النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ اِلُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ / ٥٥-٦٢ يخشى بأسهم، وأمره أيضاً بأن ينزه ربه عن كل صفات النقص كالشريك والولد، ويصفه بجميع صفات الكمال، وأبان له أن وجوب السجود والعبادة لا يكون إلا للرحمن الذي خلق الكواكب السيارة وجعل لها منازل، وجعل الليل والنهار في تعاقب دائم للتذكر وتوجيه الشكر لله تعالى. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن ضلال المشركين عن عبادة الله وجهلهم وكفرهم بربهم فيقول : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمُّ﴾ أي ويعبد المشركون آلهة من غير الله لا تنفعهم عبادتها، ولا يضرهم هجرها وتركها، ولا دليل لهم على ذلك إلا مجرد الهوى والتشهي، ويتركون عبادة من أنعم عليهم بالنعم السابق ذكرها في الآيات من مدّ الظل وغيره. ﴿وَكَنَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ أي وكان الكافر على معصية ربه معيناً للشيطان بالعداوة والشرك أو يعينه على معصية الله. والمراد: جنس الكافر وهو عام في کل کافر. قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي الحكم بن هشام الذي سماه رسول الله وسلّ أبا جهل بن هشام. لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأولى حمل لفظ ﴿اَلْكَافِرُ﴾ على العموم، ولأنه أوفق لظاهر قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُنِ اللَّهِ﴾. ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥) أي إن المشركين قوم حمقى جهال، فكيف يعينون الشيطان على معصية الله ورسوله، مع أن الله أرسل رسوله محمداً وَلّه ليبشر من أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار؟ وأما أنت أيها الرسول فلا تأبه بعنادهم وكفرهم، فما أنت إلا نذير وبشير، وعلى الله ٢٠ ١٠٢ الُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/ ٥٥-٦٢ الحساب والعقاب، فلا تحزن على عدم إيمانهم. وهل من جهل أعظم من الإمعان في إيذاء من يريد نفعهم في الدنيا والآخرة؟! ونظير الآية: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِ﴾ [المائدة: ٦٧/٥]. وهو يريد نفعهم بمحض الإخلاص دون أن يبغي لنفسه نفعاً من أجر أو غيره، لذا قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي قل أيها الرسول لقومِك: لا أطلبُ على هذا البلاغ وهذا الإنذار أجرةً من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى. و﴿ مِنْ﴾ للتأكيد. ﴿إِلَّا مَنْ شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ أي لم أسألكم أجراً أبداً، لكن من أراد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق في الجهاد والتطوعات وغيرها، ويتخذ إلى ربه طريقاً يؤدي به إلى رحمته ونيل ثوابه، بالعمل الصالح، فليفعل ولا يتردد. والمراد: لا تصنعوا معي إحساناً بأجر تدفعونه لي، ولكن اطلبوا الأجر لأنفسكم بفعل الخير وعبادة الله وشكره. ﴿وَنَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ،﴾ بعد أن بَيَّن سبحانه لرسوله أن الكفار متظاهرون على إيذائه، مع أنه لا يطلب منهم أجراً مطلقاً، أمره بأن يتوكل عليه في أموره كلها لدفع جميع المضار، وجلب جميع المنافع، فمن يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه من كل شر، وناصره، ثم أمره بأن ينزهه عن كل نقص كالشريك والولد، تنزيهاً مقترناً بحمده وشكره، فيقرن بين الحمد والتسبيح، قائلاً: سبحان الله وبحمده، ولهذا كان رسول الله وثلو يقول: ((سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك)) أي أخلص له العبادة والتوكل. ومعنى التوكل: تفويض الأمر كله لله بعد اتخاذ الأسباب والوسائط المطلوبة شرعاً وعقلاً. وللآية نظائر كثيرة مثل: ﴿رَّبُّ الَْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ١٠٣ لِلُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٥٥/٢٥-٦٢ [المزمل: ٩/٧٣] ﴿فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣/١١] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩/٦٧]. ﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبِ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾ أي كفاك الله عالماً علماً تاماً بمعاصي عباده، لا تخفى عليه خافية، يعلم ما ظهر منها وما بطن، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ [الحديد: ٣/٥٧] . وفي هذا سلوة لرسوله، ووعيد للكفار إن لم يؤمنوا على كفرهم ومعاصيهم. ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى اُلْعَرْشِّ﴾ أي إن الله الخبير العليم بكل شيء هو الذي أوجد السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام بقدرته وسلطانه، ثم استوى على العرش أعظم المخلوقات استواء يليق بعظمته، كما يقول السلف، وهو الأصح، واستولى على العرش كما يقول الخلف، يدبر الأمر، ويقضي بالحق، وهو خير الفاصلين. وكلمة (ثُمَّ﴾ للترتيب الإخباري، لا للترتيب الزمني؛ لأنها ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السماوات. ﴿الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ أي إن ذلك الخالق هو العظيم الرحمة بكم، فلا تتكلوا إلا عليه، واستعلم أيها السامع من هو خبير به، عالم بعظمته، فاتبعه واقتد به. ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد هلال، فما قاله فهو الحق، وما أخبر به فهو الصدق، وهو الإمام ﴾ [النجم: ٥٣ /٤]. المحكم فيما يتنازع فيه البشر: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى تبين مما ذكر أن الله سبحانه لما أمر الرسول وي ليه بأن يتوكل عليه، وصف نفسه بأمور ثلاثة هي: الأول - أنه حي لا يموت، وهو قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ} ١٠٤ لِلُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ٥٥-٦٢ الثاني - أنه عالم بجميع المعلومات، وهو قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾. الثالث - أنه قادر على جميع الممكنات، وهو المراد من قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ لأنه لما كان هو الخالق للسماوات والأرض وما بينهما ولا خالق سواه، ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضارّ، وأن النعم كلها من جهته، فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. أما الكفار فقابلوا الشكر والتوكل بالكفر والاعتماد على النفس، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُسْجُدُوْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي وإذا طلب منهم السجود الله الرحمن الرحيم، وعبادته وحده دون سواه، قالوا: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يُسمَّى الله باسم ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وإذا كنا لا نعرف الرحمن فكيف نسجد له. وهذا شبيه بقول موسى لفرعون: ﴿ إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤/٧] فقال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٠ ٢٦ /٢٣] . ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي أنسجد للذي أمرتنا بالسجود له، لمجرد قولك، من غير أن نعرفه، وزادهم هذا الأمر بالسجود نفوراً وإعراضاً، وبعداً عن الحق والصواب، ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول. وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان يشرع السجود عندها لقارئها ومستمعها. وهذا شأن المؤمنين الذين يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالألوهية، ويسجدون له. روى الضحاك أن رسول الله * وأصحابه سجدوا، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي فزادهم سجودهم نفوراً. 7 وبعد أن حكى سبحانه عن الكفار مزيد النفرة عن السجود، ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن، فقال: ١٠٥ الزُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٥٥/٢٥-٦٢ ٦١ ﴿ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًّا مُنِيرًا يمجّد الله تعالى نفسه ويعظمها على جميل ما خلق في السماوات، فيذكر أنه تعاظم وتقدس الله الذي جعل في السماء كواكب عظاماً ومنازل لتلك الكواكب السيارة وغيرها، التي عدها المتقومون ألفاً، ورصدتها الآلات الحديثة أكثر من مئتي ألف ألف، وجعل في السماء سراجاً وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا (٣)﴾ [النبأ: / ٧٨/ ١٣] وجعل في السماء أيضاً قمراً منيراً، أي مشرقاً مضيئاً، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَاُلْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥/١٠]. ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) أي والله هو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر ويأتي بعده، توقيتاً لعبادة عباده له عز وجل، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل، فيكون في ذلك عظة لمن أراد أن يتذكر ما يجب عليه، ويتفكر في آلاء الله وعجائب صنعه، ويشكر ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. جاء في الحديث الصحيح لدى الشيخين: ((إن الله عزَّ وجل يَبْسُطُ يدَه بالليلِ ليتوب مسيءُ النهار، وَيَبْسُط يدَه بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليل)). وقال أنس بن مالك: قال رسول الله وَليه لعمر بن الخطاب، وقد فاتته قراءة القرآن بالليل: ((يابنَ الخطاب، لقد أنزل الله فيك آية وتلا: ﴿ وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا. (1). ما فاتك من النوافل بالليل، فاقضه في نهارك، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك)). وروى أبو داود الطيالسي عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي علي من وِزْدي شيء فأحببت أن أتمه، أو قال: أقضيه، وتلا هذه الآية: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ٦٢ ١٠٦ الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٥٥/٢٥-٦٢ وهذه الآية وما قبلها من أدلة قدرة الله تعالى ووحدانيته ووجوده. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - إن مما يثير العجب والدهشة أن الله تعالى بعد أن عدد النعم وبيَّن كمال قدرته، وجد المشركين باقين على إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضرر، بسبب جهلهم وعنادهم، وشأن الكافر أنه معين للشيطان على المعاصي. أَ - لا سلطان للرسول وَليه في مجال الإيمان والطاعة على أحد، وإنما تقتصر مهمته على تبشير من أطاعه بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار، يفعل ذلك بمحض الإخلاص وحب الخير للناس، دون أن يطلب على التبليغ والإنذار أو الوحي والقرآن أجراً ولا جزاء ولا شكوراً. لكن باب التنافس في القربات والمبادرة إلى الخيرات مفتوح على مصراعيه، فمن أراد أن ينفق من ماله في سبيل الله من جهاد وصدقات وغيرها فليفعل. ◌َّ - على الرسول ﴾ وكل مؤمن بعد اتخاذ الأسباب والوسائط أن يتوكل على الله الحي الدي لا يموت. والتوكل: اعتماد القلب على الله تعالى في كل الأمور، وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها. ويجب تنزيه الله تعالى عما يصفه الكفار به من الشركاء، فيقول الواحد: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم أستغفر الله، كما ورد في المأثور. والتسبيح: التنزيه. وحسبك أيها الإنسان أن الله عليم بكل شيء من أمورك ظاهرها وباطنها، فيجازيك عليها خيراً أو شراً. ٤ - إن الله تعالى هو الحي الدائم الباقي الذي لا يموت ولا يفنى، وهو عالم بجميع المعلومات، قادر على كل الممكنات. ١٠٧ الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٥٥-٦٢ - الله سبحانه هو خالق كل شيء، خلق جميع السماوات في ارتفاعها واتساعها، وخلق جميع الأرضين في سفولها وكثافتها. وقد أتم خلق السماء والأرض في ستة أيام لتعليم الناس التثبت والتروي والتؤدة. وخلق العرش واستوى عليه استواء يليق بجلاله وكماله وعظمته، وما على الجاهل إلا أن يسأل خبيراً بالله من رسول أو عالم، ثم يتبعه ويقتدي به. قال الرازي في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: الاستقرار غير جائز؛ لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب والبعضية، وكل ذلك على الله محال، بل المراد: ثم خلق العرش ورفعه على السماوات، وهو مستولٍ، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٤٧/ ٣١] فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون. وليس خلق العرش بعد خلق السماوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧/١١] وكلمة ﴿ثُمّ﴾ ما دخلت على خلق العرش، بل على رفعه على السماوات. أَ - استبد العناد والاستكبار بالمشركين أنه إذا طلب منهم السجود للرحمن، قالوا على جهة الإنكار والتعجب: وما الرحمنُ؟ أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون: مسيلمة الكذاب، أنسجد لما تأمرنا أنت يا محمد؟ وزادهم هذا الأمر نفوراً عن الدين، ومن شأنه حملهم على الفعل والقبول. كان سفيان الثوري يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعاً ما زاد عِداك نفوراً. لاً - من أدلة قدرة الله تعالى ووحدانيته: جعله في السماء بروجاً، أي منازل للكواكب العظام كالزُّهرة والمشترى وزُحل والسماكين ونحوها، وجعله فيها الشمس ضياء والقمر نوراً ينير الأرض إذا طلع، وجعله الليل والنهار في تعاقب دائم في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، لا عبثاً وإنما ليتذكر المقصر تقصيره والمسيء إساءته، فيصلح ما بدر منه، ويشكر الله تعالى على نعمه عليه ١٠٨ لُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ٥٥-٦٢ في العقل والفكر والفهم. قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. ففي الليل دعة وسكون وهدوء يستدعي التذكر، وفي النهار حركة وتصرف وانشغال قد يشغل عن التذكر، أو يكون سبباً لتذكر ما مر من الليل بالنوم، فيستدرك المؤمن ما فاته في أحدهما من الخير في وقت الآخر، فهما وقتان للمتذكرين والشاكرين، والله يتقبل عمل الليل وعمل النهار، فهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم. ثم إن سكون الليل والتصرف بالنهار نعمة تستحق الشكر، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ [القصص: ٧٣/٢٨] . ١٧٣ شْكُرُونَ ١٠٩ المُجُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ / ٦٣-٧٧ صفات عباد الرحمن ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمَا (٦) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٥) ، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَمُقَامًا وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَفْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا إِ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدٌ فِيهِ مُهَانًا (٤) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَحِيمًا (٣) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُواْ كِكِرَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا (9َ) قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا خَكِلِينَ فِيهَاً حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا Vo صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تِيَّةً وَسَلَمًا وَمُقَامًا ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُّأْ بِكُمْ رَقِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا القراءات: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ : قرئ: ١- (ولم يُقْتِروا) وهي قراءة نافع، وابن عامر. ٢- (ولم يَقْتِروا) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ١١٠ لُزْءُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٦٣/٢٥-٧٧ ٣- (ولم يَقْتُرُوا) وهي قراءة الباقين. ﴿يُضَعَفْ﴾، ﴿وَيَخْلُمْ﴾ : قرئ: ١- (يُضَغَّفْ، ويَخْلُدْ) وهي قراءة ابن كثير. ٢- (يُضَعَّفُ، ويَخْلُدُ) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (يضاعَفْ، ويَخْلُدْ) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿فِيهِ، مُهَانًا﴾: بصلة هاء (فيه) بياء مدّية، قرأ ابن كثير، وحفص. وقرأ الباقون بترك الصلة. ﴿ وَذُرِّيَّلِنَا﴾: قرئ: ١- (وذَرِّيَّاتنا) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص. ٢- (وذرِّيَّتنا) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَيُلَقَّوْبَ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي (ويَلْقَون). الإعراب: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: مبتدأ، وخبرهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ ﴿ وَالَِّيْنَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ﴾ إلى قوله: ١١١ الُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٦٣-٧٧ ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ اُلْغُرْفَةَ﴾. ﴿ قَالُواْ سَلَمًا﴾ منصوب على المصدر أي (تسليماً) فسلام في موضع تسليم. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ مضمر فيها، و﴿قَوَامًا﴾ خبرها، أي كان الإنفاق ذا قوام بين الإسراف والإقتار. ويجوز جعل ﴿بَيْنَ﴾ متعلقاً بخبر ﴿كَانَ﴾ أي كائناً بين ذلك، فيكون ﴿قَوَامًا﴾ خبراً بعد خبر. ﴿ يُضَعَفُ﴾ بالجزم: بدل من ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ والفعل يبدل من الفعل، كما يبدل الاسم من الاسم. ويقرأ بالضم على أنه في موضع الحال، أو على الاستئناف والقطع مما قبله. ﴿مَتَابًا﴾ منصوب على المصدر، وهو مصدر مؤكد. وأصله: مَتْوَب، فنقلت الفتحة من الواو إلى التاء، فتحركت في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفاً. ﴿كِرَامًا﴾ حال من واو ﴿مَرُّواْ﴾. ﴿صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ حال من واو ﴿لَمْ يَخِرُّواْ﴾. ﴿ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ ﴿إِمَامَا﴾ أي إماماً واحداً أريد به الجمع، أي أئمة كثيراً، واكتفى بالواحد عن الجمع للعلم به، كقولهم: نزلنا الوادي فصِدْنا غزالاً كثيراً، أي غزلاناً. ويجوز أن يكون جمع (آمّ) على وزن فاعل، وفاعل يجمع على فِعَال نحو قائم وقيام وصاحب وصِحاب. ﴿لِزَامًا﴾ خبر ﴿يَكُونُ﴾ واسمها مضمر فيها، وتقديره: فسوف يكون التكذيب لزاماً؛ لدلالة قوله: ﴿كَذَّبْتُمْ﴾. ١١٢ الزُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٦٣/٢٥-٧٧ البلاغة: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الإضافة للتشريف والتكريم. ﴿سُخَدًا وَقِيَمًا﴾ و﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ بين كلِّ طباق. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ و﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ مقابلة بين نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار. ﴿لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ استعارة، استعار لمن يتغافل عن الهداية والإنذار حال من لا يسمع ولا يبصر. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ كناية عن الفرحة والسرور، وكذلك ﴿اَلْغُرْفَةَ﴾ كناية عن الدرجات العالية في الجنة. المفردات اللغوية: ﴿هَوْنًا﴾ الهون: اللين والرفق، والمراد أنهم يمشون بسكينة وتواضع ووقار، دون تكبر ولا تجبر. ﴿اُلْجَهِلُونَ﴾ السفهاء. (سَلَمًا﴾ أي تسليم متاركة بلا خير ولا شر، أو سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم. (يَبِيِتُونَ﴾ يدركون الليل، ناموا أو لم يناموا. (سُجَّدًا﴾ جمع ساجد. ﴿وَقِيَمًا﴾ أي قائمين يصلون بالليل. وخصَّ البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أبعد عن الرياء، وأكثر خشوعاً وقربة إلى الله تعالى. ﴿غَرَامًا﴾ لازماً لا يفارق؛ لأنه عذاب دائم، وهو إشارة إلى أنهم مع اجتهادهم في عبادة الحق خائفون من العذاب، مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم. ﴿سَآءَتْ﴾ بئست. ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ موضع استقرار وإقامة. والجملة تعليل لما سبق. ﴿أَنْفَقُواْ﴾ على عيالهم وأنفسهم . ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ لم يجاوزوا الحدّ ١١٣ الُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٦٣-٧٧ المعتاد، ولم يضيقوا تضييق الشحيح، والقتر والإقتار والتقتير: البخل. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي كان الإنفاق بين الإسراف والإقتار وسطاً عدلاً. وقرئ بكسر القاف أي مايقام به الحاجة، لا يفضل عنها ولا ينقص، وهو ما يدوم عليه الأمر ويستقر. ﴿لَا يَدْعُونَ﴾ لا يعبدون ولا يشركون. ﴿حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ أي حرَّمها بمعنى حرَّم قتلها. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ واحداً من الثلاثة. ﴿أَثَامًا﴾ عقوبة وجزاء إثم في الآخرة، والأثام: الإثم، والمراد جزاؤه. ﴿يُضَعَفْ﴾ وفي قراءة: يضعَّف، وسبب مضاعفة العذاب انضمام المعصية إلى الكفر . ﴿مُهَانًا﴾ ذليلاً مستحقراً. ﴿ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي في الآخرة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي ولم يزل متصفاً بذلك، فيعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات .﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من ذنوبه أو معاصيه، بتركها والندم عليها. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يتلافى به ما فرط. ﴿فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ يرجع إلى الله رجوعاً مرضياً عند الله، ماحياً للعقاب، ومحصلاً للثواب، فيجازيه عليه. وهذا تعميم بعد تخصيص. ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة أو الكاذبة، و﴿ الزُّورَ﴾ الكذب والباطل، والمقصود: لا يعينون أهل الباطل على باطلهم . ﴿بِاللَّغْوِ﴾ ما يجب أن يلغى ويطرح من الكلام القبيح وغيره. ﴿مَرُواْ كِرَامًا﴾ معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ أي وعظوا بالقرآن. ﴿لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا﴾ يسقطوا، والخرور: السقوط على غير نظام ولا ترتيب . ﴿صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ المراد: لم يقيموا عليها غير واعين ولا متبصرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أقبلوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين ناظرين منتفعين. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مطيعين لنا، والمراد: الفرح والسرور ١١٤ لُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٦٣/٢٥-٧٧ بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن يسرّ قلبه بطاعة أهله وأولاده لربهم، ليلحقوا به في الجنة. و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْوَجِنَا﴾ ابتدائية أو بيانية. وتنكير الأعين للتعظيم، والإتيان بجمع القلة في كلمة ﴿أَعْيُنٍ﴾ لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم . ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ في الخير، يقتدون بنا في أمر الدين، بإفاضة العلم والتوفيق للعمل. وأفرده، وأراد به الجمع، أي أئمة يقتدى بهم في إقامة مراسم الدين؛ لأنه يستعمل للمفرد والجمع. ﴿الْغُرْفَةَ﴾ كل بناء مرتفع عال، والمراد الدرجة العليا في الجنة أو أعلى مواضع الجنة، وهي اسم جنس أريد به الجمع، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ اُلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧/٣٤]. ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ بصبرهم على المشاق والقيام بطاعة الله . ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ بالتشديد، والتخفيف، أي يَلْقون في الغرفة. ﴿تَجِيَّةً وَسَلَامًا﴾ من الملائكة، أي تحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، وهو دعاء بالتعمير والسلامة. أو يحيي بعضهم بعضاً ويسلم عليه. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ موضع استقرار وإقامة دائمة لهم. ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿مَا يَعْبَؤُأْ بِكُمْ﴾ ما يعتدّ بكم ولا يبالي ولا يكترث، و﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ إياه في الشدائد، فيكشفها، أو عبادتكم له تعالى، فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء .﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي كيف يعبأ بكم وقد ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ الرسول والقرآن. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سوف يكون العذاب وجزاء التكذيب ملازماً لكم في الآخرة حتى يقذفكم في النار، بعدما يحلّ بكم في الدنيا، فقتل منهم يوم بدر سبعون. وجواب ﴿لَوْلًا﴾ دلّ عليه ما قبله، أي لولا دعاؤکم لم یبال بكم. ١١٥ اِلُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٦٣-٧٧ سبب النزول: نزول الآية (٦٨): ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾: أخرج الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله وَل﴿، أي الذنبِ أعظمُ؟ قال: ((أن تجعل الله نِدّاً، وهو خَلَقَك))، قلتُ: ثم أي؟ قال: ((أن تقتلَ ولدَك مخافةَ أن يَطْعَم معك))، قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تُزاني حليلة جارك)) فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية. وأخرج الشيخان عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قَتَلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً وَّر، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت: ﴿ وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ونزل: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٣٩ /٥٣] . سبب نزول الآية (٧٠): ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾: أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لما أنزلت في الفرقان: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ الآية، قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس بغير حق، ودعونا مع الله إلهاً آخر، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ الآية. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة، وإعراض الكافرين عن السجود له، بالرغم من اطلاعهم على دلائل التوحيد والقدرة الإلهية، ذكر صفات المؤمنين عباد الرحمن التي استحقوا من أجلها أعلى منازل الجنان، وأنه خصّ اسم العبودية بالمشتغلين بالعبادة، مما يدل على ١١٦ لِلُُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥ -٧٧ أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره وقلبه ولسانه بما أمره، فهو الذي يستحق اسم العبودية. ووصفهم سبحانه بتسع صفات كما ذكر الرازي، وقال القرطبي: وصف تعالى عباد الرحمن بإحدى عشرة صفة حميدة من التحلِي والتخلِّي، وهي: (التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والنزاهة عن الشرك، والبعد عن الزنى والقتل، والتوبة وتجنب الكذب، والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، والابتهال إلى الله). ثم بيَّن الله تعالى جزاءهم الكريم وهو نيل الغرفة التي هي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا(١). التفسير والبيان: هذه صفات عباد الله المؤمنين عباد الرحمن الذين استحقوا أعلى الدرجات في الجنة، وهي في الجملة تسع صفات: اً - التواضع: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ أي وعباد الله المخلصون الربانيون الذين لهم الجزاء الحسن من ربهم هم الذين يمشون في سكينة ووقار، من غير تجبر ولا استكبار، يطؤون الأرض برفق، ويعاملون الناس بلين، لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً، كما قال تعالى حاكياً وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَجًّاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨/٣١]. وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياءً، وإنما بعزة وأنفة هي عزة (١) تفسير القرطبي: ٨٣/١٣ ١١٧ إِلُعُ (١٩) - القُرْقَان: ٢٥ /٦٣-٧٧ المؤمن المتواضع لله وحده، فقد كان النبي ◌ّ سيد ولد آدم إذا مشى كأنما ينحطّ من صَبَب(١)، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً، فقال: مالك أأنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، فِعَلاه بالدِّرَّة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما المراد بالهون هنا: السكينة والوقار، كما قال رسول الله وَله في الصحيحين عن أبي هريرة: ((إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها، وعليكم السكينة، فما أدركتم منها فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). وروي أيضاً أن عمر رضي الله عنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته، فقال: إن البَخْترة مِشْية تُكْرَه إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقواماً فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ فاقصد في مِشْيتك. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِى اُلْأَرْضِ مَرَحَاْ إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ [الإسراء: ٣٧/١٧]. (٣٧) وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ طُولًا أَ - الحلم أو الكلام الطيب: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السَّيِّئ، لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيراً، كما كان رسول الله وهل لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلماً، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥/٢٨]. قال النحاس: ليس ﴿سَلَمًا﴾ من التسليم، إنما هو من التسلّم، تقول العرب: سلاماً، أي تسلُّماً منك، أي براءة منك. وروى الإمام أحمد عن النعمان بن مقرِّن المزني قال: قال رسول الله وَله - (١) أي كأنما ينحدر من مكان عالٍ مرتفع. ١١٨ لُُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥-٧٧ وسَبَّ رجلٌ رجلاً عنده، فجعل المسبوب يقول: عليك السلام -: ((أما إن ملَكاً بينكما يذُبُّ عنك، كلما شتمك هذا، قال له: بل أنت، وأنت أحقُّ به، وإذا قلت له: وعليك السلام قال: لا، بل عليك، وأنت أحق به)). وقوله: ﴿قَالُواْ سَلَامًا﴾ يعني قالوا سداداً، أو ردوا معروفاً من القول. وقال الحسن البصري: قالوا: سلام عليكم: إن جُهل عليهم حلُّمُوا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون. هاتان صفتان بينهم وبين الناس وهما ترك الإيذاء وتحمل الأذى، ثم ذكر الله تعالى صفاتهم فيما بينه وبينهم فقال: ◌َ - التهجد ليلاً: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا (٣) أي إن سيرتهم في الليل كسيرتهم في النهار، فنهارهم خير نهار، وليلهم خير ليل، فإذا أمسوا أو أدركوا الليل باتوا ساجدين قائمين لربهم، يصلّون بعض الليل أو أكثره، طائعين عابدين، كما قال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ [الذاريات: ١٧/٥١-١٨]، وقال سبحانه: ﴿نَتَجَافَى ١٨ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ﴾ [السجدة: ١٦/٣٢]، وقال