النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
لُعُ (١٩) - التَضْل: ٢٧ / ٣٨-٤٤
لاً - تسخير الجنّ له: عدد الله تعالى في الآية السابقة في سورة سبأ النعم
العظمى التي أنعم بها على سليمان عليه السلام، فقال: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ
بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، يَعْمَلُونَ
لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانِ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ٣٤/
١٢-١٣]. وقال سبحانه بعد ذكر تسخير الرِّيح: ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلّ بَنَّاءِ وَغَوَّاصٍ
[ص: ٣٧/٣٨]. وبه تبين أن الله جلّ جلاله سخر الجنّ كما سخر له
الرِّیح، فكانت الجن من جنده، تطيعه بما یأمر، وتعمل له ما يشاء من ضخم
المباني والعمائر والتماثيل، وكانت التماثيل جائزة الصنع عندهم، والقدور
الراسيات والجفان (الآنية الواسعة) التي كأنها الحياض لسعتها.
٨ - إسلام ملكة سبأ والإتيان بعرشها: عرفنا في البيان المتقدم في سورة
النمل لقصة سليمان مع بلقيس ملكة سبأ أن طير الهدهد أخبره بوجود ملكة
عظيمة في سبأ من بلاد اليمن تعبد مع قومها الشمس من دون الله، وأن لها
عرشاً عظيماً مزيناً بأنواع الجواهر واللآلئ، فأرسل سليمان رسالة لها مع
الهدهد مضمونه: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ أَلَّا تَعْلُواْ
عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ
فاستجابت بلقيس مع قومها لطلب سليمان بعد أن أقنعتهم بألا طاقة لهم
بمواجهة جنود سليمان، وآثرت بكمال عقلها وفطنتها السلم والمصالحة
والمسالمة والموادعة على الحرب والقتال، بالرغم من توافر قوة عسكرية كبيرة
عندها: ﴿ نَحْنُ أُوُلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾.
فشيّد لها سليمان صرحاً عظيماً ومرَّد أرضه بالزجاج، وهذا فن مستحدث
لا عهد لأهل اليمن به، ثم لما دخلته حسبته ماء، فكشفت عن ساقيها لخوض
الماء لئلا تبتل ثيابها بالماء، ثم أحضر لها عرشها من بلاد اليمن إلى بلاد الشام،
ليكون دليلاً على صدق نبوته، ومعجزة على صحة رسالته، وآية على قدرة الله
٣٤٢
◌ِلُ (١٩) - التَّعْل: ٢٧ / ٣٨-٤٤
العجيبة في خرق العادات وتجاوز المحسوسات، مما لم يكتشف العلم سره
ونواميسه إلى الآن، فما كان من بلقيس إلا أن أسلمت وآمنت برسالة
سليمان، فقالت: ﴿رَبِّ إِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾
١ - قصة النملة: كان سليمان بتعليم الله وإرشاده يفهم أيضاً لغة النمل،
كما يفهم منطق الطير، وذلك كله من المعجزات الخارقة للعادة، وقد بيَّنا
كيفية فهم سليمان خطاب النملة في بني جنسها: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ
حَّةٍ إِذَا أَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ
اُلْجِنّ وَالْإِسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ بُوزَعُونَ
يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
١٨
فَنَبَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىَ أَنْعَمْتَ عَلَىّ
وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَلُهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادَِ الصَّالِحِينَ
[١٩)) [النمل: ١٧/٢٧-١٩].
· اَ - موت سليمان عليه السلام: أعمى الله موت سليمان على الجان
المسخرين لخدمته في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه (منسأته)
بعد موته مدة طويلة نحواً من سنة كما يقال، فلما أكلتها الأرضة (دابة
الأرض) ضعفت وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة
طويلة، وهو أمامهم، وتبينت الجن والإنس أنهم لا يعلمون الغيب قطعاً،
فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ
تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَمَّا خَرَّ نَيَنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى
اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿٤﴾ [سبأ: ١٤/٣٤]. وهذا من تكريم الله لسليمان عليه
السلام، وإلقاء هيبته على الجنّ والإنس حتى بعد موته.
٣٤٣
لُعُ (١٩) - النَّصْلِ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
القصة الثالثة
قصة صالح عليه السلام مع قومه
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
ـ) قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ
٤٥
يَخْتَصِمُونَ
قَالُواْ أَطََّرْنَا بِكَ وَيِمَن ◌َّعَكَّ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ
٤٦
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ل
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
،وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ وَلَ
٤٧
يُصْلِحُونَ ﴿ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَهُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا
مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِفُونَ ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ
٥٠
يَشْعُرُونَ
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ
أَجْمَعِينَ
٥٣)
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
٥٢
يَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿أَنِ أُعْبُدُواْ﴾
وصلاً قرئ:
١- (أن اعبدوا) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (أن اعبدوا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿لَنُبِيِّتَنَّهُ﴾، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (لتُبَيِتْنَّه، لتَقولُنَّ).
﴿ مَهْلِكَ﴾
٣٤٤
الُ (١٩) - التَّكْلِ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
قرئ:
١- (مَهْلِك) وهي قراءة حفص.
٢- (مُهْلَك) وهي قراءة الباقين.
﴿أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (إنا دمَّرناهم).
وو يو
يُوتُهُمْ﴾ :
قرئ:
١- (بُيُوتهم) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بِيُوتهم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ في موضع
نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأن اعبدوا الله. و﴿هُمْ﴾ مبتدأ،
و﴿فَرِقَانِ﴾ خبر المبتدأ، وإذا: خبر ثان، أي فبالحضرة هم فريقان.
و﴿ يَخْتَصِمُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب حال من ضمير ﴿فَيِقَانِ﴾.
﴿أَطَّيِّرْنَا﴾ أصله: تطيرنا، فأبدلت التاء طاء، وسكنت وأدغمت الطاء في
الطاء، واجتلبت همزة الوصل وكسرت لسكون ما بعدها.
تَفَاسَمُواْ﴾ فعل أمر، أمر بعضهم بعضاً بالتقاسم والتحالف على أن
يبيتوه وأهله. وقرئ ((تقاسموا)) على أنه فعل ماض؛ لأنه إخبار عن غائب.
﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ،﴾ بمعنى الهلاك، وقرئ: (مُهْلَك) وأراد به الإهلاك
٣٤٥
لُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
مصدر ((أهلك)) وقرئ ((مَهْلَك)) وأراد به الهلاك من ((هلك)) والمشهور في
المصدر الفتح، والكسر قليل؛ لأن الكسر يكون في المكان والزمان، فيكون
(مهلِك)) بالكسر كالمرجع بمعنى الرجوع.
﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ﴾ ﴿أَنَّا﴾ بتقدير حذف حرف
الجر، أي لأنا دمرناهم، فتكون ﴿كَانَ﴾ ناقصة، و﴿عَقِبَةُ﴾: اسمها،
و﴿كَيْفَ﴾: خبرها. ومن قرأ بالكسر (إنا) فعلى الابتداء، و﴿عَقِبَةُ﴾ اسم
﴿كَانَ﴾، و﴿كَيْفَ﴾ خبرها، وجملة (إنا دمرناهم) خبر مقدم؛ لأن
الاستفهام له صدر الكلام. ويحتمل أن تكون ﴿كَانَ﴾ تامة أي وقع،
و﴿عَقِبَةُ﴾ فاعل، ولا تفتقر إلى خبر، و﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب على
الحال، أي انظر على أي حال وقع أمر عاقبة مكرهم، ثم بين العاقبة بقوله:
﴿أَنَا دَقَّرْنَهُمْ﴾.
[خَاوِيَةٌ﴾ حال من ﴿ُوتُهُمْ﴾ وعامله ما في (تلك) من معنى الإشارة
أي أشير إليها خاوية، وتقرأ بالرفع على أنها خبر للبيوت، أو خبر ثان، أو
خبر لمبتدأ مقدر أي هي خاوية، أو بدل من ((البيوت)) أو خبر تلك،
و﴿ يُؤْتُّهُمْ﴾ عطف بيان على (تلك).
البلاغة:
﴿بِالسَّبِّئَةِ﴾ ﴿الْحَسَنَةِ﴾ طباق. وتسمية العذاب أو العقاب بالسيئة مجاز.
{يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ طباق.
﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ للتحضيض.
﴿أَطَّيَّرْنَا﴾ ﴿طَِرُكُمْ﴾ جناس اشتقاق.
﴿وَمَكَرُواْ﴾ ﴿وَمَكَرْنَا﴾ مشاكلة، سمى تعالى إهلاكهم مكراً على سبيل
المشاكلة.
