النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
لِلُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٧٦-٨١
٤- أجابهم الحق تعالى عن استبطاء نزول العذاب بالترهيب مرة وبالترغيب
مرة أخرى، فأنذرهم بأن بعض عذابهم قد اقترب منهم ودنا من ساحتهم،
وذلك في أول لقاء عسكري فاصل بينهم وبين المؤمنين في موقعة بدر، فيُقتل
رؤساؤهم ويُؤسر أشرافهم، ورغَّبَهم بالتوبة والإيمان، وذكّرهم بفضله
سبحانه على الناس في تأخير العقوبة وإدرار الرزق، ولكن أكثرهم لا يشكرون
فضله ونعمه.
٥- وأبان لهم أن مصير خططهم ومؤامراتهم إلى الخيبة والفشل، فإن الله
يعلم ما تخفي صدورهم وما يظهرون من الأمور، فيحبط مشاريعهم، كما أنه
تعالى يعلم جميع ما أخفى عن خلقه وغيَّه عنهم، وهذا عام بعد خاص، وقد
أثبت تعالى في اللوح المحفوظ ما أراد، ليُعلم بذلك من يشاء من ملائكته،
فکیف یخفی علیه ما يسُّ هؤلاء وما يعلنونه؟!
وإن كان الله عليماً بكل نشاطاتهم المشبوهة وتحركاتهم المريبة، فيستحيل
وقوع ما يريدون من إيذاء النبي ◌َله أو النيل من رسالته، أو تحقيق الظفر على
المسلمين.
بالقرآن الكريم
إثبات نبوة محمد
كيا الله
عليه
وسام
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٧٦
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ
وَإِنَّهُ لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
اَلْعَلِيمُ: ﴿ فَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّكَ لَا ◌ُتْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا
وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِ عَن ضَلَتِهِمْ إِن
تُمِعُ الصَُّّ الدُّعَلَّ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ (3)
تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَكِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ
٨١

٣٨٢
الجُزءُ (٢٠) - التَّم: ٢٧ /٧٦-٨١
القراءات:
الْقُرْءَانَ
:
وقرأ ابن كثير (القران).
﴿ وَلَا تُمِعُ الْضُمّ﴾ :
وقرأ ابن كثير (ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ).
بِهَدِى الْعُمِ﴾ :
وقرأ حمزة (تَهْدي العميَ).
البلاغة:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ﴾: في هذا الفعل المضارع استعارة تبعية، استعار ما
يتكلم به الإنسان الناطق إلى القرآن، لتضمنه نبأ الأولين، فكان كالإنسان
الذي يقصُّ على الناس الأخبار.
﴿اَلْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل.
﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُبِعُ اُلَُّّ﴾ ﴿بِهَدِى الْعُمْىِ﴾ استعارة تمثيلية،
فقد عبر بالموتى والصم والعمي تمثيلاً لأحوال الكفار في عدم انتفاعهم بالإيمان
بأنهم كالموتى والصم والعمي.
المفردات اللغوية:
﴿ يَقُصُ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ الموجودين في زمان نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ أي يخبرهم بأكثر نواحي الاختلاف كالتشبيه والتنزيه وأحوال
الجنة والنار وعزير والمسيح ﴿لَّدَى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ من
العذاب وخص بالمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به ﴿يَقْضِى بَيْنَهُم﴾ يفصل بين بني

٣٨٣
الُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٧٦/٢٧-٨١
إسرائيل كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ،﴾ بما هو حكمه الذي هو الحق
والعدل ﴿وَهُوَ الْعَزِيِزُ﴾ الغالب، فلا يرد قضاؤه ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بحقيقة ما يقضي
فیه، فلا معقب لحكمه.
﴿فَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به، ولا تبال بمعاداتهم ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
الدين البيِّن، وصاحب الحق جدير بالثقة بنصر الله وحفظه، فإنه سينصرك على
الكفار ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ وَلَا تُمِعُ اُلَُّ الذُّعَآءَ﴾ تعليل آخر للأمر بالتوكل،
من حيث إنه يقطع الأمل بمتابعتهم ومعاضدتهم، فضرب أمثالاً لهم بالموق
وبالصم وبالعمي، لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم، ولا برؤية ما
يرشدهم إلى الإيمان ﴿مُدْبِرِينَ﴾ راجعين فارّين هاربين؛ لأن إسماعهم في هذه
الحال أبعد.
﴿وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى أَلْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمَّ﴾ لأن الهداية لا تحصل إلا بالصبر﴿ إِن
تُسْمِعُ﴾ أي ما يجدي إسماعك سماع فهم وقبول ﴿إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِكَايَتِنَا﴾
يصدق بالقرآن ﴿فَهُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ مخلصون بتوحيد الله.
المناسبة:
بعد أن أتَّ الله تعالى الكلام في إثبات المبدأ والمعاد بالأدلة الكونية، الحسية
والعقلية، أعقب ذلك بإثبات النبوة بأدلة أعظمها القرآن الكريم المشتمل على
المعجزات، وإذا كان معجزاً دل على صدق محمد والي فيما يدعيه.
التفسير والبيان:
إن الكتاب الذي أورد الأدلة على إثبات صفات الكمال لله تعالى، وإثبات
البعث لإقامة العدل بين الخلائق بالثواب والعقاب، وهما أصلان للدين، هو
هذا القرآن المتضمن وجوه الإعجاز التالية:
اً - الإخبار عن قصص الأنبياء المتقدمين: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُ عَلَى بَنِيّ

