار هذه العبارة للدلالة على كمال العدد، فإن تسع مئة وخمسين قد
يطلق على ما يقرب منه.
﴿فَأَخَذَهُمُ اُلُوَفَاتُ﴾ طوفان الماء، والطوفان في الأصل: اسم لما طاف
بكثرة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ بالكفر.
﴿فَأَيْنَهُ﴾ أي نوحاً. ﴿وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ أي الذين أركبهم معه من أولاده
٥٧٨
الُعُ (٢٠) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩ /١٤-١٥
وأتباعه المؤمنين، وكانوا ثمانين، أو ثمانية وسبعين، نصفهم ذكور ونصفهم
إناث. ﴿ءَايَةً﴾ عبرة، ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسله،
يتعظون ويستدلون بها.
المناسبة:
بعد بيان التكليف وأقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم
ووعيد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم، ذكر الله تعالى قصة أطول الأنبياء
عمراً نوح عليه السلام الذي دعا قومه إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين
عاماً، فلم يؤمن معه إلا قليل.
ثم أتبع ذلك بذكر قصص أنبياء آخرين: إبراهيم، ولوط وهود وشعيب
وصالح، لبيان عاقبة الله في المكذبين من المكلفين، وإيناساً لرسول الله واله
وتثبيته على ما يكابده من أذى الكفرة، وعبرة لمن يعتبر، وتأكيداً لما في بداية
السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾
أي تالله لقد أرسلنا نوحاً عليه السلام، وهو أول نبي أرسل إلى قومه الذين
كانوا كفاراً، لا يؤمنون بالله، وإنما يعبدون الأصنام، فاستمر مقيماً معهم
ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، والإيمان بيوم
القيامة، فلم يؤمنوا بدعوته، وكذبوه، وما آمن معه منهم إلا قليل : ﴿قَالَ رَبِّ
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِىّ إِلَّا فِرَارًا (٦َ﴾ [نوح: ٥/٧١-٦]
إِّيِ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًّاً
﴿قَالَ نُعُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ: إِلَّا خَسَارًا
٢١
[نوح: ٢١/٧١].
﴿فَأَخَذَهُمُ اُلُوْفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي بعد هذه المدة الطويلة، لم يفدهم
٥٧٩
لُُ (٢٠) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ /١٤-١٥
البلاغ والإنذار، فأغرقهم الله بالطوفان، وهم ظالمون أنفسهم بالكفر، فأنت
يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم، فإن الأمر
بيد الله تعالى، وإليه ترجع الأمور.
فإن نوحاً لبث ألف سنة تقريباً في دعوة قومه إلى الإيمان بالله، ولم يؤمن من
قومه إلا قليل، وصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر. وكان الكفار يغترون
بتأخير العذاب عنهم أكثر، ومع ذلك ما نجوا، فلا يغتروا فإن العذاب
یلحقهم.
﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَمِينَ ﴾﴾ أي فأنجينا
نوحاً والذين آمنوا معه بركوب السفينة التي أوحى الله إليه كيفية صنعها، ثم
سارت في البحر، حتى استقرت على جبل الجودي، وغرق الكفار جميعاً
بطوفان الماء، وجعل ربك سفينة نوح تذكرة لنعمة الله على خلقه كيف أنجاهم
من الطوفان، وعبرة وعظة يتأمل بها من يأتي بعدهم من الناس، كيف يعاقب
الله من عصوا رسله وكذبوا بأنبيائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ
(د)﴾ [الحاقة: ١١/٦٩- ١٢].
فِي الْجَارِيَّةِ ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَعِيَهَا أُذُنُّ وَعِيَةٌ
والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهَآَ﴾ عائد إلى السفينة المذكورة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا عرض موجز جداً لقصة نوح مع قومه، فصلت في مواضع أخرى
كثيرة من القرآن الكريم. وقد دلت مع هذا الإيجاز على العظة المؤثرة منها، فإنها
ذُكرت تسلية للنبي وَلّ لما أسف على إعراض قومه عن دعوته، فأخبره الله
تعالى بأن الأنبياء قبلك ابتلوا بالكفار من أقوامهم فصبروا، وخص نوحاً
بالذكر أولاً؛ لأنه أول رسول أرسل إلى الأرض، بعد أن امتلأت كفراً، وأنه
لم يلق نبي من قومه ما لقي نوح عليه السلام، كما تقدم في سورة هود.
روى ابن عساكر عن أنس أن النبي وَ لّ قال: ((أول نبي أرسل نوح)) ،
٥٨٠
لُزْءُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /١٤-١٥
واختلف في عمره، قال الحسن البصري: لما أتى ملك الموت نوحاً ليقبض
روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا؟ قال: ثلاث مئة قبل أن أبعث، وألف
سنة إلا خمسين عاماً في قومي، وثلاث مئة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان،
قال ملك الموت: فکیف وجدت الدنيا؟ قال نوح: مثل دار لها بابان، دخلت
من هذا، وخرجت من هذا.
وبالرغم من هذه المدة الطويلة في الدعوة إلى توحيد الله، لم يؤمن برسالة
نوح عليه السلام إلا فئة قليلة.
وظهر في القصة بنحو ملحوظ مصير المؤمنين ومصير الكافرين، أما
الأوائل فقد نجاهم الله في السفينة التي كان نوح قد صنعها، فركبوا فيها ونجوا
من الغرق، وأما الكافرون المكذبون فقد أغرقهم الله جميعاً، وجعل الله
السفينة أو العقوبة أو النجاة عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ.