النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
الْجُرُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢-٣
بأنه لا يرغب في العفيفات المؤمنات، وإنما يميل إلى الزانية والمشركة، والجملة
الثانية تصف الزانية بأنه لا يرغب فيها المؤمنون الأعفاء، وإنما يميل إليها
الفجار والمشركون، فكان المعنى مختلفاً إذ لا يلزم عقلاً من كون الزاني لا
يرغب إلا في مثله أن الزانية لا يرغب فيها غير أمثالها، وكانت الآية موضحة
وجود التلاؤم والانسجام والتفاهم والاقتران من كلا الطرفين: الرجل
والمرأة. وقد سمعنا كثيراً اليوم أن الممثلين والممثّلات ونحوهم من أهل الفن لا
يتزوج الواحد منهم أو الواحدة إلا بمحترف فناً مماثلاً؛ لأن عنصر الغيرة في
زعمهم يجب أن يرتفع، ليستمر الفريقان في عملهما، وإلا تعرض الزواج
للهدم والفسخ والزوال، فكما لا يألف العفيف ولا يقبل غير العفائف،
كذلك لا تقبل العفيفة الشريفة بحال إسفاف زوجها وتبذّله، واختراقه حدود
الصون والعفة، ولربما كانت المرأة أشد غيظاً وغضباً وتحرقاً من الرجل في
هذا، وقد يكون العكس، والمعول عليه وجود الدين والخلق والإحساس
المرهف وتوافر الغيرة الدينية على الحرمات والأعراض، والبعد عن جعل
العلاقة بين الرجل والمرأة مجرد علاقة مادية شهوانية، كما هو الشائع اليوم
لدى الماديين الملحدين الذين رفعوا مسألة العرض من قاموس الأخلاق
والقيم، سواء في الشرق أو الغرب.
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حُرِّم التزوج بالبغايا أو تزويج العفائف
بالرجال الفجار على المؤمنين الأتقياء، والمراد بالتحريم التنزه والتعفف مبالغة
في التنفير؛ لأنه تشبُّه بالفُسَّاق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء المقالة،
والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد.
وهذا رأي الجمهور كأبي بكر وعمر وجماعة من التابعين وفقهاء الأمصار
جميعاً، فيجوز نكاح الزانية، والزنى لا يوجب تحريمها على الزوج، ولا يوجب
الفرقة بينهما، ويؤيدهم ما أخرجه الطبراني والدارقطني من حديث عائشة
قالت: ((سئل رسول الله وَ ل عن رجل زنى بامرأة، وأراد أن يتزوجها، فقال:
٤٦٢
لُعُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٢-٣
أوله شفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال)). وما أخرجه أبو داود
والنسائي وغيرهما عن ابن عباس أن رجلاً قال للنبي وَله: إن امرأتي لا تمنع يد -
لامس! قال ◌َله: ((غرِّبها))، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: ((فاستمتع
بها». وهو دليل على جواز نكاح الزانية، وعلى أن الزوجة إذا زنت لا ينفسخ
نكاحها.
وقوله: ((لا تمنع يد لامس)) معناه الزانية، وأنها مطاوعة من راودها، لا
ترد يده. وقوله: ((غرّبها)) أي أبعدها بالطلاق، وهذا دليل آخر على جواز
نكاح الفاجرة. وقوله: ((فاستمتع بها)) أي لا تمسكها إلا بقدر ما تقضي متعة
النفس منها، والاستمتاع بالشيء: الانتفاع به إلى مدة، ومنه سمي نكاح
المتعة، ومنه آية: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعٌ﴾ [غافر: ٣٩/٤٠].
وأما حكم الحرمة في الآية فمخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخ
بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢/٢٤] فإنه يتناول المسافحات.
وقال جماعة من السلف (علي وعائشة والبراء، وابن مسعود في رواية عنه):
إن مِن زنى بامرأة أو زنى بها غيره لا يحل له أن يتزوجها، وقال علي: إذا زنى
الرجل فرّق بينه وبين امرأته؛ وكذلك هي إذا زنت. ودليلهم أن الحرمة في
الآية على ظاهرها، والخبر في قوله ﴿ الَِّ لَا يَنكِحُ﴾ بمعنى النهي، وأحاديث
منها ما رواه أبو داود عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخل
الجنة دُيّوث)) ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول
الله وَلّ: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ
لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والدُّيّوث، وثلاث لا ينظر الله
إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان بما أعطى)).
وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على
المرأة البغي ما دامت كذلك، حتى تستتاب، فإن تابت، صح العقد عليها،
٤٦٣
اِلُُّ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤/ ٢-٣
وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح
حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية
كقوله تعالى: ﴿ يُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥/٤]
وقوله سبحانه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥/٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على الأحكام التالية:
١ - تحريم الزنى: الزنى من الكبائر؛ لأن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل
النفس في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً
٦٨
[الفرقان: ٦٨/٢٥] . ولأن الله سبحانه أوجب الحد فيه وهو مئة جلدة، وشرع
فيه الرجم. ونهى المؤمنين عن الرأفة، وأمر بإشهاد الطائفة المؤمنة للتشهير،
ولحديث حذيفة المتقدم: ((يا معشر الناس، اتقوا الزنى، فإن فيه ست
خصال .. ))
والزنى: وطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح
بمطاوعتها، أو هو إيلاج (إدخال) فرج في فرج مشتهى طبعاً محرّم شرعاً. فإذا
کان ذلك وجب الحد.
أما فعل قوم لوط: فحكمه عند الشافعي في الأصح ومالك وأحمد وأبي
يوسف ومحمد حكم الزنى، فيكون اللائط زانياً، فيدخل في عموم الآية، ويحد
حد الزنى عند الشافعي بدليل ما روى البيهقي عن أبي موسى الأشعري عن
النبي ◌َّهِ أنه قال: ((إذا أتى الرجلُ الرجلَ، فهما زانيان)) وحده عند المالكية
والحنابلة: الرجم، ويرى بعض الحنابلة أن الحد في فعل قوم لوط القتل، إما
برميه من شاهق، وإما بهدم حائط عليه، وإما برميه بالحجارة.
٤٦٤
الُرُ (١٨) - النّنورِ: ٢٤ / ٢-٣
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يعزر اللوطي فقط، ولا يحد؛ إذ ليس في اللواط
اختلاط أنساب، ولا يترتب عليه غالباً حدوث منازعات تؤدي إلى قتل
اللائط، وليس هو زنى، ولا يتعلق به المهر، فلا يتعلق به الحد، ولأنه وَالت
أباح قتل المسلم بإحدى ثلاث: زنى المحصن، وقتل النفس بغير حق، والردة.
ولم يذكر فاعل اللواط؛ لأنه لا يسمى زانياً، ولم يثبت عنه وَّ أنه قضى في
اللواط بشيء.
واتفق الفقهاء على أن السحاق والاستمناء باليد يشرع فيه التعزير والتأديب
والتوبيخ.
وأما إتيان البهائم: فاتفق أئمة المذاهب الأربعة على تعزير فاعله بما يراه
الحاكم رادعاً له؛ لأن الطبع السليم يأبى ذلك، وفي سنن النسائي عن ابن
عباس: ((ليس على الذي يأتي البهيمة حد)) وهذا موقوف له حكم المرفوع.
وأما إتيان الميتة: ففيه عند الجمهور غير المالكية التعزير؛ لأن هذا ينفر
الطبع منه، فلا يحتاج إلى حد زاجر، وإنما يكفي فيه التأديب.
وأوجب المالكية فيه الحد؛ لأنه وطء في فرج آدمية، فأشبه وطء المرأة الحية.
والخلاصة: أن كل فعل من هذه الأفعال حرام منكر، يجب اجتنابه.
◌َ - وجوب الحد في الزنى: وهذا هو الذي استقر عليه التشريع، وكانت
عقوبته في مبدأ الإسلام حبس المرأة، وتعيير الرجل وإيذاءه بالقول؛ لقوله
تعالى: ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً
مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ
وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا
١٥
لَهُنَّ سَبِيلًا
فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَابًا رَّحِيمًا (®]﴾ [النساء: ١٥/٤-١٦].
ثم نسخ ذلك، بدليل ما أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن عبادة بن
٤٦٥
الزُُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢-٣
الصامت رضي الله عنه من الحديث المتقدم أن النبي ◌َّ قال: ((خذوا عني،
فقد جعل الله لهن سبيلاً: البِكْرُ بالبِكْر جلْد مئة ونفيُ سنة، والثّيِّب بالثيب
جلد مئة والرجم)).
وحد الزنى نوعان: حد الثيب (المتزوج) وحد البكر (غير المتزوج).
أ - أما حد الثيب: فهو باتفاق جماهير العلماء الرجم فقط، للأحاديث
المتقدمة القولية والفعلية الدالة على مشروعيته، والتي بلغت مبلغ التواتر،
فيخصص بها عموم القرآن، كما أنه في رأي الجمهور يخصص القرآن بخبر
الواحد.
وفي رأي الظاهرية وإسحاق وأحمد في رواية عنه: الجلد والرجم، عملاً
بظاهر حديث عبادة المتقدم.
ويرى الخوارج أن حد الثيب هو جلد مئة فقط، وأما الرجم فهو غير
مشروع، للأدلة السابقة الثلاثة، والتي أجيب عنها.
واتفق الفقهاء على أن حد الثيب من الأرقاء هو الجلد فقط كحد البكر،
وأنه لا رجم في الأرقاء.
ب - وأما حد البكر: فهو في رأي الحنفية الجلد مئة فقط، دون تغریب،
عملاً بصريح الآية، ولا يزاد عليها شيء بخبر الواحد، وأما التغريب فهو
مفوض إلى رأي الإمام حسبما يرى من المصلحة في ذلك.
وهو في رأي الجمهور: الجلد مئة ونفي عام، فيغرب في رأي الشافعية
والحنابلة إلى بلد آخر بعيد عن بلده بمقدار مسافة القصر (٨٩ كم) لحديث
عبادة المتقدم: ((البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام)). ويسجن الرجل عند
المالكية في البلد التي غرب إليها. ولا تغرب المرأة باتفاق هؤلاء خشية الزنى بها
مرة أخرى.
٤٦٦
لُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٢-٣
وأما الذمي المحصن: فحده في رأي الحنفية والمالكية الجلد فقط لا الرجم،
لما رواه إسحاق بن راهويه عن ابن عمر عن النبي ◌ّل أنه قال: ((من أشرك
بالله فليس بمحصن)) وهذا قول يرجح على الفعل الثابت عنه وَّ أنه رجم
يهوديين، وبالقياس على إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فيكون
إحصان الرجم مثله، لكمال النعمة في الحالين.
وحده في رأي الشافعي وأحمد وأبي يوسف: الرجم إذا ترافع إلينا؛ لما ثبت
في الصحيحين وسنن أبي داود أن النبي وَ لّ أتي بيهوديين زنيا، فأمر برجمهما،
ولأن الكافر كالمسلم يحتاج إذا زنى إلى الردع، ولأن الكفار الذميين ملتزمون
بأحكام شريعتنا. أما حديث ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) فلا ينطبق على
الذمي؛ لأنه في مصطلحنا لا يسمى مشركاً. وأما القياس على حد القذف وأنه
لا حد على من قذف كافراً فهو قياس مع الفارق؛ لأن الشرع أوجب هذا الحد
تكريماً للمسلم ورفعاً للعار عنه، وغير المسلم لا حاجة له لذلك، لتساهله
عادة.
٣ - صاحب الولاية في إقامة الحد: إن المطالب بتطبيق الحد هو الإمام
الحاكم أو نائبه باتفاق العلماء؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُواْ﴾
لأولياء الأمر من الحكام؛ لأن هذا حكم يتعلق بإصلاح الناس جميعاً، وذلك
منوط بالإمام، وإقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، والإمام ينوب عنهم
فيها؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود، ومنعاً للفوضى، والعودة إلى
عادة الجاهلية في الأخذ بالثأر.
وأضاف الإمامان مالك والشافعي: السادة في شأن العبيد، لكن عند
مالك في الجلد دون القطع، وعند الشافعي في قول: في كل جلد وقطع.
ودليلهما ما أخرجه الستة غير النسائي من قوله {َّله في الأَمَة: ((إن زنت
فاجلدوها)». وما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي رضي الله عنه قال:
٤٦٧
اِجُ (١٨) - التنوزِ: ٢٤ / ٢-٣
قال رسول الله وَله: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن ومن
لم يحصن)). وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام حداً على بعض
إمائه.
وقال الحنفية: لا يملك السيد أن يقيم حداً ما، الآية: ﴿الَّانِيَّةُ وَالزَِّ
فَأَجْلِدُواْ﴾ والخطاب بلا شك للأئمة دون سائر الناس، ولم يفرق في المحدودين
بين الأحرار والعبيد. وأما الأحاديث فيراد بها رفع الموالي أمر عبيدهم إلى
الحكام ليقيموا الحد عليهم، وفعل ابن عمر رأي له لا يعارض الآية. والجلاد
يكون من خيار الناس وفضلائهم، حسبما يختار الإمام.
٤ - أداة الجلد: أجمع العلماء على أن الجلد يجب بالسوط الذي لا ثمرة له،
وهو الوسط بين السوطين، لا شديد ولا ليِّن، كما فعل النبي ◌َّ- وقال مالك
والشافعي: الضرب في الحدود كلها سواء، ضرب غير مبرح (غير شديد).
ضرب بين ضربين؛ لأنه لم يرد شيء في تخفيف الضرب ولا تثقيله.
وقال الحنفية: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنى أشد من الضرب في
الخمر، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف، احتجاجاً بفعل عمر الذي
خفف في ضرب الشارب.
٥ - صفة الجلد وطريقة الضرب ومكانه عند الجمهور: أن يكون مؤلماً لا
يجرح ولا يقطع (يَبْضع) ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه، عملاً بقول
عمر الذي أتى بسوط بين سوطين وقال للضارب: اضرب ولا يُرى إبطك،
وأعط كل عضو حقه، ولأن قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾
معناه النهي عن التخفيف في الجلد.
ومواضع الضرب في الحدود والتعزير: ظهر الإنسان في رأي مالك؛ لقوله
وَ له فيما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس: ((البينة وإلا
حدٍّ في ظهرك)) وسائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج والرأس في رأي
الجمهور.
٤٦٨
الجُرُ (١٨) - النّنورِ: ٢٤ / ٢-٣
وكيفية ضرب الرجال والنساء مختلف فيها، فقال مالك: الرجل والمرأة في
الحدود كلها سواء، لا يجزي عنده إلا في الظهر، وقال الحنفية والشافعية:
يجلد الرجل وهو واقف، والمرأة وهي قاعدة، عملاً بقول علي رضي الله عنه.
وتجريد المجلود في الزنى مختلف فيه أيضاً، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما :
يجرّد ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأن الأمر بالجلد يقتضي مباشرة جسمه،
ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب. وقال الأوزاعي: الإمام
مخير، إن شاء جرَّد وإن شاء ترك.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه لا يجرد المحدود في الحدود كلها فيما عدا
الفرو والحشو، فإنه ينزع عنه، فإنه لو ترك عليه ذلك، لم يبال بالضرب، عملاً
بقول ابن مسعود: ((ليس في هذه الأمة مدّ ولا تجريد)).
٦ - الشفاعة في الحدود: يراد بآية ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ رِبِنِ اللَّهِ﴾ النهي
عن تخفيف الحد وإسقاطه، وهو دليل على تحريم الشفاعة في إسقاط حد الزنى؛
لأنها تعطيل لإقامة حد الله تعالى، وكذلك تحرم الشفاعة في سائر الحدود، لما
أخرجه الخمسة أن النبي ◌َّ قال لأسامة بن زيد حين تشفع في فاطمة بنت
الأسود المخزومية التي سرقت قطيفة وحلياً: ((أتشفع في حد من حدود الله
تعالى؟! ثم قام فاختطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق
فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).
وأخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي وَّ يقول:
((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى، فقد ضادَّ الله عز وجل)).
كذلك يحرم على الإمام الحاكم قبول الشفاعة في الحدود، لما أخرجه مالك
عن الزبير بن العوام رضي الله عنه: ((أنه لقي رجلاً قد أخذ سارقاً يريد أن
يذهب به إلى السلطان، فشفع له الزبير ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغ به إلى
٤٦٩
اِلُ (١٨) - الشنورِ: ٢٤ / ٢-٣
السلطان، فقال الزبير: إنما الشفاعة قبل أن يبلغ السلطان، فإذا بلغ
السلطان، لعن الشافع والمشفع)».
◌َ - الترغيب في إقامة الحدود: دل قوله تعالى: ﴿إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
اُلْأَخِرِّ ﴾ على الحث على إقامة الحد، وامتثال أمر الله تعالى وتنفيذ أحكامه على
النحو الذي شرعها.
٨ّ - حضور إقامة الحد: دل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ على وجوب الحضور على طائفة من المؤمنين، للتنكيل والعبرة
والعظة، لكن الفقهاء اختلفوا في ذلك:
فقال الحنفية والحنابلة: ينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس؛ لأن
المقصود من الحد هو زجر الناس. والطائفة في قول أحمد والنخعي: واحد.
وقال المالكية والشافعية: يستحب حضور جماعة، وهما اثنان في القول
المشهور لمالك، وأربعة على الأقل في رأي الشافعية وفي قول مالك والليث.
٩ - حكمة الحد: إن الحد عقوبة تجمع بين الإيلام الخفيف والاستصلاح،
أما الإيلام فلقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ فسميت العقوبة عذاباً، ويراد من
هذه العقوبة أيضاً الزجر والإصلاح؛ لأنه يمكن أن يراد من العذاب: ما يمنع
المعاودة كالنكال، فيكون الغرض منه الاستصلاح.
.أَ - هل الآية منسوخة؟ إن آية ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ منسوخة في
رأي أكثر العلماء بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢/٢٤] لذا قال
الحنفية: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وقال غير
الحنفية أيضاً: إن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد
النكاح، وإذا زنی الزوج لم يفسد نکاحه مع زوجته.
وروي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر رضي الله عنه، فجلدهما مئة
٤٧٠
الجُرُ (١٨) - الفنّورِ: ٢٤ / ٢-٣
جلدة، ثم زوّج أحدهما من الآخر مكانه، ونفاهما سنة، وهذا ما يحدث الآن
في المحاكم الشرعية. وروي مثل ذلك عن عمر وابن مسعود وجابر رضي الله
عنهم. وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح. ومَثَل ذلك مَثَل رجل سرق
من حائط (بستان) ثمرة، ثم أتى صاحب البستان، فاشترى منه ثمره، فما سَرَق
حرام، وما اشتری حلال.
وقال بعض العلماء المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وبناء عليه
قالوا: من زنى فند النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح
بينها وبين زوجها. وقال بعض هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر
الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أَثم، ولا يجوز التزوج بالزانية، ولا من
الزاني، بل إذا ظهرت التوبة يجوز النكاح حينئذ. وأدلتهم تقدم ذكرها.
١١ - عموم التحريم: حرم الله تعالى الزنى في كتابه، سواء في أي مكان في
العالم، فحيثما زنى الرجل فعليه الحد، وهذا قول الجمهور (مالك والشافعي
وأبي ثور وأحمد) قال ابن المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء، ومن زنى
فعليه الحدّ، على ظاهر قوله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَاَلَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً
ـَّدَّةٍ).
وقال الحنفية في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك، ثم
خرج إلى دار الإسلام، لم يحدّ؛ لأن الزنى وقع في مكان لا سلطان للإمام
المسلم عليه، لكن يكون زناه حراماً وإن لم يجب عليه الحد، وعليه التوبة من
الحرام.
٤٧١
الجُرُ (١٨) - الشّنّورِ: ٢٤ / ٤-٥
الحكم الثالث
حد القذف
﴿ وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَلَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ
لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ
القراءات:
﴿ اَلْمُحْصَنَتِ﴾ :
وقرأ الكسائي (المحصِنات).
الإعراب:
﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِيِنَ جَلْدَةً﴾ ﴿ثَمَنِنَ﴾ منصوب على المصدر، و﴿جَّدَةً﴾ تمييز
منصوب. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ إما منصوب على الاستثناء، كأنه قال: إلا
التائبين، وإما مرفوع على الابتداء، وخبره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وإما مجرور
على البدل من الهاء والميم في ﴿لَمْ﴾.
البلاغة:
﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ﴾ استعارة، استعير لفظ الرمي (وهو الإلقاء بالحجارة
ونحوها) لشيء معنوي وهو القذف باللسان، بجامع الأذى في كل منهما.
﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعيل.
المفردات اللغوية:
﴿ وَاُلَّذِينَ يَزْمُونَ اُلْمُحْصَنَتِ﴾ يقذفون العفائف الحرائر البالغات العاقلات
٤٧٢
◌ِلُعُ (١٨) - الثّنورِ: ٢٤ / ٤-٥
المسلمات، ولا فرق بين الذكر والأنثى، وتخصيص المحصنات مراعاة
للواقعة، أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع، والرمي: الإلقاء بشيء يضر أو
يؤذي، استعير للسب بالزنى لما فيه من الأذى والضرر، أما القذف بغير الزنى
مثل يا فاسق، ياشارب الخمر فيوجب التعزير ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ لإثبات
زناهن برؤيتهم، وهو جمع شهيد، وهو الشاهد، وسمي بذلك لأنه يخبر عن
شهادة وعلم وأمانة، ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة عند الشافعية، وتعتبر عند
أبي حنيفة ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ﴾ اجلدوا كل واحد منهم ﴿ وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ أي
تسقط عدالتهم، فلا تقبل لهم أي شهادة كانت بعدئذ؛ لأنه مفترٍ. ولا يتوقف
ذلك على استيفاء الجلد عند الشافعية؛ لترتب الجزاءين على القذف على السواء
جواباً للشرط، دون ترتيب بينهما، فيحصلان دفعة واحدة، ويتوقف عدم
قبول شهادته عند أبي حنيفة على استيفاء الحد. وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ أي ما لم يتب،
وعند أبي حنيفة: إلى آخر عمره ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ المحكوم بفسقهم؛
الإتيانهم كبيرة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عن القذف ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أعمالهم بالتدارك،
ومنه الاستسلام للحد، أو طلب العفو (الاستحلال) من المقذوف. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ﴾ لهم قذفهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بإلهامهم التوبة. وبالتوبة ينتهي فسقهم وتقبل
شهادتهم عند الشافعية، ولا تقبل عند الحنفية؛ لأن الاستثناء يكون راجعاً إلى
الجملة الثالثة وهي: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ في رأيهم، وإلى أصل الحكم
وجميع الجمل في رأي الشافعية، لكن تستثنى الجملة الأولى، فلا يسقط الحد
بالتوبة بالاتفاق، حفاظاً على حق العبد، ويبقى الاستثناء في ظاهره عائداً إلى
رد الشهادة والتفسيق.
المناسبة:
بعد التنفير من نكاح الزانيات وإنكاح الزناة، نهى الله تعالى عن القذف
٤٧٣
الُ (١٨) - التنورِ: ٢٤ / ٤-٥
، وهو الرمي بالزنى، وذكر حده في الدنيا وهو الجلد ثمانين، وعقوبته في الآخرة
وهو العذاب المؤلم مالم يتب القاذف.
ودلت القرائن على أن المراد الرمي بالزنى بإجماع العلماء لتقدم الكلام عن
الزنى، ووصف النساء بالمحصنات وهن العفائف عن الزنى، ولاشتراط إثبات
التهمة بأربعة شهود، ولا يطلب هذا العدد إلا في الزنى، ولانعقاد الإجماع
على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنى، كالرمي بالسرقة وشرب الخمر
والكفر، فمجموع هذه القرائن الأربع يجعل المراد هو الرمي بالزنى.
التفسير والبيان:
هذه الآية تبين حكم قذف المحصنة وهي الحرة البالغة العاقلة العفيفة، يجلد
قاذفها ثمانين جلدة، وكذلك يجلد قاذف الرجل العفيف اتفاقاً، وقذف الرجل
داخل في حكم الآية بالمعنى، كدخول تحريم شحم الخنزير في تحريم لحمه. وذكر
النساء، لأن رميهن بالفاحشة أشنع، والزنى منهن أقبح، أما السرقة فالرجل
عليها أجرأ وأقدر، فبدأ به في آية حد السرقة.
وفي التعبير بالإحصان إشارة إلى أن قذف العفيف رجلاً أو امرأة موجب
لحد القذف، أما المعروف بفجوره فلا حد على قاذفه، إذ لا كرامة للفاسق.
والمعنى: إن الذين يسبّون النساء العفيفات الحرائر المسلمات برميهن
بالزنى، ولم يتمكنوا من إثبات التهمة بأربعة شهود رأوهن متلبِّسات بالزنى،
أي لم يقيموا البينة على صحة القذف الذي قالوه، لهم ثلاثة أحكام:
الأول - أن يجلد القاذف ثمانين جلدة. والجلد: الضرب.
الثاني - أن ترد شهادته أبداً، فلا تقبل في أي أمر مدة العمر.
الثالث - أن يصير فاسقاً ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس، سواء
2
٤٧٤
الجُزُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ /٤-٥
كان كاذباً في قذفه أو صادقاً. والفسق: الخروج عن طاعة الله تعالى، وهذا
دليل على أن القذف كبيرة من الكبائر، لما يترتب عليه من التشنيع وهتك حرمة
المؤمنات. لكن شرط القاذف الذي نصت عليه الآية: عجزه عن الإتيان بأربعة
شهود، وتقضي قواعد الشرع أن يكون من أهل التكليف: وهو البالغ العاقل
المختار، العالم بالتحريم حقيقة، أو حكماً كمن أسلم حديثاً ومضت عليه مدة
يتمكن فيها من معرفة أحكام الشرع.
وشرط المقذوف المرمي بنص الآية: أن يكون محصناً: وهو المكلف (البالغ
العاقل) الحر، المسلم، العفيف عن الزنى. فشرائط إحصان القذف خمسة: هي
البلوغ والعقل باعتبارهما من لوازم العفة عن الزنى، والحرية؛ لأنها من معاني
: الإحصان، والإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: ((من
أشرك بالله فليس بمحصن)) والعفة عن الزنى، فلا يعتبر كل من المجنون والصبي
والعبد والكافر والزاني محصناً، فلا يجد قاذفهم، لكن يعزر للإيذاء. ويلاحظ
أن ظاهر الآية يتناول جميع العفائف، سواء كانت مسلمة أو كافرة، وسواء
كانت حرة أو رقيقة، إلا أن الفقهاء قالوا شرائط الإحصان في القذف خمسة:
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة عن الزنى. وإنما اعتبرنا الإسلام
للحديث المتقدم، واعتبرنا العقل والبلوغ لقوله وتلقي فيما رواه أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة: ((رفع القلم عن ثلاثة)) ومنهم الصبي
والمجنون، واعتبرنا الحرية؛ لأن العبد ناقص الدرجة، فلا يعظم عليه التعبير
بالزنى، واعتبرنا العفة عن الزنى؛ لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف، فإذا
كان المقذوف زانياً، فالقاذف صادق في القذف، فلا يحد، وكذلك إذا كان
المقذوف وطئ امرأة بشبهة أو نكاح فاسد؛ لأن فيه شبهة الزنى . .
وإذا كان العبد أو الكافر عفيفاً عن الزنى، فيصبح محصناً من وجه، وغير
محصن من وجه آخر، فيكون ذلك شبهة في إحصانه، فيجب درء الحد عن
قاذفه.
٤٧٥
الجُزُ (١٨) - الثّنوزِ: ٢٤ / ٤-٥
وكان ينبغي جعل التزوج من صفات الإحصان، إلا أن العلماء أجمعوا
على عدم اعتباره هنا، وهو كون المرمي زوجة أو زوجاً، بدليل الآيات التالية
في اللعان، فتكون آية اللعان مخصصة لعموم الموصول: ﴿ وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ
الْمُحْصَنَتِ﴾.
وظاهر الآية: ﴿ثُمَّ لَوَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ﴾ يدل على أنه يشترط لتحقق القذف
الموجب للعقوبة عجز القاذف عن الإتيان بأربعة يشهدون أنهم قد رأوا
المقذوف يزني، وتاء ﴿ بِأَرْبَعَةِ﴾ تفيد في ظاهرها اعتبار كونهم من الرجال،
ويؤكد ذلك أنه لا تعتبر شهادة النساء في الحدود اتفاقاً.
ولم تشترط الآية أكثر من كون الرجال الأربعة أهلاً للشهادة، لكن العلماء
اختلفوا في اشتراط كون الشاهد عدلاً، فقال الشافعية: تشترط عدالة
الشاهد، وقال الحنفية: لا تشترط عدالة الشاهد. فإذا شهد أربعة فساق فهم
قَذَفة عند الشافعية يحدون كالقاذف، ولا يحدون عند الحنفية، ويدرأ الحد عن
القاذف؛ لأنه تثبت بشهادتهم شبهة الزنى، فيسقط الحد عنهم وعن القاذف،
وكذا عن المقذوف.
/ وظاهر عموم الآية أنه يكفي أن يكون زوج المقذوفة أحد الشهود الأربعة،
وقد أخذ الحنفية بهذا الظاهر، وقال مالك والشافعي: لا يعتبر الزوج أحد
الشهود، ويلاعن الزوج ويحد الشهود الثلاثة الآخرون؛ لأن الشهادة بالزنى
قذف، ولم يكتمل نصاب الشهادة المطلوب.
وظاهر إطلاق الآية أنه يصح مجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، وبه أخذ
المالكية والشافعية، وذلك كالشهادة في سائر الأحكام. وقال أبو حنفية: لا
تقبل شهادتهم إلا إذا كانوا مجتمعين غير متفرقين، فإن تفرقوا لم تقبل
شهادتهم؛ لأن الشاهد الواحد لما شهد صار قاذفاً، ولم يأت بأربعة شهداء،
فوجب عليه الحد، ولم يعد صالحاً للشهادة. ونقل ذلك أيضاً عن مالك.
