النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
الُعُ (١٩) - التَُّلِّ: ٢٧ /١-٦
الصَّلَوةَ﴾ يأتون بها تامة على وجهها المطلوب. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ يعطون
الزكاة المفروضة.﴿وَهُم بِلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي يصدقون ويعلمون بوجود
الآخرة بالاستدلال، والواو: للحال، أو للعطف، وتغيير النظم للدلالة على
قوة يقينهم وثباته، وأنهم الأوحدون فيه. ويصح أن تكون جملة اعتراضية،
كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة،
لأن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والتوثق من المحاسبة.
﴿زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ القبيحة، بأن جعلها مشتهاة للطبع، محبوبة للنفس.
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ويتحيرون فيها لقبحها وعدم إدراكهم ما يتبعها من
ضر أو نفع. ﴿سُوَّءُ الْعَذَابِ﴾ أشده في الدنيا، كالقتل والأسر يوم بدر. ﴿وَهُمْ
فِي الْأَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أشد الناس خسراناً؛ لفوات المثوبة، واستحقاق
العقوبة في النار المؤبدة عليهم.
﴿وَإِنَّكَ﴾ خطاب للنبي ◌َِّ. ﴿لَغُلَفَّى الْقُرْءَانَ﴾ لتؤتاه، ويلقى عليك بشدة.
﴿ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ من عند أحكم الحكماء وأعلم العلماء. والجمع بين
. . الصفتين، مع أن العلم داخل في الحكمة، لعموم العلم، ودلالة الحكمة على
إتقان الفعل، وللدلالة على أن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد
والشرائع، ومنها ما ليس كذلك كالقصص والإخبار عن المغيبات.
التفسير والبيان:
﴿طسَّ﴾ حروف مقطعة في أوائل السور، للتنبيه على إعجاز القرآن، كما
بينا.
﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك أيها النبي
في هذه السورة هي آيات القرآن المجموع في النهاية، وآيات الكتاب المسطور في
السطور، الواضح البيِّن، الذي سيبقى إلى يوم القيامة، ويسهل العمل به
لوضوحه وبيانه المشرق، ويستفيد منه من تأمل فيه، واستعذب حلاوة كلام
٢٨٢
الجُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ /١-٦
الله، وفكّر في عظمته وفضل الله تعالى في إنزاله وبيانه، فهو ليس من كلام
البشر، بل ولا يستطيع أحد الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه.
وعطف الكتاب على القرآن من عطف إحدى الصفتين على الأخرى، كما
بينا في المفردات، كما تقول: هذا فعل السخي والجواد والكريم. ويلاحظ أن
هاتين الصفتين مرة يذكران بالتعريف، ومرة بالتنكير، والمعنى واحد، وأن
القرآن له صفتان: قرآن وكتاب؛ لأنه يظهر بالقراءة والكتابة.
أي إن القرآن هادٍ للناس من الضلالة،
﴿هُدَى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
ومبشر المؤمنين الطائعين بالجنة وبرحمة الله تعالى.
ومعنى كون القرآن هدى للمؤمنين: أنه يزيدهم هدى على هداهم، كما
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤/٩]
وأنه يهديهم إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَسَيُّدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥/٤].
والتخصيص بالمؤمنين للدلالة على أن الهداية والبشارة إنما يحصلان لمن آمن
به، واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه. ثم ذكر تعالى مظاهر الإيمان فقال:
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾ أي إن
المؤمنين المنتفعين بالقرآن هداية وبشارة هم الذين يؤدون الصلاة كاملة
الأركان، تامة الشروط، مستحضراً فيها المصلي عظمة ربه، خاشعاً في تلاوته
ومناجاته وأذكاره وتسبيحاته، ويعطون الزكاة المفروضة المطهرة لأموالهم
وأنفسهم من الدنس والشبهات، ويوقنون بالدار الآخرة، والبعث بعد
الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، والجنة والنار، فيستعدون
للأنسب الأفضل لهم، ويطيعون ربهم فيما أمر به، وينأون عما نهى عنه
وزجر.
٢٨٣
الُجُرُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /١-٦
ثم قارن الله تعالى حال هؤلاء بحال من لا يؤمن بالآخرة، فذكر منكري
البعث بعد ذكر المؤمنين الموقنين بالبعث فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زََّا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾﴾ أي إن
الذين يكذبون بالآخرة ويستبعدون وقوعها بعد الموت، حَسَّنا لهم ما هم فيه،
ومددنا لهم في غيهم، فهم يتيهون ويترددون في ضلالهم، جزاء على ما كذبوا
من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ
بِهِ= أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠/٦].
﴿ أُوْلَهِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ اُلْأَخْسَرُونَ ﴾﴾ أي
أولئك جزاؤهم العذاب السَّيِّئ في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فمثل قتلهم
وأسرهم يوم بدر، وأما في الآخرة فلهم عذاب النار، بل هم في الآخرة أشد
الناس خسراناً، لا يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر؛ لأن
عذابهم فيها دائم لا ينقطع.
وبعد وصف حال المؤمنين بالقرآن والمكذبين به، ذكر الله تعالى حال المنزل
عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمِ ﴾﴾ أي وإنك أيها
الرسول لتأخذ القرآن وتعطاه وتتعلمه من عند حكيم في أمره ونهيه وتدبير
خلقه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها وبأحوال خلقه وما فيه خيرهم، فخبره
هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ
صِدْقًا ..
﴾ [الأنعام: ١١٥/٦].
وَعَدْلَة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من هذه الآيات ما يلي:
اً - آيات هذه السورة آيات القرآن، وآيات كتاب مبين، وهما صفتان:
صفة بأنه قرآن مقروء مجموع مصون، وصفة بأنه كتاب مكتوب، فهو يظهر
٢٨٤
لُحُ (١٩) - التَّعْل: ٢٧ /١-٦
بالقراءة ويظهر بالكتابة. وذكر القرآن بلفظ المعرفة، وذكر كتاب بلفظ النكرة،
وهما في معنى المعرفة، كما تقول: فلان رجل عاقل، وفلان الرجل العاقل.
وذلك بدليل ورودهما في سورة الحجر بالعكس: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ
(٤) فورد الكتاب بلفظ المعرفة، والقرآن بلفظ النكرة؛ لأن
وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ
القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل
صفة.
ووصف القرآن أو الكتاب بصفة ((المبين)) لأنه تعالى بيّن فيه أمره ونهيه
وحلاله وحرامه ووعده ووعيده.
اً - وكذلك آيات هذا الكتاب أو القرآن هادية ومبشرة للمؤمنين بالجنة،
أولئك المؤمنون المتصفون بأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصدقون
بالآخرة صدقاً لا شك فيه ولا تردد.
◌َّ - أما الذين لا يصدقون بالبعث فهم في حيرة وضلالة، يترددون في
مهاوي الضلال، لذا عاقبهم الله جزاء كفرهم بتزيين أعمالهم السيئة حتى
رأوها حسنة، قال الزجَّاج: ((جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم
فيه)) وهم يترددون في أعمالهم الخبيثة وفي ضلالتهم.
ولهم عدا هذا العقاب المعنوي عقاب مادي سَيِّئ في الدنيا والآخرة وهو
جهنم، وبما أنهم خسروا الآخرة بكفرهم، فهم أخسر كل خاسر.
٤ - إن تنزيل القرآن على النبي وَلّر وتعليمه إياه وتلقينه به من عند الله العلي
الحكيم بتدبير خلقه، العليم بأحوالهم وبما يصلحهم. وهذه الآية الأخيرة
تمهيد لسياق القصص التالية عن الأنبياء عليهم السلام.
٢٨٥
لُرُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٧-١٤
القصة الأولى
قصة موسى عليه السلام بالوادي المقدس
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ، إِنَّ مَانَسْتُ نَارًا سَثَانِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِيَكُمْ بِشِهَادٍ فَسِ
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ
◌َّمَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
٨
رَبِّ الْعَلَمِينَ
يَمُوسَىّ إِنَّهُ: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ وَأَلْقِي عَصَالَكْ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَُّّ
إِلَّا
كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِىِ لَا يَخَافُ لَذَىَّ الْمُرْسَلُونَ
مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجُ
بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ فِىِ تِسْعِ ءَيَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِّ إِنَهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿﴿ فَلَمَّا
جَتُهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
١٤
القراءات:
{ إِنَِّّ ءَسْتُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إنيَ آنست).
بِشِهَابٍ قَبَسِ﴾:
قرئ:
١- (بشهابٍ قبسٍٍ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (بشهابٍ قبسٍٍ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ ﴿فَسٍ﴾ بالتنوين: بدل مجرور من شهاب. ومن قرأ بغير
٢٨٦
المُعُ (١٩) - التَّضْلِّ: ٢٧ / ٧-١٤
تنوين أضاف كلمة (شهاب) إلى ﴿قَبَسٍ﴾ إضافة النوع إلى جنسه، مثل: ثوب
خزٍّ.
﴿تَصْطَلُونَ﴾ أصلها ((تصتليون)) فأبدل من التاء طاء، لتوافق الطاء في
الإطباق، ونقلت الضمة من الياء إلى اللام، فبقيت الياء ساكنة، وواو الجمع
ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي أنه بورك، وهو في
موضع رفع بـ ﴿نُودِىَ﴾ و﴿مَنْ فِ النَّارِ﴾، أي مَنْ في طلب النار، فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿اُلْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للخبر.
