النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ لُحُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ٦٩-٨٢ وإظهاراً لما في نفوسهم من الابتهاج. ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾ حين تدعون. ﴿أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ﴾ حين تعبدونهم. ﴿أَوْ يَضُرُونَ﴾ أي يضرونكم إن لم تعبدوهم. ومجيئه مضارعاً مع ﴿إِذْ﴾ على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها . ﴿ كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ مثل فعلنا، لم يجدوا جواباً إلا التمسك بالتقليد. ﴿ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَفْدَمُونَ﴾ التقدم لا يدل على الصحة، ولا ينقلب به الباطل حقاً. ﴿عَدُوٌّ لِ﴾ لا أعبدهم، والمراد أنهم أعداء لعابديهم؛ لأنهم يتضررون من جهتهم، لكنه صوَّر الأمر في نفسه تعريضاً لهم، فإنه أنفع في النصح من التصريح، وإشعاراً بأنها نصيحة بدأ بها نفسه، ليكون أدعى إلى القبول. وإفراد لفظ (العدو) لأنه في الأصل مصدر أو بمعنى النسب أي عدوي، أجراه على النسب. ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ لكن ربّ العالمين فإني أعبده، استثناء منقطع. ﴿فَهُوَ يَهَّدِينِ﴾ إلى الدين؛ لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد، هداية مطردة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب [الأعلى: ٣/٨٧] المنافع ودفع المضارّ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى وتبدأ الهداية في الإنسان من وقت هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، وتنتهي إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها . ﴿أَطْمَعُ﴾ أرجو. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ الجزاء. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى في أول السورة شدة حزن محمد پڼ بسبب كفر قومه، ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة حصلت لموسى فيكون ذلك تسلية له، ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم عليه السلام ليعرف محمد أيضاً أن حزن إبراهيم كان أشد من حزنه؛ لأنه يرى أباه وقومه في النار، وهو لا يتمكن من إنقاذهم، وكل ذلك إشارة إلى أن معارضة الرسل من أقوامهم أمر قديم ومستمر، فلا داعي للغم والحزن. ١٨٢ الزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٦٩-٨٢ التفسير والبيان: هذا هو الفصل الأول من قصة إبراهيم إمام الحنفاء عليه السلام مع قومه، موضوعه الإنكار على قومه عبادة الأصنام مع الله عزّ وجلّ، وتبيان صفات الربّ الذي يجب أن يعبد، فقال تعالى: إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ ٦٩ ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِنَّهِيمَ واتل يا محمد على أمتك خبر إبراهيم عليه السلام، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل على الله، وعبادته وحده لاشريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من صغره إلى كبره، ولما شبَّ أنكر على قومه عبادة الأصنام، وقال لأبيه وقومه: ما الذي تعبدونه؟ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ليلفت نظرهم إلى أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل. فأجابوه مقرين بعبادة الأصنام، ومظهرين لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بها: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَا عَلَكِفِينَ ﴿4﴾ أي قال قوم إبراهيم: نعبد هذه الأصنام، وندوم مقيمين على عبادتها في الليل والنهار. فناقشهم في جدوى تلك العبادة متعجباً من فعلهم: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (®﴾؟ أي قال إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، وهل يجلبون لكم نفعاً أو يدفعون عنكم ضرراً؟ إذ ما الفائدة من عبادة لا هدف لها؟ فهل تفكرون قليلاً، وتتأملون كثيراً فيما تفعلون؟ وكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه؟ لم يجدوا جواباً مقنعاً يرد حجة ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَّءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ إبراهيم إلا التمسك بالتقليد الأعمى الآباء والأجداد، وليس لهم حجة مقبولة لتسويغ عبادتها وتقديسها. وهذا من أقوى الأدلة على فساد التقليد في ١٨٣ الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٦٩-٨٢ العقائد ووجوب الاعتماد على الاستدلال العقلي المقنع؛ لأن الله أورد ذلك ذماً لطريقة الكفار وإنكاراً لمنهجهم. فتقوَّى إبراهيم في تقريعهم وتوبيخهم وتحديهم، فسألهم: فَهُمْ عَدُوٌّ لِ إِلَّا ٧٩ ﴿أَفَيْتُم ◌َا كُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَعُونَ رَبَّ اٌلْعَلَمِينَ (٣)﴾ أخبروني عن حال ما تعبدونه، أنتم وآباؤكم وأجدادكم الغابرون من قديم الزمان إلى الآن، هل حققت هذه العبادة شيئاً، وهل استحقت تلك الأصنام الجمادات التي لا تسمع ولا تنطق عبادة العابدين؟ فإن كان لهذه الأصنام تأثير، فلتجلب إلي الإساءة والأذى، فإني عدو لها لا أعبدها، ولا أبالي بها، ولا أفكر فيها. وهذا استهزاء منه بعبدة الأصنام، وتحدٍ صارخ لصحة ما يعبدون. لكن ربّ العالمين الذي خلقني ورزقني، وهو وليي في الدنيا والآخرة هو الذي أعبده وأنحني إجلالاً لعظمته وعزته، فعبادتي للأصنام عبادة للعدو، لذا اجتنبتها، وآثرت عبادة من بيده الخير كله. وهذا نصيحة لنفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه. وهذا نظير قول نوح عليه السلام: ﴿فَأَجْمِعُوْ أَفْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةُ ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَّ وَلَا نُنظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١/١٠] وقول هود عليه السلام: ﴿إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ، مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ ﴿ إِّى تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذُ [هود: ١١ / ٥٤ -٥٦]. ٥٦ بِنَاصِيَنْهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ثم أكد إبراهيم أنه لا يعبد إلا المتصف بهذه الأوصاف الخمسة وهي: أَ - ﴿الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَدِينِ (﴾ أي هو الخالق المبدع الموجد الذي خلقني وغيري من المخلوقات، وهو الذي يهديني دائماً لما فيه الخير في الدنيا ١٨٤ للزُعُ (١٩) - الشراء: ٢٦ / ٦٩-٨٢ ٢ وَالَّذِى قَذَّرَ فَهَدَى والآخرة، كما قال: ﴿الَّذِىِ خَلَقَ فَسَوَى [الأعلى: ٣ ٢/٨٧-٣] أي الخالق الذي قدر قدراً، وسوى المخلوق في أحسن تقويم، وهدى الخلائق إليه، فكلُّ يجري على ما قدر له، فبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع لكل منتفع. ◌َ - ﴿وَاَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِيْنِ ﴾ أي هو خالقي ورازقي بما يشَر من ٧٩ الأسباب السماوية والأرضية، فأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من الثمرات المختلفة رزقاً للعباد، وأوجد الأنعام وغيرها، فوفر للإنسان الطعام والشراب وغيرهما من كل ما يتصل بالرزق. ◌َ - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾﴾ أي وإذا طرأ علي مرض، فهو تعالى الذي ينعم علي بالشفاء منه. ويلاحظ أنه نسب المرض إلى نفسه ولم يقل : أمرضني، تأدباً مع الله، وإن كان المرض والشفاء من الله عزّ وجلّ جميعاً، وكلاهما يحدث بقدر الله وقضائه، كما قال تعالى آمراً المصلي أن يقول: ﴾ [الفاتحة: ٦/١] ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧/١] أسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، وحذف فاعل الغضب أدباً وأسند الضلال إلى البشر، وكما قال فتى موسى: ﴿ وَمَآ أَنَسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣/١٨]، وكما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ [الجن: ١٠/٧٢]. وهنا أضاف بِمَنْ فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ ◌ِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا إبراهيم المرض إليه، أي إذا وقعتُ في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غير الله بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. ٤ - ﴿وَالَّذِى يُمِنُنِ ثُمَّ يُحِبِينِ ﴾﴾ أي وهو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، والمراد منه الإماتة في الدنيا، والإعادة والبعث في الآخرة، بدليل عطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾. ٥ - ﴿ وَاَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِ خَطِيّئَتِ يَوْمَ الدِّينِ (ج﴾ أي وهو الذي ١٨٥ لُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٦٩-٨٢ أرجو أن يستر ذنبي يوم القيامة، فإنه لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، كما قال: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٥]. وإنما قال ﴿أَطْمَعُ﴾ مع أنه ◌َِّ كان قاطعاً بذلك؛ لأنه لا يجب على الله .. لأحد شيء، فاستعمال الرجاء والظن للدلالة على أن الثواب ورفع العذاب فضل من الله ونعمة. وأسند إلى نفسه الخطيئة، مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا قطعاً، مريداً بذلك تسمية ما صدر عنه من عمل هو خلاف الأولى خطيئة، استعظاماً له. وعلّق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؛ لأن أثرها يظهر يوم الدين. وقال: ﴿لَّ﴾ في قوله: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيّئَتِ﴾ لبيان أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه البتة. والخلاصة: إن هذا من إبراهيم عليه السلام إظهار للعبودية، وإن كان يعلم أنه مغفور له. جاء في صحيح مسلم عن عائشة: ((قلت: يا رسول الله، ابن جُدْعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعُه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: ربِّ اغفر لي خطيئتي یوم الدین)). ويوم الدين: هو يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. فقه الحياة أو الأحكام: إن إيراد قصة إبراهيم عليه السلام هنا كان لتنبيه المشركين على فرط جهلهم إذا رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه، وهو أبوهم، ولُيُسرَّى(١) عن النبي وَّل مما وقع فيه من هم وغم وحزن الإعراض قومه عن الإيمان برسالته. (١) سُرِّي عنه، وانسرى عنه الهم: انكشف. ١٨٦ الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٦٩-٨٢ وتتضمن القصة نقاشاً حاداً بين سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وبين أبيه وقومه في فائدة عبادة الأصنام، حرصاً على عدم إضاعة جهودهم سدى، فإن العبادة تكون عادة لفائدة، ويدرك كل عاقل أن هذه الأصنام الجمادات لا تأتي بخير أو رزق، ولا تملك لأحد خيراً، كما لا تدفع عنه ضراً إن عصيت، فإذا لم ينفعوكم أيها الوثنيون ولم يضروا، فما معنى عبادتكم لها؟ ولما وجدوا هذه الحجة مقنعة وقاطعة في الإفهام وإثبات المراد، لجؤوا إلى التمسك بالتقليد الآباء والأجداد من غير حجة ولا دليل. وفي هذا دلالة كافية على ذم التقليد وفساده في شأن العقائد، وأنه لا بد في تكوينه وإثباته من الاعتماد على الدليل المقنع المنطقي. فأكد إبراهيم الخليل قوله السابق، وأفهم هؤلاء القوم الجهلة بأن عبادة هذه الأصنام ضرر محض لعابديها، وأنه لا تنبغي العبادة إلا لله ربّ العالمين من الإنس والجن والملائكة، فمن عبده انتفع ودفع الضرر عن نفسه في الدنيا والآخرة، ومن أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى. ثم إن صفات هذا المعبود بحق تستوجب عبادته والتقرب إليه، فهو الخالق الهادي المرشد إلى الدين الحق، وهو الذي يرزق الطعام والشراب وغيرهما من المنافع، لا غيره، وهو الشافي المعافي، وهو المميت والمحيي، أي الموجد من العدم، ثم المفني، ثم الباعث البعث، وهو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الفعال لما يشاء. ١٨٧ المُرعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٨٣-٨٩ - ٢ - دعاء إبراهيم عليه السلام دعاء المخلصين الأوابين وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِى ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ اُلَخِرِينَ وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ٨٤ ٨٦ وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴿َ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨) إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ ٨٩ سَلِيمِ القراءات: لِأَبِّ إِنَّهُ﴾ : وقرأ نافع (لأبيَ إنه). البلاغة: ﴿ وَأَجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِ آلْأَخِينَ استعارة، استعار اللسان للذكر (٨٤) الجميل والثناء الحسن. المفردات اللغوية: ﴿حُكْمًا﴾ فهماً وعلماً بالخير وعملاً به ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء، والمراد: وفقني للأعمال التي تجعلني في زمرة الصالحين البعيدين عن صغائر الذنوب وكبائرها . ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناء حسناً وصيتاً طيباً في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، بتوفيقي للعمل الصالح، حتى يقتدي بي الناس . ﴿فِ الْآَخِرِينَ﴾ الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. ﴿مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة، أي ممن يعطاها ويتمتعون بها، كما ١٨٨ الجزءُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٨٣-٨٩ يتمتع الناس بميراث الدنيا . ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ﴾ بأن توفقه للهداية والإيمان وتتوب عليه، فتغفر له؛ لأن المغفرة مشروطة بالإسلام، فهذا دعاء لأبيه بالإسلام. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ﴾ طريق الحق أي المشركين. وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله . ﴿ وَلَا تُخْرِ﴾ لا تهنّي، من الخزي: وهو الهوان، أو من الخزاية وهي الحياء . ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي الناس، فالضمير للعباد؛ لأنهم معلومون أو للضالين . ﴿إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿4﴾ أي مخلصاً سليم القلب من الكفر والنفاق وميل للمعاصي، وهو قلب المؤمنين. المناسبة: بعد أن أثنى إبراهيم عليه السلام على ربه وعظم شأنه، وعدَّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، أتبع ذلك بالدعاء بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوَّابين، وهذا على ما هو مطلوب من تقديم الثناء على الدعاء. التفسير والبيان: سأل إبراهيم الخليل ربّه أموراً في هذه الدعوات تجعله من الأخيار المصطفين، للتعليم والاقتداء به، وتلك الأمور هي: اً - ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا﴾ أي امنحني يا رب علماً وفهماً ومعرفة تُنير بها قلبي للتعرف على صفاتك، وإدراك الحق والصواب لأعمل به. أَ - ﴿ وَأَلْحِقِى بِلْضَلِينَ﴾ أي وفقني لطاعتك، لأنتظم في زمرة الكاملين في الصلاح المنزهين عن الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، واجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي وَلّ عند الاحتضار: ((اللهم في الرفيق الأعلى)) قالها ثلاثاً. وقال ومَّله في دعائه: ((اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدِّلين)). ١٨٩ لُرءُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ٨٣-٨٩ وقد أجاب الله دعاء إبراهيم كما قال: ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧/٢٩] . ◌َ - ﴿ وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴿﴾ أي واجعل لي ذِكْراً جميلاً بعدي، أُذكر به في الدنيا، بتوفيقي للعمل الصالح، فيقتدى بي في الخير. سَلَمُّ عَلَىَ إِنْزَهِيمَ ١٠٨ ﴿ وَتَرَكِنَا عَلَيْهِ فِى الْآخِرِينَ فأجاب الله دعاءه كما قال: ١٠٩ كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ([gَ﴾ [الصافات: ١٠٨/٣٧-١١٠]. قال مجاهد وقتادة: اللسان الصدق: يعني الثناء الحسن. وقد اتفقت الملل على محبة إبراهيم عليه السلام وجعله قدوة في الدين. وبعد أن طلب سعادة الدنيا، طلب ثواب الآخرة، فقال: ٤ - ﴿وَأَجْعَلْنِى مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾﴾ أي واجعلني من أهل الجنة الذين يتمتعون بخيراتها ونعيمها، کما يتمتع الوارث بإرث غيره في الدنيا. وبعد أن طلب لنفسه السعادة الدنيوية والأخروية طلبها لأبيه وليّ نعمته وسبب وجوده، فقال: ج) كما قال: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ هَ - ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِينَ وَلِوَالِدَىَّ﴾ [إبراهيم: ٤١/١٤] أي اغفر له ذنوبه ووفقه للتوبة والإسلام، فإنه ضالّ عن طريق الهدى والحق، أي إنه مشرك. وهذا وفاء بما وعده من قبل، وقبل أن يتبين أنه عدو الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ, عَدُوٌ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ [التوبة: ٩ /١١٤] . إِبْرَهِيمَ لَأَوَّةُ حَلِيٌِّ (وَ)) ثم طلب الستر التام في الآخرة فقال: ° - ﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) أي لا تفضحني بعتاب على ما فرطت، ١٩٠ الجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٨٣-٨٩ أو بنقص منزلة عن وارث، وأجرني من الخزي والهوان يوم القيامة ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وهذا مبالغة منه رَله في تحري الكمال والسلامة والنجاة، في يوم شديد الأهوال، وصفه فقال: ﴿يَوَمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨) إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمِ (﴿3﴾ أي ذلك اليوم الذي لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، ولا أولاده ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً، وإنما ينفع يومئذ الإيمان بالله تعالى، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله. فالمراد بالقلب السليم: هو الخالي من العقائد الفاسدة والأخلاق المرذولة والميل إلى المعاصي، وعلى رأسها الكفر والشرك والنفاق، وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: القلب السليم: هو القلب الصحيح وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ﴾ [البقرة: ١٠/٢]. فقه الحياة أو الأحكام: جمع إبراهيم الخليل عليه السلام في دعائه هذا خيري الدنيا والآخرة، فطلب أن يؤتيه الله علماً وفهماً ومعرفة بالله عز وجل وبحدوده وأحكامه. ثم طلب أن يخلد ذكره الجميل في الدنيا، ويمنح الثناء الحسن بالتوفيق لصالح العمل، وقال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه، ثم سأل الله أن يكون من أهل الجنة الذين يتمتعون بنعيمها. روى أشهب عن مالك قال: قال الله عز وجل ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٤: لا بأس أن يحبَّ الرجل أن يُثنى عليه صالحاً، ويرى في عمل الْأَخِرِينَ الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: ٣٩/٢٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ﴾ [مريم: ٩٦/١٩] أي حباً في قلوب عباده، وثناء حسناً. فنبه الرَّحْمَنُ وُدَّا ﴾ [الشعراء: ٨٤/٢٦] على تعالى بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِينَ استحباب اكتساب ما يورث الذكْر الجميل، فهو الحياة الثانية. ١٩١ الجُزءُ (١٩) - الشعراء: ٨٣/٢٦-٨٩ وفي هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، قال النبي ◌َّ - فيما يرويه مسلم والبخاري في الأدب وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن أبي هريرة -: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). ثم سأل الله تعالى أن يوفق أباه، ويهديه للإسلام والإيمان، ويخرجه من الشرك، لأن أباه وعده في الظاهر أن يؤمن به، فاستغفر له لهذا، فلما بان أنه لا يفي بما قال، تبرأ منه. وختم إبراهيم دعاءه بالستر التام والسلامة والنجاة فقال: ﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (49) أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة. ثبت في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ◌َ ل﴿ قال: ((إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة، عليه الغبرة والقَتَرة)) والغبرة هي الفترة. وفي البخاري أيضاً عن النبي وَّم قال: ((يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربّ، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين)). ووصف إبراهيم يوم القيامة بأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون أحداً، ولكن ينفع القلب السليم وهو الخالص من الشك والشرك. أما الذنوب فلا يسلم منها أحد، وهذا رأي أكثر المفسرين. وخص القلب بالذكر؛ لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت الجوارح. ومن المعلوم أن ذكر الله تعالى على الدوام من أهم حالات وأسباب ترويض القلوب على السلامة والخلوص من الأوصاف الذميمة، والاتصاف بالأوصاف الجميلة، جاء في الأثر أو الحديث القدسي عن الله تعالى فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري: ((من شَغَله القرآن عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلين)). وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان ١٩٢ الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٩٠-١٠٤ قال: لما نزلت ﴿وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ﴾ الآية، قال بعض أصحاب رسول الله وَ له، لو علمنا أيُّ المال خير اتخذناه، فقال رسول الله وَالر: ((أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه)». والخلاصة: إن هذه الأدعية من أبي الأنبياء وإمام الحنفاء تهدف إلى التوجيه والتعليم والاتِّباع والالتزام، فما علينا إلا تردادها والعمل بها. - ٣ - أوصاف يوم القيامة وثواب الله وعقابه وندم المشركين على ضلالهم وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُمْ ٩١ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَقِينَ فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَنْنَصِرُونَ تَعْبُدُونَ ثَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ٩٠ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ٩٤ ضَكَلِ مُّبِينٍ ( فَمَا ٩٩ وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ ٩٨ ) إِذْ نُسَوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٩٧ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَ صَدِيقٍ حَميم ١٠٠ لَنَا مِن شَّافِعِينَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ القراءات: ١٠٤ ـ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ١٠٣ ﴿وَقِيلَ﴾ : بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. الإعراب: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ إما تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ، وخبره ما بعده، وإما تأكيد للضمير ﴿هُمْ﴾ وما عطف عليه. ١٩٣ لُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ٩٠-١٠٤ ﴿ قَالَلَّهِ إِن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه. ﴿ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾: فتح ﴿أَنَّ﴾ لوقوعها بعد (لو) وإنما فتحت بعد (لو) لأنها لا يقع بعدها إلا الفعل، وهو فعل لا يجوز إظهاره، وتقديره: لو وقع أن لنا كرة. و(نكونَ): منصوب على جواب التمني بالفاء بتقدير ((أن)) لأن ((لو)) في معنى التمني. البلاغة: ﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ و﴿ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ٩٠ و بينهما مقابلة. ٩١ (المتقين) (الغاوين) ﴿مُّبِينٍ﴾ ﴿اُلْعَلَمِينَ﴾ ﴿شَفِعِينَ﴾ ﴿قُّؤْمِنِينَ﴾ سجع ومراعاة للفواصل أواخر الآيات. ﴿تَعْبُدُونَ﴾ ﴿يَنَصِرُونَ﴾ (الغاوون) ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ سجع ومراعاة فواصل أيضاً. المفردات اللغوية: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ قرّبت ليدخلوها بحيث يرونها من الموقف . ﴿ وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت وجعلت بارزة لهم بحيث يرون أهوالها . ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ الكافرين الضالين عن طريق الحق . ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قيل لهم على سبيل التوبيخ: أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم من غير الله من الأصنام . ﴿هَلّ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم. ﴿أَوْ يَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم؛ لأنهم وآلهتهم يدخلون النار، كما قال: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَاُلْغَاوُونَ ﴾﴾ ألقوا فيها على وجوههم، الآلهة وعبدتها. ﴿وَجُودُ إِيْلِيسَ﴾ أتباعه ومطيعوه من عصاة الثقلين: الجن والإنس. ﴿مُّبِينٍ﴾ بِيِّن. ﴿قَالُواْ﴾ أي الغاوون. ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يتخاصمون مع معبوديهم، على أساس أن الله يُنطق الأصنام، فتخاصم العبدة، ويؤيده الخطاب في قوله: ﴿إِذْ نُسَوِيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٩٨ ١٩٤ الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٩٠-١٠٤ أي نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة. قال البيضاوي: ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة، كما في ﴿قَالُواْ﴾ والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى: أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة، متحسرون عليها. ﴿وَمَآ أَضَلَّنَا﴾ عن الهدى. ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ الشياطين أو كما للمؤمنين من الملائكة آباؤنا الذين اقتدينا بهم . ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ والأنبياء. يهمه أمرنا. وجمع الشافع ووحد صَدِيقٍ﴾ صادق في وده. الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل. ﴿كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا وقوله: ﴿فَلَوْ﴾ للتمني، أقيم مقام ((ليت)) لتلاقيهما في معنى التقدير، و(نكون): جواب التمني. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ﴾ فيما ذكر من قصة إبراهيم لَيَةٌ﴾ لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم﴾ أكثر قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به. ﴿اٌلْعَزِيزُ﴾ القادر على تعجيل الانتقام. ﴿اُلزَّحِيمُ﴾ بالإمهال لكي يؤمنوا، هم أو أحد من ذريتهم. المناسبة: بعد أن دعا إبراهيم عليه السلام بدعوات المخلصين الأوابين، وختمها بألا يخزيه الله يوم البعث، وصف يوم القيامة، وما فيه من ثواب وعقاب، وندم المشركين وحسرتهم على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرَّة إلى الدنياً ليؤمنوا ويطيعوا. التفسير والبيان: وصف إبراهيم عليه السلام يوم القيامة بثلاثة أوصاف هي: ﴿ وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (@) أي إن ذلك اَ - ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ١٩٥ الجُزُ (١٩) - الشُِّجراء: ٢٦ / ٩٠-١٠٤ اليوم هو اليوم الذي قُرِّبت وأدنيت فيه الجنة للمتقين السعداء، ينظرون إليها، ويدخلونها، تعجيلاً للبشارة والمسرّة بما عملوا في الدنيا من صالحات @ [ق: ٥٠٪ الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَأَزَّلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( ٣١] . وهو اليوم الذي أظهرت فيه النار وجعلت بارزة مكشوفة للضالين عن الحق الكافرين الأشقياء، بحيث يرونها، ويعلمون أنهم مواقعوها، تعجيلاً للغم والحسرة على شقاوتهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كما @) [الجاثية: ٣٤/٤٥] ٣٤ نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةَ سِيَعَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الملك: ٢٧/٦٧]. ثم يسأل أهل النار تقريعاً وتوبيخاً، فيقال لهم: ٢َ - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٨ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ ﴾؟ أي أين آلهتكم التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد، هل ينفعونكم بنصرتهم لكم ويمنعونكم من العذاب، وهل ينفعون أنفسهم بانتصارهم ودفع العذاب عنهم؟ لا يحصل كلا الأمرين، فإنهم وآلهتهم وقود النار، وحصب جهنم، هم لها واردون، كما قال: أي فَدُهْوِروا وَحُدُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ فيها، أي الآلهة غير المؤمنة وعبدتهم، والقادة وأتباعهم يلقون فيها إلقاء مكرراً، بعضهم على بعض، كما يُلقى معهم مُتَّبعو إبليس من عصاة الإنس والجن أجمعين، أولهم وآخرهم. وتقديم إلقاء الآلهة ليشاهد الغاوون سوء حالهم، وييأسوا من النجاة. ◌َ - ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْنَصِمُونَ ﴿٨َ تَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلِ مُّبِينٍ (٢) إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿4﴾ أي قال أهل الغواية، وهم في حال الغيظ الشديد من المخاصمة والمحاجة بينهم وبين الآلهة المعبودة والشياطين الداعية لتلك ١٩٦ الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٩٠-١٠٤ العبادة: والله لقد كنا في ضلال عن الحق واضح بيِّن حين نجعلكم أيها الأصنام والأحجار والملائكة وبعض البشر متساوين في استحقاق العبادة وإطاعة الأمر مع رب العالمين من الإنس والجن: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ تَخَاصُمُ أَهْلِ [٦٤] ﴾ [ص: ٦٤/٣٨]. وهذا خطاب في الحقيقة بدليل قولهم: النَّارِ أي والحق أنه ما دعانا إلى ذلك الخطأ ٩٩ ﴿ وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّ الْمُجْرِمُونَ العظيم إلا المجرمون من الشياطين والقادة والرؤساء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ﴾ [الأحزاب: ٦٧/٣٣]. وقد ٦٧ رَبَّا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ أفلسنا اليوم من وعودهم الكاذبة والآمال المعقودة كما قال: ﴾ أي فليس لنا اليوم شفيع وَلَا صَدِيقٍ حَيَ الِ ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ يشفع، ولا صديق ودود قريب يهمه أمرنا، من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس يعدونهم بالنجاة والإنقاذ، كما قال تعالى: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ﴾ [الأعراف: ٥٣/٧] وقال سبحانه: ﴿اُلْأَخِلَاءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوُّ إِلَّا [الزخرف: ٤٣ /٦٧] . (٦٧) اُلْمُتَّقِينَ ﴾ أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا، ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فنؤمن بالله ربنا وحده لاشريك له، ونؤمن برسله الكرام، ونعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل، ولكن ذلك كذب ومراوغة، كما أخبر تعالى عنهم بخلاف ذلك، ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨/٦] وقال سبحانه أيضاً: ﴿﴿ وَلَوْ رَحِمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرِّ لََّجُوْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢٥)﴾ [المؤمنون: ٧٥/٢٣]. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (®﴾ أي إنّ في ذلك المذكور من قصة إبراهيم، ومحاجته لقومه، وإقامة الحجج عليهم في التوحيد، وتغلبه ١٩٧ الُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٩٠-١٠٤ عليهم، وفي مخاصمة أهل النار، لعظة وعبرة، ودلالة واضحة جلية على أن: لا إله إلا الله، وألا معبود سواه، ولا رب غيره، وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين بالله وبرسوله. وفي هذا إيناس لرسول الله 18له عما يلقاه من تكذيب قومه وإعراضهم عن دعوته، مع إقامة الأدلة، وظهور المعجزات. (٣) أي وإن ربك الذي أحسن إليهم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( بإرسالك لهم لهدايتهم، لقادر على الانتقام منهم، ورحيم بهم إذ لم يعجل إهلاكهم، ورحيم بالمؤمنين الطائعين. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات الكريمة تصوير تام شامل لليوم الآخر، ووصف موجز ليوم القيامة بما فيه من ثواب المتقين وعقاب العصاة الكافرين، وندم المشركين على ضلالهم في الدنیا. وهو تصوير محبَّب، ووصف جذاب يأخذ بمجامع القلوب، فالجنة تُقرَّب وتُدنى للمتقين فتتعلق بها نفوسهم ويأخذهم الفرح والحبور، وتعمهم الغبطة، وجهنم تبرز وتكشف للكافرين الذين ضلوا عن الهدى، وتظهر لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، فيبدو منها عنق، فإذا زفرت زفرة بلغت القلوب منها الحناجر، كما يستشعر أهل الجنة الفرح، لعلمهم أنهم يدخلون الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. ويقال لأهل جهنم تقريعاً وتوبيخاً: أين آلهتكم من الأصنام والأنداد التي كنتم تعبدونها من دون الله، هل ينصرونكم وينجونكم من عذاب الله، وهل ينتصرون لأنفسهم؟! إنهم يقلبون على رؤوسهم، ويُدَهْوَرُون في النار، ويلقى بعضهم على ١٩٨ لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /٩٠-١٠٤ بعض، الآلهة المعبودة وعابدوها وجنود إبليس أجمعون، وهم من كان من ذريته، وكل من دعاه إلى عبادة الأصنام ونحوها فاتّبعه. حينئذ لا يجد هؤلاء الكفرة مناصاً من الإقرار بكفرهم، ويقول الإنس والشياطين والغاوون والمعبودون المتخاصمون في جهنم: والله إننا كنا في ضلال مبين، أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة، إذ اتخذنا مع الله آلهة، فعبدناها كما يُعبد الإله الحق، ونجعلها مساوية في العبادة لرب العالمين، وهذه الآلهة لا يستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسهم، ولقد أضلنا الشياطين الذين زينوا لنا عبادة الأصنام، أو أسلافنا الذين قلدناهم، قال أبو العالية وعكرمة: ﴿اَلْمُجْرِمُونَ﴾: إبليس وابن آدم القاتل: هما أوّل من سنّ الكفر والقتل وأنواع المعاصي. فليس لنا شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين، ولا صديق مشفق علينا. قال الزمخشري رحمه الله: وجمع الشافع لكثرة الشافعين، ووحّد الصديق لقلته، أي إن الشفعاء يكثرون عادة عند المحنة، وإن لم يكن هناك سبق معرفة، وأما الصديق المخلص في وداده فقليل نادر. ويتمنون الأماني حين لا ينفعهم التمني، ويقولون: ولو حدث لنا رجوع إلى الدنيا، لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. يقولون ذلك حين تشفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله، قال النبي ◌َّ -: ((إن الرجل ليقول في الجنة: ما فعل فلان وصديقه في الجحيم؟ فلا يزال يشفع له حتى يشفّعه الله فيه، فإذا @)). وقال نجا قال المشركون: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (٣) وَلَا صَدِيقٍ حَميم الحسن البصري: ما اجتمع ملأ على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفّعون. وختمت الآيات ببيان العبرة والعظة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا ١٩٩ (١٩) - الشراء: ٢٦/ ١٠٥-١٢٢ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي إن في المذكور ١٠٣ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ من قصة إبراهيم واختصام أهل النار وحسرتهم على ضلالهم لعبرة وعظة مؤثرة، ولم يكن أكثر قوم إبراهيم، بل ولا أكثر الناس بمؤمنين بالله ورسله، ولكن الله هو المنتقم الجبار الذي ينتقم من المعاندين الكفرة، الرحيم بالناس إذ لم يعجل لهم الانتقام، وإنما أمهلهم لعلهم يعودون إلى دائرة الحق والإيمان والتوبة. القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام مع قومه إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُعُ أَلَا نَنَّقُونَ (9) إِّ لَكُمْ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ (® وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ١٠٨ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٧ رَسُولُ أَمِينٌ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ رَبِّ الْعَلَمِينَ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ قَالُوْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ ٠١٠٠٠٠ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ◌َتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَحِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ١١٨ فَأَنَجَيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ فِ اٌلْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ (٦٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ﴿٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِينَ إِ ٢٢ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ، وَإِنَّ رَبَّكَ القراءات: ﴿أَجْرِىَ إِلَا﴾: قرئ: ١- (أجريَ إلا) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص. ٢٠٠ الجُزءُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠٥-١٢٢ ٢- (أجريْ إلا) وهي قراءة الباقين. ﴿وَمَن مَّعِىَ مِنَ﴾: قرئ: ١- (ومن معيَ مِن) وهي قراءة ورش، وحفص. ٢- (ومَن معيْ مِن) وهي قراءة الباقين. البلاغة: ﴿1﴾ في قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مجاز مرسل، من كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ قبيل إطلاق الكل وإرادة بعضه، فإنه أراد بالمرسلين نوحاً، وذكره بصيغة الجمع تعظيماً له، وتنبيهاً على أن من كذب رسولاً، فقد كذب جميع المرسلين. ﴿فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ استعارة تبعية، استعار المفتاح للحاكم، والفتح للحكم؛ لأنه يفتح المنغلق من الأمر، والمعنى: احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل. المفردات اللغوية: ﴿قَوْمُ﴾ اسم لا واحد له من لفظه، كرهط ونفر، يذكر ويؤنث، وتذكيره باعتبار لفظه، وتأنيثه باعتبار معناه ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد به نوح عليه السلام، عبر عنه بصيغة الجمع تعظيماً له، ولأن من كذب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين، لاشتراكهم برسالة التوحيد، أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل. ﴿أَخُوُهُمْ﴾ أي أُخوة نسب أو جنس لا أخوة دين؛ لأنه كان منهم. ﴿أَا نَثَّقُونَ﴾ الله، فتتركوا عبادة غيره. ﴿رَسُولُ أَمِينٌ﴾ مشهور بالأمانة فيكم، وأمين على تبليغ ما أرسلت به.