٣٨٤
الُ (٢٠) - التَّخْلِ: ٢٧ /٧٦-٨١
﴾ أي إن هذا القرآن العزيز يخبر
٦
إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
بني إسرائيل، وهم حملة التوراة والإنجيل، بالحق في كثير من الأمور التي
اختلفوا فيها، كاختلافهم في عيسى عليه السلام، فاليهود افتروا عليه،
والنصارى غلوا في شأنه، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: إنه عبد
من عباد الله، ونبي من أنبيائه ورسله الكرام. وهذه الحقيقة وغيرها من
القصص لا تعرف إلا بالوحي الإلهي من عند الله تعالى؛ لأن محمداً ولو المنزل
عليه القرآن كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتتلمذ على أحد من العلماء
للتعليم ومعرفة شؤون الثقافة، ولأن هذه القصص المذكورة في القرآن موافقة
لما في التوراة والإنجيل.
أَ - إثبات التوحيد والبعث والنبوة وأحكام التشريع بدلائل عقلية: ﴿وَإِنَّهُ
أي إن هذا القرآن لهادٍ للمؤمنين إلى طريق
لَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
الرشاد، ورحمة لهم في الأحكام التشريعية المتعلقة بالعقيدة، كالتوحيد والحشر
والنبوة وصفات الله الحسنى، والمتعلقة بالأحكام العملية الملائمة لحاجات
البشر وتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة.
وهو أيضاً هدى ورحمة للمؤمنين لبلوغه غاية الفصاحة والبلاغة حتى
عجزت البشر عن معارضته، فدل على إعجازه، وخروجه عن طاقتهم، وأنه
وحي منزل من إله حكيم حميد قدير. وخص المؤمنين في الآية؛ لأنهم المنتفعون
به.
وبعد بيان خصائص إعجاز القرآن الدالة على صدق الرسالة النبوية أتبعه
بذكر أمرين :
الأول - إقامة الدليل على عدل الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم
بِحُكْمِهٍ، وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْعَلِيمُ ﴾ أي إن ربك الذي يقص على بني إسرائيل
أكثر الذي هم فيه يختلفون يقضي بين المصيب والمخطئ منهم بحكمه العادل،

٣٨٥
لِلُزُ (٢٠) - التَّمْلاَ: ٧٦/٢٧-٨١
وهو القوي القادر على الانتقام من المبطل منهم، ومكافأة المحسن منهم، فلا
يرد قضاؤه، العليم بأفعال عباده وأقوالهم، فيقضي بالصواب المطابق للواقع؛
لأنه العليم بمن يقضي له وبمن يقضي عليه.
ومعنى ﴿يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ،﴾ أي يقضي يوم القيامة بما يحكم به وهو
عدله؛ لأنه لا يقضي إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكماً، أو أراد أنه يقضي
بحكمته.
الثاني - أمر النبي بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٣﴾ أي ثق بالله واعتمد عليه وفوض جميع
أمورك إليه، وبلّغ رسالة ربك، ولا تلتفت إلى أعداء الله، فإنك أنت على الحق
الواضح، وإن خالفك فيه من خالفك من أهل الشقاء. وهذه هي العلة الأولى
للتوكل على الله، ثم علل ذلك بعلة أخرى فقال:
﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ وَلَا تُبِعُ الْهُمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ (®﴾ أي إنك لا
تستطيع أن تسمعهم شيئاً ينفعهم، فهم حين توليهم مدبرين معرضين عنك
كالموتى لا يتأثرون بما يتلى عليهم ولا يفهمونه، وكالصم الذين لا أمل في
سماعهم فلا يسمعون بحال، وكالعمي الذين لا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء
أصلاً؛ لأن على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر، وفي نفوسهم استعلاءً
واستكباراً عن الرضوخ للحق، وفي هذه العلة الثانية قطع طمع النبي عن
الكفار، فيقوى قلبه على إظهار مخالفة أعداء الله، بأن بيَّن له أنهم كالموتى
وكالصم وكالعمي، فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى
شيء من الدلائل، ولأن الإنسان مادام يطمع في أن يأخذ من أحد شيئاً، فإنه
لا يجرؤ على مخالفته.
وهذا سبب قوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين كما ينبغي.
ومعنى قوله: ﴿إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ﴾ تأكيد لحال الأصم؛ لأنه إذا تباعد وأدبر عن
الداعي كان أبعد عن إدراك صوته.