﴿َتَهْتَرُّ كَأَنَّهَا جَثٌ﴾ ﴿تَهْتَزُّ﴾ جملة فعلية حال من هاء ﴿رَءَاهَا﴾. و﴿ كَأَنَّهَا
جَانٌ﴾ حال أيضاً، أي فلما رآها مهتزة مشبهة جاناً، و﴿ مُدْبِرًا﴾ حال منصوب
أيضاً.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ﴿مَن﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ﴾ ﴿بَيْضَآءَ﴾ حال من ضمير ﴿تَخْرُجُ﴾. و﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ حال
من (مرسلاً) المحذوف المنصوب على الحال، لدلالة الحال عليه، أي مرسلاً إلى
فرعون.
(مُبْصِرَةً﴾ حال من الآيات، أي مبينة.
البلاغة:
﴿ وَأَلْقِ عَصَالَكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَرُّ﴾ إيجاز بالحذف، حذفت جملة: فألقاها،
فانقلبت حية، لدلالة السياق عليه.
٢٨٧
الجُُ (١٩) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
﴿حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ﴾ و﴿ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ بين كل منهما طباق.
ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً﴾ استعارة، استعار لفظ الإبصار للوضوح والبيان؛ لأن
الإبصار يكون بالعينين.
﴿كَنَّهَا جَانٌ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكرت أداة الشبه، وحذف وجه الشبه،
فصار مرسلاً مجملاً.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قَالَ﴾ أي اذكر حين قال موسى. ﴿لِأَهْلِهِ﴾ كنى عن زوجته بالأهل عند
مسيرته من مدين إلى مصر. ﴿ءَانَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد. ﴿بِخَرٍ﴾ عن حال
الطريق؛ لأنه قد ضله. وجمع الضمير في قوله: ﴿سَاتِيَكُ﴾ و﴿ءَاتِيَكُمْ﴾
و ﴿لَّمَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ مراعاة لكلمة (أهله). وأتى بالسين في قوله: ﴿سَلِيمٌ﴾
للدلالة على بعد المسافة، أو الوعد بالإتيان وإن أبطأ. وأتى بأو دون الواو
اعتماداً أو رجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه معاً، لم يعدم واحدة منهما: إما
هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين
حرمانين على عبده، وقد ظفر بكلتا حاجتيه وهما عز الدنيا وعز الآخرة.
﴿بِشِهَادٍ﴾ شعلة نار. ﴿قَسِ﴾ قطعة من النار مقبوسة أي مأخوذة من
أصلها. ﴿تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون من البرد، وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ معناه رجاء أن
تستدفئوا . ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ﴾ أي نودي بأن بارك الله، فأن مصدرية أو مخففة من
الثقيلة، أو مفسرة؛ لأن النداء فيه معنى القول ﴿مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي
بورك من في مكان النار وهو موسى والبقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى:
﴿نُودِىَ مِن شَطِ اُلْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ [القصص: ٢٠/٢٨].
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ المكان الذي حولها، والمعنى: بورك من في مكان النار ومن
حول مكانها، قال البيضاوي: والظاهر أنه عام في كل من في تلك البقعة
وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات؛ لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم
٢٨٨
لُعُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
أحياء وأمواتاً، وخصوصاً تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى. ﴿ وَسُبْحَنَ اللَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ من جملة ما نودي، ومعناه: تنزيه الله من السوء. ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ﴾
ضمير الشأن والأمر.
﴿َهْلُّ﴾ تتحرك باضطراب. ﴿كَأَنَّهَاَ جَثٌ﴾ حية خفيفة سريعة. ﴿وَلَّى مُذْبِرًا﴾
هرب. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع على عقبه. ﴿لَا تَخَفْ﴾ من غيري ثقة بي، أو
مطلقاً، لقوله: ﴿إِ لَا يَخَافُ لَدَىَّ اُلْمُرْسَلُونَ﴾ لا يخاف عندي الرسل من حية
وغيرها، حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق . ﴿إِلَّا﴾ لكن فهو استثناء
منقطع.﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه. ﴿ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أتى حسناً بعد سوء وبدل
ذنبه بالتوبة، أي تاب. ﴿فَإِنِّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أستر عليه وأغفر له وأرحمه بقبول
التوبة. والمراد من الاستثناء التعريض بموسى حينما وكز القبطي.
﴿فِ جَيْبِكَ﴾ طوق قميصك. ﴿تَخْرُجُ﴾ خلاف لونها من الأدمة أي الجلد.
﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص ونحوه من الآفات، لها شعاع يغشي البصر . ﴿في
يَسْعِ ءَيَتٍ﴾ أي تلك آية من تسع آيات أي معجزات دالة على صدقك، أو في
جملتها، والتسع: هي فلق البحر، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع،
والدم، والطمسة، وجدب واديهم، ونقصان مزارعهم. ومن عد العصا واليد
من التسع جعل الأخيرين واحداً، ولم يعد الفلق منها؛ لأنه لم يبعث به إلى
فرعون وقومه.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ تعليل للإرسال. ﴿مُبْصِرَةً﴾ بينة واضحة مضيئة.
﴿قُبِيرٌ﴾ بَيِّن ظاهر. ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا﴾ لم يقروا. ﴿وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ تيقنوا
أنها من عند الله والاستيقان أبلغ من الإيقان. ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم. ﴿وَعُلُوَّ ﴾
ترفعاً وتكبراً عن الإيمان بما جاء به موسى . ﴿فَأَنْظُرْ﴾ يا محمد. ﴿كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. قال
الزمخشري: وأي ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينات
واضحة جاءت من عند الله، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً مكشوفاً لا شبهة فيه.
٢٨٩
الجُزُ (١٩) - التَّعْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى أن القرآن المجيد متلقى من عند الله الحكيم العليم،
أمر النبي وَلّ بتلاوة بعض ما تلقاه، تقريراً له، وهو ما أورده من بعض
القصص للعظة والذكرى.
التفسير والبيان:
ابتدأ الله تعالى بالتذكير بقصة موسى كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه،
وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون
وملئه، فجحدوا بها وكفروا، واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال:
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ، إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا سَثَانِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَادٍ قَبَسِ
تَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٣)﴾ أي اذكر أيها الرسول حين سار موسى بأهله (زوجته)
من مَدْين إلى مصر، فضل الطريق في ليل مظلم، فرأى من بعيد ناراً تتأجج
وتضطرم، فقال لأهله مستبشراً بمعرفة الطريق والاصطلاء بالنار: إني
أبصرت ناراً، سآتيكم منها بخبر عن الطريق، أو آتيكم منها بشعلة نار،
تستدفئون بها في هذه الليلة الباردة.
وكان الأمر كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم هو النبوة، واقتبس منها
نوراً عظيماً لا ناراً هو نور الرسالة، كما قال:
﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
(ج) أي فلما وصل إليها، ورأى منظرها هائلاً حيث تضطرم النار في
شجرة خضراء، فلا تزداد النار إلا توقداً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة
ونضارة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء، ولم تكن ناراً، وإنما
كانت نوراً، هو نور رب العالمين، كما قال ابن عباس، فوقف موسى متعجباً
مما رأى، فنودي أن بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها، أي تبارك
٢٩٠
اِلُعُ (١٩) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
من في النور، والمكان: هو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِىَ
مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠/٢٨] وما حولها :
أرض الشام ذات البركات والخيرات؛ لكونها مهبط الأنبياء، ومبعث
الرسالات.
وقيل: من في النور هو الله سبحانه، ومن حولها: الملائكة، والأولى ما
ذكرناه.
وسبب المباركة: حدوث هذا الأمر العظيم فيها، وهو تكليم الله موسى
عليه السلام، وجعله رسولاً، وإظهار المعجزات على يده.
ولما كان هذا الحال قد يوهم بالتجسيم والمادية نزه الله تعالى نفسه عما لا
يليق بذاته وحكمته، فقال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي تنزه الله الذي
يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من
مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، والأحد الفرد الصمد
المنزه عن مماثلة المحدثات.
وقد عرف موسى أن ذلك النداء من الله تعالى؛ لأن النار كانت مشتعلة في
شجرة خضراء لم تحترق، فصار ذلك كالمعجز الدال على صدور الكلام من الله
سبحانه.
ومما يدل على صحة هذا التعليل المروي عن ابن عباس: ما أخرجه مسلم
في صحيحه وابن ماجه في سننه، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: قال
رسول الله : ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القِسْط
ويرفعه، حجابه النور، لو كشفها (١) لأحرقت سُبُحات (أنوار) وجهه كل
شيء أدركه بصره)) ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ
اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ}
(١) لعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار، وهذه رواية ابن ماجه، ورواية مسلم: ((لو كشفه)).
٢٩١
لُ (١٩) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
ثم صرح الله تعالى بإظهار كلامه فقال:
﴿يَمُوسَىّ ◌ِنَّهُ: أَنَا اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي يا موسى، إن الذي يخاطبك
ويناجيك هو الله ربُّك الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله
وأفعاله.
ثم أراه قدرته وأيده بالمعجزات، فقال تعالى:
المعجزة الأولى:
﴿ وَأَلْقِي عَصَالَّ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَرُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾ أي أمره الله
بإلقاء عصاه من يده على الأرض، فلما ألقاها، انقلبت في الحال حية عظيمة
هائلة، في غاية الكبر وسرعة الحركة معاً، فلما رآها هكذا، ولّ هارباً خوفاً
منها، ولم يرجع على عقبيه، ولم يلتفت وراءه من شدة خوفه.
