النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
لُزُعُ (١٨) - المُؤْتُونَ: ٢٣ /١١٢-١١٨
في الدنيا وأمواتاً في قبوركم، واللبث: الإقامة. ﴿لِثْنَا يَوَمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
استقصروا مدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار وما هم فيه من العذاب.
﴿فَسْئَلِ الْعَآَدِينَ﴾ الذين يتمكنون من عدّ أيامها، أو الملائكة الذين يعدّون
أعمار الناس ويحصون أعمالهم . ﴿قَالَ﴾ تعالى بلسان مالك خازن النار. ﴿إِن
أَبِئْتُمُ﴾ أي ما لبثتم. ﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مدة لبثكم بالنسبة إلى لبثكم
في النار.
﴿عَبَثًا﴾ ما خلا من الفائدة، أو لا لحكمة، توبيخ على تغافلهم. والمراد:
إنا لم نخلقكم تلهياً بكم، وإنما خلقناكم لنعيدكم ونجازيكم على أعمالكم، وهو
كالدليل على وجود البعث. ﴿ وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنَّمَا
خَلَقْتَكُمْ﴾ أو ﴿عَبَثًا﴾، وقرئ بفتح التاء. والمراد أننا خلقناكم لنتعبدكم
بالأمر والنهي وترجعون إلينا، ونجازي على ذلك.
﴿فَتَعَلَى اللَّهُ﴾ تنزه الله عن العبث وغيره مما لا يليق به . ﴿اَلْمَلِكُ اَلْحَقُّ﴾
أي الثابت الذي لا يزول. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ الكرسي الحسن، وهو
مركز تدبير العالم، ووصف بالكريم لشرفه.
﴿ يَدْعُ﴾ أي يعبد. ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ،﴾ لا دليل له عليه، وهو صفة كاشفة لا
مفهوم لها. ﴿حِسَابٌ﴾ جزاؤه. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ لا يسعدون،
والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للشأن والأمر. ويلاحظ أنه تعالى بدأ السورة بتقرير
الفلاح للمؤمنين، وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين. ﴿أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ﴾
المؤمنين، وطلب الرحمة زيادة عن المغفرة.
المناسبة:
بعد بيان إنكار الكفار للبعث، وأنه لا رجعة إلى الدنيا بعده، ذكر تعالى
أنهم يسألون في النار سؤال تقريع وتوبيخ عن مدة لبثهم في الأرض، دون أن
يكون القصد مجرد السؤال. ثم ذكر تعالى ما هو كالدليل على وجود البعث، ثم

٤٤٢
الْجُرُ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ /١١٢-١١٨
أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه، تعليماً وإرشاداً للأمة، حتى لا يكونوا مثل
أولئك الكفار.
التفسير والبيان:
ينبه الله تعالى الكفار على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة
الله تعالى وعبادته وحده، ولو صبروا لفازوا كالمؤمنين، فيقول:
﴿قَلَ كَمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (٣)﴾ أي قال الله أو الملك المأمور
بسؤالهم: كم كانت مدة إقامتكم في الدنيا؟
والغرض من السؤال التبكيت والتقريع والتوبيخ، تنبيهاً لهم على أن ما
ظنوه دائماً طويلاً، فهو يسير بالنسبة إلى ما أنكروه من البعث، فتحصل لهم
الحسرة على سوء اعتقادهم في الدنيا.
﴿قَالُوْ لَبِئْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ﴾ نسوا مدة لبثهم في الدنيا، لعظم ما هم فيه
من الأهوال والعذاب، حتى ظنوا أن المدة يوم أو بعض يوم، أو المراد تحقير
مدة لبثهم بالنسبة إلى ما وقعوا فيه من أليم العذاب.
﴿فَسْشَلِ الْعَآَدِّينَ﴾ أي فاسأل الحاسبين، أو الملائكة الحفظة الذين يحصون
أعمال العباد وأعمارهم.
قال لهم الملك:
(١٤)
﴿قَالَ إِن لَّيِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْ أَنَكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
ما لبثتم إلا زمناً يسيراً، على كل تقدير، ولو كنتم تعلمون شيئاً من العلم
لآثرتم الباقي على الفاني، ولعملتم بما يرضي ربكم، ولو صبرتم على طاعة الله
وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.
روى ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي الذي خطب الناس فقال:
قال رسول الله وَله: ((إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار،
قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو

٤٤٣
الُرُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ١١٢-١١٨
بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني
وجنتي، امکثوا فيها خالدین مخلدین !!
ثم قال: يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو
بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي،
امکثوا فيها خالدین مخلدین)».
ثم شدد الله تعالى في توبيخهم على غفلتهم فقال:
أي أفظننتم
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (شَـ
أنكم مخلوقون عبثاً، أي لعباً وباطلاً بلا قصد ولا حكمة لنا، بل خلقناكم
للعبادة والتهذيب والتعليم وإقامة أوامر الله تعالى. وهل ظننتم أنكم لا
تعودون إلينا في الدار الآخرة للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ
[القيامة: ٣٦/٧٥].
٣٦
اُلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى
﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ اُلْحَقّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ
١١٦
[المؤمنون: ١١٦/٢٣] أي تنزه وتقدس الله صاحب الملك الواسع، الثابت الذي
لا يزول، أن يخلق شيئاً عبثاً، فإنه الملك الحق المنزه عن ذلك، وهو ذو العرش
العظيم الحسن البهي الذي يدبر فيه نظام الكون بحكمة ومقصد سام.
ثم ردَّ الله تعالى على من نسب إليه ولداً أو شريكاً فقال:
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَخَ لَ بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِنْدَ رَبِّهٍِ﴾ أي
ومن يعبد إلهاً آخر مع الله الذي لا يستحق العبادة سواه، دون أن يكون له
دليل على صحة معتقده وعبادته، فجزاؤه محقق شديد عند ربه وخالقه، وذلك
توبيخ وتقريع وتهديد بما لا يوصف، فمن ادعى إلهاً آخر فقد ادعى باطلاً من
حيث لا برهان له فيه، وما لا برهان فيه لا يجوز إثباته.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ أي إنه لا يفوز الكفار بشيء من النعيم،

٤٤٤
الجُزْءُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١١٢-١١٨
وإنما مصيرهم إلى الجحيم، وهذا يقابل افتتاح السورة، فإنه بشر بفلاح
المؤمنين، وختم هنا بخيبة الكافرين.
(١٨) أي قل أيها النبي: يا رب
﴿ وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
اغفر لي ذنوبي، واستر عيوبي، وارحمني بقبول توبتي، ونجاتي من العذاب،
فأنت خير من رحم عباده.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن حَبَّان عن أبي بكر أنه قال: ((يا
رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمتُ
نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفِرُ الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك،
وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)).
والآيتان الأخيرتان من آيات الشفاء، أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن
مسعود أنه مرَّ برجل مصاب، فقرأ في أذنه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾
حتى ختم السورة، فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله وَالر، فقال له: ((بماذا قرأت
في أذنه؟» فأخبره، فقال: ((والذي نفسي بيده، لو أن رجلاً موقناً قرأها على
جبل لزال)). وواضح من ذلك أن المعول عليه هو إيمان القارئ ويقينه
وصفاؤه، واستعداد المريض وقابليته للتداوي بالقرآن.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - التنبيه على قصر مدة المكث في الدنيا، والاستفادة من تلك المدة بأقصى
قدر ممكن للقيام بالطاعات والتقرب بالقربات، واجتناب المحظورات
والمنهيات.
٣ - إن شدة العذاب التي يرتع بها الكفار في نار جهنم أنْسَتهم مدة مكثهم
في الدنيا أحياء، وفي القبور أمواتاً. لذا أحالوا الجواب على الحاسبين العارفين
بذلك، أو على الملائكة الذين كانوا معهم في الدنيا.

٤٤٥
الجزءُ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ /١١٢-١١٨
٣ - قرر الله تعالى أن مدة المكث أو اللبث في الدنيا قليلة لتناهيها بالنسبة
إلى المكث في النار،ِ لأنه لا نهاية له، لو علم الناس بذلك، فيكون المراد من
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن زمن الدنيا قليل لو علمتم البعث
والحشر، لكنكم لما أنكرتم ذلك صرتم تعدونه طويلاً.
٤ - إن للمخلوقات رسالة سامية في الحياة، وهي إطاعة الله تعالى فيما
أمر، وعبادته بحق، واجتناب ما نهى عنه، فإنه تعالى لم يخلق الناس عبئاً أي
لعباً باطلاً، دون قصد ولا حكمة، وإنما خلقهم لأداء مهمة خطيرة معينة،
هي إظهار العبودية لله، قال الحكيم الترمذي أبو عبد الله محمد بن علي: إن الله
تعالى خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها،
فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رقّ الدنيا، ملوك في دار السلام،
وإن رفضوا العبودية، فهم اليوم عبيد أُبَّاق سُقَّاط لئام، وغداً أعداء في
السجون بين أطباق النار.
وروى ابن أبي حاتم عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر
خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، أيها الناس: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم
معاداً ينزل الله فيكم للحكم بينكم، والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقي
عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم
تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غداً إلا من حذر هذا اليوم، وخافه، وباع نافداً
بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان.
ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون مَنْ بعدكم الباقين، حتى
تردوا إلى خير الوارثين؟
ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه،
وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا

٤٤٦
الْجُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١١٢-١١٨
موسد، قد فارق الأحباب، وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله،
غني عما ترك، فقير إلى ما قدم.
فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم.
ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله.
- من قصر النظر وجهالة الإنسان وغبائه أن يظن كما يظن الماديون أن
الدنيا هي كل شيء، وألا رجعة إلى الله والدار الآخرة، ليجازى الناس على
أعمالهم.
٩ - تقدس الله وتنزه عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئاً
عبثاً أو سفهاً؛ لأنه الحكيم، والملك الحق الثابت المبين الذي لا يزول ولا يبيد
ملكه وقدرته، ويحق له الملك؛ لأن كل شيء منه وإليه، وهو الثابت الذي لا
يزول، وذو العرش العظيم الكريم، لا إله غيره، ولا رب سواه، فما عداه
مصيره إلى الفناء، وما يفنى لا يكون إلهاً. والمراد بالعرش: العرش حقيقة،
ووصفه بالكريم لتنزل الرحمة والخير والبركة منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين.
لاً - إن من يعبد مع الله إلهاً آخر لا بينة ولا حجة ولا دليل له عليه، فإن
الله هو الذي يعاقبه ويحاسبه، وإنه لا يفلح الكافرون، ولا يفوزون بالنعيم
والسعادة الأبدية، فمن ادعى إلهاً آخر، فقد ادعى باطلاً إذ لا برهان له فيه،
وما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وهذا دليل على وجوب التأمل والنظر في
إثبات العقيدة، وبطلان التقليد.
٠ ٨ - إن المؤمن الحق هو الذي يديم النظر والتأمل في بديع خلق الله وقدرته،
لیتوصل بذلك إلى إثبات البعث وإمكانه، ويستمر في عبادته ربه حتى الموت،
ويكثر من دعاء الله تعالى قائلاً: رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين؛ لأن
الانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته عاصمان عن کل
الآفات والمخاوف.

٤٤٧
الُ (١٨) - المُؤْتُونَ: ٢٣ / ١١٢-١١٨
ـة - من براهين البعث أنه: لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي،
والصديق من الزنديق، والرجوع إلى الله تعالى معناه الرجوع إلى حيث لا مالك
ولا حاكم سواه، لا أنه رجوع من مكان إلى مكان، لاستحالة ذلك على الله
تعالی.
. ١ - شتان بين فاتحة السورة وخاتمتها، فقال في الفاتحة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
اُلْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ وفي الخاتمة ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ﴾.
.٠

٤٤٨
لُ (١٨) السورة (٢٤) الشّنُورِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى الرَّحِيمِ
٠١
سُؤْرَةُ النّورِّ
مدنية، وهي أربع وستون آية
تسميتها:
سميت سورة النور لتنويرها طريق الحياة الاجتماعية للناس، ببيان الآداب
والفضائل، وتشريع الأحكام والقواعد، ولتضمنها الآية المشرقة وهي قوله
تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥/٢٤] أي منورهما، فبنوره
أضاءت السماوات والأرض، وبنوره اهتدى الحيارى والضالون إلى طريقهم.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لسورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ من وجهين:
الأول - أنه تعالى لما قال في مطلع سورة المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ
ذكر هنا أحكام من لم يحفظ فرجه من الزناة، وما اتصل بذلك من شأن
٢٩٦
القذف، وقصة الإفك، والأمر بغض البصر الذي هو داعية الزنى،
والاستئذان الذي جعل من أجل النظر، وأمر بالتزويج حفظاً للفروج، وأمر
من عجز عن مؤن الزواج بالاستعفاف وحفظ فرجه، ونهى عن إكراه الفتيات
على الزنى.
الثاني - بعد أن ذكر الله تعالى في سورة المؤمنين المبدأ العام في مسألة

٤٤٩
◌ِلُ (١٨) السورة (٢٤) السّنّوْرِ
الخلق، وهو أنه لم يخلق الخلق عبثاً، بل للتكليف بالأمر والنهي، ذكر هنا
طائفة من الأوامر والنواهي في أشياء تعد مزلقة للعصيان والانحراف .
والضلال.
فضلها:
في هذه السورة أنس وشعور بالطمأنينة؛ لأن المؤمن يرتاح للعفة والطهر،
ويشمئز من الفحش وسوء الظن والاتهام، ذكر مجاهد أن رسول الله وَال قال:
((علِّموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءكم سورة النور)) وقال حارث بن
مضَرِّب رضي الله عنه: كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تَعَلّموا
سورة النساء والأحزاب والنور. وتعليم هذه السورة للنساء مروي أيضاً عن
عائشة رضي الله عنها.
مشتملاتها:
اشتملت هذه السورة على أحكام مهمة تتعلق بالأسرة، من أجل بنائها على
أرسخ الدعائم، وصونها من المخاطر والعواصف، والتركيز على تماسكها
وتنظيمها، وحمايتها من الانهيار والدمار.
فكان مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والسِّتر.
لقد بدأت ببيان حد الزنى، وحد قذف المحصنات، وحكم اللعان عند
الاتهام بالفاحشة أو لنفي نسب الولد، من أجل تطهير المجتمع من الانحلال
والفساد واختلاط الأنساب، وبعداً عن هدم حرمة الأعراض، وصون الأمة
من التردي في حمأة الإباحية والفوضى.
ثم ذكرت قصة الإفك المبنية على سوء الظن والتسرع بالاتهام لتبرئة أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومحاربة شيوع الفاحشة، وترديد الإشاعات
المغرضة التي تهدم صرح الأمة، وتقوِّض بنيتها التي ينبغي أن تقوم على الثقة
والمحبة، والابتعاد عن وساوس الشيطان.

٤٥٠
اِلُ (١٨) السورة (٢٤) الكنوزِ
ثم تحدثت السورة عن باقة من الآداب الاجتماعية في الحياة الخاصة
والعامة، وهي الاستئذان عند دخول البيوت، وغض الأبصار، وحفظ
الفروج، وإبداء النساء زينتهن لغير المحارم مما يدل على تحريم الاختلاط بين
الرجال والنساء غير المحارم، وتزويج الأيامى (غير المتزوجين) من الرجال
والنساء، والاستعفاف لمن لم يجد مؤن الزواج، من أجل تحقيق الاستقامة على
شريعة الله، وصون الأسرة المسلمة، ورعاية حال الشباب والفتيات، والبعد
عن الفتنة.
ثم أبانت مزية تشريع الأحكام وأنه نور وهدى، وفضل آيات القرآن،
ومزية بيوت الله وهي المساجد، وعدم جدوى أعمال الكفار وتشبيهها
بالسراب الخادع أو ظلمات البحار.
وأعقب ذلك تنبيه الناس إلى أدلة وجود الله ووحدانيته في صفحة الكون
الأعلى والأسفل من تقليب الليل والنهار وإنزال المطر وخلق السماوات
والأرض، وخضوع جميع الكائنات الحية لله عز وجل، وطيران الطيور،
وخلق الدواب ذات الأنواع العجيبة.
ثم انتقل إلى وصف مواقف المنافقين والمؤمنين الصادقين من حكم الله
والرسول بإعراض الأولين وإطاعة الآخرين، ووعده تعالى للمؤمنين الذين
يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض.
ثم عادت الآيات لبيان حكم استئذان الموالي والأطفال في البيوت في
أوقات ثلاثة، وحكم رفع الحرج عن ذوي الأعذار في الجهاد، وعن الأقارب
والأصدقاء في الأكل من بيوت أقاربهم بلا إذن، واستئذان المؤمنين الرسول
﴿ عند الانصراف، وتفويضه بالإذن لمن شاء، وتعظيم مجلسه ومناداته بأدب
جم وحياء وتبجيل يليق به وبرسالته.

٤٥١
لُ (١٨) - الشّنوزِ: ١/٢٤
ميزة سورة النور
﴿سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَلْنَا فِيَهَآ ءَتٍ بَيْنَتٍ لَّعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
١
القراءات:
﴿ وَفَرَضْنَهَا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (فَرَّضْناها).
﴿ نَذَّكَّرُونَ﴾ :
قرئ:
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تَذَّكَّرون) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا﴾ ﴿سُورَةُ﴾: خبر مبتدأ محذوف، و﴿أَنْزَلْنَهَا﴾: صفة لـ
﴿سُورَةٌ﴾ وتقديره: هذه سورة منزلة. وقرئ (سورةً) بالنصب على تقدير فعل،
و﴿ أَنْزَلْنَهَا﴾: مفسر له، وتقديره: أنزلنا سورة أنزلناها، أو اتبعوا سورة، أو
اتل سورة. وهذا على رأي الجمهور القائلين: الابتداء بالنكرة لا يجوز، وقال
الأخفش: لا يبعد الابتداء بالنكرة، فسورة: مبتدأ، وأنزلنا: خبره.
البلاغة:
﴿سُورَةٌ﴾ التنكير للتفخيم، أي هذه سورة عظيمة الشأن أنزلها الله. وفيه
تنبيه على الاعتناء بها، ولا ينفي الاعتناء بما عداها ..

٤٥٢
لِفُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ / ١
﴿أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيَهَآ ءَايَتٍ بَيْنَتِ﴾ إطناب لتأكيد العناية بها، وهو
ذكر للخاص بعد العام للاهتمام به.
المفردات اللغوية:
﴿سُورَةٌ﴾ السورة: طائفة من آيات القرآن، محددة البدء والنهاية شرعاً
بالتوقيف أي النقل الثابت عن النبي وَلّ والوحي الإلهي بوساطة جبريل عليه
السلام. ﴿أَنزَلْنَهَا﴾ أعطيناها الرسول وأوحينا بها إليه، والتعبير بالإنزال الذي
هو صعود إلى نزول وإشارة إلى العلو، للدلالة على أن هذا القرآن من عند الله
المتعالي على كل شيء، وكل من دونه نازل عنه في المرتبة، فلا يفهم من ذلك أنه ,
تعالى في جهة.
﴿وَفَرَضْنَهَا﴾ الفرض: التقدير، أو قطع الشيء الصلب، والمراد هنا
الإيجاب أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً. وقرئ (وفرّضناها)
بالتشديد لكثرة المفروض فيها ﴿ءَايَتٍ﴾ جمع آية، وهي العلامة، والمراد هنا
جملة من القرآن الكريم متصلة الكلام تحقق غرضاً معيناً . ﴿بَيْنَتٍ﴾ واضحات
الدلالة على ما فيها من الأحكام. ﴿الَّعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ أي تتذكرون وتتعظون
وتتقون المحارم، ولعل هنا يراد بها الإعداد والتهيئة.
التفسير والبيان:
هذه السورة أوحيناها وأعطيناها الرسول وَل38 وفرضنا ما فيها من أحكام
كأحكام الزنى والقذف واللعان والحلف على ترك الخير والاستئذان، وغض
البصر، وإبداء الزينة للمحارم وغيرهم، وإنكاح الأيامى، واستعفاف من لم
يجد نكاحاً، ومكاتبة الأرقاء، وإكراه الفتيات على البغاء، وطاعة الرسول
وَّر، والسلام على المؤمنين.
وأنزلنا فيها دلائل واضحة، وعلامات بينة على توحيد الله وكمال قدرته،

٤٥٣
لُ (١٨) - الشّنُورِ: ٢٤ / ٢-٣
لتتذكروها، فتعتقدوا وحدانيته وقدرته تعالى. وتكرار ﴿ وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍ
بَيْنَتِ﴾ لكمال العناية بشأنها، كما هي الحال في ذكر الخاص بعد العام.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن سورة النور متضمنة آيات بينات ترشد إلى النظام الأقوم والسلوك
الأمثل في الأسرة والمجتمع، يقصد بها تحقيق العفاف والصون وحماية العرض،
واتقاء المحرَّمات، وتوفير السكينة والطمأنينة القلبية البعيدة عن الشواغل
والهواجس الشيطانية الداعية إلى المعصية والرذيلة.
كما أن في هذه الأحكام تذكيراً وعظة للمؤمنين، وتربية للنفوس، وتحقيقاً
للتقوى التي يستشعر بها المؤمن التقي جلال الله وعظمته، وعلمه وقدرته،
وحسابه على كل صغيرة وكبيرة، لهذا افتتحت السورة بما ينبه على العناية بها،
والاهتمام بأحكامها وهي ما يأتي
الحكم الأول والثاني
حد الزنى وحكم الزناة
﴿الََِّةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً جَْدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ
إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * الَِّ
لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زٍَ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَىَ
الْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿رَأَفَةُ﴾ :
قرئ:

٤٥٤
الجُمُ (١٨) - الفوز: ٢٤ / ٢-٣
١- (رَأَّفة) وهي قراءة ابن كثير.
٢- (رافة) وهي قراءة السوسي.
٣- (رَأَّفة) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿الَّانِيَةُ﴾ مبتدأ، خبره مقدم محذوف، أي فيما يتلى عليكم الزانية والزاني.
أو خبره: ﴿فَأَجْلِدُوا﴾ والفاء زائدة، فاء الفصيحة، أفصحت عن جواب سائل
سمع حكم الزاني، فقال: فكيف الحكم؟ وصلح هذا الفعل أن يكون خبراً
للمبتدأ، وإن كان أمراً، بتقدير: أقول: فاجلدوا، أو يجعله محمولاً على
المعنى، كأنه يقول: الزانية والزاني كل واحد منهما مستحق للجلد. وأل في
﴿اَلَّانِيَّةُ وَالزَّانِ﴾ موصولة، ونظراً لشبه كل منهما بالشرط دخلت الفاء في
الخبر.
البلاغة:
﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ تحريض وإغراء.
المفردات اللغوية:
﴿الَِّيَةُ وَالزَّنِ﴾ أي غير المحصنين، والزنى: مقصور في اللغة الفصحى،
وهي لغة الحجازيين، وقد يُحَدّ في لغة أهل نجد، والزنى من الرجل: وطء المرأة
في قُبُل من غير ملك ولا شبهة ملك. والزنى من المرأة: تمكينها الرجل أن يزني
بها. وإنما قدم الزانية؛ لأن الزنى في الأغلب يكون بتعرض المرأة للرجل
وعرض نفسها عليه بأساليب متنوعة، ولأن مفسدة الزنى وعاره يصيبها أكثر
من الرجل، فهي المادة الأصلية في الزنى.
﴿فَجْلِدُوا﴾ الجلد: ضرب الجلد، وهو حكم البكر غير المحصن، لما ثبت في

٤٥٥
الُرُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٢-٣
السنة أن حدَّ المحصن هو الرجم. والإحصان: بالحرية والبلوغ والعقل
والدخول في نكاح صحيح، وبالإسلام عند الحنفية.
﴿رَأَفَهُ﴾ شفقة وعطف. ﴿فِ دِينِ اللَّهِ﴾ في حكمه وطاعته. ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾ يحضر
﴿عَذَابَهُمَا﴾ الجلد. ﴿طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: تطلق على الواحد فأكثر،
والمراد هنا جمع يحصل به التشهير، وأقلها ثلاثة. وحضور الطائفة: زيادة في
العقاب؛ لأن التشهير قد يؤثر أكثر مما يؤثر التعذيب.
﴿لَا يَنكِحُ﴾ يتزوج، أي أن الغالب المناسب لكل من الزانية والزاني نكاح
أمثاله، فإن التشابه علة الألفة والتضام، والمخالفة سبب النفرة. وقدم الزاني
هنا؛ لأن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة في الزواج بالنساء؛ لأن الرجل
أصل فيه لأنه الراغب والطالب. ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرم نكاح
الزواني على المؤمنين الأخيار؛ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب
لسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبر عن
التنزيه بالتحريم مبالغة.
سبب النزول:
نزول الآية (٣):
﴿الَّانِ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَائِيَةً﴾: أخرج النسائي عن عبد الله بن عمرو قال:
كانت امرأة يقال لها أم مهزول (أو أم مهدون) وكانت تسافح، فأراد رجل من
أصحاب النبي وَ لّ أن يتزوجها، فأنزل الله: ﴿وَلَّنِيَّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ
مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد، يحمل من الأنبار إلى مكة حتى
يأتيهم، وكانت امرأة بمكة صديقة له يقال لها عَنَاق، فاستأذن النبي وَ لّ أن