٣٤٦
الجُرُ (١٩) - التَّضْلِ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
المفردات اللغوية:
﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلة. ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ﴾ بأن وحدوا الله. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ ففاجؤوا
التفرق.﴿فَرِقَانِ﴾ فريق مؤمن وفريق كافر. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يتنازعون ويجادل
بعضهم بعضاً . ﴿قَالَ يَنَقَوْمِ﴾ قال صالح للمكذبين. ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ
قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ﴾ بالعذاب قبل الرحمة، أو بالعقوبة التي تسوء صاحبها قبل
التوبة، حيث قلتم: إن كان ما أتيتنا به حقاً فأتنا بالعذاب. ﴿لَوْلَا﴾ هلا.
﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ من الشرك. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بقبول التوبة فلا
تعذبوا، فإنها لا تقبل عند نزول العذاب.
﴿أَطَّيَّرْنَا﴾ تشاءمنا بك حيث فرقتنا، والطيرة: تعليق الخير أو الشر على
طيران الطائر يميناً أو شمالاً . ﴿بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ من المؤمنين، حيث قحطوا
المطر وجاءوا . ﴿طَبِرُكُمْ﴾ شؤمكم أي ما يصيبكم من الخير أو الشر. ﴿عِندَ
اللّهِ﴾ أي هو قدره أتاكم به، أو عملكم المكتوب عنده. ﴿تُقْتَنُونَ﴾ تختبرون
بالخير والشر أو تعاقب السراء والضراء.
﴿فِ الْمَدِينَةِ﴾ مدينة ثمود وهي الحجْر. ﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ تسعة رجال،
والرهط: من الثلاثة إلى العشرة، وأما النفر فهو من الواحد إلى العشرة.
﴿ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ أي شأنهم الإفساد الخالص عن شوائب
الصلاح، والإفساد: بالمعاصي كاقتطاع جزء من الدراهم والدنانير،
والصلاح: بالطاعة.﴿قَالُواْ﴾ قال بعضهم لبعض . ﴿ تَقَاسَمُواْ﴾ احلفوا.
(لَنُبَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ﴾ لنباغتن صالحاً وأهله الذين آمنوا به ليلاً، أي نقتلهم ليلاً.
﴿لِوَلِّهِ،﴾ لولي دمه وهو من له حق القصاص من ذوي قرابته إذا قتل . ﴿مَا
شَهِدْنَا﴾ ما حضرنا. ﴿مَهْلِكَ﴾ هلاك، وقرئ (مُهْلَك) أي إهلاك، أي فلا
ندري من قتلهم.
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا﴾ بهذا التواطؤ على الاغتيال، والمكر: التدبير الخفي
٣٤٧
الُُ (١٩) - التَضْلِّ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
لعمل الشر. ﴿ وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ جازينا بتعجيل عقوبتهم . ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾
بذلك. ﴿دَمَّرْنَهُمْ﴾ أهلكناهم. ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بصيحة جبريل، أو برمي
الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم. (خَاوِيَةً﴾ خالية. ﴿بِمَا ظَلَمُواْ﴾
بظلمهم أي كفرهم . ﴿لَيَةً﴾ لعبرة وموعظة. ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا
فيتعظون. ﴿ وَأَنَجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بصالح، وهم أربعة آلاف. ﴿وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ﴾ الشرك أو الكفر والمعاصي، فلذلك خصوا بالنجاة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة موسى وداود وسليمان، وهم من بني إسرائيل،
ذكر قصة من هو من العرب، وهم ثمود أي عاد الأولى، وصالح أخوهم في
النسب، بقصد تذكير قريش والعرب وتنبيههم أن من تقدم من الأنبياء من
العرب كان يدعو إلى إفراد الله بالعبادة، ليعلموا أنهم في عبادة الأصنام على
ضلالة، وأن شأن الأنبياء عربهم وعجمهم هو الدعوة إلى عبادة الله تعالى
وحده لا شريك له.
وكل هذه القصص من التاريخ الغابر دليل على أن محمداً رسول الله، وأنه
يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، وإنذار وتهديد لكل كافر أو مشرك.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ
يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾ أي وتالله لقد بعثنا إلى قبيلة ثمود العربية أخاهم في النسب
والقبيلة بأن اعبدوا الله وحده لاشريك له، فانقسموا فريقين: فريق مؤمن
مصدق برسالته وبما جاء به من عند ربه، وفريق كافر مكذِّب بما جاء به.
وأصبح الفريقان يتجادلان ويتنازعان في الدين، كل فريق يقول: الحق
معي، وغيري على الباطل، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ
٣٤٨
لِلُعُ (١٩) - التَمل: ٢٧ / ٤٥-٥٣
قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَشَ صَلِحًا قُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِّ.
قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ إِنَّا بِالَّذِىّ
ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ (®))
[الأعراف: ٧٥/٧-٧٦].
﴿قَالَ يَنَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ﴾؟ أي قال صالح: يا
قومي، لم تطلبون أو تتعجلون نزول العقاب أو العذاب قبل أن تطلبوا من الله
رحمته أو ثوابه إن عملتم بما دعوتكم إليه وآمنتم بي، والمقصود: أن الله مكنكم
من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه بالإيمان، فلماذا تعدلون عنه إلى
استعجال عذابه؟ وكان هذا جواباً لهم حينما توعدهم صالح عليه السلام
بالعذاب إن لم يؤمنوا بالله وحده، فقالوا: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن
كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧/٧].
﴿ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي هلا تطلبون من الله المغفرة،
وتتوبون إليه من كفركم لكي ترحموا !! لأنه إذا نزل العذاب لم تنفعكم التوبة.
فكان جوابهم :
﴿قَالُواْ أَطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن ◌َّعَكَّ﴾ أي قال قومه بغلظة وشدة: لقد تشاءمنا
منك وممن آمن معك ولم نر خيراً فيكم أو من طريقكم؛ إذ تتابعت علينا
الشدائد، ووقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم، وكانوا لشقائهم لا يصاب
أحد منهم بسوء إلا قالوا: هذا من قِبَل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا
بهم.
وهذا كما قال الله تعالى إخباراً عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ
قلے
قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾﴾ [الأعراف: ١٣١/٧].
وسمي التشاؤم تطيراً من عادة العرب بزجر الطير أي رميه بحجر ونحوه،
فإن تحول يميناً تفاءلوا، وسموه السانح، وإن اتجه يساراً تشاءموا وسموه البارح.
٣٤٩
لِلُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ /٤٥-٥٣
﴿قَالَ طَِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي قال صالح: شؤمكم وتفاؤلكم وما يصيبكم
من شر أو خير هو قدر الله أتاكم به، وهو مكتوب عند الله، والله يجازيكم على
ذلك، فهو إن شاء رزقكم، وإن شاء حرمكم. وسمي القضاء والقدر طائراً
لسرعة نزوله بالإنسان. وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ
عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِلَكَ قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء:
٧٨/٤] .
﴿ بَّ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾ أي بل إنكم قوم تختبرون بالطاعة والمعصية، حين
أرسلني الله إليكم، فإن أطعتم أجزل الله لكم الثواب، وإن عصيتم حل بكم
العقاب. وقال ابن كثير: والظاهر أن المراد بقوله: ﴿تُقْتَنُونَ﴾ أي تستدرجون
فيما أنتم فيه من الضلال. وعلى أي حال، فإن القصد بيان أن سبب نزول
الشر بهم هو عصيانهم.
ثم أخبر الله تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، وعن كون مدينة ثمود مرتع
الفساد الكثير فقال :
﴿ وَكَانَ فِ اٌلْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
٤٨
أي وكان في مدينة ثمود وهي الحجْر تسعة نفر أوغلوا في الفساد الذي لا أثر
للصلاح فيه، فكانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وهم
الذين تواطؤوا على عقر الناقة وعلى قتل صالح ومن آمن به، فقال تعالى:
﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ, ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ
أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾﴾ أي قال بعضهم لبعض في المشاورة بشأن صالح
بعد أن عقروا الناقة: احلفوا لنباغتنه وأهله الذين آمنوا معه ليلاً، فنقتلنهم،
فهذا تحالف على قتل نبي الله صالح عليه السلام ليلاً قتل غيلة، ثم تحالفوا على
أن يقولوا لأولياء الدم أو القصاص إذا مات: ما حضرنا هلاكهم، ولا ندري
من قتلهم، وإنا لصادقون في قولنا، أي إننا لم نحضر هلاك أحد الجانبين وهو
٣٥٠
الُعُ (١٩) - التَّضْل: ٢٧ / ٤٥-٥٣
أهل صالح، وإن فعلوا الأمرين معاً. قال الزمخشري: وفي هذا دليل قاطع على
أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم.
وهذا من الزمخشري على طريقة المعتزلة في أن العقل يدرك الحسن والقبح قبل
الشرع، والكذب قبيح عقلاً.
وكان تآمرهم على قتل صالح بعد أن توعدهم على عقرهم الناقة فقال لهم:
﴿تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥/١١].
ولكن الله كادهم وأحبط مؤامرتهم وجعل الدائرة عليهم، فقال: ﴿وَمَكَرُواْ
﴾ أي ودبروا مؤامرة وكادوا
٥٠
مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
كيداً خفياً، ولكنا جازيناهم وأهلكناهم، وعجلنا لهم العقاب، دون أن
يشعروا بمجيئه، ولا يحيق المكر السَّيِّئ إلا بأهله.
﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
٥١
أي فتأمل أيها الرسول وكل سامع كيف كان مصير تآمرهم أنا أهلكناهم
وقومهم جميعاً، ولم نبق أحداً منهم إلا الذين آمنوا بصالح عليه السلام.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
@) أي وكان من آثار إنزال العذاب بهم أن أصبحت مساكنهم خالية بسبب
ظلمهم أنفسهم، إن في هذا العقاب لعبرة وموعظة لأناس أهل معرفة وعلم،
يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل
لمن كفر بالله وكذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره.
أما المؤمنون فهم دائماً ناجون كما قال سبحانه:
﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾﴾ أي ونجينا من العذاب
صالحاً النبي ومن آمن به إذ ساروا إلى بلاد الشام ونزلوا بالرملة من فلسطين؛
لأن الإيمان واتقاء عذاب الله بطاعته سبب دائم للنجاة من عذاب الدنيا
والآخرة.
٣٥١
اِلُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٤٥-٥٣
والمقصود تذكير قريش والعرب وتحذيرهم بأنهم إن استمروا في كفرهم
وعنادهم عذبوا كما عُذّب أمثالهم، وأن محمداً وَّ والمؤمنين المصدقين
برسالته ينجيهم الله برحمة منه وفضل.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - من البداهة أن ينقسم الناس بعد النبوة إلى فريقين: فريق مؤمن وفريق
كافر، وليس هذا شراً، وإنما هو أثر طبيعي من آثار الرسالة النبوية، وهو
حجة على الكافرين وليس ذريعة لهم في معاداة الأنبياء.
أَ - المخاطبون بالرسالة الإلهية هم المخطئون المقصرون بتفويت فرصة الخير
على أنفسهم، لذا قال صالح عليه السلام لقوله: ﴿لِمَ نَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ
اُلْحَسَنَةِ﴾ أي لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر
الذي يوجب العقاب، فكانوا يقولون لفرط الإنكار: إيتنا بالعذاب. وهم لم
يدركوا أن الإيمان سبب للرحمة، والكفر سبب للعذاب.
مَّ - لقد استبد الجهل والعناد بقوم صالح فقالوا بغلظة: لقد تشاءمنا منك
وممن آمن بك، والشؤم: النحس، ولا شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير
من اعتقاد الطّيرة أي التشاؤم، ومن ظن أن خُوار بقرة أو نعيق غراب يرد
قضاء، أو يدفع مقدوراً فقد جهل. وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة،
وكانت إذا أرادت سفراً نقَّرت طائراً، فإذا طاريمنة سارت وتيمنت، وإن طار
شمالاً رجعت وتشاءمت، فنهى النبي ◌َّ عن ذلك، وقال فيما رواه أبو داود
والحاكم عن أم كرز: ((أَقِرُّوا الطير على وكناتها)) أي أعشاشها ولا تنفروها،
وفي رواية: «مکناتها)).
ورد صالح على قومه: ﴿قَالَ طَهِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾ أي
مصائبكم عند ربكم، وأنتم قوم تمتحنون، وقيل: تعذبون بذنوبكم.
- إن قادة السوء ودعاة الكفر من أشد الناس عذاباً يوم القيامة،
ويضاعف لهم العذاب، لذا خصص القرآن التنديد بتسعة رجال من أبناء
٣٥٢
الُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٤-٥٥
مدينة صالح وهي الحجْر، وكانوا عظماء المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض
ويأمرون بالفساد، ويدعون قومهم إلى الكفر والضلال. وكان قُدار بن سالف
الذي عقر الناقة أحد هؤلاء التسعة زعماء الإجرام. وزاد من طغيانهم أنهم
عقروا الناقة، وتآمروا على قتل نبي الله صالح عليه السلام، فكانوا عتاة قوم
صالح، مع أنهم كانوا من أبناء أشرافهم.
٥ - إن كل مكر أو تدبير خفي أو مؤامرة دنيئة كالتآمر على قتل نبي، ذو
عاقبة سيئة، فلا يحيق المكر السَّيِّئ إلا بأهله، لذا كان عقاب قبيلة ثمود بسبب
كفرهم وطغيانهم التدمير والإهلاك بصيحة جبريل عليه السلام وبإمطار
الملائكة عليهم حجارة قاتلة قتلتهم. قال القرطبي: والأظهر أن التسعة هلكوا
بعذاب مفرد، ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة.
أَ - بقيت آثار الدمار شاهدة على سوء أفعال ثمود، فصارت بيوتهم خالية
من السكان، بسبب ظلمهم أنفسهم بالكفر والفساد والمعاصي، وفي ذلك عبرة
للمعتبر.
٧ - فَجَّى الله الذين آمنوا بصالح؛ لأنهم مؤمنون اتقوا الله وخافوا عذابه،
قيل: آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل. وهذا أيضاً بشارة بالرحمة والنجاة
لأهل الإيمان في الدنيا والآخرة، فاللهم يا ربنا ثبِّت علينا الإيمان،
والإخلاص في عبادتك، وجنبنا العصيان، فإنا نخاف عذابك، ونجنا من
عذاب الدنيا وأهوال عذاب الآخرة يا أرحم الراحمين.
القصة الرابعة
قصة لوط عليه السلام مع قومه
جَ أَبِتَّكُمْ
﴿ وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ اُلْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
٥٥
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
٣٥٣
الُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٤-٥٥
الإعراب:
﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر لوطاً، أو أرسلنا لوطاً.
البلاغة:
﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ استفهام توبيخي وإنكاري.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلُوطَا﴾ أي واذكر لوطاً، أو أرسلنا لوطاً، لدلالة: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ﴾ في
قصة صالح السابقة عليه. ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل مما قبله على تقدير: اذكر،
وظرف على تقدير: أرسلنا ﴿اُلْفَحِشَةَ﴾ فعل قوم لوط. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
تعلمون فحشها، من بصر القلب؛ لأن اقتراف القبائح من العالم بقبحها
أقبح، أو يبصر بعضكم بعضاً انهماكاً في الفاحشة، وإعلاناً بها، فتكون
أفحش. ﴿شَهْوَةً﴾ بيان الإتيانهم الفاحشة، وتعليله بالشهوة للدلالة على قبحه،
والتنبيه على أن الحكمة في المواقعة طلب النسل، لا قضاء الوطر . ﴿مِّن دُونِ
اُلْنِسَاءِ﴾ اللاتي خلقن لذلك. ﴿تَجْهَلُونَ﴾ عاقبة فعلكم، أو تفعلون فعل من
يجهل قبحها، أو يكون سفيهاً لا يميز بين الحسن والقبيح.
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة في هذه السور، لكن تتمتها في بداية الجزء التالي،
قصد بها كما قصد بغيرها من القصص السابقة التحذير من مخالفة أوامر الله،
واقتراف الفواحش أو المعاصي الكبيرة، لئلا ينزل بالعصاة من العذاب مثل ما
نزل بمن قبلهم.
التفسير والبيان:
﴿ وَلُوْطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ اُلْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾﴾﴾؟ أي
واذكر أيها الرسول لقومك قصة لوط حين أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم
الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين فقال منكراً عليهم وموبخاً لهم:
٣٥٤
الُ (١٩) - التَّحْلِ: ٢٧ /٥٤-٥٥
أتأتون الفاحشة وهي إتيان الذكور دون الإناث، مع علمكم بقبحها،
واقتراف القبيح من العالم أشنع من غيره، أو في حال رؤية بعضكم بعضاً إذ
تأتون في ناديكم المنكر. ثم صرح بما يفعلون بعد الإبهام فقال:
فقّ﴾ هذا
﴿أَيِّكُمْ لَتَأْنُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِّ بَلْ أَنْتُمْ فَوْمٌ تَجْهَلُونَ
تكرار للتوبيخ، أي كيف تقبلون إتيان الرجال من غير النساء، فهذا شذوذ
جنسي، وانتكاس للفطرة، وترك لما أحل الله لكم من الاستمتاع بالنساء،
والحقيقة أنكم قوم جهلاء سفهاء، لا تعرفون شيئاً لا طبعاً ولا شرعاً،
وتجهلون عاقبة هذا الأمر الشنيع، ولا تميزون بين الحسن والقبيح، فتفضلون
العمل الشنيع على المباح لكم من النساء. كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَتَأْتُونَ
(٢٩) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَحِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ
الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
عَادُونَ ([Ii)) [الشعراء: ١٦٥/٢٦-١٦٦].
وإذا فسرت ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بالعلم، ثم قال ﴿تَجْهَلُونَ﴾ فكيف يكونون
علماء جهلاء؟ والجواب كما ذكر الزمخشري أنه أراد: تفعلون فعل الجاهلين
بأنها فاحشة، مع علمكم بذلك، أو تجهلون العاقبة، أو أنه أراد بالجهل
السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، أي إنهم سفهاء ماجنون.
ولا نرى حملة تشنيع على منكر مثل هذه الحملة الشديدة، فقوله ﴿الرِّجَالَ﴾
شذوذ يأباه الحيوان، وقوله: ﴿مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ انحراف عن الشي الطبيعي
والأفضل، وأنه خطأ بالغ وفعل قبيح، وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ فَوْمٌ تَجْهَلُونَ}
وصف ثابت لازم لهم بأنهم يفعلون فعال الجهلاء السفهاء الذين لا يميزون ولا
يعقلون الفرق بين الحسن والقبيح.
وإزاء هذه الحملة، وبالرغم من عنفها وقسوتها أجابوا عنها بما لا يصلح
أن يكون جواباً مقبولاً ولا معقولاً في ميزان العقلاء، وهو ما سيأتي في مطلع
الجزء التالي.
آمنت بالله انتهى الجزء التاسع عشر
٠٠
٠٬٨٠
مـ
ــ
مــ
:
النَّفَيُُّ المَنََّ
٠
٣،٧
في العقيدة والشريعة والمنهج
المُجْزُ العُشِرُون
٣٥٧
الخُرُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٦-٥٨
تتمة قصة لوط عليه السلام
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ
فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أُمْرَأَتَهُ قَذَرْنَهَا مِنَ الْغَبِيِنَ
إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
٥٨
· وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم ◌َّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
٥٧
المفردات اللغوية:
﴿عَلَ لُوطٍ﴾ أهله، ﴿يَنَطَهَّرُونَ﴾ ينزهون أنفسهم عن أفعالنا. ﴿قَذَّرْنَهَا مِنَ
اُلْغَيِينَ﴾ قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب. ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم
قَطَرًا﴾ أنزلنا عليهم حجارة من السجيل، فأهلكتهم. ﴿فَسَآءَ﴾ بئس.﴿مَطَرُ
اُلْمُنذَرِينَ﴾ أي بئس المطر مطرهم، وهم المنذرون بالعذاب.
التفسير والبيان:
هذه تتمة قصة لوط عليه السلام مع قومه، تتضمن جوابهم عن إِنذاره:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أي
لقد أعلن القوم إصرارهم على تعاطيهم الفاحشة المنكرة، وأجابوا لوطاً عليه
السلام بعد التشاور فيما بينهم أخرجوا لوطاً وأهله ومن معه من بلدتنا، فإنهم
لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، ونرتاح من وعظهم وإرشادهم، فإن البلدة
بلدتنا، ولوط وجماعته قوم أغراب عنا.
وسبب هذا الإخراج أو الإبعاد:
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ أي إنهم يتحرجون من أفعالنا، ولا يقروننا على
صنيعنا، وهذا صنيع الفساق في كل زمان، لا يريدون تعكير فسادهم بكلام
المصلحين، ليبقوا منغمسين في الرذيلة دون منغص أو معترض.
٣٥٨
لِلِفُرُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ /٥٦-٥٨
فلما عزموا على إخراج لوط وأهله من بلدتهم دمر الله عليهم، وللكافرين
الفاسقين أمثالها، وأنجى الله المؤمنين الصالحين، قال تعالى:
فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَهَا مِنَ الْغَيِنَ (*) أي نجينا لوطاً
ومن آمن معه برسالته من أهله، أما امرأته التي كانت راضية بأفعالهم
القبيحة، ومتواطئة معهم، فتدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم، فإنا
حكمنا بجعلها من الباقين في العذاب؛ لأن من رضي بالمنكر وإن لم يفعله فهو
مقرٌّ به، فله جزاء الفاعلين.
﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ قَطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴾﴾ أي وأنزلنا عليهم
حجارة من سجيل وهو الخاصب، فأبادهم وخسف بهم الأرض، فبئس المطر
مطر المنذرين بالعذاب الذين قامت عليهم الحجة، ووصلهم الإنذار الإلهي،
فخالفوا الرسول وكذبوه، وهُمُّوا بإخراجه من قريتهم، وتلك هي عاقبة
الفاسقين.
فقه الحياة أو الأحكام:
اقتضت عدالة الله تعالى ألا يعذب قوماً إلا بعد إنذار، وألا يجعل لهم
العقاب إلا بعد نصح وإرشاد وإمهال. وهذا ما فعله نبي الله لوط عليه السلام
مع قومه أهل سدوم، فإنه وبخهم وأنكر عليهم بشدة فعلتهم القبيحة الشنيعة
التي يعلمون أنها فاحشة، وذلك أعظم تجريماً وأكبر إثماً ومعصية، ويقال: إنهم
كانوا يتعاطون هذه الفاحشة جهاراً نهاراً، ولا يستترون من بعضهم بعضاً،
عتواً منهم وتمرداً.
ثم صرح لوط عليه السلام بذكر تلك الفعلة الشنيعة، وأعلنها لفرط قبحها
وسوئها، ووصفهم بأنهم جاهلون أمر التحريم أو العقوبة، والآن يُعلمهم
بشدة الحرمة، وينذرهم بقبح العقاب والعذاب.
٣٥٩
الجُرُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤
لكن القوم أمعنوا في ضلالهم، وازدادوا غياً في فسقهم، وأصروا على
معصيتهم، وتآمروا فيما بينهم على طرد لوط وأهله من قريتهم، قائلين على
سبيل الاستهزاء منهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ يتنزهون عن أدبار الرجال.
فكان مقتضى الرحمة الإلهية أن ينجي الله لوطاً وأهله الذين آمنوا برسالته،
وتورعوا من التدنس برجس هؤلاء العصاة الفساق، إلا امرأته التي كانت
راضية بأفعال قومها القبيحة، أضحت باقية معهم في العذاب.
وكان من مقتضى العدل أن يجازي الله هؤلاء المصرين على العصيان
وارتكاب الفاحشة، والذين أنذروا بالعقاب فلم يقبلوا الإنذار، فأنزل الله
عليهم من السماء حجارة من سجيل منضود، مسوَّمة عند ربك، وما هي من
الظالمين ببعيد، فأهلكوا جميعاً، وما أسوأ ذلك المصير المشؤوم !!
أدلة الوحدانية والقدرة الإلهية
٥٩
﴿قُلِ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىُّ ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَزَلَ لَحِكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ
ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِبِئُواْ شَجَرَهَاْ أََِهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ
يَعْدِلُونَ ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ
وَجَعَلَ بَيَْ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿) أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِْ أَِلَهٌ مَعَ
اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ
اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ أَعِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أَمَّن
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ أَِلَهُ مَعَ الَّهِ قُلْ هَانُواْ
٦٤
بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٣٦٠
الُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤
القراءات:
يُشْرِكُونَ﴾ : قرئ:
١- (يشركون) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم.
٢- (تشركون) وهي قراءة الباقين.
﴿ نَذَكَّرُونَ﴾: قرئ:
١- (يذَّگّرون) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (تَذَّرون) وهي قراءة الباقين.
﴿ الرِّيَحَ﴾: قرئ: ١- (الريح) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي،
وخلف.
٢- (الرياح) وهي قراءة الباقين.
(بُشْرَا﴾: قرئ:
١ - (نُشُراً) هي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن كثير.
٢- (نُشْراً) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (بُشْراً) وهي قراءة عاصم.
٤ - (نَشْراً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
(ءَاللَّهُ خَيْرُ﴾ مبتدأ وخبر، والأظهر - كما قال ابن الأنباري - أن كلمة