فهدّأ الحق تعالى نفسه، وأزال عنه الرعب، فقال:
﴿يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَ اَلْمُرْسَلُونَ﴾ أي لا تخف يا موسى مما
ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولاً، وأجعلك نبياً وجيهاً، ولا يخاف عندي
الرسل والأنبياء إذا أمرتهم بإظهار المعجزة.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِى غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) هذا استثناء
عظيم، وبشارة عظيمة للبشر في هذا الكلام الرباني المباشر مع موسى، أي
لکن من ظلم نفسه أو غيره أو کان على عمل سمِّئ، ثم أقلع عنه ورجع وتاب
وأناب إلى ربه، فإن الله يقبل توبته؛ لأنه بدل بتوبته عملاً حسناً بعد سوء،
كما قال تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
٨٢
[طه: ٨٢/٢٠] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
[النساء: ١١٠/٤] .
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
٢٩٢
الجُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ /٧-١٤
المعجزة الثانية:
﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي أدخل يدك في جيب
قميصك(١)، فإذا أدخلتها وأخرجتها، خرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة
قمر، لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف، من غير آفة بها كبرص وغيره.
ويلاحظ أن المعجزة الأولى كانت بتغيير ما في يده وقلبها من جماد إلى
حيوان، والثانية بتغيير يده نفسها وجعلها ذات أوصاف نورانية.
﴿فِي تِسْعِ ◌َيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهٍِ﴾ أي هاتان المعجزتان أو الآيتان في جملة أو
من تسع آيات أخرى أؤيدك بهن، وأجعلها برهاناً لك، مرسلاً بها إلى فرعون
وقومه، كما قال: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١/١٧].
﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ أي لأنهم كانوا قوماً عصاة خارجين عن دائرة
الحق، بتأليه فرعون. وهذا تعليل لما سبق من تأييده بالمعجزات.
ثم كان اللقاء مع فرعون وقومه، فقال تعالى:
﴿ فَلَمَّا جَتُهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ أي فلما جاءت
فرعون وقومه آياتنا التسع بينة واضحة ظاهرة دالة على صدق موسى وأخيه
هارون، أنكروها وقالوا: هذا سحر واضح ظاهر، وأرادوا معارضته
بسحرهم فغلبوا وانقلبوا صاغرين. وعبّر بقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ للدلالة على أنها
لفرط وضوحها كأنها تبصر نفسها. ونظراً لهذا الوضوح فيها صدقوا بها في
قلوبهم، وكذبوا بها في الظاهر بألسنتهم فقال تعالى:
﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ أي وأنكروها وكذبوا بها في
ظاهر الأمر مكابرة بالألسنة وعناداً، وتيقنوا وعلموا في أنفسهم أنها حق من
(١) هو الفتحة التي يدخل منها الرأس ثم يتدلى الثوب إلى الصدر والجسد.
٢٩٣
اِلُ (١٩) - التَعْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
عند الله ظلماً من أنفسهم واستكباراً عن اتباع الحق، كما جاء في آية أخرى:
﴿فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦/٢٣].
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر أيها الرسول وكل سامع
كيف كان عاقبة أمر فرعون وقومه في إهلاك الله إياهم وإغراقهم عن آخرهم
في صبيحة واحدة. وفي هذا تحذير لمكذبي الرسل الذين أرسلهم الله لهداية
البشرية.
والمعنى: فاحذروا أيها المكذّبون لمحمد وَطلته، الجاحدون لما جاء به من عند
ربه أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك بطريق الأولى والأحرى؛ لأن النبوات
ختمت برسالته، ولأن القرآن المنزل عليه مصدِّق لما بين يديه وما تقدمه من
الكتب السابقة ومهيمن عليها، ولبشارات الأنبياء به وأخذ المواثيق له،
ولتأييده بأدلة دالة على صدق نبوته أكثر من موسى عليه السلام وغيره من
الأنبياء والرسل، وعلى رأسها معجزة القرآن المجيد، كما أخبر تعالى في مطلع
هذه السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
تكررت قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم في سور عديدة، لما
تضمنت من العظة والعبرة التي تتجلى في قهر الله أكبر قوة عاتية بشرية وتحطيم
جبروت سلطة ظالمة غاشمة، على يد رجل أعزل من السلاح هو وأخوه هارون
إلا أنهما قويان بقوة الله، وقوة الإيمان، وعظمة النبوة.
وهي أول قصة حكاها القرآن في هذه السورة على أثر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ
لَتْلَى الْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾ أي خذ يا محمد من آثار حكمة الله
وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله: ﴿إِّ ءَانَسْتُ نَارًا﴾.