٤٥٦
الجُعُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٢-٣
ينكحها، فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت: ﴿الَِّ لَا يَنْكِعُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ﴾
الآية، فقال رسول الله صلو يا مرثد: ((الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة))
الآية، فلا تنكحها.
وقال المفسرون: الآية إما أنها نزلت في مرثد بن أبي مرثد المذكور، وإما في
جماعة من فقراء المهاجرين استأذنوا النبي ◌ّ في التزوج ببغايا من الكتابيات
والإماء اللائي كن بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وظاهر الآية تحريم العفيفة على الزاني، والزانية على العفيف.
التفسير والبيان:
﴿الَّنِيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْئَةً جَدَةٍ﴾: هذه الآية شروع في بيان
الأحكام التي أشير إليها في الآية السابقة: ﴿سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾، وهي تبين
حد الزناة.
والمعنى أن عقوبة الزانية والزاني الحرين البالغين العاقلين البكرين غير
المحصنين بالزواج هي الجلد لكل منهما مئة جلدة. والحكمة في البدء في حد
الزنى بالمرأة وفي حد السرقة بالرجل؛ لأن دواعي الزنى تحدث غالباً من المرأة،
وعاره عليها أشد، وأثره فيها أدوم، وأما السرقة فالغالب وقوعها من
الرجال، وهم عليها أجرأ من النساء وأخطر، فقدموا عليهن.
وظاهر الآية أن حد الزناة مطلقاً هو الجلد مئة، لكن ثبت في السنة القطعية
المتواترة التفريق بين حد المحصن وغير المحصن، أما حد المحصن فهو الرجم
بالحجارة حتى الموت، بالسنة القولية والفعلية؛ أخرج البخاري ومسلم عن
ابن مسعود عن النبي ◌ّ قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة)). وأخرج
أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه، ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده

٤٥٧
المُرُ (١٨) - الفنورِ: ٢٤ / ٢-٣
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن أعرابيين أتيا رسول الله وَله، فقال
أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً - أجيراً - على هذا، فزنى
بامرأته، فافتديت ابني منه بمئة شاة ووليدة - أمة - فسألت أهل العلم
فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا: الرجم.
فقال رسول الله رَ﴾: ((والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى:
الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك مئة جلدة، وتغريب عام، واغْدُ يا أنيس
- رجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) فغدا عليها،
فاعترفت، فرجمها.
وروى جماعة من الصحابة في الصحاح وغيرها بالنقل المتواتر أن ماعز بن
مالك الأسلمي اعترف بالزنى أمام الرسول والر وهو في المسجد أربع مرات،
فأمر الرسول برجمه.
وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن بريدة أن امرأة من بني غامد أقرت
بالزنى، فرجمها الرسول وَ* بعد أن وضعت.
وأنكر الخوارج مشروعية حد الرجم؛ لأنه لا يتنصف، فلا يصح أن يكون
حداً للمحصنات من الحرائر، والله تعالى جعل حد الإماء نصف حد
المحصنات الحرائر في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا
عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥/٤]، ولأن الرجم لم يذكر في
القرآن في حد الزنى، ولأن آية الجلد عامة لكل الزناة، فلا تخصص بخبر
الواحد المروي في حد الرجم.
٠٠٠ ٢٠
ورد الجمهور على تلك الأدلة بأن التنصيف وارد في الجلد، فبقي ما عداه
وهو الرجم على عمومه، وبأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد
المصالح، فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول آية
الجلد، وأما تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهو جائز عندنا، بل إن

٤٥٨
الُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ / ٢-٣
أحاديث الرجم ثابتة بالتواتر المعنوي، والآحاد في تفاصيل الصور
والخصوصيات.
وشروط الإحصان: البلوغ والعقل والحرية والدخول في زواج صحيح،
وأضاف أبو حنيفة ومالك شرط الإسلام، فلا يرجم الذمي، ورد عليهما بأن
النبي ێ أمر برجم یهودیین.
وأما حد غير المحصن وهو البكر: فليس الجلد مئة جلدة فقط، وإنما يضم
إليه تغريب (نفى) سنة، بدليل ما ثبت في السنة، ومنها قصة العسيف المتقدمة:
((وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام)) ومنها ما رواه أحمد وأصحاب الكتب
الستة إلا البخاري والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وَلاإله قال:
((خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْد مئة وتغريبُ عام،
والثّيِّب بالثّيِّب جَلْدُ مئة والرَّجْمُ)) إلا أن جلد الثيب لم يستقر عليه التشريع
المعمول به في السنة النبوية، وأصبح المطبق هو الرجم فقط، كما تقدم.
والقول بالتغريب هو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: ليس التغريب من
الحد، وإنما هو تعزير مفوض إلى رأي الإمام وحكمه. وما يزال الظاهرية
يقولون بوجوب جلد الثيب ورجمه، أخذاً بحديث عبادة السابق.
وعموم قوله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَالَِّ﴾ يشمل المسلم والكافر، غير أن الحربي
لا يحد حد الزنى؛ لأنه لم يلتزم أحكامنا، وأما الذمي فيجلد في رأي الجمهور،
وروي عن مالك رحمه الله أن الذمي لا يجلد إذا زنى.
﴿وَلَا تَأْخُذْكُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ أي لا يحملنكم العطف والشفقة على
ترك حد الزناة، فهو حكم الله تعالى، ولا يجوز تعطيل حدود الله، والواجب
التزام النص، والغيرة على حرمات الله، كما قال النبي صَلّ فيما رواه أحمد
وأصحاب الكتب الستة عن عائشة رضي الله عنها: ((والذي نفسي بيده، لو أن
فاطمة بنت محمد سرقتْ لقطعتُ يدها)).
م

