النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الزُعُ (١٨) - النّنور: ٢٤ / ١١-٢٢ الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حلَّها المؤمن، وحُلّة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع، إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً. ٩ - إن إثبات تهمة الزنى إما بالإقرار أو بأربعة شهود، فقوله تعالى: ﴿لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءً﴾ توبيخ لأهل الإفك على تقصيرهم في الإثبات، أي هلا جاؤوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء. وهذا إحالة على المذكور في آية القذف السابقة. وإذ لم يأتوا بالشهداء فهم في حكم الله كاذبون. لاً - إن أحكام الدنيا في الإثبات ونحوه تجري على الظاهر، والسرائر إلى الله عزّ وجلّ، أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمَّناه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نؤمنه ولم نصدّقه، وإن قال: إن سريرته حسنة. ٨ - تكرَّر الامتنان من الله تعالى على عباده في قصة القذف مرتين في قوله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي لولا فضله ورحمته لمسَّكم بسبب ما قلتم في عائشة عذاب عظيم في الدنيا والآخرة، ولکنه برحمته ستر علیکم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً. ـة - وصف الله الخائضين في قصة الإفك بارتكاب آثام ثلاثة: تلقي الإفك بألسنتهم وإشاعته بينهم، والتكلم بما لا علم لهم به، واستصغارهم ذلك وهو عظيم الوزر، ومن العظائم والكبائر. وهذا يدل أن القذف من الكبائر، وأن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه، وأنه يجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرَّم. ٠ ١ - عاتب الله جميع المؤمنين بأنه كان ينبغي عليهم إنكار خبر الإفك، وألا يحكيه أو ينقله بعضهم عن بعض، وأن ينزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا ٥٢٢ لُعُ (١٨) - الشنورِ: ٢٤ / ١١-٢٢ من زوج نبيه وَّر، وأن يحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان، وحقيقة البهتان: أن يقال في الإنسان ما ليس فيه. والغيبة: أن يقال في الإنسان ما فيه. وإن وصف الإيمان يجب أن يكون باعثاً لهم على هذا التخلق والأدب. اأَ - دلّ قوله تعالى: ﴿يَعِطُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي في عائشة، قال الإمام مالك: من سبَّ أبا بكر وعمر أُدِّب، ومن سبَّ عائشة قُتل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فمن سبَّ عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتل. وقال ابن كثير: وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وهذا ردّ على ما قال ابن العربي: قال أصحاب الشافعي: من سبَّ عائشة رضي الله عنها أُدِّب كما في سائر المؤمنين، وليس قوله: ﴿إِن كُمْ مُؤْمِينَ﴾ في عائشة؛ لأن ذلك كفر، وإنما هو كما قال النبي ◌َّ فيما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة: ((والله لا يؤمن من لا يَأْمنُ جارُه بوائقَه)) أي لا يكمل إيمانه، لا أنه سلب الإيمان. وبوائقه: شروره وآثامه ودواهیه. ١٢ - إن الذين يحبون إشاعة الفاحشة (الفعل القبيح المفرط القبح) في المؤمنين المحصنين والمحصنات كعائشة وصفوان رضي الله عنهما لهم عذاب أليم في الدنيا بالحدّ، وفي الآخرة بعذاب النار أي للمنافقين، أما الحدّ للمؤمنين فهو كفارة. والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء، والناس لا يعلمون بذلك. ١٣ - نهى الله المؤمنين وغيرهم عن اتباع مسالك الشيطان ومذاهبه؛ لأنه لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. ١٤ - لله تعالى وحده الفضل في تزكية المؤمنين وتطهيرهم وهدايتهم، لا بأعمالهم. ٥٢٣ الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ١١-٢٢ ١٥ - على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، وقال ◌َ لهر فيما رواه الطبراني عن جرير: «من لا يرحم لا يُرحم)». ١٦ - في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان معصية كبيرة لا يُحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مِسْطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان؛ وكذلك سائر الكبائر؛ ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥/٣٩]. ٢٧ - من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وکفّر عن يمينه. ١٨ - قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى، من حيث لطف الله بالقَذَفة العصاة بهذا اللفظ. ٩ ١ - دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي وَلّ؛ لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دالة على علو شأنه في الدين، أورد الرازي أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ منها أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه، كما كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق. ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه أولوا الفضل والسعة بالجمع لا بالواحد وبالعموم لا الخصوص، على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خالياً عن المعصية(١). (١) انظر تفسير الرازي: ١٨٧/٢٣ - ١٩٠ ٥٢٤ لُزُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ · اً - قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه السلام لما رُمي بالفاحشة برَّأه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برّأها الله تعالى بالقرآن؛ فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برَّأها الله بكلامه من القذف والبهتان(١). جزاء القذفة الأخروي في قصة الإفك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣ يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٥ الْخَبِيشَتُ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ لِلْخَبِشِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِئَاتِّ وَالطَّيِّبَتُ لِلَِّينَ وَالَطَيِّبُونَ لِلَِّّبَنِّ أُوْلَكَبِّكَ ٢٦ مُبَرَُّونَ مِمَا يَقُولُونَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ القراءات: ﴿ اَلْمُحْصَنَتِ﴾ : وقرأ الكسائي (المحصِنات). ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يوم يشهد). ﴿ يُوَفِّهِمُ اللَّهُ﴾ : قرئ: (١) تفسير القرطبي: ٢١٢/١٢ ٥٢٥ الجُزُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ ١- (يُوَفِّيهِم الله) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (يُوَفِّيهُمُ الله) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٣- (يُوَفِّيهِمُ الله) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ ﴿اُلْحَقَ﴾ بالنصب: صفة لـ ﴿دِينَهُمُ﴾ ومن قرأ بالرفع جعله صفة ﴿اللَّهُ﴾ وفصل بين الصفة والموصوف بالمفعول الذي هو د ◌ُمُ﴾. ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونِّ لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مبتدأ، و﴿مُبَرَّءُونَ﴾ خبر المبتدأ. و﴿مِمَا يَقُولُونَ﴾ جار ومجرور في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بـ ﴿مُبَُّونَ﴾. و﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ جملة في موضع خبر آخر لـ ﴿ أُوْلَكِكَ﴾. البلاغة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ و﴿ وَيَعْلَمُونَ﴾ جناس ناقص. ﴿الْخَبِشَتُ لِلْخَبِيِينَ﴾ ﴿وَالطَِّبَتُ لِلَِّبِينَ﴾ مقابلة. المفردات اللغوية: ﴿اَلْمُحْصَنَتِ﴾ العفيفات. ﴿اُلْغَفِلَتِ﴾ البعيدات عن المعاصي والفواحش، السليمات الصدور، والنقيات القلوب. ﴿اَلْمُؤْمِنَتِ﴾ بالله ورسوله. ﴿لُعِنُواْ﴾ طُردوا من رحمة الله في الآخرة، وعذبوا في الدنيا بحد القذف. ﴿دِينَهُمُ﴾ جزاءهم . ﴿أُلْحَقَّ﴾ الثابت الذي يستحقونه. ﴿هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الثابت بذاته، الظاهر الألوهية، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر على الثواب والعقاب ٥٢٦ الجُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ سواه، أو ذو الحق البيِّن، أي العادل الظاهر عدله، وقد حقق لهم جزاءه الذي كانوا يشكّون فيه. أو أن وعد الله ووعيده هو العدل الذي لا جَوْر فيه. ﴿اَلْخَبِيشَتُ﴾ من النساء. ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال. ﴿ وَالطَّيِّبَتُ﴾ من النساء. ﴿لِلَِّينَ﴾ من الناس، أي اللائق بالخبيث مثله، وبالطيب مثله. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الطيبون من الرجال والطيبات من النساء ومنهم عائشة أم المؤمنين وصفوان الصحابي التقي الورع المجاهد المتهم زوراً وبهتاناً. ﴿مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ أي يقول الخبيثون والخبيثات من الرجال والنساء فيهم ﴿وَهُمْ﴾ للطيبين والطيبات. ﴿مَّغْفِرَةٌ﴾ ستر. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمُ﴾ يعني الجنة، وقد افتخرت عائشة بأشياء منها: أنها خلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً. قال البيضاوي: ولقد برَّأ الله أربعة بأربعة: برّأ يوسف عليه السلام بشاهد من أهلها، وموسى عليه السلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم بإنطاق ولدها، وعائشة رضي الله عنها بهذه الآيات، مع هذه المبالغات، وما ذلك إلا لإظهار منصب الرسول وَ﴾ وإعلاء منزلته. سبب النزول: أخرج الطبراني عن الضخَّاك بن مزاحم قال: نزلت هذه الآية في نساء النبيِ نَّ خاصة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عائشة خاصة. وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: رُميتُ بما رُميتُ به، وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، فبينا رسول الله وَ ل﴿ عندي إذ أُوحي إليه، ثم استوى جالساً، فمسح وجهه وقال: يا عائشة، أبشري، فقلت: بحمد الله، لا بحمدك، فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ حتى بَلَغْ ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾. ٢٠٠ الُرُ (١٨) - التنورِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ ٥٢٧ وأخرج الطبراني عن الحكم بن عتيبة قال: لما خاض الناس في أمر عائشة أرسل رسول الله وَ لهو إلى عائشة، فقال: يا عائشة، ما يقول الناس، فقالت: لا أعتذر بشيء حتى ينزل عذري من السماء، فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور، ثم قرأ حتى بلغ ﴿اٌلْخَبِيئَتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية، وهو مرسل صحيح الإسناد. المناسبة: بعد بيان خبر الإفك وعقاب الأفاكين، وتأديب الخائضين، ذكر الله تعالى براءة عائشة صراحة، وذكر مع ذلك حكماً عاماً وهو أن كل من قذف مؤمنة عفيفة بالزنى، فهو مطرود من رحمة الله، وله عذاب عظيم. وهذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصدِّيق رضي الله عنهما. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي إن الذين يتهمون بالفاحشة والفجور النساء المؤمنات بالله ورسوله العفائف البعيدات عن تلك التهمة، ومثلهم الرجال، هم مطرودون من رحمة الله في الدنيا والآخرة، وعليهم غضب الله وسخطه، ولهم في الآخرة عذاب شدید کبیر، جزاء جرمهم وافترائهم. وهذا دليل على أن القذف من الكبائر، أخرج الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله وسلّم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشركُ بالله، والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات)). وأخرج أبو القاسم الطبراني عن حذيفة عن النبي ◌َّ- قال: ((قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة)). ٥٢٨ المُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ ﴿ يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (49)﴾ أي إن عذابهم يوم القيامة يوم تشهد عليهم أعضاؤهم الألسنة والأيدي والأرجل بما عملوا في الدنيا من قول أو فعل؛ إذ إن الله يُنطقها بقدرته، كما ذكر في آية أخرى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١/٤١]. روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ قال: ((إذا كان يومُ القيامة عُرِّف الكافرُ بعمله، فيجحدُ ويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانُك يشهدون عليك، فيقول: كذَبوا، فيقال: أهلُك وعشيرتُك، فيقولُ: كذَبُوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يُصِمُّهم الله، فتشهدُ عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يُدخلهم النار)). ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ (9َ﴾ أي في ذلك اليوم يوفيهم الله حسابهم أو جزاءهم على أعمالهم، ويعلمون أن وعد الله ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه. قال الزمخشري رحمه الله وجزاه عن تفسيره الدقيق جداً للقرآن الكريم خير الجزاء: ولو فلَّيت(١) القرآن كله، وفتَّشت عما أوعد به العصاة، لم تر الله تعالى قد غَلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما رَكِب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، على طرق مختلفة، وأساليب مفتنَّة، كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث، لكفى بها، حيث جعل القَذَفة ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفِكوا (١) جعلها بعضهم: قَلَّبت. ٥٢٩ المُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ وبَهَتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك أن الله هو الحق المبين(١). يفهم من هذا الكلام ومن كلام الفخر الرازي أن الله تعالى عاقب هؤلاء القَذَفة بثلاثة أشياء: كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة، وهو وعيد شديد، وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم على أعمالهم، وإيفاؤهم جزاء عملهم. والدين بمعنى الجزاء مثل قولهم: ((كما تدين تدان)) وقيل: بمعنى الحساب كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي الحساب الصحيح، والحق: هو أن الجزاء الموفى هو القدر المستحق؛ لأنه الحق، وما زاد عليه هو الباطل. ثم أورد الله تعالى دليلاً مادياً حسياً على براءة عائشة فقال: ﴿الْخَبِيئَاتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَيِشَةِ وَالطَّيِّبَتُ لِلَِّينَ وَالَّيِّبُونَ لِلطَِّّبَتِّ﴾ أي النساء الزواني الخبيثات للخبيثين من الرجال، والخبيثون الزناة من الرجال للخبيثات من النساء؛ لأن اللائق بكل واحد ما يشابهه في الأقوال والأفعال، ولأن التشابه في الأخلاق والتجانس في الطبائع من مقومات الألفة ودوام العشرة. وذلك كقوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةٌ وَالَّانِيَّةُ لَا يَنَكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرٌِ﴾ [النور: ٣/٢٤]. وعلى هذا يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي شأن الخبائث يتزوجن الخباث، أي الخبائث، وشأن أهل الطيب يتزوجن الطيبات. ويجوز أن يكون المراد من الخبيثات الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، والمعنى: الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال، وبالعكس: والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس. (١) تفسير الكشاف: ٢/ ٣٨٠ وما بعدها. ٥٣٠ الزُُ (١٨) - الفوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ وبما أن رسول الله وَله درة الطيبين وخيرة الأولين والآخرين، فالصدّيقة رضي الله عنها من أطيب الطيبات، فيبطل ما أشاعه أهل الإفك. ويكون الكلام جارياً مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب. والرأي الأول هو الظاهر. ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي أولئك الطيبون والطيبات كصفوان وعائشة بعداء مبرؤون مما يقوله أهل الإفك والبهتان الخبيثون والخبيثات. وأولئك المبرؤون لهم مغفرة عن ذنوبهم بسبب ما قيل فيهم من الكذب ورزق كريم عند الله في جنات النعيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١/٣٣]. عن عائشة رضي الله عنها: ((لقد أُعطيتُ تسعاً ما أُعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أُمر رسول الله وَله أن يتزوجني؛ ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري؛ ولقد تُوفّ وإن رأسه لفي حِجْري؛ ولقد قُبر في بيتي، ولقد حقَّته الملائكة في بيتي؛ وإن الوحي لينزل عليه في أهله، فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في ◌ِحَافه؛ وإني لابنة خليفته وصِدِّيقه؛ ولقد نَزَل عُذْري من السماء، ولقد خُلقت طيِّبة عند طيب؛ ولقد وُعدت مغفرةً ورزقاً كريماً)) تعني قوله تعالى: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجنة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي من الأحكام: اً - إن الذين يرمون بالزنى أو الفاحشة النساء المحصنات العفائف، أو الرجال المحصنين قياساً واستدلالاً أو يقذفون غيرهم، ومن هؤلاء عائشة ٥٣١ لُعُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٣-٢٦ وسائر زوجات النبي ◌ََّ، لُعنوا في الدنيا والآخرة، واللعنة في الدنيا: الإبعاد وضرب الحد وهجر المؤمنين لهم، وإساءة سمعتهم، وإسقاط عدالتهم، وفي الآخرة الطرد من رحمة الله بالعذاب في جهنم. والأصح كما رجح المفسرون أن بقية أمهات المؤمنين في هذا الحكم وغيره كعائشة رضوان الله عليهن، فقاذفهن ملعون في الدنيا والآخرة، ومن سبّهن فهو كافر، كما ذكر ابن كثير. وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية: إنه عام لجميع الناس القَذَفة من ذكر وأنثى. ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، وكذا في الذين يرمون؛ إلا أنه غلّب المذكر على المؤنث، أي إن الرمي أو القذف بالزنى كبيرة وحرام من أي مكلف، وعلى أي مكلف: ذكر أو أنثى. اً - ولهم حكم آخر غير اللعنة وهو شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وتكلمهم يوم القيامة عند الحساب بما تكلموا به وبما عملوا في الدنيا. ◌َ - وحكم ثالث أيضاً هو أن حسابهم وجزاءهم ثابت مستحق لهم بالقدر المستحق المناسب لعملهم أو قولهم؛ لأن مجازاة الله عز وجل للكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاته للمحسن بالإحسان والفضل. ٤ - النساء الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. وهذا ما اختاره النحاس، وهو الظاهر. وقال مجاهد وابن جُبير وعطاء وأكثر المفسرين: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. ٥٣٢ الُءُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ ٥ - دل قوله تعالى صراحة: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ على براءة عائشة وصفوان رضي الله عنهما مما يقول الخبيثون والخبيثات. الحكم السادس الاستئذان لدخول البيوت وآدابه ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكِكُمْ حَتََّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَاَ عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيٌَّ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (® نَدْخُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُوْنَةٍ فِيَهَا مَتٌَّ أَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) القراءات: ﴿بُتَا غَيْرَ بُوتِكُمْ قرئ: ١- (بيوتاً غير بُيُوتكم) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (بِيُوتاً غير بِيُوتكم) وهي قراءة الباقين. ﴿ تَذَكَّرُونَ﴾: قرئ: ١- (تَذََّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَذََّّرون) وهي قراءة باقي السبعة. قیل: ٥٣٣ الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. الإعراب: ﴿فِيهَا مَتَعٌ﴾ مرفوع بالظرف على مذهب سيبويه، كما يرتفع على مذهب الأخفش والكوفيين؛ لأن الظرف جرى وصفاً للنكرة. المفردات اللغوية: ﴿يُوتًا﴾ جمع بيت وهو المسكن. ﴿تَسْتَأْنِسُواْ﴾ تستأذنوا؛ إذ بالاستئذان يحصل الأنس للزائر وأهل البيت. ﴿وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ فيقول الواحد: السلام عليكم أأدخل، كما ورد في الحديث. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الدخول بغير استئذان . ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، أو تتذكرون خيريته، فتعملوا به. ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا﴾ يأذن لكم. ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ﴾ بعد الاستئذان. ﴿هُوَ﴾ الرجوع. ﴿أَزْكَى﴾ خير وأطهر. ﴿لَكُمْ﴾ من القعود على الباب. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الدخول بإذن وغير إذن. ﴿عَلِيمٌ﴾ مطلع على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيجازي كل إنسان بعمله. ﴿جُنَاعُ﴾ حرج وإثم ﴿يُوتًا غَيِّرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالخانات والحوانيت والفنادق. ﴿فِيَهَا مَتَحُ لَّكُمْ﴾ أي حق تمتع وانتفاع، كالاستظلال من الحر والإيواء من البرد وتخزين الأمتعة والجلوس للمعاملة من شراء أو بيع. ﴿تُبْدُونَ﴾ تظهرون . ﴿تَكْتُمُونَ﴾ تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره. وهذا وعيد لمن دخل مدخلاً لفساد أو تطلع على عورات. سبب النزول: نزول الآية (٢٧): أخرج الفريابي وابن جرير عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من ٥٣٤ الُ (١٨) - الشنورِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ الأنصار، فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت: ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتََّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ الآية. نزول الآية (٢٩): أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: لما نزلت آية الاستئذان في البيوت، قال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون، وليس فيها سكان؟ فنزل: ﴿عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيِّرَ مَسْكُونَةٍ﴾ الآية. المناسبة: بعد بيان حكم قذف المحصنات وقصة أهل الإفك، ذكر الله تعالى ما يليق بذلك، وهو آداب الدخول إلى البيوت من الاستئذان والسلام، منعاً من الوقوع في التهمة، باقتحام البيوت دون إذن والتسلل إليها، أو حدوث الخلوة التي هي مظنة التهمة أو طريق التهمة التي تذرع بها أهل الإفك للوصول إلى بهتانهم وافترائهم، ومراعاة لأحوال الناس رجالاً ونساء الذين لا يريدون لأحد الاطلاع عليها؛ ولأن النظر والاطلاع على العورات طريق الزنى. التفسير والبيان: هذه آداب اجتماعية شرعية ذات مدلول حضاري، وتمدن رفيع؛ لما فيها من تنظيم لحياة المجتمع وأحوال الأسر في البيوتات، حفظاً لروابط الود والمحبة، وإبقاء على حسن العشرة وتبادل الزيارات بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ ٥٣٥ لُعُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ عَلَى أَهْلِهَاَ﴾ أي يا أيها المصدقون بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت غيركم حتى يؤذن لكم، وحتى تسلموا على أهل البيت، حتى لا تنظروا إلى عورات غيركم، ولا تطلعوا إلى ما لا يحل لكم الاطلاع عليه، ولا تفاجئوا الساكنين الوادعين، فتحرجوهم أو تزعجوهم، فيحدث الاشمئزاز، والتضايق، والكراهية. فلا بد إذن من الاستئذان قبل الدخول والسلام خارج الباب لمعرفة الداخل، وكان السلام هو المألوف في الماضي حيث لم تكن أبواب الدور محكمة الإغلاق والستر بنحو کافٍ کالیوم؛ إذ لم یکن للدور حينئذ ستور. والاستئناس: الاستعلام (طلب العلم) والاستكشاف، من آنس الشيء: إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، فمن أراد دخول بيت غيره عليه أن يستأنس، أي يتعرف من أهله ما يريدون من الإذن له بالدخول وعدمه، فهو بمعنى الاستئذان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ اُلْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمُ فَلْيَسْتَغْذِنُواْ كَمَا أُسْتَخْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩/٢٤] . وكان ابن عباس على الأصح فيما روي عنه يفسر الاستئناس بالاستئذان، ولا يحصل الاستئناس إلا بعد حصول الإذن بعد الاستئذان. ویکون الاستئذان ندباً ثلاث مرات، فإن أذن للزائر وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح لدى مالك وأحمد والشيخين وأبي داود عن أبي موسى وأبي سعيد معاً أن أبا موسى الأشعري حين استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، وإني سمعت النبي وَل# يقول: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فلينصرف)) الحديث. وظاهر الآية أنه لا بد قبل الدخول من الاستئذان والسلام معاً، إلا أن ٥٣٦ الجُزُ (١٨) - النوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ الأول مطلوب على سبيل الوجوب، والثاني على سبيل الندب كما هو حكم السلام في كل موضع. لكن الواجب في الاستئذان هو مرة واحدة، وأما الثلاث فهو مندوب، كما تقدم. والظاهر أن الاستئذان متقدم على السلام؛ لأن الأصل في الترتيب الذِّكري أن يكون على وفق الترتيب الواقعي، وبه قال بعض العلماء، والجمهور على تقديم السلام على الاستئذان، بدليل ما أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه: ((السلام قبل الكلام)) وما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتی یسلم، وما أخرجه قاسم بن أصبغ وابن عبد البر عن ابن عباس قال: استأذن عمر رضي الله عنه على النبي ◌َّ﴾ فقال: ((السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟)). والسلام يكون أيضاً ثلاثاً كما أخرج الإمام أحمد عن أنس أن النبي استأذن على سعد بن عبادة فقال: ((السلام عليك ورحمة الله)) فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ◌َّ حتى سلم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً. والحكمة من الاستئذان والسلام تحاشي الاطلاع على العورات، بدليل ما رواه أبو داود عن هُزَيل قال: جاء رجل (قال عثمان: سعد) فوقف على باب النبي وَّ يستأذن، فقام على الباب، - قال عثمان: مستقبل الباب - فقال له النبي وََّ ((هكذا عنك - أو هكذا - فإنما الاستئذان من النظر)) وفي الصحيحين عن رسول الله وَر أنه قال: ((لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقات عینه، ما کان علیك من جناح)). والمراد من هذين الحديثين أن من أدب الاستئذان ألا يستقبل المستأذن الباب بوجهه، وإنما يجعله عن يمينه أو شماله، وألا ينظر إلى داخل البيت، ٥٣٧ المُ (١٨) - الشّنور: ٢٤ / ٢٧-٢٩ روي أن أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله وَ له وهو مستقبل الباب، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تستأذن وأنت مستقبل الباب)) وذلك سواء أكان الباب مغلقاً أم مفتوحاً؛ فإن الطارق قد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز أو ما يكره أهل البيت اطلاعه عليه. والاستئذان واجب ولو كان الطارق أعمى؛ لأن من عورات البيوت ما يدرك بالسمع، وقد يتأذى أهل البيت بدخول الأعمى، وأما الحديث المتقدم: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) فهو بحسب الغالب المعتاد. ولا فرق في وجوب الاستئذان بين الرجال والنساء، والمحارم وغير المحارم؛ لأن الحكم عام، ولو كان الزائر والداً أو ولداً، قال رجل للنبي وقل - فيما رواه مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار -: أأستأذن يا رسول الله على أمي؟ فقال النبي ◌َّ: ((نعم)) قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت عليها؟ قال: ((أتحب أن تراها عُريانة؟)) قال: لا، قال: ((فاستأذن عليها)). وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال: ((عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم)). وروى الطبري عن طاوس قال: ((ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم)) وعلى هذا يكون الاستئذان على المحارم واجباً وتركه غير جائز، واستدل ابن عباس عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْخُلُمُ فَلْيَسْتَخْذِفُواْ كَمَا أُسْتَخْذَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولم يفرق بين من كان أجنبياً أو ذا رحم محرم. وقوله تعالى: ﴿بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق النهي فتفيد العموم الشامل للبيوت المسكونة وغير المسكونة، لكن الآية التالية: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ يقتضي حمل الآية الأولى على المسكونة فقط، ويصير المعنى: أيها المخاطبون لا تدخلوا بيوتاً مسكونة لغيركم حتى تستأنسوا. ثم ذكر تعالى حكمة الأمر بالاستئذان والسلام فقال: ٥٣٨ الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يعني الاستئذان والسلام خير وأفضل للطرفين: المستأذن وأهل البيت، من الدخول بغتة، ومن تحية الجاهلية، فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته قال: حييتم صباحاً، وحييتم مساء، ودخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَرُونَ) متعلق بمحذوف، أي أنزل عليكم أو أرشدكم ربكم لتتذكروا وتتعظوا، وتعملوا بما هو أصلح لكم. وكلمة ﴿خَيْرٌ﴾ هنا أفعل تفضيل، وكلمة (لعل) للتعليل، والحكم المعلل بها مفهوم مما سبق، أي أرشدكم الله إلى ذلك الأدب وبيَّنه لكم، ليكون متذكراً منكم دائماً، فتعملوا بموجبه. ثم ذكر تعالى حكم حالة أخرى هي حالة فراغ البيوت من أهلها فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُ﴾ أي إن لم تجدوا في بیوت غیر کم أحداً يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى يأذن لكم صاحب الدار، فلا يحل الدخول في هذه الحالة؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولأن للبيوت حرمة، وفيها خبيئات لا يريد أحد الاطلاع عليها، فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة. وإذن الصبي والخادم لا يبيح الدخول في البيوت الخالية من أصحابها، فإن كان صاحب الدار موجوداً فيها، اعتبر إذن الصبي والخادم إذا كان رسولاً من صاحب الدار، وإلا لم يجز الدخول. وقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا﴾ المدار فيه على ظن الطارق، فإن كان يظن أنه ليس بها أحد، فلا يحل له أن يدخلها. لكن يستثنى بداهة وشرعاً حالة الضرورة، كمداهمة البيت لحرق أو غرق أو مقاومة منكر أو منع جريمة ونحو ذلك. ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَكَى لَكُمْ﴾ أي إن طلب منكم صاحب ٥٣٩ الُرُ (١٨) - الشّنوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ البيت الرجوع، فارجعوا؛ فإن الرجوع هو خير لكم وأطهر في الدين والدنيا، ولا يليق بكم أيها المؤمنون أن تلحوا في الاستئذان، والوقوف على الأبواب، أو القعود أمامها بعد أن تردوا، ففي ذلك ذل ومهانة وعيب، وإحراج لصاحب البيت. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي إن الله عليم بنياتكم وأقوالكم وأفعالكم، فيجازيكم عليها. وهذا وعيد لمن يخالف ما أرشد الله إليه، فإن القصد من هذا الإخبار هنا تقرير الجزاء على هذه الأعمال. ثم بَيَّن الله تعالى حكم البيوت غير المسكونة، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمُ جُنَامُ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُوْنَةٍ فِيَهَا مَتَعٌ لَّكُمْ﴾ أي لا إثم ولا حرج عليكم من الدخول إلى بيوت لا تستعمل للسكنى الخاصة، كالفنادق وحوانيت التجار والحمامات العامة ونحوها من الأماكن العامة، إذا كان لكم فيها مصلحة أو انتفاع كالمبيت فيها، وإيواء الأمتعة، والمعاملة بيعاً وشراء وغيرهما، والاغتسال، ونحو ذلك. ﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي إن الله تعالى عليم بما تظهرونه من استئذان عند الدخول، وما تضمرونه من قصد سيِّئ من حب الاطلاع على عورات الناس. وهذا وعيد لأهل الريبة الذين يدخلون البيوت للاطلاع على عوراتها، وهو شبيه بالوعيد الذي ختمت به الآية السابقة. وهذه الآية الكريمة أخص من سابقتها، ومخصصة لعموم الآية المتقدمة المانعة مطلقاً من دخول بيوت الآخرين، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان للداخل متاع فيها، بغير إذن، كالبيت المستقل المعد للضيف بعد الإذن له فيه أول مرة، ولم يكن مجرد غرفة ضمن غرف أخرى. ٥٤٠ اِلُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٢٧-٢٩ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - تحريم دخول بيت الآخرين من غير استئذان وجوباً، وسلام وتحيةٍ ندباً، ويكون السلام قبل الاستئذان، كما دلت السنة. والسنة في الاستئذان كما تقدم أن يكون ثلاث مرات لا يزاد عليها. وصورة الاستئذان أن يقول الشخص رجلاً كان أو امرأة، بصيراً أو أعمى: السلام عليكم أأدخل؟ فإن أُذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن لم يجبه أحد استأذن ثلاثاً ثم ينصرف من بعد الثلاث. قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يُسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يُسمع. وقال المالكية: إنما خص الاستئذان بثلاث؛ لأن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثاً، شُمِع وفُهم، ولذلك كان النبي ◌َّ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم، سلم عليهم ثلاثاً، وإذا كان الغالب هذا؛ فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث، ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه، فينبغي للمستأذن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشغولاً به؛ كما قال النبي وَل﴿ لأبي أيوب حين استأذن عليه، فخرج مستعجلاً فقال: ((لعلنا أعجلناك .. )) الحديث. أما اليوم حيث اتخذ الناس الأبواب والأجراس، فصار الاستئذان بقرع الباب أو بدق الجرس، فإن طلب من الطارق التعريف بنفسه وجب عليه ذلك، منعاً من الإزعاج والتخويف أو الإحراج والمضايقة. ولا يستقبل المستأذن الباب بوجهه، وإنما يقف يميناً وشمالاً، بحيث إذا فتح الباب لا يقع النظر فجأة على ما يكره صاحب البيت. 7