مشى موسى عليه السلام هو وزوجته من مدين إلى مصر، وشأنه ككل بشر
٢٩٤
جزءُ (١٩) - التَّخْلِ: ٢٧ / ٧-١٤
عادي، يحار في الصحراء، ومفارق الطرق، وفي الليالي الظلماء الباردة
العاصفة، فضل الطريق، وأحس هو وزوجته بالحاجة إلى الدفء، كما يحس
المسافر العادي بالحاجة إلى النار أثناء البرد.
واستدرجه ربّه فيما يناسب ظرفه والمناخ الذي يكتنفه، فرأى ناراً من
بعيد، فبشّر أهله بما رأى، وأنه سيأتي بشعلة نار منها، ويهتدي بأهل النار إلى
الطريق، إذ النار لا توقد وحدها من دون شخص يوقدها.
ولكنه فوجئ بنقيض مقصوده، لما جاء المكان الذي ظن أنه نار، وهي
نور، وذلك أنه لما رأى موسى النار وقف قريباً منها، فوجدها تخرج من فرع
شجرة خضراء شديدة الاخضرار، يقال لها العُلَّيق، لا تزداد النار إلا عظماً
وتضرّماً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسناً، وأراد أن يقتطع منها غصناً
ملتهباً، فلم يتمكن، حتى تبين أنها مباركة، ثم نودي: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ
وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي ناداه الله مباركاً مكان النار، ومن حولها: الملائكة والبقعة
وموسى. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيًّا إبراهيم على ألسنة
الملائكة حين دخلوا عليه؛ قال: ﴿رَحْمَتُ اْللَّهِ وَبَرَكَنُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
[هود: ١١/ ٧٣] .
والخلاصة: إن هذه النار التي رآها موسى فيض من نور الله، تمهيداً لتكليم
الله موسى وتحيته وجعله نبياً رسولاً، وتنزيهاً وتقديساً لله رب العالمين، علماً
بأن هذا الكلام الأخير من قول الله تعالى تعليماً لنا، وقيل: إن موسى عليه
السلام قال حين فرغ من سماع النداء: استعانة بالله تعالى وتنزيهاً له.
وكانت فاتحة خطاب الله لموسى إظهار عظمة الله وعزته وحكمته البالغة:
﴿إِنَّهُ: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي إنني أنا الله الغالب القاهر الذي ليس كمثله
شيء، الحكيم في أمره وفعله.
ثم جعل له تسع آيات دليلاً وبرهاناً على نبوته، وأهمها وأبرزها: العصا
٢٩٥
الُهُ (١٩) - التَّعْلِّ: ٢٧ /٧-١٤
واليد، فكان إذا ألقى عصاه من يده، صارت حية تهتز كأنها جانّ، وهي الحية
الخفيفة الصغيرة الجسم، وقيل: إنها كبيرة ضخمة ذات حركة سريعة. وإذ
أدخل يده في جيب ثم أخرجها أصبحت ذات مصدر إشعاع ونور كالقمر.
ومن الطبيعي أن يخاف موسى عليه السلام لأول مرة من الحية المضطربة
المتحركة التي يخشى الإنسان من لدغها بالفطرة، ففرَّ هارباً منها، ولم يرجع ولم
يلتفت إلى ما وراءه، فطمأنه ربه العلي العظيم قائلاً: ﴿إِنِّ لَا يَخَافُ لَدَىَّ
اُلْمُرْسَلُونَ﴾ وهذا خبر بالرسالة والنبوة.
ثم استثنى استثناء منقطعاً من خلاف جنس المستثنى منه فقال: ﴿إِلَّا مَنْ
ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي لكن لا يخاف من ظلم وعصى وأساء، ثم
تاب وأناب لربه، فالله غفور لمن تاب، رحيم بمن أناب. وهذا تثبيت لموسى
بأنه ليس من شأنه الخوف، وتطمين له بأن ربَّه غفر له بعد أن تاب من حادث
قتل القبطي وهو شاب حَدَث قبل النبوة. أما بعد النبوة فالأنبياء معصومون
من الصغائر والكبائر.
ثم أخبره ربه بأنه مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه الفاسقين، أي
الخارجين عن طاعة الله، فأظهر موسى عليه السلام لهم معجزاته الباهرة الدالة
على صدقه دلالة واضحة بيِّنة، فجروا على عادتهم في التكذيب، وأنكروها
وعاندوها في الظاهر، ولكنهم تيقنوا من صدقها في الباطن أو في القلب،
وأنها من عند الله، وأنها ليست سحراً، غير أنهم تجاهلوا ذلك، وجحدوا بها
جحوداً ظلماً وعلواً واستكباراً كشأن كل العتاة المتكبرين.
ثم أوجز الله تعالى العبرة من هذه القصة بتلك العبارة التي ختمت بها فقال:
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي انظر يا محمد كيف كان مصير أو
آخر أمر الكافرين الظالمين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه، ولينظر أيضاً كل
عاقل، وليعتبر بالنتائج الحادثة بأسباب تؤدي إليها في سنة الله ونظامه.
٢٩٦
لُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩
القصة الثانية
قصة داود وسليمان عليهما السلام
- ١ -
نعم الله الجليلة عليهما
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ فَضَلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدِّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الَطَّيْرِ
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ
وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىِّءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
حَتَّىَ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ
اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
يَأَيُّهَا النَّمْلُ: ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
١٨
فَنَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىِّ أَنْعَمْتَ عَّ
وَعَلَى وَالِدَكَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
١٩ )
القراءات:
﴿ أَوْزِعْنِىّ أَنْ﴾:
وقرأ ورش، والبزي (أوزعنيَ أن).
الإعراب:
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ خاطبهم مخاطبة من يعقل لما
وصفهم بصفات من يعقل.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ﴿لَا﴾ الناهية، ولهذا دخلت النون المشددة في
(يَخْطِمَنَّكُمْ﴾.
٢٩٧
(١٩) - التَّصل: ٢٧ /١٥-١٩
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ جملة حالية.
البلاغة:
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فيه حسن الاعتذار والالتفات.
﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُوُهُ وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ﴾ فيه نداء، وتنبيه، وأمر بالدخول، وبيان الملجأ والمأمن، والتحذير،
وتخصيص سليمان، ثم التعميم، والاعتذار الحسن.
المفردات اللغوية:
﴿عِلَمًا﴾ هو علم الشرائع والأحكام والقضاء بين الناس ومنطق الطير
وغير ذلك. ﴿وَقَالَا﴾ شكراً لله، وعطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما
أتيا به في مقابلة هذه النعمة، كأنه قال: ففعلا شكراً له ما فعلا، وقالا:
الحمد لله ﴿اُلَّذِى فَضَّلَنَا﴾ بالنبوة والعلم وتسخير الجن والإنس والشياطين على
من لم يؤت علماً. وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله، حيث شكرا على
العلم وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبروا ما دونه من الملك. وفيه أيضاً
تحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع.
﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرةٌ﴾ النبوة والعلم أو الملك دون باقي أولاده الذين كانوا
تسعة عشر ﴿عُلِّمْنَا مَنِطِقَ الَّيْرِ﴾ أي علمنا فهم ما يريده كل طائر إذا صوَّت،
والمنطق والنطق: الصوت المعبر عما في النفس. ﴿ وَأُوِيِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ تؤتاه
الأنبياء والملوك، وفيه التحدث بنعمة الله، ودعوة الناس إلى التصديق بالمعجزة
التي هي علم الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المؤتى. ﴿لَّوَ
اٌلْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ البَيِّن الظاهر. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفّون، ويجمعون بأن يوقف
أوائلهم لتلحقهم أواخرهم من الوزع: الكف والمنع. ﴿وَحُشِرَ﴾ جمع. ﴿وَادِ
النَّمْلِ﴾ وادٍ في بلاد الشام كثير النمل، وقيل: في بلاد اليمن. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾
٢٩٨
الجُزُ (١٩) - التَكُلِ: ٢٧ / ١٥-١٩
هي ملكة النمل، وقد رأت جند سليمان. ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ أصله: لا
يحتطمنكم، وهو نهي لهم عن الحطم أي عن التوقف بحيث يحطمونها
ويكسرونها، وهو مثل قولهم: لا أرينك هاهنا. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم
يحطمونكم، إذ لو شعروا لم يفعلوا، كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم
والإيذاء. وقد نزل النمل منزلة العقلاء، في الخطاب بخطابهم.
﴿فَلَبَسَّمَ﴾ سليمان. ﴿ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ تعجباً من تحذيرها واهتدائها إلى
مصالحها أو سروراً بما خصه الله به من إدراك همسها وفهم غرضها.
﴿ أَوْزِعْنِىّ﴾ ألهمني. ﴿ وَعَلَى وَلِدَكَ﴾ أدرج في دعائه ذكر والديه تكثيراً للنعمة أو
تعميماً لها، فإن النعمة عليهما نعمة عليه، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما.
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنْهُ﴾ تماماً للشكر واستدامة للنعمة. ﴿فِى عِبَادِكَ
الضَّالِحِينَ﴾ أي أدخلني في عدادهم الجنة، وهم الأنبياء والأولياء.