٣٨٦
الُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ /٧٦-٨١
والخلاصة: إنه تعالى أمر رسوله بالتوكل عليه والإعراض عما سواه؛ لأنه
على الحق المبين، وغيره على الباطل، ولأنه لا أمل ولا مطمع في مساندة
المشركين، ولا في استجابتهم لدعوة الحق.
والمراد من نفي الإسماع للموقى الإسماع الذي يمكن أن يعقبه إجابة وتفاعل
وتفاهم، فلا يعارضه ثبوت السماع من جانبهم دون أن يتمكنوا من الرد أو
إجابة من يكلمهم، كما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا
عنه، وأنه وَ ليه سلّم على قبور أهل بدر، وكما ثبت في صحيح البخاري ومسلم
((أنه وَّ خاطب القتلى في قليب (بئر) بدر، فقيل له: يا رسول الله، إنما تكلِّم
أجساداً لا أرواح لها، فقال النبي وَّر: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمعَ
لما أقولُ منهم)).
ثم أكد الله تعالى ما سبق فقال:
﴿وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِ عَن ضَلَلَتِهِوَّ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِئَايَئِنَا فَهُم
مُسْلِمُونَ ﴾﴾ أي وما أنت أيها الرسول بمستطيع أن تهدي العمي عن
ضلالتهم، أي تردهم عن الضلال بالهدى؛ لأن على أبصارهم غشاوة تمنعهم
عن النظر فيما أتيت به نظراً مؤدياً إلى الحق، وما يجدي إسماعك إلا الذين
علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها، فهم مسلمون مخلصون التوحيد
لله، خاضعون لله، ولا يستجيب لك إلا من هو مبصر القلب، يستخدم سمعه
وبصره في إدراك الأمور على وجهها الصحيح، مستعد لقبول الحق، فهذا هو
المسلم الذي أسلم وجهه لله، يعني جعله سالماً لله تعالى خالصاً له.
فقه الحياة أو الأحكام:
يثبت الله تعالى بهذه الآيات صدق النبوة وصحة رسالة الرسول وَليه،
وذلك بالقرآن الذي أنزله على قلب نبيه، مشتملاً على وجوه عديدة من
الإعجاز.

٣٨٧
المُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٧٦-٨١
منها: أنه يبين لبني إسرائيل الموجودين حال نزوله ما اختلفوا فيه، لو
أخذوا به، وذلك ما حرّفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من
الأحكام.
ومنها: أن القرآن هادٍ من الضلالة إلى الحق والاستقامة والرشاد، ورحمة
لمن صدَّق به بما اشتمل عليه من الأدلة العقلية على التوحيد والبعث والنبوة
وشرح صفات الله تعالى ونعوت جلاله، وبما انطوى عليه نظمه من سمو
الفصاحة والبلاغة، حتى عجز البشر عن معارضته، مما يدل على أنه كلام الله
المعجز الدال على صدق الرسالة النبوية.
ثم ذكر الله تعالى دليل عدله، فهو سبحانه يقضي بين بني إسرائيل وغيرهم
فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحق والمبطل، وهو العزيز أي المنيع
الغالب الذي لا يردّ أمره، العليم الذي لا يخفى عليه شيء.
ثم أمر الله تعالى نبيه بالتوكل على الله، أي تفويض أمره إليه واعتماده عليه،
فإنه ناصره؛ لأنه على الحق المبين، أي الظاهر، ولأن هؤلاء الكفار أشبه
بالموتى لتركهم التدبر، فلا حسّ لهم ولا عقل، وبمنزلة الصم عن قبول
المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولّوا كأنهم لا يسمعون، وكالعميان
الذين لا يميزون طريقهم، فهم تائهون حائرون، كما قال سبحانه: ﴿مُ بُكْمُّ
عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١/٢].
ثم ذكر الله تعالى قاعدة عامة في مسيرة الدعوة للنبي وَله بقوله: ﴿ وَمَآ أَنْتَ
◌ِدِ الْعُمِ عَن ضَلَتِهِمَّ﴾ أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم، وما
تسمع إلا المستعد لقبول الحق، المهيأ للإيمان بآيات الله، المخلوق للسعادة، فهم
مخلصون في التوحيد. أما الكافر المعاند المعرض عن آيات ربه فلا أمل في
إيمانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
٩٦
وَلَوَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ [يونس: ٩٦/١٠ -٩٧].

٣٨٨
اِلُحُ (٢٠) - التَضْلاَ: ٢٧ / ٨٢-٨٦
من أمارات القيامة ومقدماتها
- ١ -
إخراج دابة الأرض وحشر الظالمين المكذبين
بآيات الله ورسله أمام ربهم
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ اُلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍّ فَوْجًا مِّمَّن
٨٢
النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَقِنَا لَا يُوقِنُونَ
حَتَّى إِذَا جَاءُو قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِعَايَتِ وَلَمْ
٨٣
يُكَذِّبُ بِئَايَئِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ
تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمَا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٨٤
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا
يَنْطِقُونَ ﴿٨ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٨٦
القراءات:
﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (إنَّ الناس).
الإعراب:
﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ ﴿أَنَّ﴾ بالفتح: إما في موضع نصب مفعول به ل ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾
أي تخبرهم، أي تخبرهم أن الناس، وإما في موضع نصب على تقدير حذف
حرف الجر، أي تكلمهم بأن الناس، و﴿إِنَايَتِنَا﴾ في موضع نصب متعلق بـ
﴿ يُوقِنُونَ﴾ أي كانوا لا يوقنون بآياتنا. ومن قرأ بالكسر: ((إن)) فعلى الابتداء
والاستئناف.
البلاغة:
﴿ أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيه أسلوب التوبيخ والتأنيب.

٣٨٩
الُعُ (٢٠) - التَمْلاَ: ٢٧ /٨٢-٨٦
﴿أَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ فيه ما يسمى في
علم البديع بالاحتباك، وهو أن يحذف من أوله ما أثبت في آخره وبالعكس،
وبيانه هنا: جعلنا الليل مظلماً ليسكنوا فيه، والنهار مبصراً ليتصرفوا فيه،
فحذف ((مظلماً)) لدلالة ﴿مُبْصِرًا﴾ عليه، وحذف ((ليتصرفوا فيه)) لدلالة
﴿ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوّلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي إذا دنا أو قرب وقوع معنى القول وهو ما
وعدوا به من البعث والعذاب الذي ينزل بالكفار ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ
اُلْأَرْضِ﴾ كائناً حياً يدب على الأرض، وهو الجسَّاسة ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تنبئهم
وتخبرهم ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَقِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أي إن أكثر الناس كانوا لا
يؤمنون بآيات الله الدالة على مجيء الساعة، والله أعلم بحقيقة تلك الدابة،
ولعلها إنسان عادي، والمهم الإخبار عن تكذيب الجم الغفير من الناس بوقوع
القيامة.
﴿وَيَوْمَ﴾ أي واذكر يوم القيامة ﴿نَحْثُرُ﴾ نجمع ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من
للتبعيض ﴿فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِّمَّن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا﴾ من للتبين، وهم الرؤساء
المتبعون ﴿يُوزَّعُونَ﴾ يجمعون بمنع أولهم وإيقافه من أجل آخرهم حتى يتلاحقوا
ويجتمعوا في موقف المناقشة والحساب ﴿حَتَّ إِذَا جَاءُو﴾ مكان الحساب أو
المحشر ﴿قَالَ﴾ تعالى لهم ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ أنبيائي ﴿وَلَمْ تُحِطُواْ بِهَا عِلْمًا﴾ الواو
للحال، أي أكذبتم بآياتي بادي الرأي، ولم تتأملوا بحقيقتها، ولم تنظروا نظراً
يحيط علمكم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو التكذيب، فمعنى: لم تحيطوا
بها علماً: لم تدركوا حقيقة كنهها. والواو العطف، أي أجمعتم بين التكذيب
بها وعدم إلقاء الأذهان لتحققها؟ أي النظرة السطحية لها ﴿أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾
أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، وهو استفهام للتبكيت، إذ لم يفعلوا غير

٣٩٠
لُرُ (٢٠) - التَفْلِ: ٢٧ / ٨٢-٨٦
التكذيب من الجهل، وأما: فيه إدغام ((ما)) الاستفهامية بـ ((ذا)) الموصول، أي
ما الذي كنتم تعملون فيما أمرتم به؟
﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حلِّ بهم العذاب، وهو كبُّهم في النار بعد ذلك ﴿بِمَا
ظَلَمُواْ﴾ بسبب ظلمهم، وهو الشرك والتكذيب بآيات الله ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾
باعتذار إذ لا حجة لهم ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ألم يعلموا ﴿أَنَا جَعَلْنَا﴾ خلقنا ﴿لِيَسْكُنُواْ
فِيهِ﴾ ليستريحوا فيه ويهدؤوا ﴿مُبْصِرًا﴾ يبصر فيه بضوئه أسباب المعيشة
ليتصرفوا فيه، وجعل الإبصار للنهار وهو لأهله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ﴾
دلالات على قدرة الله تعالى، وهي تدل على الأمور الثلاثة: التوحيد والحشر
وبعثة الرسل ﴿لِّقَوْمٍ﴾ خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان؛ لأن تعاقب
النور والظلمة على وجه مخصوص لا يكون إلا بقدرة قاهرة، وإن من قدر على
إبدال الظلمة بالنور من مادة واحدة قدر على إبدال الموت بالحياة من مواد
الأبدان.
المناسبه:
بعد أن أبان الله تعالى الدلائل على كمال قدرته وكمال علمه، وفرع على
ذلك القول بإمكان البعث والحشر والنشر، ثم أوضح كون القرآن معجزاً،
ونبّه بإعجازه على إثبات نبوة محمد بَّ، أردف ما سبق ببيان مقدمات قيام
القيامة، وهي إما كالعلامة للقيامة كإخراج دابة الأرض، وإما أن تقع عند
قيام القيامة كنفخ الصور.
وإنما أخر تعالى الكلام على علامات القيامة عن إثبات النبوة؛ لأن هذه
الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق.
التفسير والبيان:
﴿﴿﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ

٣٩١
الُءُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٨٢-٨٦
كَانُواْ بَِايَئِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٣)﴾ أي إنه في آخر الزمان عند فساد الناس، وتركهم
أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، واستحقاقهم العذاب الموعود به، وذلك
قرب مجيء الساعة، يخرج الله للناس دابة من الأرض تحدثهم أن أكثر الناس
كانوا بآيات الله لا يوقنون.
ولعل تلك الدابة هي إنسان كما قال بعض المفسرين الجدد، لوصفها
بالكلام؛ ولأن كل ما يدب على الأرض هو دابة.
وسميت تلك الدابة في الآثار بالجسَّاسة، وورد في شأنها أحاديث آحاد،
منها ما رواه مسلم وأهل السنن عن حذيفة بن أُسيد الغفاري قال: أشرف
علينا رسول الله وَليه من غرفة، ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: ((لا تقوم
الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة،
وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم عليه السلام، والدجال،
وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب،
ونار تخرج من قعر عدن، تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا،
وتُقيل معهم حيث قالوا)) .
وأما موضع خروجها فهو: سئل النبي ◌َّ: من أين تخرج الدابة؟ فقال:
((من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى، يعني المسجد الحرام))(١).
وبعد ذكر العلامة الأولى لقيام الساعة ذكر تعالى العلامة الثانية وهي:
حَقّ إِذَا
(٨٣)
﴿ وَيَوْمَ تَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَنْ يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ
جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِعَايَتِى وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمَا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ
أى
٨٤
ويوم نجمع يوم القيامة جماعة من رؤساء كل أمة من الظالمين المكذبين بآيات الله
ورسله، ونحبس أولهم على آخرهم، ليجتمعوا في موقف الحشر والحساب،
(١) انظر تفسير ابن كثير ٣٧٥/٣ وما بعدها.

٣٩٢
لِلُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٨٢-٨٦
حتى إذا مُمعوا ووقفوا بين يدي الله عز وجل للحساب والنقاش، فيقول الله
لهم توبيخاً وتبكيتاً: أكذبتم بآياتي الدالة على لقاء هذا اليوم، غير ناظرين بما
يحيطكم علماً بحقيقة الآيات، وإذا لم تتأملوا فيها، فبماذا كنتم تشغلون
أنفسكم أو تعملون فيها من تصديق أو تكذيب؟ فقوله: ﴿أَمَّاذَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ﴾
بمعنى: بل ماذا كنتم تعملون؟!
﴿وَقَعَ اُلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (9﴾﴾ أي وحينئذ يحل
العذاب بأولئك المكذبين بآيات الله بسبب ظلمهم، أي تكذيبهم وكفرهم،
فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَؤُ لَا يَنطِقُونَ
٣٥
[المرسلات: ٣٥/٧٧].
ثم ذكر الله تعالى دليل التوحيد والحشر والنبوة، فقال:
﴿أَلَمْ يَرَوْأ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي ألم يعلم هؤلاء المكذبون بآياتنا أنا خلقنا الليل للسكن
والنوم والراحة والقرار بعد عناء التعب في النهار، وخلقنا النهار منيراً مشرقاً
للتصرف أو التقلب في المعايش والمكاسب والأسفار والتجارات وغيرها من
شؤونهم التي يحتاجونها، إن في ذلك الخلق والإيجاد لدلالات على قدرة الله على
البعث بعد الموت، للجزاء والحساب، وعلى توحيده، لقوم يصدقون بالله
ورسله.
فمن تأمل في تعاقب الليل والنهار والانتقال من حال شبيهة بالموت إلى
حال الحركة والحياة، أدرك أن القيامة كائنة لا محالة، وأن الله سيبعث من في
القبور.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن مفاجآت يوم القيامة وأهوالها كثيرة وغريبة ومذهلة، فمن مقدماتها :

٣٩٣
لِلُعُ (٢٠) - التَّمْلِلاَ: ٢٧ /٨٢-٨٦
إخراج دابة من الأرض عند استحقاق العذاب تخبر بأن أكثر الناس كانوا لا
يصدقون بآيات الله. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَله: ((ثلاثة إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من
قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة
الأرض)) .
واختلف المفسرون في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافاً
كثيراً، قال القرطبي: أول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح عليه السلام، وهو
أصحها - والله أعلم - لما ذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال:
ذكر رسول الله و * الدابة فقال: ((لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في
أقصى البادية ولا يدخل ذِكْرُها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زماناً طويلاً، ثم
تخرج خَرْجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية
- يعني مكة - ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها
وأكرمها على الله المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام
تنفض عن رأسها التراب، فارفضَّ الناس منها شتّى ومعاً .. )) الحديث.
وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قوله: ((وهي ترغو)) والرغاء
إنما هو للإبل؛ وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب، فانفتح له حَجَر،
فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل(١).
ثم ذكر الله تعالى بعض الأمور الواقعة بعد قيام القيامة وهو حشر زمرة
وجماعة من كل أمة، ممن يكذب بالقرآن وبالأدلة على الحق، فهم يوزعون أي
يُدْفَعون ويساقون إلى موضع الحساب، وقال قتادة: أي يُردّ أولهم على
آخرهم، حتى إذا حضروا الموقف قال الله: أكذبتم بآياتي التي أنزلتها على
(١) تفسير القرطبي ٢٣٥/١٣

٣٩٤
الجُزُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ /٨٢-٨٦
رسلي، وبالآيات التي أقمتها دليلاً على توحيدي، ولم تعلموا بحقيقتها، وإنما
أعرضتم عنها مكذبين جاهلين غير مستدلين؟ ثم يقول لهم تقريعاً وتوبيخاً:
ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها.
ولكن وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم، فهم لا ينطقون، أي
ليس لهم عذر ولا حجة.
ثم أقام الله تعالى دليلاً على البعث والتوحيد والنبوة مبالغة في الإرشاد إلى
الإيمان والمنع من الكفر، وهو خلق الليل للنوم والاستقرار، وخلق النهار
المنير المشرق الذي يبصر فيه الناس الأشياء للحركة ونشاط الحياة وسعي
الرزق، إن في ذلك لدلالات على قدرة الله وتوحيده وإمكانه الحشر لقوم
يؤمنون بالله. أما وجه دلالته على التوحيد فهو أن التقليب من النور إلى الظلمة
ومن الظلمة إلى النور بدقة متناهية لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية. وأما وجه
دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرة الله تعالى على هذا التقليب فهو قادر على
القلب من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة، وأما وجه دلالته على النبوة
فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع الناس، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى
الناس منافع عظيمة، فما المانع من بعثتهم إلى الناس لتحصيل تلك المنافع؟

٣٩٥
لِلُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٨٧-٩٠
- ٢ -
النفخ في الصور وتسيير الجبال
﴿وَبَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَرِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ
اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴿٨) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَ السَّحَابِّ صُنْعَ
اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴿٨ مَن جَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ
مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَعَ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ (٨) وَمَنْ جَآءَ بِالسَِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ
تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿ أَتَوَّهُ﴾: قرئ:
١- (أَتَوه) وهي قراءة حفص، وحمزة، وخلف.
٢- (آتوه) وهي قراءة الباقين.
﴿تَحْسَبُهَا﴾: قرئ:
١ - (تَحْسَبُها) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢ - (تَحْسِبها) وهي قراءة الباقين.
﴿نَفْعَلُونَ﴾
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يفعلون).
﴿فَرَعْ يَوْمَِّدٍ﴾: قرئ:
١- (فزعٍ يَوْمَئِذ) وهي قراءة نافع.

