النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ الُ (١٨) - الكنوزِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ ﴿ مَنْ فِ السََّوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَن﴾: لتغليب العقلاء. ﴿وَالطَّيْرُ﴾ جمع طائر، وهو تخصيص لما فيها من الدليل الباهر على وجود الخالق وقدرته، بجعل الأشياء الثقيلة تقف في الجو. ﴿صَّفَّتٍ﴾ باسطات أجنحتها في الهواء بعملية القبض والبسط. ﴿كُلّ﴾ كل واحد مما ذكر، أو من الطير. ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي علم الله دعاءه وتنزيهه اختياراً أو طبعاً. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تعميم بعد تخصيص، أي إن الله عالم بكل شيء من أفعالهم ومجازيهم عليها. وقوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فيه تغليب العقلاء. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي الله مالك السماوات والأرض وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات، حاكم متصرف فيهما إيجاداً وإعداماً؛ لأنه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات والأفعال . ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي وإليه المرجع والمآب. ﴿يُزْجِى﴾ يسوق برفق وسهولة، ومنه البضاعة المزجاة يزجيها كل أحد أي يزهد فيها بسهولة . ﴿ثُمَّ يُؤَّفُ بَيْنَهُ﴾ يضم بعضه إلى بعض، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُمُ زَكَامًا﴾ متراكماً بعضه فوق بعض. ﴿اَلْوَدْقَ﴾ المطر. ﴿مِنْ خِلَلِهِ﴾ من فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم، جمع خلل، كجبال وجبل. ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الغمام، وكل ما علاك فهو سماء. ﴿مِن جِبَالٍ فِيهَا﴾ من قطع عظام في السماء، وهو بدل بإعادة الجارّ. ﴿مِنْ بَرَ﴾ بيان للجبال، ومفعول ﴿ وَيَُّزِّلُ﴾ محذوف، أي ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها من جنس البَرَد، مأخوذ من بَرَد بَرَداً، والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت، ولم تحلّلها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البَرْد هناك، اجتمع وصار سحاباً، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطراً، وإن اشتد البَرْد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجاً، وإلا نزل بَرَداً، وكل ذلك لا بد وأن يستند إلى إرادة الله الحكيم، وإليه أشار بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ والضمير للبَرَد. ٦٠٢ المُُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ /٤١-٤٦ ﴿يَكَادُ﴾ يقرب. ﴿سَنَا بَرُقِهِ﴾ ضوء البرق الذي في السحاب، والبرق: جمع برقة . ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ أي بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك أقوى دليل على كمال القدرة من حيث توليد الضدّ من الضدّ، أي النار من البارد. ﴿ يُقَلِّبُ اَللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ﴾ بالمعاقبة بينهما، فيأتي بكل منهما بدل الآخر، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو بما يعم ذلك وهو الأولى. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ التقليب، وفيما تقدم ذكره. ﴿لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ للدلالة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزهه عن الحاجة، لمن يتأمل ذلك من أهل العقول والبصائر. ﴿دَآبَّةٍ﴾ حيوان يدب على الأرض، وتستعمل عرفاً للدواب ذوات الأربع. ﴿مِّن مَّاءٍ﴾ هو جزء مادته، أو ماء مخصوص وهو النطفة، تنزيلاً للغالب منزلة الكل؛ إذ من الحيوانات ما لا يتولد عن النطفة. ﴿فَمِنْهُم ◌َّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والهوام من الحشرات، وإنما سمي الزحف مشياً بطريق الاستعارة أو المشاكلة. ﴿وَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير. ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾ كالبهائم والأنعام، ويندرج فيه ما له أكثر من أربع کالعناكب، فإنها تعتمد في المشي على أربع. وتذكير الضمير في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ والتعبير بمن لتغليب العقلاء، والتعبير بمن عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة. والترتيب في إيراد هذه المخلوقات لتقديم ما هو أدل على القدرة. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ مما ذكر ومما لم يذكر، على اختلاف الصور في الأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته . ﴿إِنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى ما استنارت به قلوب المؤمنين بالهداية، وما ٠٠١٫٠٠٠ ٦٠٣ لُحُ (١٨) - الفنّورِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ أظلمت به قلوب الكافرين بالضلالة، أتبع ذلك ببيان أدلة التوحيد والقدرة، فذكر منها أربعة: الأول - تسبيح المخلوقات، والثاني - إنزال الأمطار، والثالث - اختلاف الليل والنهار، والرابع - أنواع الحيوانات. التفسير والبيان: النوع الأول - تسبيح المخلوقات: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَطَّيْرُ صَفَّاتٍ﴾ أي ألم تعلم بالدليل أيها النبي وكل مخاطب أن الله سبحانه ينزهه ويقدِّسه كل من في السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم من الملائكة والإنس والجن والجمادات، ومنها الطير الباسطات القابضات أجنحتها حال طيرانها في جو السماء لكيلا تسقط، تنزيهاً يدركه المتأمل بعقله السليم؛ إذ تكوينها بخصائصها المتفاوتة يدل بذاته على وجود الخالق لها. والتنزيه يدل على اتصاف الخالق بجميع صفات الكمال، ويبطل قول الكفار الذين جعلوا الجمادات شركاء لله، ونسبوا إليه الولد، وهي من مخلوقاته وإيجاده. قال مجاهد وغيره: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سواه من الخلق. وذكر الطير مع دخولها بما سبق لما فيها من دلالة خاصة على بديع الصنع الإلهي، وكمال القدرة الإلهية، ولطف التدبير لمبدعها؛ لأن وقوف الأشياء الثقيلة في الجو أثناء الطيران حجة واضحة على كمال قدرة الخالق المبدع. والافتتاح بقوله ﴿أَلَّمَّ تَرَ﴾ يشير إلى أن تسبيح الكائنات لله عزّ وجلّ أمر واضح يصل إلى حد العلم الذي لا شك فيه. ﴿ كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ أي كل واحد مما ذكر قد علم الله صلاته وتسبيحه، أي أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عزّ وجلّ. ٦٠٤ الُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ والله عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، سواء في حال الطاعة أو المعصية، ومجازيهم عليها. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (﴿3﴾ أي إن الله تعالى مالك جميع ما في السماوات والأرض، وهو الحاكم المتصرف فيهما خَلْقاً وإماتة، وهو الإله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا معقّب لحكمه، وإليه وحده مصيرهم ومعادهم يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء، ويجازي بما أراد، كقوله تعالى ﴿ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنىَ﴾. [النجم: ٣١/٥٣]. والخلاصة: إن عظمة الكون، وإبداع السماوات والأرض، وما بثّ الله فيهما من كائنات حية وجامدة، وروعة ما نشاهده من تركيب الإنسان، وتنوع عالم الحيوان في البر والبحر والجو، وما يقوم به أضخم الحيوان وأصغره، وتفنّن النحل في بناء البيوت وتكوين العسل، وحيل العناكب الضعيفة في اصطياد الحشرات، وعجائب أعمال الطيور، وتصرف الرّب في المخلوقات إيجاداً وإعداماً، بدءاً وإعادة، كل ذلك دليل قاطع محسوس على وجود الإله الخالق المبدع، والرّب الواحد المتصرف، الذي لا ربّ سواه، ولا معبود بحق غيره. هذا أول دليل كوني على وجود الله وقدرته ووحدانيته، وهو شامل لعدة . أدلة، كل دليل منها كافٍ وحده في تكوين القناعة، ويمكن تصنيف ما ذكر في الآيتين الأوليين في دليلين إجماليين: دليل العبودية في العالمين العلوي والسفلي، ودليل الملك المطلق ووحدة مصير الخلائق إلى الله تعالى. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وهذان دليلان آخران في الآيتين التاليتين على قدرة الله وتوحيده: ٦٠٥ إِلُُُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ النوع الثاني - إنزال المطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا﴾ إلى قوله: ﴿ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ أي ألم تعلم أيها النبي وكل مخاطب كيفية تكوين المطر وإنزاله، إنه تعالى يسوق بقدرته السحاب أول ما ينشئه بعضه إلى بعض، بعد أن يتكون من بخار الماء الصاعد من البحار التي هي أربعة أخماس المعمورة، ثم يجمع ما تفرق من أجزائه في وحدة متضامة، ثم يجعل بعضه متراكماً فوق بعض، حتى يتكون منه سحاب عالٍ في طبقات الجو الباردة، ثم يسوق ذلك السحاب بالرياح اللواقح إلى المكان الذي يريد إنزال المطر فيه، ثم ينزل المطر من خلال السحاب، أي من نتوقه وشقوقه التي تتكون بین أجزائه. وهكذا ينزل الله المطر من طبقات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال، كما ينزل الثلج والبرد بحسب نسبة تأثير البرودة في الأبخرة المتصاعدة. وكل ما علا الإنسان فهو سماء، فالسماء هي الغيم المرتفع على رؤوس الناس. وتكون الجبال كناية عن السحاب المشاهد الآن لكل راكب في الطائرة التي ترتفع عادة أكثر من ثلاثين ألف قدم في الجو فوق السحب البيضاء المتجمعة كالجبال الشاهقة(١). ويرى مفسرون آخرون أن جبال البرد قائمة فعلاً في السماء، وينزل الله منها البرد، وهذا المعنى تؤيده بعض النظريات الحديثة التي تثبت أن في طبقات الجو ما يشبه الجبال مكونة من برد، وقد تنزل زيادة على ما يصعد من بخار البحار. (١) قال بعض النحاة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَكِ﴾: ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس، كما قدمنا في الإعراب، وهذا إنما يجيء على قول بعض المفسرين إلى أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد. وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب، فإن ﴿مِنْ﴾ الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضاً، لكنها بدل من الأولى، والله أعلم (تفسير ابن كثير: ٢٩٧/٣). ٦٠٦ الُُ (١٨) - الشنُوزِ: ٢٤ /٤١-٤٦ وتتحكم إرادة الله وقدرته وتصريفه في كيفية إنزال المطر، فيصيب بما يُنزل من السماء من نوعي المطر والبَرَد من يشاء من عباده رحمة لهم، ويحجبه عمن يشاء، ويؤخر الغيث عمن يريد، إما نقمة وإما رحمة من إسقاط الثمار والأزهار وإتلاف الزروع والأشجار. وأعجب من ذلك كله خلق الضد من الضد وهو النار من البارد، حتى ليكاد أو يقرب ضوء برق اصطدام الغيوم من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته. النوع الثالث - اختلاف الليل والنهار: أي إن الله ﴿يُقَلِبُ اَللَّهُ الَّلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ عزّ وجلّ يتصرف في الليل والنهار بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وتغير أحوالهما بالحرارة والبرودة، وتعاقبهما بنظام ثابت دقيق، إن في ذلك لدليلاً على عظمته تعالى، وعظة لمن تأمل فيه من ذوي العقول، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِّ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ١٩٠ : [آل عمران: ١٩٠/٣]، وقال النبي ◌َّ - فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه -: ((قال الله تعالى: يؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدهر، وأنا الدهرُ، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار)). ٢ النوع الرابع - أنواع المخلوقات: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَبَةٍ مِّن ◌ََّءِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد أن استدل الله تعالى على وحدانيته وقدرته بعالم السماء والأرض وبالآثار العلوية، استدل بأحوال الحيوانات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها ومهماتها، فذكر أنه سبحانه خلق كل أنواع الحيوانات التي تدب على الأرض من ماء واحد هو جزء مادتها وأساس تكوينها، أو هو النطفة التي ٦٠٧ اِلُُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ يحملها المني الحيواني الذي تلقح به بويضة الأنثى في منيها. وسبب تخصيص الماء بالذكر أنه أصل الخلقة الأول، ولأنه لا بقاء للحيوان بدونه، ولأن آثار التراب تمتزج فيه. وأنواع الحيوان كثيرة، فمنها من يمشي زحفاً على بطنه بانقباض عضلات البطن وانبساطها كالحيات والأسماك وسائر الزواحف. وسمي زحفها مشياً إشارة إلى كمال القدرة وتحقيقها هدف المشاة وهو الانتقال والحركة للبحث عن الرزق وتحقيق الغايات. ومنها من يمشي على رجلين كالإنسان والطير. ومنها من يمشي على أربع كالأنعام وسائر وحوش البر. والله سبحانه يخلق بقدرته ما يشاء، وهذا تعبير إجمالي يدخل آلاف أنواع الحيوانات الأخرى من حشرات وغيرها مما يمشي على أكثر من أربع، وتختلف صوره وطبائعه وقواه. إن الله قادر على خلق كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ثم ختم الله تعالى إيراد أدلة التوحيد ببيان جامع شامل يجمع تلك الأدلة فقال : ٤٦ ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ تُبَيِنَتِّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ أي أنزل الله في هذا القرآن آيات مفصلات واضحات دالة على وجود الخالق المدبر للكون، ومرشدة إلى طريق الحق والسداد بما فيها من حكم وأحكام وأمثال بينة محكمة، وأنه تعالى يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والوعي والعقل، ويرشد من يشاء إلى الطريق القويم الذي لا عوج فیه. ٦٠٨ الُعُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٤١-٤٦ فقه الحياة أو الأحكام: هذه دلائل التوحيد وإثبات الذات الإلهية، الدالة دلالة حسية على أن لتلك المصنوعات المتغيرة صانعاً قادراً على الكمال. وأول هذه الأدلة أن جميع المخلوقات تسبح الله، أي تنزهه عن جميع النقائص، وتصفه بصفات الجلال والكمال، والله عليم بتسبيحها وبدعائها وعبادتها، يعلم صلاة المصلي وتسبيح المسبِّح، ولا يخفى عليه طاعتهم وتسبيحهم. والله تعالى مالك الملك في السماوات والأرض، وهو الحاكم المدبر المتصرف بجميع المخلوقات، وإليه مصير الخلائق يوم القيامة. وكل مملوك عبد لله، وكل محاسَب ضعيف ذليل أمام القاضي. وثاني الأدلة - إنزال المطر بكيفية عجيبة تبدأ بتصاعد أبخرة الماء وتحمل بقدرة الله إلى طبقات الجو العالية، وتتجمع حينئذ بها السحب والغيوم، وتقودها الرياح، وتلقحها وتؤثر فيها بالبرودة، ثم تتساقط الأمطار العذبة بعد أن كانت عند تبخرها من البحار مالحة، فتروي الأرض، وتحقق الخير، وتوفر الرزق، وتحيي جميع الكائنات الحية، فإن الرطوبة أهم عناصر الحياة، وهي الفارق المميز بين الشتاء والصيف. وثالث الأدلة - تقليب الليل والنهار بالزيادة والنقص، والحرارة والبرودة، والتعاقب المستمر، ولكل من الليل والنهار طبيعة تناسب الإنسان، فالليل للراحة والهدوء، والنهار للحركة والكسب. ورابع الأدلة - تنوع المخلوقات بأشكال شتى، وطبائع مختلفة، ومنافع متعددة، مع أن منشأها واحد وهو الماء، وتركيبها مختلف، ويخلق الله من الماء ما يشاء وما لا نعلم به إلى الآن، بالرغم من تعدد الاكتشافات العلمية؛ إذ ٦٠٩ لِلُعُ (١٨) - النورِ: ٢٤ / ٤٧-٥٠ أول ما خلق الله من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء، وقدرة الله فوق الحصر والعد، وأغرب من السمع والبصر. وما أجمل وأبدع ما ختمت به تلك الأدلة من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ مُبَيِّنَتِ﴾ فهي تشمل كل الأدلة والعبر، ومنها بيان القرآن العظيم الذي اشتمل على أدلة الإيمان والاعتقاد، وأحكام العبادة والتشريع، وأصول الفضائل والآداب والأخلاق. والله يهدي بتلك الأدلة من يريد إلى طريق الحق والصواب، والسداد والاستقامة، دون انحراف أو اعوجاج، فماذا بعد بيان الحق إلا الضلال؟! البقاء على الضلال والنفاق بالرغم من البيان الشافي (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَنَوَّنَ فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكٌّ وَمَا وَإِذَا دُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَّنَهُمْ إِذَا فَرِيْقٌ مِّنْهُم ٤٧ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ مُعْرِضُونَ ﴿ وَإِن يَكُن لَهُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿ أَفِ قُلُوبِم ◌َرَضُ أَمِ آَرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَكَ هُمُ الْظَّلِمُونَ ٥٠ المفردات اللغوية: ﴿ وَيَقُولُونَ﴾ أي المنافقون. ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ صدقنا بتوحيد الله وبالرسول محمد. ﴿وَأَطَعْنَا﴾ رضينا فيما حكما به. ﴿يَتَوَلَى﴾ يعرض ويمتنع عن قبول حكمه. ﴿ وَمَآ أُوْلَئِكَ﴾ المعرضون. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الصادقي الإيمان التي توافق قلوبهم ألسنتهم. ﴿وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ليحكم بينهم النبي ◌َّ، فإنه الحاكم الدنيوي ظاهراً، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله . ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ أي فاجأ فريق بالإعراض عن المجيء إليك إذا كان الحق عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تحكم لهم. ٦١٠ الزُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ /٤٧-٥٠ ﴿وَإِن يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ لهم الحكم لا عليهم ﴿ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين منقادين؛ لعلمهم بأنه يحكم لهم، وتقديم ﴿إِلَيْهِ﴾ للاختصاص. ﴿أَِّ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ كفر أو ميل إلى الظلم. ﴿أَرْتَابُواْ﴾ شكوا في نبوتك، فزالت ثقتهم بك. ﴿يَحِيفَ﴾ يجور ويظلم في الحكم. ﴿بَلّ أُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي لا، بل هم الذين يريدون ظلم الناس وإنكار حقوقهم بالإعراض عنك. سبب النزول: قال المفسرون: هذه الآيات نزلت في بِشْر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجرّه إلى رسول الله ◌َلا لیحکم بينهما، وجعل المنافق يجرّه إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمداً يحيف علينا. وقد سبق بيان قصتهما في سورة النساء. وأخرج ابن أبي حاتم من مرسل الحسن البصري قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي رََّ، وهو محق، أذعن، وعلم أن النبي ◌َّه سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يَظْلم، فدعي إلى النبي ◌َّ أعرض، فقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بِشْر المنافق، دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله وَلقر، ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف، ثم تحاكما إلى رسول الله وَلّ، فحكم لليهودي؛ لأنه صاحب الحق، فلم يرض المنافق بقضائه وَّر. وقال: نتحاكم إلى عمر رضي الله عنه، فلما ذهبا إليه، قال له اليهودي: قضى لي النبي ◌ََّ، فلم يرض بقضائه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: بلى، فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل رضي الله عنه بيته، وخرج بسيفه، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله (وَا﴾(١). (١) وهذا الحكم حق وعدل؛ لأنهم في الواقع كفار استباحوا معارضة النبي صل﴿ في أحكامه، وشهّروا بحكمه، وأحدثوا البلبلة والاضطراب في عدله ونبوته، وكل ذلك يختلف عن الكافر العادي. ٦١١ لُعُ (١٨) - الشنوزِ: ٢٤ / ٤٧-٥٠ المناسبة: بعد بيان أدلة التوحيد، ذمّ الله تعالى قوماً وهم المنافقون اعترفوا بالدين بألسنتهم، ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم، فيقولون: ﴿ءَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ ثم يفعلون نقيض ذلك. التفسير والبيان: هذه صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِنُ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَِّكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي ويقول المنافقون أمام الناس: صدقنا بالله رباً وبمحمد بَّليه رسولاً، وأطعنا الله فيما قضى، والرسول ◌َّر فيما حكم به، ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكمه، فيخالفون أقوالهم بأعمالهم، ويقولون ما لا يفعلون، ويرجعون بعدئذ إلى الباقين منهم، فيظهرون الرجوع عما أعلنوه، والحقيقة أن أولئك المنافقين ليسوا بالفعل من أهل الإيمان، وإنما مردوا على النفاق. وهذا دليل واضح على أن الإيمان لا يكون بالقول، إذ لو كان به، لما صح أن ينفي عنهم كونهم مؤمنين. ومن مظاهر نفاقهم وذبذبتهم: ﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿4﴾﴾ أي وإذا طلبوا إلى تحكيم كتاب الله واتباع هداه، وإلى الرسول وَّ ليحكم بينهم في خصوماتهم، أعرضوا عن قبول حكم الله ورسوله ◌َّر، واستكبروا عن اتباع حكمه. وهذا ترك للرضا بحكم الرسول وَله، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا (٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ اَلْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾[النساء: ٤ /٦٠-٦١] . ٦١٢ لِلُعُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ / ٤٧-٥٠ وفي الآية دلالة على أن حكم الرسول وَله هو حكم الله القائم على الحق والعدل. ﴿وَإِن يَكُنْ لَهُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (®﴾ أي إذا كان الحكم في صالحهم جاؤوا إليه سامعين مطيعين؛ لعلمهم بأنه لا يحكم إلا بالحق. وهذا دليل واضح على انتهازيتهم وإرادتهم النفع المعجل، فهم يعرضون عن حكم النبي وَّ متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكّوا، فأما إذا عرفوه لأنفسهم أسرعوا إلى قبول الحكم النبوي والرضا به. ثم حلَّل القرآن الكريم نفسيتهم فقال تعالى: ﴿أَفِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ أَمِ آَرْقَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَيْهِمْ وَرَسُولٌ﴾(١) أي إن ترددهم وذبذبتهم بين قبول حكم النبي نَلي تارة والإعراض عنه تارة أخرى لأحد الأسباب التالية: وهي إما أنهم مرضى القلوب بالكفر والنفاق، والمرض ملازم لهم، وإما أنهم شكوا في الدين وفي نبوته وَلي، وإما أنهم يخافون أن يجور الله تعالى ورسوله وّ عليهم في الحكم. وأيا كان هو السبب فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وبصفاتهم. لذا قال تعالى: ﴿بَلّ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي بل هم الظالمون الفاجرون، يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، لا أنهم يخافون أن يحيف الرسول واله عليهم؛ لمعرفتهم بأمانته وعدله في حکمه وصونه عن الجور .. فقه الحياة أو الأحكام: الإيمان بالمبدأ أو الاعتقاد لا يعرف إلا واجهة واحدة هي واجهة الصراحة (١) كلمة أم للاستفهام، وهو غير جائز على الله تعالى، والمراد به الإخبار عنهم، كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ومعناه إثبات أنهم كذلك، ولو كان الاستفهام على حقيقته لكان ذماً لهم، وإنما أتى بالاستفهام في الآية لأنه أبلغ في التوبيخ والذم. ٦١٣ للزُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٤٧-٥٠ في القول، والحزم والجزم بالعقيدة، ومطابقة القول العمل. أما أولئك المنافقون في صدر الإسلام وفي كل عصر الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، فهم كفرة جبناء يطعنون في الإسلام من الخلف، ويريدون في الواقع هدمه، والتنصل من أحكامه وقواعده. وهذه صورة مخزية لهم عرضها القرآن الكريم، تراهم إذا أحسوا بأن الحق في جانبهم قبلوا بحكم النبي ◌ّ؛ لأنه كما أثبت الواقع لا يحكم إلا بالحق. وإن عرفوا الحق مع غيرهم وأرادوا جحوده، طلبوا التحاكم إلى غير هذا النبي من أعدائه الذين يحكمون بأهوائهم. ففي قلوبهم مرض الكفر والنفاق، والشك والريب في نبوة النبي وقَله وعدله، وهم في الواقع الظالمون، أي المعاندون الكافرون الذين يريدون جحود الحقوق؛ لإعراضهم عن حكم الله تعالى، وليس هناك أدنى جور في حكم الله والرسول. هذه عادة الذين يتاجرون بالإسلام وتملق أهله ما دامت لهم مصلحة، فإن زالت المصلحة أو تغيرت ابتعدوا عن الإسلام ورکبه. وهذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم؛ لأن الله سبحانه ذمّ من دُعي إلى رسوله وَّرَ ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم، فقال: ﴿أَفِىِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُّ﴾. فواجب على كل من دُعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو عداوة بينه وبين المدّعي أو المدّعى عليه. ومن المعلوم أن القضاء يكون للمسلمين في الحكم بين الْمُعاهَد والمسلم، ولا حق لأهل الذمة فيه. أما القضاء بين الذميين فذلك راجع إليهما، فإن تراضيا وجاءا قاضي الإسلام، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض. ٦١٤ الجُعُ (١٨) - التنورِ: ٢٤ /٥١-٥٤ الطاعة والامتثال عند المؤمنين ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَمَن يُطِعِ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ٥١ وَأَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآِزُونَ وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمْ لَكِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنُّ قُل لَّا ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا ٥٤ عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ الإعراب: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بكسر القاف على الأصل، وقرئ بسكونها على التخفيف، مثل كتِف وکتْف. ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ ﴿طَاعَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمرُنا طاعة، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي طاعة معروفة أمثلُ من غيرها. البلاغة: ﴿جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ استعارة، شبَّه الأيمان المبالغ فيها والمؤكدة بمن يجهد نفسه في أمر شاق لا يستطيعه. ﴿َيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْككُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ مشاكلة، أي عليه التبليغ، وعليكم إثم التكذيب. المفردات اللغوية: (إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي دعوا إلى حكم الله تعالى والرسول وَلِّ ﴿أن ٦١٥ الُعُ (١٨) - الكنوزِ: ٢٤ / ٥١-٥٤ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي القول اللائق بهم أن يعلنوا الإطاعة بالإجابة ﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمرانه، أو في الفرائض والسنن ﴿وَيَخْشَ اَللَّهَ﴾ أي يخف الله على ماصدر عنه من الذنوب في الماضي. ﴿ وَيَتَّقْهِ﴾ بأن يطيعه فيما بقي من عمره ﴿اَلْفَابِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم في جنان الله. (جَهْدَ أَيْمَئِهِمْ﴾ قدر طاقتهم وأقصى غاية الأيمان ﴿لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بالجهاد أو الخروج عن ديارهم وأموالهم ﴿لَيَخْرُجٌُّ﴾ جواب أقسموا، على الحكاية أي قائلين: لنخرجن ﴿قُل لَّا نُقْسِمُواْ﴾ على الكذب ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ أي المطلوب منكم طاعة معروفة، لا اليمين والطاعة النفاقية المنكرة ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مطّلع على أعمالكم فلا يخفى عليه سرائركم ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به، على الحكاية، مبالغة في تبكيتهم ﴿تَوَلَّوْاْ﴾ أي تتولوا وتعرضوا ﴿فَإِنَّمَا عَيْهِ مَا حُّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِلْتُمْ﴾ أي على محمد بَّر ما مُّل من مهمة التبليغ، وعليكم ما حملتم من الامتثال والطاعة ووزر التكذيب ﴿وَإِن تُطِيعُوُ﴾ في حكمه ﴿تَهْتَدُواْ﴾ إلى الحق ﴿اَلْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ الموضح لما كلفتم به. المناسبة: جرياً على عادة الله تعالى في إتباع ذكر المحق المبطل، والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره مالا ينبغي، فبعد حكاية قول المنافقين وفعلهم وبقائهم على النفاق ونفي الإيمان الحق، ذكر الله تعالى ماهو شأن أهل الإيمان في الطاعة والامتثال، وصفات المؤمن الكامل وما يجب أن يسلكه المؤمنون. التفسير والبيان: هذه صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الممتثلين لكتاب الله تعالى وسنة رسوله وَة، فقال تعالى: ٦١٦ الزُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٥١-٥٤ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®) أي إن شأن المؤمنين الصادقي الإيمان وعادتهم أنهم إذا طلبهم أحد إلى حكم الله ورسوله في خصوماتهم أن يقولوا: سمعاً وطاعة، لذا وصفهم تعالى بالفلاح، فأولئك هم الفائزون بنيل المطلوب، والسلامة من المرهوب، والنجاة من المخوف. والسمع والطاعة هو محور الميثاق الأول مع المسلمين الأوائل، ففي بيعة العقبة الأولى بايع رسول الله وَله اثني عشر رجلاً من الأنصار على السمع والطاعة في المعروف، كما روى عبادة بن الصامت. وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي نجيح العرباض بن سارية أن رسول الله صل ﴿ وعظ الصحابة فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة .. )) وأوصى عبادة بن الصامت ابن أخيه جنادة بن أبي أمية لما حضره الموت فقال: ألا أنبئك بماذا عليك وبماذا لك؟ قال: بلى، قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وألا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحاً، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله. وقال أبو الدرداء: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة. ثم أبان الله تعالى أن كل طاعة الله ورسوله محققة الفوز، فقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَتِكَ هُمُ الْفَابِرُونَ (3@﴾ أي ومن يطع الله ورسوله فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، وخاف الله فيما مضى من ذنوبه، واتقاه فيما يستقبل من أيامه، فأولئك هم الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة. ثم قارن الله تعالى موقف هؤلاء بموقف أولئك المنافقين، وهم كثيرون في كل زمان، فعاد إلى كشف موقفهم من الطاعة بعد بيان كراهيتهم لحكم رسول الله ◌َّ فقال: د ٦١٧٠ ◌ِلُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ /٥١-٥٤ ﴿ وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي كان أهل النفاق يحلفون للرسول ( مغلّظين الأيمان، مبالغين فيها إلى غايتها: لئن أمرتهم بالجهاد والخروج مع المجاهدين، ليخرجن كما طلبت، فقالوا: والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. فرد الله تعالى عليهم مبيناً أكاذيبهم بقوله: ﴿قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قل يا محمد لهم: لا تحلفوا، فإن المطلوب منكم طاعة معروفة، صدق باللسان، وتصديق بالقلب والأفعال. وقيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة لنا، فهي مجرد طاعة باللسان فحسب من غير تصديق قلبي، وقول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمٌّ فَإِنِ تَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ [التوبة: ٩٦/٩] وقال سبحانه: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَنْ ٩٦ اُلْفَسِقِينَ ﴾ [المجادلة: ١٦/٥٨]. سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وهذا نهي عن القسم القبيح الكاذب؛ إذ لو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه، فتبين أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي أن الله مطلع على أعمالكم الظاهرة والباطنة، خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، يعلم بأيمانكم الكاذبة وبكل ما في ضمائر عباده من الكفر والنفاق وخداع المؤمنين، فيجازيكم على كل عمل سَمِّئ. وهذا تهديد ووعید. ثم رغبهم الله ورهبهم فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ قل لهم أيها الرسول: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، وهذا دليل على أنهم لم يطيعوا ما فيهما. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَيْهِ مَا حُّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِلْتُمْ﴾ أي فإن تتولوا عنه ٦١٨ اِلُعُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ /٥١-٥٤ وتتركوا ما جاءكم أو إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الذي عليه أي الرسول إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، وعليكم بقبول ذلك وبطاعته فيما أمر، وتعظيمه، فما حملتم هو الطاعة. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ أي وإن تطيعوا هذا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه، تهتدوا إلى الحق؛ لأنه يدعو إلى صراط مستقيم، وما على الرسول إلا التبليغ البين والواضح والموضح لما تحتاجون إليه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ١٣/ ٤٠] وقوله سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ جَ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطٍ [الغاشية: ٢١/٨٨-٢٢]. فقه الحياة أو الأحكام: قارن الله تعالى في هذه الآيات بين المؤمنين والمنافقين في شأن الطاعة: طاعة الله تعالى والرسول ◌َ# في الأمر والنهي، فإن المؤمنين الصادقين، وهم عند نزول الآيات المهاجرون والأنصار، كانوا إذا دعوا إلى كتاب الله تعالى وحکم رسوله پے، قالوا: سمعاً وطاعة، دون تمهل ولا تردد. وهم في هذا القول لم يخسروا، وإنما حققوا لأنفسهم الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فمن يطع أوامر الله تعالى ويلتزم بحكم رسول الله وَ التر وأمره، ويخف عذاب الله على ذنوبه الماضية، ويتق الله في مستقبل عمره، فهو من الفائزين بكل خير، البعيدين عن كل شر. ذكر أسلم أن عمر رضي الله عنه بينما هو قائم في مسجد النبي ◌َّ، وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أنا أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً رسول الله، فقال له عمر: ما شأنُك؟ قال: أسلمتُ لله، قال: هل لهذا سبب؟ قال: نعم! إني قرأتُ التوراة والزبور والإنجيل وكثيراً من كتب الأنبياء، فسمعت أسيراً يقرأ آية من القرآن جمع فيها كل ما في ٦١٩ الُ (١٨) - التنورِ: ٢٤ / ٥١-٥٤ الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله، فأسلمت، قال: ماهذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من عمره ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره ﴿فَأُوْلَتِكَ هُمُ اٌلْفَابِرُونَ﴾ والفائز: من نجا من النار، وأُدخل الجنة. فقال عمر: قال النبي وَّلـ فيما رواه البيهقي: ((أوتيتُ جوامع الكلِم)). وأما المنافقون فيقسمون بالله تعالى أغلظ الأيمان، وطاقة ما قدروا أن يحلفوا على أنهم يجاهدون مع النبي ◌َّ في المستقبل ويطيعونه فيما أمر، ولكن أيمانهم كاذبة، لذا نهاهم الله تعالى عن هذا القسم القبيح الكاذب، وأمرهم بالطاعة المعروفة المعتادة لدى المؤمنين، وهي النابعة من إخلاص القلب، ولا حاجة بعدئذ إلى اليمين، فإن الله خبير بما يعملون من الطاعة بالقول، والمخالفة بالفعل. ثم أكد الله تعالى الأمر بطاعة أوامر الله تعالى وحكم الرسول وثيقة بإخلاص لا نفاق فيه، فإن تولوا عن الطاعة، فما على النبي وقلة إلا تبليغ الرسالة، وما عليهم إلا الطاعة له، فإن أطاعوه اهتدوا إلى الحق، فجعل الاهتداء مقروناً بطاعته، ثم أكد أنه ما على الرسول عليه إلا التبليغ الواضح الذي لا شائبة فيه لكل ما كلف فيه الناس، فهو لا يحمل أحداً على الإيمان الحق، ولا يكره إنساناً على الدين القويم. قال بعض السلف: من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾. ٦٢٠ المُعُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٥٥-٥٧ أصول دولة الإيمان ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِىِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْجَمُونَ ﴿﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ اْأَرْضَِّ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ ٥٧ القراءات: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَهُمْ﴾ وقرأ ابن كثير (ولَيْدِلَنَّهُم). ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾: قرئ: ١- (لا يَحْسَبَنَّ) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة. ٢- (لا تَحْسَبَنَّ) وهي قراءة عاصم. ٣- (لا تَحْسِبَنَّ) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَمَأْوَنُهُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وماواهم). ﴿ وَلَبِئْسَ﴾ : وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (ولبيس).