النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
لُ (٢٠) - القَضَص: ٢٩/٢٨-٣٢
قال ابن عباس: كل خائف إذا وضع يده على صدره، زال خوفه.
﴿فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِنْ زَّيِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَاِيْهِ، إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا
فَسِقِينَ﴾ أي فتلك الآيتان المعجزتان وهما إلقاء العصا وجعلها حية تسعى،
وإدخال يدك في جيبك، فتخرج بيضاء من غير سوء، هما دائماً دليلان قاطعان
واضحان على قدرة الله وصحة نبوتك، يؤيدانك في رسالتك إلى فرعون وقومه
من الرؤساء والكبراء والأتباع، إنهم قوم خارجون على طاعة الله، مخالفون
لأمره ودينه، فكانوا جديرين بإرسالك إليهم مؤيداً بهاتين المعجزتين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
اً - يسير المهيَّؤون للنبوة بتوجيه وإلهام من الله تعالى، فلما انتهى موسى من
الوفاء بما عاهد عليه شعيب من رعي غنمه مهراً للزواج بابنته، اتجه عائداً مع
زوجته إلى مصر، في ليلة ظلماء شاتية باردة، مشياً من دون راحلة في الإياب
كما كان الحال في الذهاب من مصر إلى مدين، وكان قد أتم أكمل الأجلين،
عملاً بخلق النبوة، وأخذاً بالأكمل، كما ثبت في الخبر عن نبينا عليه السلام.
وفي أثناء الطريق الذي أخطأه وفي شدة البرد التي ألمت به وبأهله رأى ناراً
من بعيد، فطلب من أهله المقام في المكان الذي وقفا فيه، وبادر إلى الإتيان
بشعلة نار أو قطعة جمر للتدفئة، وللسؤال من أهل النار عن الطريق.
أَ- دل قوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء، لما
له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمراً، فالمؤمنون
عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به شروط الزواج.
٣- كان ترائي النار استدعاء من رب الكون لمائدة تكليم رب العزة وإيتائه
النبوة والرسالة، وهنيئاً لموسى عليه السلام بتلك الدعوة التي هي أكرم

٤٦٢
الزرعُ (٢٠) - القضَض: ٢٩/٢٨-٣٢
وأشرف دعوة على الإطلاق، إذ صار بضيافتها كليم الله، ورسول رب العالمين
إلى عظيم الطغاة فرعون وحاشيته.
٤- ناداه ربه بكلام لطيف في بقعة مباركة من شاطئ الوادي المقدس
الأيمن: على يمين موسى، طوى من ناحية شجرة، على الجانب الغربي اتجاهاً،
من جبل الطور، وكان مطلع النداء التعريف بالمنادي: إني أنا الله رب العالمين.
وهذا نفي لربوبية غيره سبحانه.
فصار بهذا الكلام من أصفياء الله عز وجل، لا من رسله؛ لأنه لا يصير
رسولاً إلا بعد أمره بالرسالة، وقد أمر بها بعد هذا الكلام وهو: ﴿إِنَّكَ مِنَ
اَلْأَمِنِينَ﴾ أي من المرسلين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّ لَا يَخَافُ لَدَ اُلْمُرْسَلُونَ﴾
وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾
٥- أيده الله بمعجزتي العصا واليد، فخاف منهما لأول وهلة، ثم هدَّأ الله
روعه، وسكَّن خوفه، وأعاده بعد الهرب إلى ساحة المناجاة مع ربه، وجعل له
علاجاً للخوف بضم يده إلى صدره، وكان موسى يرتعد خوفاً إما من آل
فرعون، وإما من الثعبان، فأوحى الله له: إذا هالك أمر يدك وشعاعها،
فأدخلها في جيبك وارددها إليه تعد كما كانت.
أَ- قدمنا قول ابن عباس: ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى عليه
السلام، ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب. وهكذا تكون
يِحَنُ الأنبياء عليهم السلام دائماً فرجاً ومخرجاً للأمة. وبه تبين الهدف من قوله:
﴿ أَسْلُكْ يَدََكَ فِى جَيْبِكَ﴾ وهو خروج اليد بيضاء، ومن قوله: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ﴾ وهو إخفاء الرهب.
وقد تساءل الزمخشري ثم الرازي بقوله: قد جعل الجناح وهو اليد في أحد

٤٦٣
الُرعُ (٢٠) - القصَص: ٣٣/٢٨-٣٧
الموضعين مضموماً: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَامَكَ﴾ وفي الآخر مضموماً إليه:
﴿ وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ والجواب أن المراد بالجناح المضموم هو اليد
اليمنى، وبالمضموم إليه اليد اليسرى، وكل من اليدين جناح(١).
- ٦ -
نبوة هارون وتكذيب فرعون
وَأَخِى هَرُونُ هُوَ
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (
(٣) قَالَ
أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ
سَنَشُدُ عَضُدََ بِأَخِيِكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِتَابَِنَّأُ أَنْشُمَا
فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِشَايَئِنَا بَيِنَتٍ قَالُوْ مَا هَذَا إِلَّا
وَمَنِ أَتََّعَكُمَا الْغَلِبُونَ (®
) وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ
سِحْرٌ مُّفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىٌّ ءَابَآَيِنَا الْأَوَّلِينَ
بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَلِقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
القراءات:
﴿مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾: قرئ:
١- (معيَ رِدْءاً يُصدِّقُني) وهي قراءة حفص.
٢- (معيْ رِداً يصدِّقْني) وهي قراءة نافع.
٣- (معيْ رِدَءاً يصدِّقُني) وهي قراءة حمزة.
٤- (معيْ رِدْءاً يصدِّقْني) وهي قراءة الباقين.
(١) الكشاف: ٢/ ٤٧٣، تفسير الرازي: ٢٤٧/٢٤ وما بعدها.

٤٦٤
الزرع (٢٠) - القصص: ٣٣/٢٨-٣٧
﴿ إِنِّ أَخَافُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
﴿ وَقَالَ مُوسَى﴾ :
وقرأ ابن كثير (قال موسى).
﴿رَبِّ أَعْلَمُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ أعلم).
﴿وَمَن تَكُونُ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ومن يكون).
الإعراب:
يُصَدِّقُتِىِّ﴾ بالرفع وصف لهرِدْءًا﴾. وقرئ بالجزم على أنه جواب الأمر
بتقدير حرف الشرط، أو على أن جزم القاف لكثرة الحركات، كقولهم في:
عضد: عضْد، والوجه الأول أوجه.
بَِايَزِنَاُ﴾ متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق ب﴿ وَنَجْعَلُ﴾ أي
نسلطكما بها.
﴿بَيِّنَتٍ﴾ حال ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الهاء: ضمير الأمر والشأن.
البلاغة:
يُصَدِّقُتِىِّ﴾ ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ بينهما طباق.
[سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ مجاز مرسل عن التقوية، من قبيل إطلاق
السبب وإرادة المسبب؛ لأن شد العضد يستلزم شد اليد، وشد اليد مستلزم
للقوة.

٤٦٥
الُ (٢٠) - القضَص: ٣٣/٢٨-٣٧
المفردات اللغوية:
﴿إِنِ قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ هو القبطي (المصري، الفرعوني) ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي
به ﴿أَفْصَحُ مِنَّ لِسَانًا﴾ أبين ﴿رِدْءًا﴾ معيناً ﴿يُصَدِّقُتِىِّ﴾ بتوضيح ما قلته،
وتقرير الحجة وإقامة الأدلة. ومجادلة المشركين وتزييف الشبهة.
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنقويك به ونعينك به، والعضد: ما بين المرفق
إلى الكتف ﴿سُلْطَانًا﴾ غلبة وتفوقاً أو حجة قوية ﴿فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾
بسوء ﴿بَيِّنَتِ﴾ واضحات ﴿مُّفْتَرَى﴾ مختلق ﴿فِىّ ءَبَايِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي كائناً في
أيامهم ﴿رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ﴾ أي عالم يعلم أني محق
وأنتم مبطلون والضمير في ﴿عِندِهِ،﴾ عائد للرب ﴿وَمَن﴾ معطوف على
﴿مِنْ﴾ المتقدمة ﴿عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ العاقبة المحمودة في الآخرة، والمراد بالدار:
الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة؛ لأن الدنيا خلقت جسراً للآخرة،
والمقصود منها بالذات: هو الثواب والعقاب ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا
يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في الآخرة، والظالمون: الكافرون.
المناسبة:
بعد أن قال الله سبحانه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلِيْهٍِ﴾ علم موسى عليه السلام أنه يذهب بهذين البرهانين إلى فرعون
وقومه، فطلب من الله تعالى ما يقوي قلبه، ويزيل خوفه من فرعون، فيرسل
معه أخاه هارون وزيراً، فأجابه الله إلى طلبه.
وكان الرسولان موسى وهارون محاجين فرعون في الربوبية بحجة ساطعة،
فلم يكن منه إلا المكابرة والعناد، والافتراء والاتهام الزائف بأن المعجزتين
سحر مختلق.
التفسير والبيان:
لما أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون، الذي خرج من ديار مصر
فراراً منه، وخوفاً من سطوته:

٤٦٦
الجُرُ (٢٠) - القَضَض: ٣٣/٢٨-٣٧
﴿قَالَ رَبِّ إِنِ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣)﴾ أي قال موسى: یا
ربّ كيف أذهب إلى فرعون وقومه، وقد قتلت منهم فرعونياً، فأخاف إذا
رأوني أن يقتلوني ثأراً منهم.
﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُبِىِّ إِّ أَخَافُ أَنْ
يُكَذِّبُونِ ﴾﴾ أي إن أخي هاورن أفصح لساناً مني، وأحسن بياناً بسبب ما
في لساني من لَثْغة أو عُقْدة من حين الصغر حين تناولت الجمرة، لما خيرت
بينها وبين التمرة، فوضعتها على لساني، فحصل فيه شدة في التعبير، فاجعل
معي هارون أخي رسولاً وزيراً ومعيناً يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز
وجل، ويوضح البراهين والأدلة، ويفنّد الشبهات المثارة من قبل هؤلاء
الجاحدين، وإني أخاف أن يكذبوني في رسالتي. ونظير الآية: ﴿وَأُحْلُلْ عُقْدَةً
هَرُونَ أَخِى ﴿® أُشْدُدُ
٢٩٦
وَأَجْعَل لِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِ
٢٨
يَفْقَهُواْ قَوْلِ
مِّن لِّسَانِ
وَأَشْرِكُهُ فِىَّ أَمْرِى
٣١
◌ِهِ: أَزْزِی
[طه: ٢٠ / ٢٧ -٣٢] .
فأجابه الله تعالى إلى طلبه:
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًّا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي قال
الرب لموسى: سنقويك ونعزِّز جانبك بأخيك الذي سألت أن يكون نبياً
معك، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦/٢٠] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ
رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نَبيَّا (٥)﴾ [مريم: ٥٣/١٩] ونجعل لكما حجة قاهرة، وغلبة
ظاهرة على عدوكما، فلا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما، بسبب إبلاغكما
آيات الله تعالی.
قال بعض السلف عن طلب موسى بعثة أخيه هارون: ليس أحد أعظم مِنَّةً
على أخيه من موسی علی هارون عليهما السلام، فإنه شفع فيه، حتى جعله الله
نبياً ورسولاً معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى: ﴿وَكَانَ عِندَ
اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩/٣٣] وقال السدي: إن نبيين وآيتين أقوى من نبي
واحد وآية واحدة.

٤٦٧
الُ (٢٠) - القَضَص: ٣٣/٢٨-٣٧
بِثَايَئِنَُّ أَنْتُمَا وَمَنِ أُتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ﴾ أي اذهبا بآياتنا، أو نجعل لكما
سلطاناً، أي نسلطكما بآياتنا، أو لا يصلون إليكما أي تمتنعون منهم بآياتنا،
أنت يا موسى وأخوك ومن آمن بكما وتبعكما في رسالتكما الغالبون بالحجة
والبرهان؛ لأن حزب الله دائماً هم الغالبون.
وتعليق الآيات بالسلطان يجعل انقلاب العصا حية معجزة، ومانعاً أيضاً
من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون عليهما السلام، ولذا يجوز
الوقوف على ﴿إِلَيْكُمَا﴾ ويكون في الكلام تقديم وتأخير، كما يجوز الوصل.
ثم أبان تعالى موقف فرعون من محاجة موسى وهارون فقال: ﴿فَلَّا جَآءَهُم
قُوسَى بِثَايَئِنَا بَيِنَتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَّى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ
ءَبَآَبِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي حين عرض موسى وهارون على فرعون وملئه ما
آتاهما الله من المعجزات الباهرة الواضحة والدلالة القاهرة على صدقهما فيما
أخبرا به عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره، قالوا: ما هذا إلا سحر
مفتعل مصنوع، مكذوب موضوع، وما سمعنا بما تدعونا إليه من عبادة الله
وحده لا شريك له في أيام الأسلاف، وما رأينا أحداً من آبائنا على هذا
الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى.
وهذا مجرد تمسك بالتقليد الذي لا دليل على صحة العمل به، فأجابهم
موسی:
﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ
الذَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٦) أي أجاب موسى فرعون وملأه بقوله:
ربي الله الذي لا إله غيره الذي خلق كل شيء ويعلم غيب السماوات
والأرض أعلم مني ومنكم بالمحق من المبطل، وبمن جاء بالحق الداعي إلى
الرشاد، وأهّله للفلاح الأعظم، ومن الذي له العاقبة المحمودة في الدنيا
بالنصر والظفر والتأييد، وفي الآخرة بالثواب والرحمة والرضوان كقوله:

٤٦٨
الْجُرُ (٢٠) - القصص: ٣٣/٢٨-٣٧
﴿ أُوْلَكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّثُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٢/١٣-٢٣] ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ
عُقْبىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢/١٣]، وسيفصل بيني وبينكم، إنه لا يفلح المشركون
بالله عز وجل، ولا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع، بل يكونون على ضد
ذلك.
وفي الآية أسلوب أدبي رفيع من الخطاب والجدل والمناظرة، فهو لم يعلن أنه
المحق وغيره المبطل الضال، وإنما ردد ذلك ليجعل للعقل في النقاش دوراً في
الحكم النهائي وتغليب الأصح الأصوب، وهذا كقوله وَلو للمشركين: ﴿وَإِنَّا
أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَالٍ قُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤/٣٤].
كما أن نهاية الآية زجر لهم عن العناد الذي ظهر منهم، وإيماء بأنهم
خاسرون في هذا الجدال، وسيكون لهم الخيبة والفشل في المستقبل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - ضرورة التسلح بمختلف القوى المادية والمعنوية عند لقاء العدو، فقد
طلب موسى من ربه تأييده بأخيه هارون، ليكون له عوناً ووزيراً، ومدافعاً
ومبيناً حجج الله وبيِّناته في دعوة فرعون وقومه إلى عبادة الله وحده لا شريك
له، فإنه إذا لم يكن له وزير ولامعين لا يكادون يفقهون عنه، وربما تعرَّض
لأذى، فيدفعه عنه.
◌َ- إن السؤال المنطقي والدعاء المناسب للحال مستجاب متحقق، لذا
أجاب الله طلب موسى عليه السلام، وقال له: سنقويك بأخيك، ونجعل
لكما حجة وبرهاناً، فلا يصلون إليكما بالأذى، وتمتنعان منهم بآياتنا، فأنتما
وأتباعكما الغالبون عليهم بآياتنا، أي سائر المعجزات.
٢- لقد أعمى فرعون وقومه إدراك الحق، فتمسكوا بالمكابرة والعناد،

٤٦٩
الزُعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٣٨-٤٣
واعتصموا بتقليد الآباء والأسلاف الذي لا حجة ولا دليل عليه، وهذا
مذموم عقلاً وعادة، لذا قالوا: ما هذه المعجزات إلا سحر مكذوب مفترى،
ولم نسمع بدعوة التوحيد والتخلي عن الإشراك في التاريخ الغابر، ولا قيمة
لتلك الحجج العقلية التي أوردها موسى لإثبات توحيد الله تعالى !!..
٤- لابد من استعمال الحكمة في الإجابة والجدال والمناظرة للسلاطين
والحكام الجبابرة، كفرعون الطاغية، توقياً من الأذى، وتأملاً في اللين،
والإذعان للحق، لذا كان جواب موسى حكيماً حين أعلن أن الله أعلم بمن
جاء بالرشاد من عنده سبحانه، ومن المستحق لدار الجزاء، وإنه لا يظفر
الظالمون أنفسهم بالشرك والكفر والمعصية بشيء عند الله وفي الآخرة.
- ٧ -
محاجة فرعون في ربوبية الله تعالى
وعاقبة عناده مع قومه
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكِكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ
يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِ صَرْحَا لَّعَلِّ أَطَِّعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ
وَأُسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ
٣٨
مِنَ الْكَذِبِينَ
إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِىِ الْيَةِّ فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
وَجَعَلْنَهُمْ أَسِعَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ هُم
اُلْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ
مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
القراءات:
﴿لَّعَلِّ أَطَلِعُ﴾ :

٤٧٠
الزعُ (٢٠) - القَضَض: ٣٨/٢٨-٤٣
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف (لعلي أطلع).
﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ :
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف (لا يَرْجِعون).
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب من أربعة أوجه: إما لأنه مفعول به
توسعاً، كأنه قال: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة، فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وإما معطوف بالنصب على موضع الجار
والمجرور وهو: ﴿فِي هَذِهِ اُلُّنْيَا﴾ وإما منصوب بما دل عليه قوله: ﴿مِّنَ
اٌلْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول، وإما منصوب على
الظرف بالمقبوحين، أي وهم من المقبوحين يوم القيامة.
﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً﴾ كلها منصوبات على الحال من
﴿الْكِتَبَ﴾
البلاغة:
﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى اُلْطِّينِ﴾ قال الزمخشري (٤٧٧/٢): ولم يقل: اطبخ
لي الآجرّ؛ لأنه أول من عمل الآجرّ، فهو يعلمه الصنعة، ولأن هذه العبارة
أحسن طباقاً لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته وأشبه بكلام الجبابرة. وأمر هامان -
وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين - منادى باسمه بيا في وسط الكلام:
دليل التعظيم والتجبر.
﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ تشبيه بليغ، حذفت فيه أداة الشبه ووجه الشبه، أي
أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس.
المفردات اللغوية:
﴿يَهَمَنُ﴾ وزير فرعون ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾ فاصنع لي الآجرّ
أي الطوب، قال عمر رضي الله عنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور

٤٧١
الْجُزْعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٣٨-٤٣
المشيدة بالآجرّ: ما علمت أن أحداً بنى بالآجر غير فرعون (صَرْحًا﴾ قصراً
عالياً ﴿لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أصعد وأرتقي، ثم أنظر إليه وأوقف
عليه، كأنه توهم أنه لو كان، لكان جسماً في السماء يمكن الترقي إليه ﴿ وَإِنِِّ
لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ في ادعائه إلهاً آخر وأنه رسول.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾ أرض مصر(بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير استحقاق ﴿لَا
يُرْجَعُونَ﴾ بالنشور﴿فَنَبَذْنَهُمْ﴾ طرحناهم ﴿فِ اَلْيَمِّ﴾ في البحر المالح،
فغرقوا ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِمِينَ﴾ حين صاروا إلى الهلاك. وقوله:
﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَوِّ﴾ قال البيضاوي: فيه تفخيم لشأن
الآخذ، واستحقار للمأخوذین، کأنه أخذهم مع کثرتهم في کف، وطرحهم في
اليم.
﴿أَسِمَّةً﴾ قادة، قدوة للضلال ﴿يَدْعُونَ إِلَى التَّارِ﴾ يدعون إلى
موجبات النار من الكفر والمعاصي ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ﴾ بدفع العذاب
عنهم ﴿لَعْنَةً﴾ طرداً عن الرحمة، وخزياً ﴿اُلْمَقْبُوحِينَ﴾ المطرودين المبعدين
المخزيين.
﴿الْكِتَبَ﴾ هنا التوراة ﴿اَلْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح، وعاد، وثمود،
وقوم لوط ﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ أنواراً للقلوب في عصرهم، تبصر بها الحقائق،
وتميز بين الحق والباطل ﴿وَهُدِّى﴾ إلى الشرائع التي هي سبيل الله تعالى
﴿ وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به؛ لأنهم لو عملوا بالتوراة لنالوا رحمة الله ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾
يتعظون بما في ذلك الكتاب من المواعظ.
المناسبة:
قوبل موسى وهارون في دعوتهما القوية إلى توحيد الله تعالى بكفرين
عظيمين :

٤٧٢
لُ (٢٠) - القَضَص: ٣٨/٢٨-٤٣
الأول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكِكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ أي نفي إله غيره، وادعاء
ألوهية نفسه.
والثاني: ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِىِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَلِعُ إِلَى
إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِينَ﴾ أي محاولة الصعود والارتقاء إلى
السماء لرؤية إله موسى. وكل من الأمرين جهل وعتو وطغيان واستكبار،
فكانت عاقبته الغرق في الدنيا، والطرد من رحمة الله في الآخرة.
وفي مقابل هذا الكفر آتى الله موسى التوراة نوراً وهدى ورحمة.
التفسير والبيان:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرِى﴾ أي وقال
فرعون الطاغية الجبار ملك مصر: يا أيها القوم، لم أعلم بوجود إله غيري،
أي إن إله موسى غير موجود، وإنما أنا الإله، كما قال تعالى في آية أخرى
) فَأَخَذَهُ
) فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
فَحَشَرَ فَنَادَى
٢٣
حاكياً عنه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَتْعَى
٢٤
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى: ﴿بَ﴾ [النازعات: ٢٢/٧٩ -
اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ ◌َ
٢٦] . دعا قومه إلى الاعتراف بألوهيته، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة
أذهانهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
[الزخرف: ٤٣ /٥٤] .
٥٤
وليس قصده من ادعاء الألوهية كما أبان الرازي (١) كونه خالقاً السماوات
والأرض، وإنما وجوب تعظيمه وعبادته، أي عبادة الملك صاحب السلطة
والنفوذ المطلق والانقياد التام لأوامره. وهذا من إغراءات الحكم والسلطان،
وغررور الملك والعظمة.
(١) تفسيره المعروف بالتفسير الكبير: ٢٥٣/٢٤.

٤٧٣
اِلُ (٢٠) - القَضَصِ]: ٢٨/ ٣٨-٤٣
﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الْطِيْنِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِيّ أَطَلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِينَ﴾ أي فاصنع لي يا هامان الوزير آجرّاً، تبني لي به
قصراً عالياً جداً، شامخاً في الفضاء حتى أصعد به وأرتقي إلى السماء، فأشاهد
إله موسى الذي يعبده، توهماً منه أنه جسم كالأجسام المادية الأخرى. وإني
لأعتقد أنه كاذب في قوله: إن هناك رباً آخر غيري، كما في آية أخرى: ﴿ وَقَالَ
فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلَّىَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ
إِلَىّ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ
﴾ [غافر: ٣٦/٤٠-٣٧].
عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ
وقد أراد فرعون بادعاء الألوهية وبناء أعلى صرح في زمانه التلبيس
والترويج على الناس، والإظهار لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى
إله غير فرعون. ثم ذكر الله تعالى سبب غروره وعناده فقال:
﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا
يُرْجَعُونَ () أي لقد طغى فرعون وقومه وأتباعه وتجبروا، وأكثروا في
الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد، ولا حساب ولا عقاب،
وكل من توهم ذلك هان عليه الطغيان والاستكبار والاستعلاء في الأرض،
ولم يعلموا أن الله رقيب عليهم ومجازيهم بما يستحقون، لذا أبان تعالى عقابهم
العاجل في الدنيا بعد تهديدهم بعقاب الآخرة فقال:
﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْتَهُمْ فِى الْبَيِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الظِّلِمِينَ ﴾﴾ أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم
أحد، فانظر أيها المتأمل في قدرة الله وعظمته وآياته كيف كان مصير هؤلاء
الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، وكفروا بربهم، وادعى كبيرهم الألوهية من
دون الله.
ثم ذكر الله تعالى ما يوجب مضاعفة عذابهم فقال:

٤٧٤
الُزُعُ (٢٠) - القَضَص: ٣٨/٢٨-٤٣
(وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ لَ يُصَرُونَ
٤١
أي وجعلنا فرعون وأشراف قومه قادة ضلال في تكذيب الرسل وإنكار وجود
الإله الصانع، فلم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل قاموا بإضلال غيرهم،
فاستحقوا جزاءين: جزاء الضلال والإضلال، ولا أمل لهم في النجاة ونصرة
الشفعاء، فهم يوم القيامة لا نصير ولا شفيع لهم ينصرهم من بأس الله ويدفع
عنهم عذاب الله، فاجتمع عليهم خزي الدنيا وذل الآخرة، كما قال:
﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ
٤٢
أي وألزمناهم بصفة دائمة في الدنيا لعنة وخزياً وغضباً على ألسنة المؤمنين
والأنبياء المرسلين، كما أنهم يوم القيامة من المطرودين المبعدين عن رحمة الله،
كما قال تعالى: ﴿وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَعَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ
أ)﴾ [هود: ٩٩/١١] .
٩٩
وأما موسى وجند الإيمان بعد إغراق فرعون وقومه، فلهم نور التوراة:
﴿َانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ اْأُولَى بَصَِّرَ لِلنَّاسِ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ﴾ أي لقد أنعم الله على عبده ورسوله موسى
الكليم عليه السلام بإنزال التوراة بعدما أهلك فرعون وقومه ومن تقدمهم من
قوم نوح وهود وصالح ولوط، ليكون ذلك الكتاب مصدر إشعاع للحياة
وأنواراً للقلوب، يميز به بين الحق والباطل، وهداية من الضلال والعمى،
ورحمة لمن آمن به، وإرشاداً إلى العمل الصالح، لعل الناس يتذكرون به
ويتعظون ويهتدون بسببه.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً إلى
النبي ◌َّه قال: ((ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما
أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مُسخوا قردة بعد
موسى، ثم قرأ: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
اُلْأُولَى﴾ الآية)» .

٤٧٥
الُزُرُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٣٨-٤٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - نفي فرعون ألوهية الله عز وجل وادعاؤه الألوهية، قال ابن عباس:
كان بين قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرِى﴾
وبين قوله: ﴿أَنَاْ رَّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أربعون سنة، وكذب عدو الله، بل علم أن له ثمّ
ربّاً هو خالقه وخالق قومه: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١] و[الزمر: ٣٨/٣٩].
أَ- بناء أعلى صرح شامخ للصعود إلى الله ورؤيته، فخاب وضل وخسر.
٣ - تعاظم فرعون وجنوده عن الإيمان بموسى ظلماً وعدواناً دون أن تكون
لهم حجة تدفع ما جاء به موسى، وتوهموا أنه لا معاد ولا بعث. ويقابل
الاستكبار بالباطل الاستكبار بالحق الذي هو الله تعالى، فهو المتكبر في
الحقيقة، المبالغ في كبرياء الشأن، قال النبي وَلّ فيما حكى عن ربه فيما رواه
أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة وابن عباس:
((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار،
ولا أبالي)) .
٤ - بالرغم من أن فرعون وقومه كانوا عارفين بوجود إله هو الله تعالى، كما
تبين إلا أنهم كانوا ينكرون البعث: ﴿وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ فلأجل
ذلك تمردوا وطغوا.
٥- كان عقابهم في الدنيا الإغراق في البحر المالح وهو البحر الأحمر، في
صبيحة يوم واحد، بل في دقائق معدودة، وإلزامهم اللعن أي البعد عن
الخير، وفي الآخرة هم من المطرودين، المبعدين عن رحمة الله، الممقوتين.
أَ - لهم عقاب مضاعف؛ إذ كانوا في ضلال وأئمة ضلال ودعاة إلى عمل

٤٧٦
الُعُ (٢٠) - القَضَض: ٣٨/٢٨-٤٣
أهل النار، وزعماء كفر، يدعون الناس إلى الكفر ويتبعونهم فيه، فيكون
عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم حتى يكون عقابهم أشد وأكثر، جاء في
الحديث النبوي الذي رواه مالك وأحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي عن
أبي هريرة وجرير بن عبد الله البَجَلي: ((من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر
من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من
عمل بها إلى يوم القيامة)) .
لاً - البقاء للأصلح، فقد نجى الله موسى وقومه، وأنزل عليه التوراة مناراً
للحق وتبصراً به، وهدى من الضلالة إلى الرشاد، ورحمة للمؤمنين بها، لعل
الناس يتعظون ويرجعون إلى ربهم من قريب، ويذكرون هذه النعمة، فيؤمنوا
في الدنيا، ويثقوا بثواب الله في الآخرة. قال يحيى بن سلام: هو أول كتاب -
يعني التوراة - نزلت فيه الفرائض والحدود والأحكام.
وكان إنزال التوراة بعد إهلاك القرون الأولى (الأمم الماضية المكذبة) مثل
قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وقيل: من بعد إغراق فرعون وقومه وخسف
الأرض بقارون، ولعل ذلك إشعار بشدة الحاجة إليها، فإن إهلاك القرون
الأولى دليل على اندراس معالم شرائعها، وحاجة الناس إلى تشريع جديد ينظم
لهم شؤون حياتهم.

٤٧٧
المُعُ (٢٠) - القَصَص: ٤٤/٢٨-٤٧
الحاجة إلى إرسال الرسل وبعثة محمد
صيا الله
وَسَيَلم
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ
وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَطَاَوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ
٤٤
مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانٍِ
اُلْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مََّ أَتَنْهُم مِّن نَذِيرٍ مِّن
قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
٤٧
القراءات:
٠ ٤
﴿أَنشَأْنَا﴾:
وقرأ السوسي، ووقفاً حمزة (أنشانا).
الإعراب:
( تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيَئِنَا﴾ خبر ثان ل﴿ كُنْتَ﴾.
﴿ وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: إما منصوب على المصدر، وإما
مفعول لأجله، أي ولكن فعل ذلك لأجل الرحمة، وإما خبر كان مقدرة، أي
ولكن كان رحمة من ربك.
البلاغة:
﴿ أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ مجاز عقلي، أريد به: أمماً في تلك الأزمنة، والعلاقة
زمانية.

٤٧٨
الُ (٢٠) - القَضَص: ٤٤/٢٨-٤٧
﴿ تُصِيبَهُم قُصِيبَةٌ﴾ جناس اشتقاق. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم
قُصِيبَةٌ﴾ حذف منه الجواب لدلالة السياق عليه، أي ولولا خشية وقوع
المصيبة بهم ما أرسلناك يا محمد رسولاً إليهم، فهو إيجاز بالحذف.
﴿بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل،
أريد به بما كسبوا؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا كُنْتَ﴾ الخطاب لرسول الله وَّهِ، أي ما كنت حاضراً ﴿بِجَانِبٍ
الْغَرْبِ﴾ أي بجانب الجبل أو الوادي أو المكان الغربي من موسى حين
المناجاة، فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أوحينا ﴿إِلَى
مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي أمر الرسالة إلى فرعون وقومه، والمعنى: كلفناه وعهدنا إليه
بالرسالة أمراً ونهياً ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ الحاضرين لما حدث، فتعلمه
وتخبر به.
﴿أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾ أوجدنا أمماً مختلفة من بعد موسى ﴿فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾
أي بَعُد الأمد وطال عمرهم، فنسوا العهود، وحرّفت الأخبار، وتغيرت
الشرائع، واندرست العلوم، وانقطع الوحي. وحذف المستدرك بعد
﴿وَلَكِن﴾ وأقام سببه مقامه وتقديره: فجئنا بك رسولاً، وأوحينا إليك خبر
موسى وغيره ﴿نَاوِيًا﴾ مقيماً، يقال: ثوى بالمكان يثوي به: أقام ﴿أَهْلِ
مَدْيَنَ﴾ قوم شعيب ﴿تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا﴾ تقرأ عليهم آياتنا التي فيها قصتهم،
﴿ُكُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إياك ومخبرين لك بها، أي
فتخبر بها بعد معرفتها
أرسلناك بالرسالة المتضمنة أخبار المتقدمين.
﴿بِجَانِبِ اُلْطُورِ﴾ جبل الطور ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ حين نادينا موسى أن خذ
الكتاب بقوة ﴿وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي ولكن علمناك وأرسلناك رحمة
من ربك ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم أهل مكة وغيرهم ﴿يَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون

٤٧٩
الُعُ (٢٠) - القصص: ٤٤/٢٨-٤٧
﴿وَلَوْلَا﴾ الأولى امتناعية ﴿قُّصِيبَةٌ﴾ عقوبة أو عذاب في الدنيا والآخرة ﴿بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما كسبوا من الكفر والمعاصي ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾ أي هلا،
وهي تحضيضية، تفيد الحث على حدوث ما بعدها ﴿فَنَتَِّعَ ءَايَئِكَ﴾ المرسل
بها، وجواب لولا محذوف، أي لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم
ومعاصيهم، لما أرسلناك رسولاً. والمراد أن إرسال النبي محمد رَّل وكل رسول
قبله كان لقطع أعذار الناس، وإبطال احتجاجهم بعدم الإعلام والتبليغ.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه وما تضمنه
من غرائب الأحداث والعبر، وأوحى الله تعالى بجميع تلك الأخبار إلى نبيه
محمد وَ لير، ذكّره بإنعامه عليه بذلك وبما خصه من المغيبات التي لا يعلمها، لا
هو ولا قومه، وأبان الحاجة إلى رسالته، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد
الرسل. وكل ذلك برهان على أن القرآن وحي من عند الله، وعلى نبوة محمد
وَله، حيث أخبر بالغيوب الماضية وهو رجل أمي لا يقرأ شيئاً من الكتب.
التفسير والبيان:
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّنِهِدِينَ
﴾ أي وما كنت يا محمد حاضراً بجانب المكان أو الجبل الغربي - غرب
موقف موسى حين كلم الله موسى، وأوحى إليه أمر الرسالة، وأعطاه ألواح
التوراة، وألزمه العهد، وما كنت من الحاضرين لذلك، فتعلمه وتخبر به.
ولكنا أعلمناك بخبره ليكون برهاناً على نبوتك، إذ تخبر بأخبار الماضين
كأنها واقعة أمامك، وأنت أمي لا تقرأ ولا تكتب، مما يدل على كون ذلك
الإخبار بوحي من عند الله تعالى، ثم بين سبب ذلك الإخبار:
﴿ وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُونًا فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي والسبب الداعي إلى
الإخبار عن الماضين وإنزال الوحي مجدداً في القرآن الكريم وجود أمم كثيرة من

٤٨٠
مِلُعُ (٢٠) - القَضَص: ٤٤/٢٨-٤٧
بعد موسى، بَعُد بها الأمد، وطال عليها العهد، فاندرست العلوم، وتغيرت
الشرائع، ونسي الناس حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين،
فجئنا بك يا محمد رسولاً تجدد العهد الإلهي، وتبين للناس رسالة الله إليهم،
كما قال سبحانه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ
الرُّسُلِ أَن تَقُولُوْ مَا جَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيْرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١١٩﴾ [المائدة: ١٩/٥] .
والآية تنبيه على المعجزة، إذ الإخبار عن قصة مضى عليها مئات السنوات،
دون مشاهدة ولا حضور لأحداثها، دليل واضح على نبوة المخبر، وهو رسول
الله ال﴾. وتلا ذلك مؤیدات أخرى مشابهة:
اَ - ﴿ وَمَا كُنتَ تَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ﴾ أي وما كنت مقيماً بين قوم شعيب في مدين، تقرأ عليهم آياتنا
المنزلة، حين أَخبرتَ عن النبي شعيب عليه السلام وما قال لقومه وما ردوا
عليه، ولكن - ذات الجلالة - نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس
رسولاً، وأيدناك بهذه الآيات المعجزات، لتكون برهاناً على صحة نبوتك
وصدق رسالتك، ولولا خبر الوحي ما علمت بذلك ولا أخبرت أحداً بشيء.
٣َ - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ
قَوْمًا مَّآ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي وما كنت يا
محمد أيضاً بجانب جبل الطور حين مناداة موسى وتكليمه ومناجاته، حتى
تعرف تفاصيل الخبر وتحدث به الناس. وهذا شبيه بقوله المتقدم: ﴿وَمَا كُنْتَ
بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ ولكنه ورد بصيغة أخرى أخص مما
سبق وهو النداء، أي مناداة موسى عليه السلام ليلة المناجاة وتكليمه(١).
(١) الظاهر أن الله تعالى كلم موسى مرتين: مرة حين البعثة، ومرة حين اختار سبعين رجلاً من
شيوخ بني إسرائيل للميقات ليظهروا توبتهم من عبادة العجل، ولما كلمه الله وهم يسمعون
كلام الله تمردوا وعصوا وقالوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.