٤٧٦
لُجُرُ (١٨) - الننورِ: ٢٤ / ٤-٥
وظاهر الآية أيضاً أن القاذف يجلد إذا أتى بشاهدين أو ثلاثة فقط، وكذلك
يجلد هؤلاء الشهود إذا لم يكملوا النصاب، بدليل فعل عمر الذي أمر بجلد
ثلاثة شهود وهم شبل بن معبد وأبو بكرة (نُفيع بن الحارث) وأخوه نافع
شهدوا بالزنى على المغيرة بن شعبة، وأما رابعهم زياد فلم يجزم بحدوث حقيقة
الزنى.
والخطاب في قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ هم أولياء الأمر الحكام،
وظاهر هذا العموم يشمل الحر والرقيق، فحدهما ثمانون جلدة، وبه أخذ ابن
مسعود والأوزاعي والشيعة، وأجمع بقية الفقهاء على أن حد الرقيق في القذف
النصف وهو أربعون جلدة. ودل هذا الظاهر أيضاً أن الحاكم يقيم الحد ولو
من غير طلب المقذوف، وبه أخذ ابن أبي ليلى، وقال الجمهور: لا يحد إلا
بمطالبة المقذوف، وقال مالك: إذا سمعه الإمام يقذف، حدَّه ولو لم يطلب
المقذوف، إذا كان مع الإمام شهود عدول. والخلاصة: أن الإمام لا يقيم حد
القذف إلا بمطالبة المقذوف في المذاهب الأربعة.
وفي إقامة حد القذف: مراعاة لحق الله تعالى في حماية الأعراض، ولحق
العبد الذي انتهكت حرمته، لكن اختلف الفقهاء في المغلَّب في هذا الحد:
فقال الشافعية: يغلَّب حق العبد باعتبار حاجته، وغنى الله عز وجل.
وذهب الحنفية إلى تغليب حق الله تعالى؛ لأن استيفاءه يحقق مصلحة العبد
أيضاً. وتظهر ثمرة الخلاف في أمثلة منها :
أ - إذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد، فيسقط عند الحنفية تغليباً لحق الله
تعالى، وقال الشافعية: لا يسقط الحد بموت المقذوف، بل يتولى ورثته المطالبة
به تغليباً لحق العبد.
ب - وإذا قذف شخص جماعة بكلمة واحدة أو بكلمات متعددة، فالحنفية
يقولون بتداخل الحد، ويكفي للجميع حد واحد، تغليباً لحق الله تعالى كمن
٤٧٧
لِلُ (١٨) - التنورِ: ٢٤ / ٤-٥
زنى مراراً أو سرق أو شرب الخمر، ولا يتداخل الحد عند الشافعية، وعليه
لكل واحد حد تغليباً لحق العباد.
جـ - وإذا عفا المقذوف عن الحد، يسقط عند الشافعية تغليباً لحق العبد،
ولا يسقط عند الحنفية بعد طلب إقامته.
وبما أن مجموع العقوبات الثلاث مرتب على القذف بالعطف بالواو، فترد
شهادة القاذف ولو قبل جلده في رأي الشافعي، ولا ترد شهادته إلا بعد جلده
في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الواو وإن لم تقتض الترتيب، لكن المراد
الترتيب؛ لقوله وير فيما رواه الديلمي وابن أبي شيبة عن ابن عمرو مرفوعاً:
((المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا محدوداً في فرية)) أي قذف، ورواه
الدارقطني عن عمر في کتابه إلى أبي موسى.
ورد شهادة القاذف عام يشمل ما إذا كانت الشهادة واقعة منه قبل القذف .
أم بعد القذف، ويشمل شهادة من قذف وهو كافر ثم أسلم، إلا أن الحنفية
استثنوا الكافر إذا حد في القذف ثم أسلم، فإن شهادته بعد إسلامه تكون
مقبولة، لاستفادته بالإسلام عدالة جديدة.
ورد شهادة القاذف هي من تمام الحد في رأي الحنفية، عملاً بظاهر الآية
التي رتب الله فيها على القذف عقوبتين، فكان الظاهر أن مجموعهما حد
القذف. وقال مالك والشافعي: الحد هو جلد ثمانين فقط، وأما رد الشهادة
فهو عقوبة زائدة على الحد؛ لأن الحد عقوبة بدنية، ورد الشهادة عقوبة
معنوية، ولأن قول النبي ◌َ لل هلال بن أمية فيما أخرجه البخاري وأبو داود
والترمذي عن ابن عباس: ((البينة أو حد في ظهرك)) يدل على أن الجلد هو تمام
الحد.
ويلزم على قول الحنفية أن الحاكم لا يرد شهادة القاذف إلا بطلب
المقذوف، أما الآخرون فلا يرون توقف رد الشهادة على طلب المقذوف.