٤٥٩
لُزُ (١٨) - الفنوزِ: ٢٤ /٢-٣
﴿إِنِ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ﴾ أي فأقيموا الحدود على من زنى،
وشددوا عليه الضرب غیر المبرح لیرتدع هو وأمثاله، إن كنتم تصدقون بالله
وبالآخرة التي يجري فيها الحساب والجزاء. وهذا ترغیب شدید وحض أکید.
وإلهاب على تطبيق وتنفيذ حدود الله. وفي ذكر اليوم الآخر تذكير للمؤمنين بما
فيه من العقاب تأثراً بعاطفة اللين في استيفاء الحد، جاء في الحديث: ((يؤتى
بوالٍ نقص من الحد سوطاً، فيقال له: لم فعلت ذلك؟ فيقول: يا ربّ رحمة
بعبادك فيقول له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به في النار)).
﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ولتكن إقامة الحد علانية، أمام
فئة من المسلمين، زيادة في التنكيل للزانيين، فإنهما إذا جلدا بحضرة الناس
كان ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، وأكثر تقريعاً وتوبيخاً وتأنيباً
لهما.
والطائفة: أقلها واحد، وقيل: اثنان فأكثر، وقيل: ثلاثة نفر فصاعداً،
وقيل: أربعة نفر فصاعداً؛ لأنه لا يكفي في شهادة الزنى إلا أربعة فأكثر،
وقيل: خمسة، وقيل: عشرة فصاعداً.
وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي نفر من
المسلمين، ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالاً. وهذا أولى الآراء في تقديري.
ويثبت الزنى بأحد أمور ثلاثة:
اً . الإقرار أو الاعتراف: وهذا هو الواقع فعلاً في عهود الإسلام.
أَ . البينة أو الشهادة: أي شهادة أربعة رجال أحرار عدول مسلمين على
التلبس بالزنى فعلاً، ورؤية ذلك بالعين المجردة، وهذا نادر جداً لم يحصل إلا
قليلاً.
٢ - الحبل عند المرأة بلا زوج معروف لها.

٤٦٠
لُعُ (١٨) - الشّنُوزِ: ٢٤ /٢-٣
وحكمة حد الزنى:
الحفاظ على الأعراض والحقوق، ومنع اختلاط الأنساب، وتحقيق العفاف
والصون، وطهر المجتمع، والحيلولة دون ظهور اللقطاء في الشوارع، وانتشار
الأمراض الجنسية الخطيرة، كالزُّهري والسيلان، وتكريم المرأة نفسها، وعدم
إهدار مستقبلها.
روي عن حُذَيفة أن النبي ◌َّر قال: ((يا معشر الناس اتقوا الزنى، فإن فيه
ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا: فيُذهب
البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله
سبحانه وتعالى، وسوء الحساب، وعذاب النار)).
﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ﴾ الآية: هذا خبر خرج مخرج الغالب
فلا يقصد به التحريم الاصطلاحي، وإنما التنزه والابتعاد والترفع، والمعنى:
أن الشأن في الزاني الفاسق الفاجر ألا يرغب إلا في نكاح أمثاله من النساء
الزانيات الفاسقات، فهو عادة لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يميل
إلى الزواج بالفاسقة الخبيثة أو المشركة مثلها التي لا تهتم عادة لحرمة العرض،
ولا تأبه بشأن التعفف.
وكذلك الشأن في الزانية الخبيثة لا يرغب فيها غالباً إلا زان خبيث مثلها أو
مشرك لا يتعفف عادة.
وبدئ بالزاني هنا، وبالزانية في الآية السابقة؛ لأن هذه الآية تتحدث عن
النكاح وإبداء الرغبة فيه بالخطبة، والعادة أن ذلك يكون من الرجل، لا من
المرأة، أما أكثر دواعي الزنى فتكون من المرأة فبدئ بها كما بينا، فهي المادة في
الزنى، وأما في النكاح فالرجل هو الأصل؛ لأنه الراغب والطالب عادة.
وليس معنى الجملتين في الآية هنا واحداً، فإن الجملة الأولى تصف الزاني