٣٩٦
لُ (٢٠) - التَّعْلِ: ٢٧ / ٨٧-٩٠
٢- (فزع يومِئِذ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
٣- (فزعِ يومَئِذ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَعُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: اذكر يوم ينفخ.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدر؛ لأن ما قبله يدل أنه تعالى صنع ذلك،
فكأنه قال: صنع صنعاً الله، ثم أضاف المصدر إلى الفاعل.
﴿مَنْ جَّءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿مَن﴾ شرطية مبتدأ، و﴿فَلَهُ﴾ الجواب، خبر المبتدأ.
﴿وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ من قرأ ((فزع)) بالتنوين، كان (يوم) منصوباً
بالمصدر، أو ب﴿ ءَامِنُونَ﴾ تقديره: وهم آمنون يومئذ من فزع؛ ومن قرأ بغير
تنوين كان (يوم) مجروراً بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِلٍ بَِنِهِ﴾
[المعارج: ١١/٧٠]. أي إنه في حالة إضافة ((فزع)) تكسر ميم ((يومئذ)) وتفتح، وفي
حال تنوين ((فزع)) تفتح ميم ((يومئذ)).
البلاغة:
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بينهما طباق.
﴿ تَمُرُّ مَرَّ السَحَابِ﴾ تشبيه بليغ، أي تمر كمرِّ السحاب في السرعة، حذفت
فيه الأداة ووجه الشبه.
المفردات اللغوية:
﴿ اُلُّورِ﴾ البوق الذي ينفخ فيه، والمقصود هنا: النفخة الأولى من
إسرافيل ﴿فَفَرِعَ﴾ خاف، والمراد هنا الخوف الشديد المفضي إلى الموت من
الهول، وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ ألا يفزع بأن

٣٩٧
لِلُعُ (٢٠) - التَمْلِ: ٢٧ /٨٧-٩٠
ثَبَّت قلبه، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وعن ابن عباس:
هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم يرزقون ﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ﴾ حاضرون الموقف بعد
النفخة الثانية، أو راجعون إلى أمره، وتنوين ﴿وَكُلُّ﴾ عوض عن المضاف
إليه، أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أتوه ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين،
والتعبير بـ ﴿أَتَوَّهُ﴾ بالماضي لتحقق وقوعه.
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ تبصرها وقت النفخة (تَحْسَبُهَا﴾ تظنها ﴿جَامِدَةً﴾ ثابتة في
مكانها لعظمها ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي في السرعة؛ لأن الأشياء الكبار
إذا تحركت في تَنْت واحد، فلا تكاد تتبين حركتها. وهنا شبهها بالسحب التي
تسيرها الرياح ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، أضيف إلى
فاعله بعد حذف عامله، تقديره: صنع الله ذلك صنعاً ﴿أَنْقَنَ﴾ أحكم خلقه
وسواه على ما ينبغي ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ عالم بظواهر الأفعال
وبواطنها، فيجازيهم عليها.
﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ أي الإيمان والعمل الصالح ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ أي له ثواب بسببها
وليس هذا للتفضيل، إذ لا فعل خير منها، وفي آية أخرى: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾
[الأنعام: ١٦٠/٦]. ﴿وَهُم مِّنْ فَرَعَ﴾ الفزع هنا: الخوف من العذاب، وهم: أي
الفاعلون الحسنة وأما الفزع الأول في قوله ﴿فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ﴾ فهو مالا
يخلو عنه أحد عنه الإحساس بشدة تقع، وهول يفجأ من رعب وهيبة، وإن
كان المحسن يأمن لحاق الضرر به ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ الإشراك بالله والمعاصي ﴿فَكُبَّتْ
وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ أي ألقيت منكوسة، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم،
وذكرت لأنها موضع الشرف من الحواس، فغيرها من باب أولى ﴿هَلْ
تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي ما تجزون إلا جزاء عملكم من الشرك
والمعاصي. وهذا القول المستفهم به للتبكيت.

٣٩٨
لُجُزْءُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٨٧-٩٠
المناسبة:
بعد ذكر العلامة الأولى لقيام القيامة وهي خروج الدابة للكلام والحديث،
ذكر الله تعالى علامتين أخريين لقيام القيامة وهما النفخ في الصور، وتسيير
الجبال، ثم ذكر أحوال المكلفين يوم القيامة وأنهم قسمان: المطيعون الأبرار
الذين يعملون الحسنات، فيثابون خيراً منها ويأمنون الفزع من العذاب،
والعصاة الأشقياء الذين يعملون السيئات، فيكبُّون على وجوههم في النار،
جزاء عملهم.
التفسير والبيان:
العلامة الثانية - نفخ الصور:
﴿وَبَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ
اللَّهُ﴾ أي اذكر أيها الرسول للناس هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما
جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، إذ يخاف جميع من في السماوات ومن في
الأرض خوفاً شديداً، يؤدي بهم إلى الموت إلا من شاء ربك، بأن ثبت قلبه
فلا يخاف، وهم بعض الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت،
وقيل: هم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يُرْزَقون.
وهناك نفختان: نفخة الفزع في هذه الآية وهي النفخة الأولى، ونفخة
الصعق (أي الموت) المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الْصُورِ فَصَعِقَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨/٣٩] والنفخة الثانية:
نفخة البعث التي في تتمة الآية السابقة ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ
يَنَظُرُونَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ
[يس: ٥١/٣٦].
یَنْسِلُونَ
وفي حديث الصور: إن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ

٣٩٩
لُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ / ٨٧-٩٠
فيه أولاً نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا حين تقوم الساعة على
شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض.
فالنفخ إذن مرتان: مرة ليموت الكل إلا من شاء الله، ومرة ليحيي الكل
للحساب، ومن استثني أولاً يموت بعد النفخة الأولى وقبل الثانية.
﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ﴾ أي وكل واحد من الخلائق يأتون إلى الموقف بين يدي
الله للسؤال والحساب أذلاء صاغرين، صَغار ذل إن كانوا كفاراً، وصَغار
هيبة وخشية إن كانوا مؤمنين، لا يتخلف أحد عن أمر ربه، كما قال: ﴿إِن
﴾ [مريم: ٩٣/١٩]
كُلُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَانِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (شَ
﴿ثُمَّ إِذَا
وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ،﴾ [الإسراء: ٥٢/١٧] وقال:
دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥/٣٠] وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ
[المعارج: ٤٣/٧٠].
اْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
العلامة الثالثة . تسيير الجبال:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِّ﴾ أي وتنظر إلى الجبال
فتراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تزول بسرعة عن أماكنها،
وتسير كما يسير الغمام بتأثير الرياح؛ لأن الجسم الكبير إذا تحرك برتابة لا
كاد حركته تبين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا جَ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ
[الطور: ٩/٥٢-١٠] وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾
سَيْرًا
[النبأ: ٢٠/٧٨]
[الكهف: ٤٧/١٨] وقال: ﴿وَسُتِرَتِ الِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا
١٠٥
وقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا
﴾﴾ [طه: ٢٠ /١٠٥ - ١٠٧].
١٠٧)
، لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا
وتسيير الجبال - وإن دُكت عند النفخة الأولى - يحدث بعد النفخة الثانية
عند حشر الخلق، ليشاهدها أهل المحشر، فيبدل الله الأرض والسماوات،
كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ

٤٠٠
الجُزُ (٢٠) - التَمْلِ: ٢٧ / ٨٧-٩٠
[إبراهيم: ٤٨/١٤]. وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على
٤٨
اُلْقَھَّارِ
دوران الأرض حول الشمس بسرعة فائقة، لكن الظاهر أن ذلك في الآخرة؛
لأن الكلام هنا عن يوم القيامة.
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي ذلك الصنع هو فعل الله بقدرته
العظيمة، الذي أحكم كل شيء، وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
﴿إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ هذا علة النفخ في الصور والبعث للحساب
والجزاء، أي إن الله تعالى عليم بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم
عليه أتم الجزاء.
ثم بيَّن الله تعالى حال المكلفين السعداء والأشقياء بعد قيام القيامة فقال:
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيِذٍ ءَامِنُونَ (٨٩)﴾ أي من جاء
مؤمناً بالله وحده لا شريك له، عاملاً الصالحات، فله على ذلك الثواب
الجزيل عند ربه في جنات النعيم، يأمن من الفزع الأكبر، وهو الخوف من
عذاب القيامة، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:
١٠٣/٢١] وقال سبحانه: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ أَم مَّن يَأْتِيّ ءَامِنًا يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١] وقال عز وجل: ﴿وَهُمْ فِ اُلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ:
٣٧/٣٤] .
والحسنة: الإيمان والعمل الصالح، وقال ابن عباس والنخعي وقتادة: هي
لا إله إلا الله. ﴿خَيْرُ﴾ هنا ليس أفعل تفضيل، فليس شيء خيراً من لا إله إلا
الله، كما قال عكرمة، وإنما المراد مضاعفة الثواب ودوامه؛ لأن العمل
ينقضي، والثواب يدوم، فالخير: الثواب، وقيل: للتفضيل، أي ثواب الله
خير من عمل العبيد وقوله. و﴿مِّن﴾ لابتداء الغاية أي له خير من الخيور،
مبدؤه ونشوؤه منها أي من جهة هذه الحسنة. وقد رتب الله على مجيء المكلف
بالحسنة شيئين: الثواب والأمن من العذاب.