٤٧٨
الجُعُ (١٨) - اللّنورِ: ٢٤ /٤-٥
ثم استثنى الله تعالى حال التوبة فقال:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ أي إلا الذين
رجعوا عن قولهم وندموا على فعلهم، وأصلحوا حالهم وأعمالهم، فلم يعودوا
إلى قذف المحصنات، قال ابن عباس: أي أظهروا التوبة، فإن الله غفور ستار
لذنوبهم، رحيم بهم، فيقبل توبتهم، ويرفع عنهم صفة الفسق التي وسموا بها.
قال الشافعي: توبة القاذف: إكذابه نفسَه، والمعنى كما فسره الإصطخري
من أصحاب الشافعي: أن يقول: كذبت فيما قلت، فلا أعود لمثله، وفسره
أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: لا يقول: كذبت؛ لأنه ربما
يكون صادقاً، فيكون قوله: (كذبت) كذباً، والكذب معصية، والإتيان
بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت
على ما قلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه. ورجح أبو الحسن اللخمي أن
التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف.
وقال بعض العلماء: توبة القاذف كتوبة غيره، تكون بينه وبين ربه،
ومضمونها الندم على ما قال، والعزم على ألا يعود.
وقد اختلف العلماء في هذا الاستثناء، هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط،
فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة دائماً، وإن تاب وأصلح، أو
يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة أو إلى الكل؟
يلاحظ كما ذكرنا أن الآية ذكرت ثلاثة أحكام بثلاث جمل متعاطفة
بالواو، معقبة بالاستثناء، فاتفق العلماء على أن الاستثناء لا يرجع هنا إلى
الجملة الأولى، فلا يسقط الحد بتوبة القاذف، للمحافظة على حق العبد وهو
المقذوف.
وانحصر الخلاف في عود الاستثناء إلى الجملتين الثانية والثالثة، أي رد
٤٧٩
الجُ (١٨) - الشّنورِ: ٢٤ / ٤-٥
الشهادة والفسق، فقال الحنفية: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط،
فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة أبداً؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلََ
هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها، لدفع توهم
. أن القذف لا يكون سبباً لثبوت صفة الفسق بهتك عرض المؤمن بلا فائدة،
وإذا كانت الجملة الأخيرة مستأنفة، توجه الاستثناء إليها وحدها.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): يعود الاستثناء إلى كلتا
الجملتين الثانية والثالثة؛ لأن جملة ﴿ وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ مستأنفة
منقطعة عما قبلها؛ لأنها ليست من تتمة الحد، وجملة ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
تبين علة رد الشهادة، فإذا ارتفع الفسق الذي هو علة بالتوبة، ارتفع المعلول
الذي هو رد الشهادة، فهذه الجملة تعليل، لا جملة مستقلة بنفسها، أي لا
تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم؟.
ولا يثور هذا الخلاف بين الفريقين إذا قامت قرينة أو دليل على أن
الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجمل كلها، كما في المثالين
الآتيين :
الأول - قوله تعالى في دية القتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ
مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢/٤] فيه قرينة تدل على أن
الاستثناء عائد إلى الدية لا إلى تحرير الرقبة؛ لأن التحرير حق الله تعالى،
وتصدق الولي لا يسقط حق الله تعالى.
الثاني - قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ
عَلَّهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤/٥] فيه دليل على رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها، فإن
التقييد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَّهِمْ﴾ يمنع عود الاستثناء إلى
الجملة الأخيرة، وهي قوله سبحانه: ﴿وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأن
التوبة تسقط العذاب الأخروي، سواء أكانت قبل القدرة عليهم أم بعدها،
٤٨٠
الُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ٤-٥
فلم يكن لهذا التقييد فائدة إلا سقوط الحد، فهذا الاستثناء راجع إلى الجميع
بالاتفاق.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - أرشدت الآية إلى وجوب حد القاذف ثمانين جلدة إذا عجز عن إثبات
تهمته بأربعة شهود، وإلى الحكم برد شهادته، وصيرورته فاسقاً، إلا إذا تاب
فتقبل شهادته وترتفع صفة الفسق عنه في رأي الجمهور، وتزول عنه صفة
الفسق فقط بالتوبة في مذهب الحنفية، ويظل مردود الشهادة أبداً وإن تاب.
اَ - وللقذف شروط تسعة عند العلماء: شرطان في القاذف: وهما العقل
والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف.
وشرطان في المقذوف به: وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد: وهو عند
الجمهور غير الحنفية: الزنى وفعل قوم لوط، أو بنفيه من أبيه دون سائر
المعاصي.
وخمسة شروط في المقذوف: وهي العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة
عن الفاحشة التي رُمي بها.
: ◌ّ - واتفق العلماء على أن القذف بصريح الزنى يوجب الحد، أما القذف
بالتعريض والكناية، مثل ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فقال مالك: هو قذف.
وقال الشافعي: هو قذف إن نوی وفسره به فقال: أردت به القذف. وقال أبو
حنيفة: ليس ذلك قذفاً، لما فيه من شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
٤ - وذهب الجمهور إلى أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب أو
امرأة منهم، ولكنه يعزر، وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى:
عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم.