النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ وصفة الدق أن يكون خفيفاً بحيث يسمع، ولا يعنُف في ذلك، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت أبواب النبي ولم تقرع بالأظافير (١). ودليل التعريف بشخص الداخل ما روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: استأذنت على النبي بَّ فقال: ((من هذا))؟ فقلت: أنا، فقال النبي وَله: ((أنا أنا)) كأنه كره ذلك؛ لأن قوله: ((أنا)) لا يحصل بها تعريف، وإنما أن يذكر اسمه، كما فعل عمر وأبو موسى رضي الله عنهما. ولكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وكان الناس في الماضي يسلمون، ثم تركوا السلام لاتخاذ الأبواب التامة الستر، المحكمة الإغلاق. وهذا في بيت الآخرين. أما في بيت الإنسان الخاص، فلا حاجة فيه للإذن إن كان فيه الأهل (الزوجة). والسنة السلام إذا دخل. قال قتادة: إذا دخلت على بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه مع الأهل أمك أو أختك، فقال العلماء: تنحنح واضرب برجلك حتى تنتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها، وأما الأم والأخت فقد تكونان على حالة لا تحب أن تراهما فيها. وإذا دخل بيت نفسه وليس فيه أحد، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، كما قال قتادة. والملائكة ترد عليه. وإذا رأى أهل الدار أحداً يطلع عليهم من ثقب الباب، فطعن أحدهم عينه فقلعها، فقال الشافعي وأحمد: لاشيء عليه، لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله و 18 قال: ((من اطلع في دار قوم بغير (١) ذكره أبو بكر علي بن ثابت الخطيب في جامعه. ٥٤٢ لِلْزُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٧/٢٤-٢٩ إذنهم، ففقؤوا عينه، فقد هُدِرت عيْنِه)) وعبارة مسلم: ((من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم، حلّ لهم أن يفقؤوا عينه)). وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي ګ قال لمن اطلع في إحدى حجراته، وكانت في يده مدری يحك بها رأسه: ((لو كنت أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك)). وقال أبو حنيفة ومالك: إن فقأ عينه فعليه الضمان من قصاص أو أرش (تعويض أو دية) لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥/٥]. ثم إن الاعتداء جناية، يستوجب الأرش أو القصاص. أما الأحاديث السابقة فهي منسوخة، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦/١٦]. ويحتمل أن يكون ذلك على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفاً لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. وقد كان النبي ◌َّ يتكلم بالكلام في الظاهر، وهو يريد شيئاً آخر؛ كما جاء في الخبر أن عباس بن مِرداس لما مدحه قال لبلال: ((قم فاقطع لسانه)) وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئاً، ولم يرد به القطع في الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يراد بفقء العين أن يعمل به عملاً حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره. أَ - تحريم الدخول إلى بيت الآخرين إذا لم يوجد فيه صاحبه حتى يؤذن له، وهذا مستفاد من الآية: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، التقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أُذن لكم فادخلوا، وإلا فارجعوا، فإن لم تجدوا فيها أحداً يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى تجدوا إذناً. ولا فرق في وجوب الاستئذان وتحريم الدخول بغير إذن بين أن يكون الباب مغلقاً أو مفتوحاً. ويجوز الإذن من الصغير والكبير، وقد كان أنس بن مالك يستأذن على رسول الله ◌َّة، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم. ٥٤٣ الزُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ ◌َّ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيد لأهل التجسس على البيوت، وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز. ٤ - إباحة الدخول في البيوت غير المسكونة والأماكن العامة كالفنادق والحوانيت والحمامات العامة ونحوها، إذا كان الدخول لمصلحة أو حق انتفاع كالمبيت والمعاملة والاغتسال وإيداع الأمتعة ونحو ذلك. وعلى هذا تكون آية ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لرفع حكم الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد؛ لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل الاطلاع على الحرمات، فإذا زالت العلة زال الحكم. الحكم السابع حكم النظر والحجاب ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (39) وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُوبِنَ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّبِهِنَ أَوْ ءَآبَاءِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَشَْابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَدِهِنَّ أَوْ بَنِىّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيِّ أَخَوَدِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ الشَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اُلْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ الْنِسَاءِ وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١ القراءات: ١٠٠٪ جیوپہن : ٥٤٤ الزُعُ (١٨) - التنوزِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (جِيُوبهن). ﴿غَيْرِ أُوْلِىِ﴾: وقرأ ابن عامر (غيرَ أولي). ﴿أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ : وقرأ ابن عامر (أيُّهُ المؤمنون). الإعراب: ﴿يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿يَغُضُواْ﴾ مجزوم بجواب قل، و﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس. وقال الزمخشري: للتبعيض. وزعم الأخفش أنها زائدة، أي قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، والأكثرون على خلافه؛ لأن ﴿مِنْ﴾ لا تزاد في حال الإيجاب، وإنما تزاد حال النفي. ﴿غَيْرِ أُوْلِىِ اُلْإِرْبَةِ﴾ ﴿غَيْرِ﴾ بالجر: صفة لـ ﴿التَّبِعِينَ﴾ أو بدل منهم؛ لأنه ليس بمعرفة صحيحة؛ لأنه ليس بمعهود. وقرئ بالنصب (غَيْرَ) على الحال أو الاستثناء. قال مكي رحمه الله تعالى: ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه، جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع. البلاغة: ﴿يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي عما حرَّم الله، لا عن كل شيء. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ مجاز مرسل، والمراد مواقع الزينة، من إطلاق الحال وإرادة المحل، مبالغة في الأمر بالتستر والتصون. ٥٤٥ الُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ /٣٠-٣١ المفردات اللغوية: ﴿يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ أي يكفُّوا البصر عما لا يحل لهم النظر إليه. ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ عما لا يحل لهم فعله بها. وسبب التفرقة بين غض البصر بذكر ﴿مِنْ﴾ وبين حفظ الفروج دون ذكر ﴿مِنْ﴾: أن غض البصر فيه توسع؛ إذ يجوز النظر إلى المحارم فيما عدا ما بين السرة والركبة، وإلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها، وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفروج فمضيق، كما ذكر في الكشاف، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، أي فالأصل في الفروج الحظر، وفي النظر الإباحة. وتقديم الغض على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنى. ﴿أَزْكَى﴾ خير وأطهر. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ بالأبصار والفروج، فيجازيهم عليه . ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال . ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بالتستر أو التحفظ عن الزنى، أي بحفظ فروجهن عما لا يحل لهن فعله بها. ﴿يُبْدِينَ﴾ يظهرن. ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ كالحلي والثياب والأصباغ، أو لا يظهرن مواضع الزينة لمن لا يحل أن تبدى له . ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم، فإن في سترها حرجاً. وقيل: المراد هو الوجه والكفان، فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين؛ لأنها ليست بعورة، والوجه الثاني يحرم؛ لأنه مظنة الفتنة. قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج والمحرم القريب النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة والتعليم والمعاملة وتحمل الشهادة. ﴿ وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنٌ﴾ أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالخمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب: جمع جيب: وهو فتحة في أعلى الجلباب (أو الثوب) يبدو منها بعض الصدر . ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي الخفية، أو مواضع الزينة، وهي ما عدا الوجه والكفين، وکرر ذلك لبيان ٥٤٦ لُعُ (١٨) - الشنورِ: ٢٤ /٣٠-٣١ من يحل له الإبداء ومن لا يحل له . ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أزواجهن، جمع بعل: أي زوج، فإنهم هم المقصودون بالزينة، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدن الزوجة، حتى الفرج مع الكراهة. ﴿أَوْ ءَبَآَبِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ رفعاً للحرج بسبب كثرة المعاشرة والمخالطة والمداخلة، وقلة توقع الفتنة من قبلهم، لما في الطباع من النفرة عن مماسة الأقارب، فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة، فيحرم نظره لغير الأزواج. وخرج بقوله: ﴿نِسَآبِهِنَّ﴾ الكافرات، فلا يجوز في رأي الجمهور للمسلمات الكشف أمامهن؛ لأنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال. وأجاز الحنابلة ذلك؛ لأن المراد جنس النساء أو كلهن. وما ملكت أيمانهن: هم العبيد والجواري (الإماء). ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ ﴿اَلْإِرْبَةِ﴾ الحاجة إلى النساء، أي غير أولي الحاجة إلى النساء، وهم الشيوخ الهرمى الذين لا يحدث لهم انتشار ذكر، وقيل: البُلْه الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم، ولا يعرفون شيئاً من أمور النساء، وفي المجبوب والخصي خلاف . ﴿أَوِ الْطِّفْلِ﴾ الأطفال، لعدم تمييزهم . ﴿لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ لم يطلعوا على عورات النساء للجماع، ولم يعرفوا ذلك؛ لعدم بلوغهم حد الشهوة أو لصغرهم، فيجوز الإبداء لهم ما عدا ما بين السرة والركبة. و﴿ الطِّفْلِ﴾ جنس وضع موضع الجمع، اكتفاء بدلالة الوصف، أو إنه يطلق على الواحد والجمع . ﴿ وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أي الخلخال الذي يتقعقع فإن ذلك يلفت النظر ويورث الميل عند الرجال، وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة، وأدل على المنع من رفع الصوت. ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ مما وقع لكم من النظر الممنوع . ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي بسعادة الدارين، وتنجون من الإثم لقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث. ٥٤٧ الجُرُ (١٨) - الفوز: ٢٤ / ٣٠-٣١ سبب النزول: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا عن جابر بن عبد الله، حدّث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات، فيبدو ما في أرجلهن، تعني الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا! فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه أن رجلاً مرَّ على عهد رسول الله وَله في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله وسير فأُخبره أمري، فأتاه فقص عليه قصته، فقال النبي رَلّ: ((هذا عقوبة ذنبك)) وأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت بُرَتَين(١) من فضة، واتخذت جَزْعاً (سلسلة خرز) فمرت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الْجَزْع، فصوَّت، فأنزل ﴿ وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الآية. المناسبة: الآية واضحة الاتصال بما قبلها، فإن الدخول إلى البيوت مظنة الاطلاع على العورات، لذا أمر المؤمنون والمؤمنات بغض البصر بصورة حكم عام يشمل المستأذن للدخول إلى البيوت وغيره، فيجب على المستأذن التحلي به عند الاستئذان والدخول، منعاً من انتهاك الحرمات المنهي عنها، كما يجب على النساء عدم إبداء الزينة لأحد إلا للمحارم، لما في ذلك من الفتنة الداعية إلى (١) بُرَتين من فضة: مفرد برة، والبرة: الخلخال، وكل حلقة من سوار وقرط. ٥٤٨ الجُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٣٠-٣١ الوقوع في الحرام، كالنظر الذي هو أيضاً بريد الزنى، فالجامع بين حكم النظر والحجاب سد الذرائع إلى الفساد. التفسير والبيان: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ أي قل يا محمد لعبادنا المؤمنين: كُقُّوا أبصاركم عما حرم الله عليكم، فلا تنظروا إلا إلى ما أباح لكم النظر إليه. والتعبير بالمؤمنين: إشارة إلى أن من شأن المؤمنين أن يسارعوا إلى امتثال الأوامر. وليس المراد بغض البصر إغماض العين وإطباق أجفانها، بل المراد جعلها خافضة الطرف من الحياء، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض أي يغضوا بعض أبصارهم، فلا يحملقوا بأعينهم في محرم، ويكون المراد حينئذ توبيخ من يكثر التأمل في المحرم، كما حدث في سبب النزول الذي أخرجه ابن مردويه، وللتفرقة في الأمر بين غض البصر وحفظ الفروج، فإن الأصل في الفروج التحريم إلا ما استثني، وأما النظر فالأصل فيه الإباحة إلا ما استثني كما بينا. فإن وقع البصر على محرَّم من غير قصد، وجب إغضاء الطرف وصرف النظر عنه سريعاً؛ لما رواه مسلم في صحيحه وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: ((سألت النبي وَل عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري)). وروى أبو داود عن بُرَيدة قال: قال رسول الله وَّ لعلي: ((يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة». وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَاليته : ((إياكم والجلوسَ على الطرقات، قالوا: يا رسول الله، لا بُدَّ لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله وَله: إن أبيتم فأعطوا الطريقَ حقّه، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)). ٥٤٩ الُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ وسبب الأمر بغض البصر هو سدّ الذرائع إلى الفساد، ومنع الوصول إلى الإثم والذنب، فإن النظر بريد الزنى، وقال بعض السلف: النظر سهم سُمّ إلى القلب، ولذلك جمع الله في الآية بين الأمر بحفظ الفروج، والأمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى المحظور الأصلي وهو الزنى، فقال: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ أي من ارتكاب الفاحشة كالزنى وفعل قوم لوط ومن نظر أحد إليها، كما روى أحمد وأصحاب السنن: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك)). وقال تعالى مبيناً حكمة الأمر بالحكمين: ﴿ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ﴾ أي إن غض البصر وحفظ الفرج خير وأطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته، أو في قلبه. وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: (ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها)) وروى الطبراني عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه)). وأزكى الذي هو أفعل التفضيل للمبالغة في أن غض البصر وحفظ الفرج يطهران النفوس من دنس الرذائل. والمفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أن في النظر نفعاً. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي إن الله عليم علماً تاماً بكل ما يصدر عنهم من أفعال، لا تخفى عليه خافية، وهذا تهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴾ [غافر: ١٩/٤٠] فهو يعلم ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ استراق النظر وسائر الحواس، والخبرة: العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء. أخرج البخاري في صحيحه تعليقاً ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: «كُتب على ابن آدم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا ٥٥٠ اِلُهُ (١٨) - النورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، وزنى الأذنين الاستماع، وزنى اليدين البطش، وزنى الرِّجْلين الْخُطا، والنفس ثُمِّي وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو یكذبه)). وخلافاً لما عليه غالب الخطابات التشريعية من دخول النساء في الحكم بخطاب الرجال تغليباً، أمر الله تعالى المؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج كما أمر الرجال، تأكيداً للمأمور به، وبيان بعض الأحكام التي تخصهن وهي النهي عن إبداء الزينة، والحجاب، والامتناع عن كل ما يلفت النظر إلى زينتهن، فقال تعالى: ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أي وقل أيها الرسول أيضاً للنساء المؤمنات: اغضضن أبصاركن عما حرم الله عليكن من النظر إلى غير أزواجكن، واحفظن فروجكن عن الزنى ونحوه كالسحاق، فلا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً، في رأي كثير من العلماء، بدليل ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة: ((أنها كانت عند رسول الله للر وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله وَ له: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله وَله: أو عمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟)). وفي الموطأ عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى، فقيل لها: إنه لا ينظر إليك، قالت: لكنني أنظر إليه. وأجاز جماعة آخرون من العلماء نظر النساء إلى الرجال الأجانب بغير شهوة فيما عدا ما بين السرة والركبة، بدليل ما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله وَّل جعل ينظر إلى الحبشة، وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت. وهذا الرأي أيسر في عصرنا. ٥٥١ الُعُ (١٨) - النّورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ وأصحاب الرأي الثاني وهو جواز النظر بغير شهوة يحملون الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب، وكذلك احتجاب عائشة رضي الله عنها من الأعمى كان ورعاً منها، ويؤيد ذلك استمرار العمل على خروج النساء إلى الأسواق وإلى المساجد وفي الأسفار متنقبات، حتى لا يراهن أحد من الرجال، ولم يؤمر الرجال بالانتقاب حتى لا يراهم النساء، فكان ذلك دليلاً على المغايرة في الحكم بين الرجال والنساء. ثم ذكر الله تعالى الأحكام الخاصة بالنساء وهي ما يلي: اً - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب حين التحلي بها وهي كل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها، فيكون إبداء مواقع الزينة منهياً عنه بالأولى، أو لا يظهرن مواضع الزينة بإطلاق الزينة وإرادة مواقعها، بدليل قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ والثاني هو الأولى؛ لأن الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي، وعلى كل حال هناك تلازم بين الزينة وموضعها، والغاية هي النهي عن أجزاء الجسد التي تكون محلاً للزينة، كالصدر والأذن والعنق والساعد والعضد والساق. وأما ما ظهر منها فهو الوجه والكفان والخاتم، كما نقل عن ابن عباس وجماعة، وهو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ◌ََّ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: ((يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا)) وأشار إلى وجهه وكفيه. وهو حديث مرسل. وبناء عليه قال الحنفية والمالكية، والشافعي في قول له: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، فيكون المراد بقوله: ﴿مَا ظَهَرَ﴾ ما جرت العادة بظهوره. وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: أن القدمين ليستا من العورة أيضاً؛ ٥٥٢ لِلْجُرُ (١٨) - الكنوزِ: ٣٠/٢٤-٣١ لأن الحرج في سترهما أشد منه في ستر الكفين، لا سيما أهل الريف. وعن أبي يوسف: أن الذراعين ليستا بعورة، لما في سترهما من الحرج. وذهب الإمام أحمد، والشافعي في أصح قوليه إلى أن بدن الحرة كله عورة، الأحاديث المتقدمة في نظر الفجأة، وتحريم متابعة النظر، ولما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي ◌َّر أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه، فطفق الفضل ينظر إلى امرأة وضيئة خثعمية حين سألته، فأخذ النبي وَّ بذقن الفضل، فحوَّل وجهه عن النظر إليها. ويكون المراد بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما ظهر بنفسه من غير قصد. والراجح فقهاً وشرعاً أن الوجه والكفين ليسا بعورة إذا لم تحصل فتنة، فإن خيفت الفتنة وحصلت المضايقة وكثر الفساق وجب ستر الوجه. وأما أدلة الفريق الثاني فمحمولة على الورع والاحتياط ومخافة الفتنة والاسترسال في مزالق الشيطان. ويجوز شرعاً استثناء وللضرورة النظر إلى الأجنبية كحال الخطوبة والشهادة والقضاء والمعاملة والمعالجة والتعليم، ففي كل هذه الأحوال يجوز النظر إلى الوجه والكفين فقط، ويجوز للطبيب إذا لم توجد طبيبة النظر إلى موضع العلة أو الداء للعلاج. أَ - ﴿وَلْيَضْرِبِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُوبِنَّ﴾ أي ليُسدلن ويُرخين أغطية الرؤوس على أعلى أجزاء الصدر لستر الشعور والأعناق والصدور. والضرب هنا: السدل والإلقاء والإرخاء، والخمر: جمع خمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب: جمع جيب: وهو فتحة في أعلى الثوب يبدو منها بعض النحر. وهذا أمر إرشاد لستر بعض مواضع الزينة الباطنة عند النساء، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل ٥٥٣ الُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ شققن مروطهن (أزرهن) فاختمرن بها. ◌َ - ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّبِهِنَّ أَوْ ءَايَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْتَابِهِنَ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِىّ أَخَوَتِهِنَّ﴾ أي لا يظهرن زينتهن الخفية إلا لأزواجهن فهم المقصودون بالمتعة والنظر، أو آباء النساء والأجداد، أو آباء الأزواج أو أبناء النساء أو أبناء الأزواج أو الإخوة والأخوات وبني الإخوة أو بني الأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، فكل هؤلاء محارم يجوز للمرأة أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج، وهؤلاء هم الأقارب من النسب وهم خمسة أنواع، وفيهم نوعان من الأقارب لأجل المصاهرة وهما آباء الأزواج وأبناء الأزواج، ولكن لم تذكر الآية من المحارم النسبية الأعمام والأخوال؛ لأن العمومة والخؤولة بمنزلة الأبوة. كذلك لم تذكر المحارم من الرضاع ولكن نصت السنة عليهم فيما أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)). ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ النَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اُلْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ اٌلْنِسَاءِ﴾ هؤلاء بقية الأنواع الذين يجوز للمرأة إظهار الزينة فيما عدا ما بين السرة والركبة، وهم النساء، والمماليك، والتابعون غير أولي الحاجة إلى النساء وهم الأجراء والأتباع الذين لا شهوة عندهم إلى النساء، كالخصيان والمجبوبين والمعتوهين، والأطفال الذين لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن لصغرهم وعدم اطلاعهم على القضايا الجنسية. لكن وقع خلاف بين العلماء في النساء والمماليك والتابعين والأطفال، أما النساء: فقال الجمهور: المراد النساء المسلمات أي نسائهن في الدين، دون ٥٥٤ الجُزُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ نساء أهل الذمة، فلا يجوز للمسلمة إظهار شيء من جسمها ماعدا الوجه والكفين أمام المرأة الكافرة، لئلا تصفها لزوجها أو غيره، فهي كالرجل الأجنبي بالنسبة إليها. أما المسلمة فتعلم أن ذلك حرام، فتنزجر عنه، أخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ◌َّ قال: ((لا تباشر المرأةُ المرأةَ تنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها)). روى سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: ((أما بعد، فإنه بلغني أن نساءً من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانْهَ من قِبَلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها». وقال جماعة منهم الحنابلة: إن المراد بهن عموم النساء المسلمات والكافرات، فتكون الإضافة في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ للمشاكلة والمشابهة أي من جنسهن، وتكون عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة مطلقاً مابين السرة والركبة فقط. وأما ما ملكت أيمانهن: فقال الأكثرون: يشمل الرجال والنساء، فيجوز أن تظهر المرأة على رقيقها من الرجال والنساء ما عدا مابين السرة والركبة؛ لما رواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه أن النبي وَ له أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قَّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي وَّ ما تَلْقى قال: ((إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك)). وذهبت طائفة إلى أن ذلك مخصوص بالإماء فقط؛ لأن العبد رجل كالحر الأجنبي في التحريم. ٥٥٥ الُرُ (١٨) - النورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ وأما التابعون غير أولي الإربة أي الحاجة إلى النساء: فهم الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم من غير أن تكون لهم حاجة في النساء ولا ميل إليهن، واختلف العلماء في المراد بهم فقيل: إنه الشيخ الفاني الذي فنيت شهوته، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئاً، أو المجبوب، أو الخصي أو الممسوح أو خادم القوم للعيش أو المخنث. والمعتمد أن المراد به: كل من ليس له حاجة إلى النساء، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب، أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ◌َّ مُنَّث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي وَّة، وهو ينعت امرأة يقول: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله وَّه: ((ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن عليكن)) فأخرجه من المنزل. وأما الأطفال الذين لم يطلعوا على عورات النساء: فهم الذين لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن، ولم يظهر عندهم الميل الجنسي القوي لصغر سنهم، فإذا كان الطفل صغيراً لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، أما المراهق أو القريب من المراهقة قبل البلوغ الذي يحكي ما يرى، ويفرّق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكّن من الدخول على النساء، بدليل وجوب استئذان الطفل عند دخول البيوت، في أوقات ثلاثة، بيَّنها الله تعالى بقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ◌َنُواْ لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوْ اْلْحُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾ [النور: ٥٨/٢٤] . وقال جماعة آخرون: لا يحرم على المرأة إبداء زينتها للطفل إلا إذا كان فيه تشوق إلى النساء، سواء أكان مراهقاً أم غير مراهق، والإباحة هنا أوسع مما قرره أصحاب الرأي الأول. ثم نهى الله تعالى عما يكون وسيلة أو ذريعة إلى الفتنة فقال: ٥٥٦ الُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ ﴿ وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن ◌ِينَتِهِنَّ﴾ أي لا يجوز للمرأة أن تدق برجليها في مشيتها، ليعلم الناس صوت خلاخلها؛ لأنه مظنة الفتنة والفساد، ولفت الأنظار، وإثارة مشاعر الشهوة، وإساءة الظن بأنها من أهل الفسوق، فإسماع صوت الزينة كإبدائها وأشد، والغرض التستر. وهذا يشمل كل ما يؤدي إلى الفتنة والفساد كتحريك الأيدي بالأساور، وتحريك الجلاجل (المقصات) في الشعر، والتعطر والتطيب والزخرفة عند الخروج من البيت، فيشم الرجال طيبها، ويفتتنون بزخارفها؛ روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي وَلاّ أنه قال: ((كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت، فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا)) يعني زانية. وأخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ◌َو يقول: ((لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل من الجنابة)). واللام في قوله: ﴿لِيُعْلَمَ﴾ لام العاقبة أو الصيرورة، فهي منهية عن الضرب بالأرجل أمام الرجال الأجانب مطلقاً، سواء قصدت إعلامهم أم لم تقصد، فإن عاقبة الضرب بالأرجل ذات الخلاخل، ومثلها (الأحذية الحالية ذات الكعاب العالية) أن يعلم الناس ما يخفين من الزينة، فتقع الفتنة بها. واستدل الحنفية بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة، فإنها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى. والظاهر أن صوت المرأة ليس بعورة إن أمنت الفتنة، بدليل أن نساء النبي : كن يروين الأخبار للرجال الأجانب. ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي ارجعوا إلى طاعة الله والإنابة إليه أيها المؤمنون جميعاً، وافعلوا ما أمركم به من هذه الصفات والأخلاق الحميدة، واتركوا ما نهاكم عنه من غض البصر وحفظ ٥٥٧ لالُعُ (١٨) - النّورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ الفرج والدخول إلى بيوت الآخرين بلا استئذان وما كان عليه الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، تفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة. وخوطبوا بصفة الإيمان للتنبيه على أن الإيمان الصحيح هو الذي يحمل صاحبه على الامتثال وعلى التوبة والاستغفار من الهفوات والزلات، فإن التوبة سبب الفلاح والفوز بالسعادة. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - وجوب غض البصر من الرجال والنساء عما لا يحل من جميع المحرّمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله؛ لأن البصر مفتاح الوقوع في المنكرات، وشغل القلب بالهواجس، وتحريك النفس بالوساوس، وبريد السقوط في الفتنة أو الزنى، ومنشأ الفساد والفجور. اً - وجوب حفظ الفروج أي سترها عن أن يراها من لا يحل، وحفظها من التلوث بالفاحشة كالزنى وفعل قوم لوط، واللمس والمفاخذة والسحاق. ٣ - تحريم الدخول إلى الحمام بغير مئزر، قال ابن عمر: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمَّام في خلوة، أي في وقت لا يوجد فيه الناس أو قلة الناس. وذكر الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ◌َله: ((اتقوا بيتاً يقال له الحمام، قيل: يارسول الله، إنه يذهب به الوسخ ویذكّر النار، فقال: إن كنتم لا بد فاعلین فادخلوه مستترین)). ٤ - إن غض البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين، وأبعد من دنس الذنوب، والله مطّلع عالم بأفعال العباد ونيات القلوب وهمسات الألسن، واستراق السمع والبصر، وبكل شيء، لا تخفى عليه خافية، ويجازي على ذلك کله. ٥٥٨ لُزُعُ (١٨) - النور: ٢٤ / ٣٠-٣١ ٥ - العورات أربعة أقسام: أ - عورة الرجل مع الرجل: يجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا مابين السرة والركبة، وهما ليستا بعورة، وعند أبي حنيفة رحمه الله: الركبة عورة. وقال مالك: الفخذ ليست بعورة أي في الصلاة لا في النظر، والدليل على أنها عورة ماروي عن حذيفة ((أن النبي ونَ ﴿ مرَّ به في المسجد، وهو كاشف عن فخذه، فقال ◌َّ فيما رواه الحاكم عن محمد بن عبد الله بن جحش: غطّ فخذك، فإن الفخذ عورة)) وقال لعلي رضي الله عنه فيما رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم عن علي: ((لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)). أما الأمرد فلا يحل النظر إليه. ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش؛ لما روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري أنه وَلّ قال: ((لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد)). وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة. وتستحب المصافحة لما روى أنس قال: قال رجل: يارسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: ((لا))، قال: أيلتزمه ويقبّله؟ قال: ((لا))، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: ((نعم)). ب - وعورة المرأة مع المرأة: كعورة الرجل مع الرجل، لها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز، ولا تجوز المضاجعة. والأصح أن المرأة الذمية (غير المسلمة) لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة؛ لأنها أجنبية في الدين، والله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ وليست الذمية من نسائنا. ٥٥٩ الجُرُ (١٨) - النّورِ: ٢٤ / ٣٠-٣١ جـ - وعورة المرأة مع الرجل: إن كانت أجنبية عنه فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين؛ لحاجتها لذلك في البيع والشراء. ولا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض، وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، للآية: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. وأجاز أبو حنيفة النظر مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة. ولا يجوز أن يكرر النظر إليها، للحديث المتقدم: ((يا علي لا تتبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة)). ويجوز النظر للخطبة، لقوله وَ لي فيما أخرجه ابن حبان والطبراني عن أبي حميد الساعدي: ((إذا خطب أحدُكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم)) ويجوز النظر عند البيع ليعرفها عند الحاجة، وكذلك يجوز عند تحمل الشهادة النظر إلى الوجه؛ لأن المعرفة تحصل به. أما النظر للشهوة فهو محظور؛ لقوله وَ ي فيما أخرجه أحمد والطبراني عن ابن مسعود: ((العينان تزنيان)). كذلك يجوز للطبيب الأمين أن ينظر للمرأة للمعالجة، ويجوز للختَّن أن ينظر إلى فرج المختون؛ لأنه موضع ضرورة، ويجوز تعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنى، وإلى فرج المرأة لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع. ويصح النظر لبدن المرأة للإنقاذ من غرق أو حرق وتخليصها منه. وأما إذا كانت المرأة ذات محرم من الرجل بنسب أو رضاع أو مصاهرة فعورتها معه مابين السرة والركبة كعورة الرجل. وقال جماعة منهم أبو حنيفة: بل عورتها معه: مالا يبدو عند المهنة. وأما إذا كانت المرأة زوجة: فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها، حتى إلى فرجها، غير أنه يكره النظر إلى الفرج. ٥٦٠ الجُرُ (١٨) - الكنوزِ: ٣٠/٢٤-٣١ د - وعورة الرجل مع المرأة: إن كان أجنبياً منها فعورته معها مابين السرة والركبة. وقيل: جمع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل؛ لأن بدن المرأة في ذاته عورة، بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه. ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرار النظر إلى وجهه، للحديث السابق: ((احتجبا منه)) أي عن ابن أم مكتوم، وإن كان أعمى. وإن كان زوجاً فلها أن تنظر إلى جميع بدنه، غير أنه يكره النظر إلى الفرج، كما يكره له أيضاً. ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خالٍ، وله ما يستر عورته؛ لأنه روي أنه * سئل عنه، فقال فيما رواه البخاري والترمذي وابن ماجه: ((الله أحق أن يستحيا منه)) وقال فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر: ((إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله))(١). أَ - أمر الله تعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا الوجه والكفين حذراً من الافتتان، والزينة نوعان: ظاهر وباطن، أما الظاهر فمباح لكل الناس من المحارم والأجانب. وأما الباطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية. أما السّوار: فقالت عائشة: هو من الزينة الظاهرة؛ لأنه في اليدين. وقال مجاهد: هو من الزينة الباطنة؛ لأنه خارج عن الكفين، وإنما يكون في الذراع. وأما الخضاب فهو - في رأي ابن العربي - من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين. (١) تفسير الرازي: ٢٠٢/٢٣ - ٢٠٤ ٠٠