النص المفهرس

صفحات 41-60

-
١
٤١
الزُُّ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٠/٢٥
﴿أَتَصْبِرُونٌ﴾ ﴿بَصِيرًا﴾ جناس ناقص، لتقديم بعض الحروف، وتأخير
بعضها.
المفردات اللغوية:
﴿إِلَّ إِنَّهُمْ﴾ أي إلا رسلاً إنهم، فحذف الموصوف لدلالة ﴿اُلْمُرْسَلِينَ
عليه، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومُ
١٦٤
[الصافات: ١٦٤/٣٧]. ﴿وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقُ﴾ أي فأنت مثلهم في ذلك، وقد
قيل لهم مثل ما قيل لك.
﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي وجعلنا بعضكم أيها الناس لبعض
ابتلاء، ومن ذلك ابتلاء الغني بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف
بالوضيع، لمعرفة مدى قيامه بواجبه نحوه أو إيذاء أحدهم لغيره. وفيه تسلية
لرسول الله وَ﴿ على ما قاله المشركون في حقه، بعد نقضه والرد عليه، وفيه
دليل على القضاء والقدر؛ لأنه تعالى هو الذي جعل بعضهم فتنة لبعض.
﴿ أَتَصْبِرُونُّ﴾ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ وهو استفهام بمعنى
الأمر، بمعنى: اصبروا، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١/٥] أي
انتهوا، فهو حث على الصبر على الابتداء وأمر به للنبي وَلّ وغيره، أو علة
لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، لنعلم
أيكم يصبر، كقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧/١٨].
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي عالماً بمن يصبر وبمن يجزع.
سبب النزول:
أخرج الواحدي وابن جرير عن ابن عباس قال: لما عيَّر المشركون رسول
الله ◌ََّ بالفاقة، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي
اُلْأَسْوَاقِ﴾ حزِن رسول الله وَّهِ، فنزل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ
إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَافُ﴾

٤٢
إِلُرُ (١٩) - الفُرْقَانُ: ٢٠/٢٥
المناسبة:
هذه الآية إذن جواب عن قول المشركين: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ
اُلْطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾. فيها أبان الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من
الله في كل رسله، فلا وجه للطعن.
التفسير والبيان:
﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ
فِي الْأَسْوَائِ﴾ أي إن جميع الرسل المتقدمين كانوا بشراً يأكلون الطعام، للتغذي
به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك منافياً لحالهم
ومنصبهم، أو يغضّ من شأنهم، وإنما امتيازهم في اتصافهم بالأخلاق
الفاضلة، وقيامهم بالأعمال الكاملة، وتأييدهم بخوارق العادات أو
بالمعجزات التي تدل كل عاقل على صدق رسالتهم وما جاؤوا به من عند
ربهم، ومحمد رَّ كغيره من الرسل في هذا.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ
أَهْلِ الْقُرَىّ﴾ [يوسف: ١٠٩/١٢] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ
الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨/٢١].
والمعنى: أن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم، وليس الفقر عيباً،
وليس العمل منقصاً من قدر الشخص واعتباره، وإنما قيم الرجال بالآداب
والأعمال.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً﴾ أي اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا
بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، فالناس طبقات في الغنى والفقر،
والعلم والجهل، والفهم والغباء، والصحة والمرض، وصاحب النعمة
مسؤول عمن حرم منها، والله قادر على منح الدنيا رسله الكرام، ولكنه أراد

٤٣
لِلُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٢٠
تساميهم عن الدنيا، وحشد طاقاتهم وأعمالهم للآخرة، ليقتدى بهم، كما
أراد سبحانه ابتلاء العباد بهم وابتلاءهم بالعباد، ليعرف المطيع من العاصى،
والمسالم من المؤذي.
﴿أَنَصْبِرُونٌّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي اصبروا على ما أراده الله لكم، وكان
ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع، وبمن يستقيم وبمن يتنكر
لطريق الحق، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.
روى أبو الدرداء عن النبي ◌َّر أنه قال: ((ويل للعالم من الجاهل، وويل
للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك،
وويل للشديد من الضعيف، وللضعيف من الشديد، بعضهم لبعض فتنة))
وقرأ هذه الآية، أسنده الثعلبي رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم عن عِيَاض بن حِمَارٍ عن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((يقولُ الله
تعالى: إني مبتليك ومبتلٍ بك)) وفي مسند أحمد عن رسول الله وَلّ: ((لو شئتُ
لأجرى الله معي جبالَ الذهب والفضة)».
وفي صحيح البخاري أنه لنَّ خيِّر بين أن يكون نبياً مَلَكاً، أو عبداً
رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
وقال مقاتل: إن الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة،
والعاص بن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن
مسعود، وعماراً، وبلالاً، وصهيباً، وسالماً مولى أبي حذيفة، قالوا: أنسْلِمُ
فنكون مثل هؤلاء؟! فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: ﴿أَنَصْبِرُونٌ﴾؟
أي على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر والجهد والإيذاء، كأنه جعل
إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أي اختباراً لهم. ولما صبر

٤٤
الُ (١٩) - الفُرْقَانٌ: ٢٠/٢٥
المسلمون أنزل الله فيهم: ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [المؤمنون: ٢٣/
١١١] (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن الرسل عليهم السلام كباقي البشر فيما عدا إنزال الوحي
عليهم، وتخلقهم بالأخلاق العالية، وقيامهم بالأعمال الطيبة بدرجة تفوق
غيرهم، فهم يأكلون ويشربون ويتاجرون في الأسواق.
والآية أصل في وجوب اتخاذ الأسباب، وإباحة طلب المعاش بالتجارة
والصناعة وغير ذلك. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن في غير موضع.
ودل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ على أن الدنيا دار
بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض الناس امتحاناً واختباراً لبعض
على العموم الذي يشمل كل مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني
فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر
بصاحبه، فعلى الغني مواساة الفقير وألا يسخر منه، وعلى الفقير ألا يحسد
الغني ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق.
والله سبحانه يأمر بالصبر على كل حال، حتى لا يهتز إيمان أحد، ويفوض
الأمر في كل شيء إلى الله تعالى.
والله تعالى بصير بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع، ومن يؤمن ومن لا
يؤمن، وبمن أدى ماعليه من الحق ومن لا يؤدّي.
(١) تفسير القرطبي: ١٨/١٣ - ١٩

٩٠
(١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٢١-٢٤
٤٥
طلب المشركين إنزال الملائكة عليهم أو رؤية الله
والإخبار بإحباط أعمالهم
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَكَئِكَةُ أَوْ نَى رَبَّنَاْ لَقَدٍ
يَوْمَ يَرَوْنَ اُلْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَِدٍ
اُسْتَكْبَرُواْ فِىِّ أَنْفُسِمْ وَعَتَوْ عُنُوًا كَبِيرًا
لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَّحْجُورًا ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنْتُورًا ﴿ أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
(٢٤
الإعراب:
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ﴾ اللام جواب قسم محذوف.
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرف، والعامل فيه فعل مقدر،
تقديره: اذكر، أي اذكر يوم يرون الملائكة. ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿لَا بُشْرَى﴾
لأن ما في حيِّز النفي لا يعمل فيما قبله. وأجاز الزمخشري نصب ﴿يَوْمَ﴾ بما
دل عليه ﴿لَا يُشْرَى﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها.
و﴿يَوْمَيِدٍ﴾ للتكرار.
و﴿لَا يُشْرَى﴾: إن جعلت ﴿بُشْرَى﴾ مبنية مع ﴿لَا﴾ كان ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ خبراً
لها؛ لأنه ظرف زمان، وظروف الزمان تكون أخباراً عن المصادر.
و﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ صفة للبشرى. وإن جعلت ﴿بُشْرَى﴾ غير مبنية مع ﴿لَا﴾
أعملت ﴿بُشْرَى﴾ في ﴿يَوْمَِدٍ﴾ لأن الظروف يعمل فيها معاني الأفعال،
وللمجرمين خبر ﴿لَا﴾.
البلاغة:
﴿لَوْلَا أُنزِلَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا بمعنى هلا للترجي.

٤٦
لُرعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢١/٢٥-٢٤
﴿وَعَنَوْ عُنُوًّا﴾ و﴿ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ جناس الاشتقاق.
﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ﴾ مبالغة بنفي الجنس، والمعنى: لا يبشر يومئذ المجرمون،
وعدل عنه إلى ذلك للمبالغة.
﴿هَبَآءَ مَنْتُورًا﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، أي
كالغبار المنثور في الجو في حقارته وعدم نفعه.
المفردات اللغوية:
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث، أو لا
يخافون لقاءنا بالشر، أي لا يخافون البعث، على لغة تهامة، أي إن الرجاء في
بعض لغات العرب: الخوف، مثل قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارَا
(٣) [نوح: ١٣/٧١] وأصل اللقاء: الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية، فإنه
وصول إلى المرئي، والمراد به: الوصول إلى جزائه، أي لقاء جزائنا.
﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ﴾ أي أرسلوا إلينا، فيخبروننا بصدق
محمد وَِّ ﴿أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ فيأمرنا بتصديقه واتباعه ﴿لَقَدِ أُسْتَكْبَرُواْ فِىّ
أَنفُسِهِمْ﴾ أي لقد تكبروا في شأن أنفسهم، حتى أرادوا لها أن تكون أنبياء أو
ماهو أعظم من ذلك ﴿وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ تجاوزوا الحد في الظلم حتى بلغوا
أقصى الغاية، بطلبهم رؤية الله تعالى في الدنيا، وكذبوا الرسول الذي جاء
بالوحي، ولم يأبهوا بمعجزاته. و﴿وَعَتَوْ﴾ بالواو على أصله، بخلاف ((عتي))
بالإبدال في سورة مريم في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ اُلْكِبَرِ عِنِّيًّا﴾ [٨].
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اٌلْمَلَئِكَةَ﴾ في جملة الخلائق، وهو يوم القيامة، وهو منصوب
بفعل مقدر تقديره: اذكر ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِدٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ أي الكافرين، والمعنى:
يمنعون البشرى، بخلاف المؤمنين، فلهم البشرى بالجنة ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا
تَحْجُورًا﴾ أي ويقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة، وهي كلمة تقال عند حصول

٤٧
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢١/٢٥-٢٤
شدة كلقاء عدو أو حدث خطير، يقصد بها العرب: الاستعاذة من وقوع
الخطر، والطلب من الله أن يمنع ذلك الحادث منعاً. والحجر لغة: المنع، ومنه
الحجر على القاصر أي منعه من التصرف، وسمي العقل حِجْراً؛ لأنه يمنع
صاحبه من بعض الأعمال.
﴿ وَقَدِمُنَا﴾ عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا في كفرهم في الدنيا من المكارم
كقرى الضيف وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، فأحبطناه لعدم الإيمان
﴿فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ هو ما يرى في الهواء أثناء ضوء الشمس الداخل من
الكوى أو النوافذ، أي جعلناه كالغبار المفرق في عدم النفع فيه ﴿مُسْتَقَرًّا﴾
أي مكاناً يستقرون فيه أكثر الوقت للجلوس والمحادثة، والمعنى: أصحاب
الجنة يوم القيامة خير مستقراً من الكافرين في الدنيا ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مكاناً
يؤوى إليه للقيلولة والراحة: وهي الاستراحة نصف النهار في الحر تشبيهاً
بمكان القيلولة في الدنيا؛ إذ لا نوم في الجنة. وأخذ من ذلك انقضاء الحساب
في نصف نهار، كما ورد في الحديث: ((أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك
اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار)).
المناسبة:
هذا هو موضوع الشبهة الرابعة للمشركين منكري نبوة محمد وصل ومكذبي
القرآن، ومفادها: لمَ لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محقّ في دعواه،
أو نرى ربنا حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا.
والشبهات الثلاث المتقدمة لهم: هي قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ إِفُْ اُفْتَرَهُ﴾
وما حكي عنهم: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَبَهَا﴾ وذكرهم خمس
صفات للرسول، زعموا أنها تخل بالرسالة، منها قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
يَأْكُلُ﴾ إلخ.

٤٨
الُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢١/٢٥-٢٤
التفسير والبيان:
هذا موقف عجيب من مواقف تعنت الكفار في كفرهم وعنادهم، صوَّره
القرآن بقوله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ أي
وقال المشركون الذين ينكرون البعث والثواب والعقاب: هلا أُنزل علينا
الملائكة كما تنزل على الأنبياء فنراهم عياناً، فيخبرونا بأن محمداً ﴿﴿ه صادق في
دعواه النبوة، أو نرى ربنا جهاراً نهاراً، فيخبرنا بأنه أرسله إلينا، ويأمرنا
بتصديقه واتباعه، كقولهم في آية أخرى: ﴿أَوْ تَأَتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾
[الإسراء: ٩٢/١٧] والحقيقة أنهم لا يرومون من كلامهم هذا إلا المكابرة
والتمادي في الإنكار والعناد، لذا قال تعالى:
﴿لَقَدِ اُسْتَكْبَرُوْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا﴾ أي والله لقد تكبروا
وأضمروا الاستكبار عن الحق، وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه كما
قال سبحانه: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّاهُم بِلِفِيهِ﴾ [غافر: ٥٦/٤٠]
وتجاوزوا الحد في الظلم والكفر تجاوزاً بلغ أقصى الغاية، فهم لم يجسروا على
هذا القول الشنيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو.
ولن يؤمنوا في الحقيقة والواقع، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ أَنََّ
نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَبِطَةَ وَلَّمَهُمُ الْمَوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١/٦].
ثم أخبر الله تعالى مهدداً عن حال رؤيتهم الملائكة، فقال:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا يُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا (®َ﴾ أي
هم لا يرون الملائكة في حال خير، وإنما في حال شر وسوء، فإنهم سيرونهم
عند الموت أو يوم القيامة قائلين لهم: لا بشرى لهم بخير، ولا مرحباً بهم،

٤٩
الجُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢١/٢٥-٢٤
وتبشرهم الملائكة بالنار وغضب الجبار، وتقول لهم: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ
اَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أُلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَّكُنتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣/٦].
ويقول الكفار: حجراً محجوراً، أي استعاذة وطلباً من الله أن يمنع عنهم
الخطر والضرر، والمقصود أنهم يتعوذون من الملائكة. قال ابن كثير: وهذا
القول، وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، ولا سيما
وقد نص الجمهور على خلافه. وإنما هذا من قول الملائكة لهم، يراد به: حرام
محرم عليكم البشرى بالمغفرة والجنة، وبما يبشر به المتقون، وحرام محرم عليكم
الفلاح اليوم.
وهذا بخلاف حال المؤمنين وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات،
وحصول المسرات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ
تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تُوعَدُونَ
تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ ﴿ نُلًا مِنْ غَفُورٍ زَّحِيم
(٣٢
[فصلت: ٣٠/٤١-٣٢] وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: ((إن الملائكة
تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، إن كنت
تعمرینه، اخرجي إلی روح وريحان، وربّ غير غضبان)).
ثم أخبر الله تعالى عن إحباط أعمال الكفار الخيرية التي كانوا يعتزون بها في
الدنيا كالإكرام والصدقة وفك الأسير وإنقاذ الملهوف وحماية المستجير وخدمة
البيت الحرام والحجيج، فقال:
﴿وَقَدِمُنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَّنْتُورًا (1﴾ أي قصدنا يوم
القيامة إلى محاسن أعمال هؤلاء الكفار في الدنيا، حين حساب العباد على ما
عملوه من الخير والشر، تلك الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم، كالتي

٥٠
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢١/٢٥-٢٤
ذكرتُ، فجعلناها مبددة لا نفع فيها ولا خير كالغبار المتناثر الذي لا جدوى
فيه ولا فائدة، لفقد الشرط الشرعي لقبولها وهو إما الإخلاص فيها لله، وإما
المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصاً لوجه الله الكريم، وليس على
منهج الشريعة المرضية لله، فهو باطل، وأعمال الكفار تفقد أحد الشرطين أو
كليهما، فتكون أبعد عن القبول.
ثم قارن الله تعالى حال هؤلاء الكفار بحال المؤمنين فقال:
أي إن حال
﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
أهل الجنة خير مأوى ومنزلاً، وأتم استقراراً، وأفضل راحة من حال المشركين
في النار. والمستقر: مكان الاستقرار، والمقيل: زمان القيلولة. وهذا إشارة إلى
أنهم من المكان في أحسن مكان، ومن الزمان في أطيب زمان. وبما أنه لا خير
في النار، فيكون المراد من قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ هو ما أريد من قوله:
﴿أَذَلِكَ خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ وهو التقريع والتوبيخ، كما إذا أعطى السيد
خادمه مالاً، فتمرد وأبى واستكبر، فيضربه ضرباً وجيعاً، ويقول له موبجاً :
هذا أطيب أم ذاك.
وهذا يدل على انتهاء حساب الخلائق في نصف يوم، كما ورد في الحديث:
((إن الله تبارك وتعالى يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم، فَيقيلُ أهل
الجنة في الجنةِ، وأهل النار في النار)).
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِّهُونَ
٥٥
[يس: ٣٦ / ٥٥ -٥٦] .
٥٦
وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَكِنُونَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - إن عدم الخوف من البعث ولقاء الله، أي عدم الإيمان بذلك هو سبب

٥١
الزُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢١٠/٢٥-٢٤
التمادي في إنكار صدق القرآن والنبي المنزل عليه، والعناد والإصرار على
الكفر. ثم إن التستر على الكفر والدفاع عنه يجعل الكفرة يطالبون بما فيه تعجيز
وشطط وخروج على المألوف، مثل المطالبة بإنزال الملائكة عليهم لإخبارهم أن
محمداً وَلّ صادق، أو رؤية الله عِياناً لإخبارهم برسالته، كما قال تعالى حاكياً
مطالبهم في آيات أخرى: ﴿ وَقَالُواْ لَن تُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
(9) إلى قوله: ﴿أَوْ تَأَتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢/١٧].
لذا قال الله تعالى في الآيات المفسرة هنا: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ
عُنُوَّ كَبِيرًا﴾ حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت،
والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، فلا
عين تراه. وإذا لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟
وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين.
أَ - إذا رئيتْ الملائكة عند الموت، فتبشر المؤمنين بالجنة، وتضرب
المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم، وتقول الملائكة لهم:
﴿حِجْرًا نَحْجُورًا﴾ أي حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله،
وأقام شرائعها، وذلك القول يحصل عند الموت، كما روي عن ابن عباس
وغيره. وقيل: إن ذلك يوم القيامة.
◌َ - إن جميع أعمال الكفار ولا سيما التي اعتقدوا أنها برٌّ وخير، وظنوا
أنها تقربهم إلى الله تعالى تكون يوم القيامة مهدرة باطلة لا جدوى فيها ولا نفع
منها بسبب الكفر، ولأن قبولها يفقد الشرط الشرعي لها وهو الإيمان بالله
وإخلاص العمل له. وقوله سبحانه: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ تنبيه على
عظم قدر يوم القيامة، ومعناه كما بينا: قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله
المجرمون من عمل بِرّ عند أنفسهم.
◌َ - أصحاب الجنة في مكان مستقر ومأوى ثابت، ومنزل حسن مريح

٥٢
الُرُءُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/٢٥-٢٩
طيب الإقامة، على النقيض من حال أهل النار. فقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ
يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٣)﴾ كقوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ
اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ التقريع والتوبيخ، وإنما قال: ﴿خَيْرٌ﴾ ولا خير
في النار والعذاب: بالنظر إلى التفاوت بين منزلتي الجنة والنار، وهما من
المنازل. أما من حيث الواقع فإن ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليس للمفاضلة التي تفهم من
صيغة أفعل التفضيل، وإنما لتقرير أن الجنة هي الخير المحض والحسن المطلق،
ولا خير أصلاً في ضدها وهي النار.
رهبة يوم القيامة وهوله
اٌلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اُلْحَقُّ
٢٥
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَِ وَنُزْنَ اُلْلَئِكَةُ تَنزِيلًا
وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ
٢٦
لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا
٢٨
) يَوَيْلَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
لَقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الْذِكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَِّيِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا
(٢٩)
القراءات:
﴿ تَشَقَّقُ﴾ :
قرئ:
١- (تشَقَّق) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر.
٢- (تشَقَّق) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿أَنْزِلَ الْمَلَبِكَةُ﴾ :
وقرأ ابن كثير (ونُنْزِلُ الملائكةَ).

٥٣
لِلُزْعُ (١٩) - القُرْقَانِ: ٢٥/٢٥-٢٩
يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (يا ليتنيَ اتخذت).
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾ الباء في قوله ﴿بِالْغَمَمِ﴾ للحال، والتقدير: يوم
تشقق السماء، وعليها الغمام، كقولك: خرج زيد بسلاحه، أي وعليه
سلا حه.
﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ﴾: ﴿الْمُلْكُ﴾ مبتدأ، و﴿ اَلْحَقُّ﴾ صفه له،
و﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ الخبر، و﴿يَوْمَيِذٍ﴾: ظرف للملك.
البلاغة:
﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ كناية عن الندم والحسرة، وكذلك كلمة ((فلان))
كناية عن الصديق الضال المضل.
المفردات اللغوية:
٠
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ الأصل: تتشقق والمراد يوم القيامة ﴿السَّمَاءُ﴾ كل سماء
﴿بِالْغَمَمِ﴾ هو غيم أبيض، أي مع الغمام، مثل قوله تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرًا
بِهِ﴾ [المزمل: ١٨/٧٣] والمعنى أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، أو عن الغمام
﴿وَنُزِّلَ الْمُلَكَةُ تَنزِيلًا﴾ أي تنزل الملائكة من كل سماء، وفي أيديهم صحائف
أعمال العباد . ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ اُلْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ﴾ أي الملك الثابت يوم القيامة لله
تعالى وحده، لا يشركه فيه أحد ﴿وَكَانَ يَوْمًا﴾ أي وكان اليوم يوماً عسيراً
أي شديداً على الكافرين، بخلاف المؤمنين.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ كناية عن الندم والتحسر يوم القيامة،
والمراد بالظالم: الجنس، أو المشرك عقبة بن أبي مُعَيْط الذي كان نطق

٥٤
الزُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/ ٢٥-٢٩
بالشهادتين، ثم رجع إرضاء لأُ بَيّ بن خَلَف ﴿اَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ محمد
وَله طريقاً إلى الهدى والنجاة ﴿يَوَيْلَنَ﴾ ألفه عوض عن ياء الإضافة، أي
ويلتي، ومعناه: هُلْكتي. وقرئ: (ياويلتي) بالياء وهو الأصل؛ لأن الرجل
ينادي ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالي فهذا أوانك: وإنما قلبت الياء ألفاً
كما في صحاری ومداری.
﴿أَضَلَّنِ عَنِ الْذِكْرِ﴾ ذكر الله أو القرآن أو موعظة الرسول وَله ﴿بَعْدَ إِذْ
جَآءَفِيٌ﴾ بأن ردني عن الإيمان به ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني الخليل المضل أو
إبليس؛ لأنه حمله على مخالفة الرسول وَه ﴿لِلْإِنسَانِ﴾ الكافر ﴿خَذُولًا﴾ بأن
يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ويتبرأ منه عند البلاء، ولا ينفعه.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أُبِي بن خَلَف يحضر النبي ◌ِِّ،
فيزجره عقبة بن أبي مُعَيط، فنزل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله:
[خَذُولًا﴾.
وفي رواية: كان عقبة بن أبي مُعَيْط يكثر مجالسة النبي وََّ، فدعاه إلى
ضيافته، فأبى أن يأكل طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل، وكان أبي بن
خلف صديقه، فعاتبه، وقال: صبأتَ؟! فقال: لا، ولكن أبى أن يأكل من
طعامي، وهو في بيتي، فاستحييت منه، فشهدت له، فقال: لا أرضى منك إلا
أن تأتيه، فتطأ قفاه، وتبزق في وجهه، فوجده ساجداً في دار الندوة، ففعل
ذلك، فقال ◌َله: ((لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوتُ رأسَك بالسيف)) فأسر
يوم بدر، فأمر علياً فقتله، وطعن أُبياً بأحد في المبارزة، فرجع إلى مكة ومات
يقول: ﴿يَيْتَنِ اَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾.
قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله وَلقر، عاد بزاقه في وجهه،
فتشعب شعبتين، فأحرق خديه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت.

٥٥
لِلُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/٢٥-٢٩
المناسبة:
بعد بيان طلب المشركين إنزال الملائكة، أخبر الله تعالى عن هول يوم
القيامة وعن نزول الملائكة حينئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، فيعض
الظالم على يديه ألماً وحسرة على ما فات، ويتمنى أن لو كان أطاع الرسول فيما
أمر ونهى، ولم يكن ممن أطاع الشيطان من الإنس والجن، ثم يفصل الله تعالى
القضاء بين الخلائق.
التفسير والبيان:
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ ﴾ أي اذكر أيها النبي الرسول يوم تتشقق السماء
عن الغمام، وتتفتح عنه، ويتبدل نظام العالم، وتنتهي الدنيا، وتصبح الشمس
والكواكب أشبه بالغمام، لتفرقها وتحللها وتناثرها في الجو، كما قال تعالى:
[الانفطار: ١/٨٢-٢] وقال
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْكَوَكِبُ أَُرَتْ
وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
[النبأ: ١٩/٧٨-٢٠]. وقال عز وجل: ﴿فَيَؤْمَيِدٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
سبحانه: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا
وَأَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ
١٥]
فَهِىَ يَوْمَِذٍ وَاهِيَةُ (®َ﴾ [الحاقة: ١٥/٦٩-١٦].
﴿وَنُزِّلَ اْلَئِكَةُ﴾ أي وتنزل الملائكة وفي أيديهم صحائف أعمال العباد،
لتكون حجة وشاهداً علیھم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ
الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠/٢].
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾ أي وكان يوم القيامة على الكافرين
يوماً شديداً صعباً؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل (محاكمة) كما في آية أخرى:
١١٠ ﴾ [المدثر: ٩/٧٤-١٠].
﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِدٍ يَوْمُ عَسِيرٌ ﴿٤َ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (
أما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:

٥٦
لُُ (١٩) - القُرْقَان: ٢٥/ ٢٥-٢٩
١٠٣/٢١] روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يارسول الله:
﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤/٧٠] ما أطول هذا اليوم؟!
فقال رسول الله وَالر: ((والذي نفسي بيده، إنه ليخفّفُ على المؤمن، حتى يكون
أخف عليه من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا)).
﴿وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اُنَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
أي واذكر أيها الرسول يوم القيامة الذي يعض المشرك وكل ظالم على
يديه ندماً وحسرة وأسفاً على ما فرّط في حياته، وعلى إعراضه عن طريق الحق
والهدى الذي جاء به الرسول وَله، ويقول: ياليتني اتخذت مع الرسول مَثل
طريقاً إلى النجاة والسلامة.
﴾ أي ياهلاكي احضر فهذا أوانك،
﴿يَوَيْلَتَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
ليتني لم أتخذ فلاناً الذي أضلني خليلاً أي صديقاً حميماً، أرداني اتباعه،
وصرفني عن الهدى، وعدل بي إلى طريق الضلال، سواء في ذلك أبي بن خلف
أو أمية بن خلف أو غيرهما.
﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآَيِّ﴾ هذا من قول الناس، أي لقد
ضللني وحرفني عن ذكر الله والإيمان والقرآن بعد بلوغه إلي.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا﴾ هذا من قول الله، لا من قول الظالم
أي إن من شأن الشيطان أن يخذل الإنسان عن الحق، ويصرفه عنه، ويدعوه
إلى الباطل ويستعمله فيه، ثم يتركه ويتبرأ منه عند المحنة، ولا ينفعه في العاقبة.
والشيطان: إشارة إلى خليله سماه شيطاناً؛ لأنه أضله كما يضل الشيطان،
أو أراد إبليس وأنه هو الذي حمله على مصادقة أو مخالّة المضل ومخالفة الرسول
وَ له، ثم خذله، أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس. والمعنى
الأخير هو الأولى.

٥٧
الزُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/٢٥-٢٩
فقه الحياة أو الأحكام:
طلب المشركون إنزال الملائكة، فأبان سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له
أربع صفات هي:
اً - إن في ذلك اليوم تتشقق السماء بالغمام أي عن الغمام؛ لأن الباء
وعن يتعاقبان؛ كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس، روي أن السماء
تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في
تِيههم، فتنشق السماء عنه، وهو الذي قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ اُلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠/٢]. وقوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ
﴾ [الانفطار: ١/٨٢] وآية
بِالْغَمَلِمِ﴾ جامع لمعنى الآيتين: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
﴿فِ ظُكَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ المذكورة.
وفي ذلك اليوم تنزل الملائكة من السماوات إلى الأرض لحساب الثقلين.
ومعنى (تَنزِيلًا﴾ توكيد للنزول، ودلالة على إسراعهم فيه.
اً - يكون الملك الثابت الدائم في ذلك اليوم الله الرحمن الرحيم، وهذا دليل
الألوهية؛ لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك، فبطلت يومئذ أملاك
المالكين وانقطعت دعاويهم، وزال كل مَلِك وملكه، وبقي الملك الحق لله
وحده.
٠٠
◌َ - يكون هذا اليوم شديداً صعباً على الكافرين؛ لما ينالهم من الأهوال،
ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاة مكتوبة، كما
دل الحديث المتقدم، وهذه الآية؛ لأنه إذا كان على الكافرين عسيراً، فهو على
المؤمنين يسير.
◌َ - إنه يوم يعض فيه الظالم الكافر وكل مكذب وطاغ على يديه، حسرة
وألماً على ما فرط في دنياه، فلم يؤمن بربه وبالرسول محمد رَله، فكلمة

٥٨
الزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/٢٥-٢٩
﴿ الظَّالِمُ﴾ للعموم، يعم جميع الظلمة، ويشمل عقبة بن أبي مُعَيط الذي هم
بالإسلام، فمنعه منه صديقه أمية بن خَلَف الجمحيّ، ويروى: أبي بن خلف
أخ أمية. وعضُّه يديه: فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله، وعدم اتخاذه في
الدنيا طريقاً إلى الجنة، فيدعو على نفسه بالويل والهلاك على محالفة الكافر
ومتابعته، ويقول: ﴿لَيْتَنِ لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ عنى أمية، وكنى عنه ولم
يصرح باسمه، لئلا يكون هذا الوعد مخصوصاً به، ولا مقصوراً عليه، بل
يتناول جميع من فعل مثل فعلهما.
فهذه العبارات الثلاث: الظالم، وفلان، والشيطان عامة.
والخليل الصاحب قد يضل صاحبه عن ذكر الله والإيمان به والقرآن
وموعظة الرسول قالد.
والشيطان يوسوس ويغري بالكفر والشرك والمعصية، ثم يخذل أتباعه،
والخذل: الترك من الإعانة، والتبرؤ من فعله. وكل من صَدَّ عن سبيل الله
وأطيع في معصية الله، فهو شيطان للإنسان، خذول عند نزول العذاب
والبلاء، كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
: [الحشر: ١٦/٥٩].
قَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي موسى عن النبي وَّ قال:
((إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل
المسك إما أن يُحْذيك(١)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجدَ ريحاً طيبة. ونافخ
الكير إما أن يحرِق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة))(٢). وذكر أبو بكر البزار
عن ابن عباس قال: قيل: يارسول الله، أيُّ جلسائنا خيرٌ؟ قال: ((من ذكّركم
بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكّركم بالآخرة عمله)).
(١) أحذاه: أعطاه.
(٢) وأخرجه أبو داود من حديث أنس.

٥٩
للزُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٣٠/٢٥-٣٤
هجر الكفار القرآن ومطالبتهم بإنزاله جملة واحدة
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَنَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
وَقَالَ الَّذِينَ
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا
كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادٌَ وَرَتَّلْتَهُ
الَّذِينَ
تَرْتِيلاً ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (شَ)
يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا
٣٤
القراءات:
﴿قَوْمِى اْتَّخَذُواْ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو، والبزي (قوميَ اتخذوا).
﴿اَلْقُرْءَانَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
﴿نَبِّ﴾:
وقرأ نافع (نبيء).
(جِثْنَكَ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيناك).
الإعراب:
في لام ﴿لِنْثَّبِّتَ﴾ وجهان: أن تتعلق بفعل مقدر، أي نزلناه لنثبت به
فؤادك؛ لقولهم: ﴿لَوَلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ﴾ أو أن تكون اللام لام القسم،

٦٠
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٣٠/٢٥-٣٤
وتقدر النون مع الفعل، وتظهر النون إذا فتحت اللام فيقال: ((والله لنثبتن)).
وتسقط إذا كسرت. وكاف ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف دل عليه
(نزلناه).
البلاغة:
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ إسناد مجازي؛ لأن الضلال لا ينسب إلى المكان، ولكن إلى
أهله.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ اُلرَّسُولُ﴾ محمد نَّهِ مشتكياً إلى ربه في الدنيا ﴿إِنَّ قَوْمِى﴾ قريشاً
﴿مَهْجُورًا﴾ متروكاً ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ﴾ أي كما جعلنا عدواً
من مشركي قومك، جعلنا لكل نبي قبلك عدواً من المشركين، فاصبر كما
صبروا، وفيه دليل على أن الله خالق الشر. والعدو: يطلق على الواحد والجمع
﴿هَادِيًا﴾ لك إلى طريق قهرهم ﴿وَنَصِيرًا﴾ ناصراً لك على أعدائك.
﴿لَوَلَا﴾ هلا ﴿جُمْلَةً وَحِدَةً﴾ دفعة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور
﴿كَذَلِكَ لِنُقَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ أي أنزلناه كذلك مفرَّقاً لتقوية قلبك بتفريقه
على حفظه وفهمه؛ لأنه وَلِّ بخلاف حال موسى وداود وعيسى عليهم السلام
كان أمياً، وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه مُملة، عانى التعب والإجهاد في
حفظه، ولأن نزوله بحسب الوقائع يزيد الأمر تبصراً، وتعمقاً في فهم المعنى.
وكلمة ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة مصدر محذوف يشير إلى إنزاله مفرقاً ﴿وَرَتَّلْتَهُ
تَرْتِيلاً﴾ أتينا به شيئاً بعد شيء، أو قرأناه عليك شيئاً بعد شيء، بتمهل وتؤدة،
لتيسير فهمه وحفظه، في مدى ثلاث وعشرين سنة. وأصله الترتيل في
الأسنان: وهو تفليجها.
﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي بحال وصفة غريبة ونوع من الكلام يشبه المثل في