عزّ وجلّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرُْواْ رَحْمَةَ رَبٍِّ﴾ [الزمر: ٩/٣٩]. قال ابن عباس: من صلّ ركعتين أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً وقائماً. ٤ - الخوف من عذاب الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ ﴾ أي والذين يخافون ربّهم ويدعونه في وَجَل، ويقولون في حَذَر: ربّنا أَبْعِد عنا عذاب جهنم وشدته، كما قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ [المؤمنون: ٦٠/٢٣]. ثم ذكر تعالى أن علة ٦٠ وَحِلَّةُ أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ سؤالهم ودعائهم شيئان : ١١٩ لُزُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٦٣-٧٧ الأول - ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي إن عذاباً كان ملازماً دائماً للإنسان العاصي، لزوم الدائن الغريم لمدينه، أو هلاكاً وخسراناً لازماً. أي إن جهنم بئس المنزل الثاني - ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (جَ﴾﴾ مستقراً ومنظراً يستقر فيه، وبئس المقيل مقاماً. وهذا أمر لا شك فيه يعلمه كل من اکتوی بشيء من نار الدنيا. ٥ - الاعتدال في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦) أي والذين إذا أنفقوا على أنفسهم أو عيالهم ليسوا بالمبذِّرين في إنفاقهم، فلا ينفقون فوق الحاجة، ولا بالبخلاء، فيقصرون في حقهم وفيما يجب عليهم، بل ينفقون عدلاً وسطاً خياراً، بقدر الحاجة، وخير الأمور أوسطها، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى ﴾ [الإسراء: ٢٩/١٧] أي (٢٩) عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا الوسطية في الاعتدال، وترك الإسراف والتقتير. وهذا أساس الاقتصاد وعماد الإنفاق في الإسلام، روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّرَ قال: ((من فِقْهِ الرجل قصدُه في معيشته)). وروى الإمام أحمد أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلقوله: ((ما عال من اقتصد)). وروى الحافظ أبو بكر البزار عن حُذَيفةً قال: قال رسول الله وَاللّه: ((ما أحسنَ القصدَ في الغِنى، وما أحسنَ القصدَ في الفقر، وما أحسنَ القصد في العبادة». فالتبذير سبب في ضياع مال الشخص ومال الأمة: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧/١٧] ومن المعلوم أنه لا سرف في الخير، ولا خير في السرف، قال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف. وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوّجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ فقال له عمر : ١٢٠ الزُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥ -٧٧ الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. وقال عمر بن الخطاب: كفى بالمرء سرفاً ألا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله. وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((إن من الشَّرَف أن تأكل كل ما اشتهيت)). ثم ذكر الله تعالى صفات سلبية بعيدة عن المؤمنين، وإنما هي من صفات المشركين والفاسقين فقال: أَ - البعد عن الشرك والقتل والزنى: ﴿ وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي والذين لا يعبدون مع الله إلهاً آخر، فيجعلون مع الله في عبادتهم شريكاً آخر، وإنما يخلصون له الطاعة والعبادة، ولا يقتلون النفس عمداً إلا بحق، كالكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، ويكون القتل بحكم الحاكم أو القاضي لا برأي شخصي، ولا يزنون، وهذه أعظم الجرائم: الشرك، والقتل العمد العدوان، والزنى، والجريمة الأولى عدوان على الله، والثانية عدوان على الإنسانية، والثالثة عدوان على الحقوق وانتهاك للأعراض. فإذا جعلنا هذه الصفات ثلاثاً، صارت إحدى عشرة، كما ذكر القرطبي. ثم توعد الله تعالى مرتكب هذه الجرائم فقال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا ﴿6﴾ أي ومن يفعل واحدةً من تلك الجرائم الثلاث، يلقَ في الآخرة عقاباً شديداً وجزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل يضاعف له العذاب ضعفين بسبب انضمام المعصية إلى الكفر، ويخلد في نار جهنم أبداً مع الإهانة والإذلال والاحتقار، وذلك عذابان: حسي ومعنوي. ثم فتح الله تعالى باب التوبة للترغيب في الإصلاح والعودة إلى الاستقامة فقال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٣)﴾ أي لكن من تاب في الدنيا إلى