المناسبة:
هذه قصة ثانية بعد قصة موسى عليه السلام تبين آثار حكمة الله، وتعليمه،
وإنزال القرآن، وأنه من حكيم عليم، ففيها يخبر الله تعالى عما أنعم به على
داود وسليمان من النعم الجليلة والصفات الجميلة، وما جمع لهما من سعادة
الدنيا والآخرة بإيتاء النبوة والمُلْك معاً.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ
عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (٣) أي ولقد أعطينا كلاً من داود وابنه سليمان طائفة من
العلم هو علم الشرائع والأحكام والقضاء بين الناس، وعلمنا داود صنعة
دروع الحرب، وعلمنا سليمان منطق الطير، فشكرا الله تعالى على نعمه،
وقالا: الحمد لله الذي فضَّلنا على كثير من العباد المؤمنين بهذه العلوم
والمعارف الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ولم يؤتهم مثلنا.
٢٩٩
لُ (١٩) - التَضْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩
وهذا دليل على فضل العلم الذي لم يكن الملك إلا دونه، وعلى رفع مرتبة
العلم والعلماء، كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١/٥٨] وهو حث للعالم على شكر النعمة وعلى
التواضع، فلم يفضلا أنفسهما على الكل، وإنما على الكثير، وتذكير بأن يعتقد
العالم أنه وإن فضل على كثير فقد فضل على الكثير أناس مثله. وأشرف مراتب
العلم: العلم بالله وبصفاته. روى ابن أبي حاتم أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله
كتب: إن الله لم ينعم على عبده نعمة، فيحمد الله عليها، إلا كان حمده أفضل
من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ
﴾ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان عليهما السلام.
١٥
الْمُؤْمِنِينَ
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدَّ﴾ أي خلف سليمان أباه داود بعد موته في ميراث
النبوة والعلم والْمُلْك، وليس المراد وراثة المال؛ لأنه خصص بهذا الإرث عن
بقية أولاد داود الكُثُر، ولأن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك
رسول الله 19 في قوله فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
عائشة: ((نحن معاشر الأنبياء لا نُورثُ، ما تركنا صدقةٌ)).
وكان داود أكثر تعبداً من سليمان، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله،
وكان أعظم ملكاً من أبيه، فقد أُعطي ما أعطي داود، وزيد له تسخير الريح
والشياطين، ومعرفة لغة الطيور، كما أخبر تعالى معدداً بعض نعم الله عليه:
اً . تعليمه منطق الطير:
﴿ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَطَّيْرِ﴾ أي قال سليمان متحدثاً بنعمة الله
عليه أن ربه علّمه لغة الطير والحيوان إذا صوَّت، فأستطيع التمييز بين مقاصده
من نوع تصويته. وربما فهم بعض الناس الذين يقدمون خدمات للحيوان
بعض أصوات الحيوانات، كالخيول والبغال والحمير والأبقار والإبل
٣٠٠
لُ (١٩) - التَّصْلِ: ٢٧ / ١٥-١٩
والقطط، فيدركون رغبتها في الأكل أو الشرب، ويفهمون تألمها عند المرض
أو الضرب. وأدرك أناس في العصر الحديث كثيراً من لغات الطيور حال
الحزن أو الفرح أو الحاجة إلى الطعام والشراب والاستغاثة وغير ذلك
بالتجربة والملاحظة وتشابه النغمات في حال واحدة، كما حاولوا معرفة لغات
الحشرات كالنمل والنحل.
قال البيضاوي: ولعل سليمان عليه السلام كان إذا سمع صوت حيوان،
علم بقوّته الحدسية التخيل الذي صوَّته، والغرض الذي توخاه به، ومن ذلك
ما حُكي: أنه مرَّ ببلبل يصوِّت ويرقص، فقال سليمان: إنه يقول: ((إذا أكلتُ
نصفَ تمرة فعلى الدنيا العَفَاءُ)) وصاحت فاختة(١)، فقال: إنها تقول: ((ليت
الخلق لم يُخْلَقوا)) فلعل صوت البلبل كان عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة
عن مقاساة شدة وتألم قلب.
﴿وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي وأعطينا خيراً كثيراً من كل شيء في الدين
والدنيا من مُلْك وثروة. وهذا الأسلوب كما ذكر الزمخشري يراد به كثرة ما
أوتي كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد كثرة قصّاده
ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه، ومثله قوله تعالى في مقال الهدهد
عن بلقيس: ﴿وَأُوْتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣/٢٧].
والضمير في ﴿عُلِمْنَا﴾، ﴿ وَأُوْتِنَا﴾ لسليمان ولأبيه، أو له وحده، على عادة
الملوك، لمراعاة قواعد السياسة.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي إن هذا المؤتى من الخيرات والنعم من
النبوة والملك والحكم، لهو الفضل الإلهي الظاهر البيِّن الذي لا يخفى على
أحد، وهو فضل الله علينا. وهو قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة، كما
(١) نوع من الحمام البري، جمع فواخيت.