النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
لُرُ (١٨) - المُؤْتُونَ: ٢٣ /٩١-٩٢
fir﴾ [آل
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِ اُلْأَلْبَبِ
عمران: ٣ / ١٩٠] .
ولما ثبت كون التعدد في الآلهة مستحيلاً، وبطل قول الكفار في الأمرين
معاً، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله الحق الواحد
الأحد عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك.
﴿عَلِمِ اٌلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي إنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة،
أي بعلم ما غاب عن إدراك الخلق من الأشياء، ويعلم ما يشاهدونه وما يرونه
ويبصرونه، فهو يعلم الأمرين معاً على حد سواء، وهذا دليل آخر على نفي
الشريك؛ لأن غير الله وإن علم الشهادة أي الموجودات المرئيات أمامه، فلن
يعلم معها الغيبيات غير المرئيات، وهذا دليل النقص، والله تعالى متصف
بالكمال، فلا يكتمل النفع بعلم الشهادة وحدها، دون العلم بالغيب.
﴿فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تقدس وتنزه عما يقول الجاحدون الظالمون
الذين يشركون معه إلهاً آخر.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا دليل عقلي لا يقبل الإنكار والطعن من أحد، فالله لم يتخذ ولداً كما
زعم بعض الكفار، ولا كان معه إله فيما خلق، فلو كانت معه آلهة لانفرد كل
إله بخلقه، كما هو مقتضى العادة، ولغالب بعضهم بعضاً، وطلب القوي
الضعيف كالعادة بين الملوك، وحينئذ لا يستحق الضعيف المغلوب الألوهية.
وهذا كما يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضاً؛ لأن الولد
ينازع عادة الأب في الملك منازعة الشريك.
فتنزه الله عن أوصاف المشركين من الولد والشريك، وتقدس عما يقوله
هؤلاء الظالمون والجاحدون.

٤٢٢
لِلِفُرُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٩٣-٩٨
وقد ذكر علماء الكلام هذا الدليل وسموه دليل التمانع: وهو أنه لو فرض
صانعان خالقان فصاعداً، فأراد واحد تحريك جسم، والآخر أراد سكونه،
فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما، كانا عاجزين، والإله الواجب الوجود لا
يكون عاجزاً، ويمتنع اجتماع مراديهما وتحقيق رغبتيهما في آن واحد للتضاد،
وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالاً.
فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب الوجود
المستحق الألوهية، والآخر المغلوب يكون ممكناً؛ لأنه لا يليق بصفة
الواجب الوجود أن يكون مقهوراً.
صَلى الله
وَسَّلم
إرشادات إلى النبي
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِىِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
٩٣
﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِ مَا يُوعَدُونَ
٩٤٦
وَإِنَّا عَلَىَ أَن نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ (٥ آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿٨ وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
وَأَعُوذُ
الإعراب:
﴿قُل رَّبِّ﴾ أي يا ربِّ، وهو اعتراض بين الشرط وجوابه بالنداء.
البلاغة:
﴿ وَإِنَّا عَلَىَ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ
تأكيد بإن واللام؛ لإنكار
٩٥
المخاطبين وقوع العذاب الأخروي والدنيوي.
﴿أَدْفَعْ ◌ِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةٌ﴾ طباق معنوي؛ لأن المعنى: ادفع بالحسنة
السيئة.

٤٢٣
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٩٣-٩٨
المفردات اللغوية :.
﴿رَّبِّ إِمَّا﴾ أدغمت فيه نون إن الشرطية في ما الزائدة، أي إذا كان لابد
من أن تريني؛ لأن ما والنون للتأكيد ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب في الدنيا
والآخرة ﴿فَلاَ تَجْعَلْنِ فِ اٌلْقَوْمِ الَِّمِينَ﴾ أي معهم، فأهلك بهلاكهم؛
لأن شؤم الظلمة قد يحيق بِما وراءهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةً﴾ [الأنفال: ٢٥/٨]. وإن تكرار كلمة ﴿رَّبِّ﴾ في بدء
الجملتين لزيادة التضرع ﴿وَإِنَّا عَّ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ (٥﴾﴾ أي
بقدرتنا تعجيل العذاب، لكنا نؤخره؛ لأن بعضهم أو بعض ذرياتهم
سيؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم.
﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَِّّئَةٌ﴾ وهو الصفح والإحسان والإعراض عنهم
﴿ السَّبِّئَةَ﴾ أذاهم إياك ﴿بِمَا يَصِفُونَ﴾ يصفونك به أو يقولون ويكذبون،
فإنا سنجازيهم عليه ﴿أَعُوذُ﴾ أعتصم ﴿هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ نزغاتهم
ووساوسهم بالشر ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ في أموري؛ لأنهم إنما يحضرون بسوء،
أو يحومون حولي في بعض الأحوال.
المناسبة:
بعد أن ردّ الله تعالى على المشركين مزاعمهم من اتخاذ الولد والشريك
وأبطل سوء اعتقادهم كإنكار البعث والجزاء، وجّه رسوله وَّل إلى الدعاء
والتضرع بالنجاة من عذابهم، ثم أرشده إلى مقابلة السيئة بالحسنة؛ لأن
الإحسان يفيد أحياناً، ثم أمره أن يستعيذ من وساوس الشياطين في مختلف
الأعمال.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه ببعض الأدعية عند حلول النقم، فيقول:

٤٢٤
الجُرُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٩٣-٩٨
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِىِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
٩٣
﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِِّ مَا يُؤْعَدُونَ
أي إن كان لابد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في
٩٤٦
الآخرة، فلا تجعلني فيهم، ونجني منهم ولا تعذبني بعذابهم؛ لأن العذاب قد
يصيب غير أهله، كما قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥/٨] روى الإمام أحمد والترمذي وصححه أن النبي
وَل﴿ كان يقول: ((وإذا أردتَ بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون)).
وعن الحسن: أنه تعالى أخبر نبيه أن له في أمته نقمة، ولم يطلعه على وقتها،
فأمره بهذا الدعاء.
والإرشاد إلى هذا الدعاء ليعظم أجره، وليكون دائماً ذاكراً ربَّه، ولتعليمنا
ذلك.
﴿وَإِنَّا عَلَىَّ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِّرُونَ (٣)﴾ أي لو شئنا لأريناك ما نوقعه
بهم من النقم والبلاء والمحن، ولكنا نؤخره لوقت معلوم؛ لأن بعضهم أو
بعض ذرياتهم سيؤمن.
ثم علمه أسلوب الدعوة حتى يتحقق لها النجاح فقال:
أي قابل
﴿أَدْفَعْ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (49)
السيئة بالحسنة، وتحمل ما تتعرض له من أنواع أذى الكفار وتكذيبهم، وادفع
بالخصلة التي هي أحسن، بالصفح والعفو، والصبر على الأذى، والكلام
الجميل كالسلام، نحن على علم بحالهم وبما يصفوننا به من الشرك والتكذيب.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ آدَّفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَفَّنَهَآَ إِلَّا ذُو حَظٍ
﴾ [فصلت: ٣٤/٤١-٣٥] أي وما يُلْهَم هذه الوصية أو هذه الخصلة
٣٥
عَظِيمٍ (
إلا الذين صبروا على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل في مقابلة القبيح، وما

٤٢٥
إِلُعُ (١٨) - المُؤْتُونَ: ٢٣ /٩٣-٩٨
يلهمها إلا صاحب الحظ العظيم في الدنيا والآخرة. وقيل: هذه الآية منسوخة
بآية السيف، وقيل: محكمة؛ لأن المداراة مرغوب فيها، مالم تتعارض مع
الدين والمروءة.
ثم علمه الثبات على هذا الخط فقال:
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
٩٧
﴿ وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّمَطِينِ
(4) أي وقل: إني أعتصم بك وألتجئ إليك من وساوس الشياطين الْمُغْرية
بالسوء والمعصية ومخالفة أوامرنا، وألتجئ إليك من حضورهم في شيء من
أموري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور لطرد الشيطان عند الأكل
والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور، فإنهم إذا حضروا الإنسان حدث
الهمز، وإذا لم يكن حضور، فلا همز.
روى أبو داود أن رسول الله وَلو كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من
الهَرَم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغَرَق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند
الموت)).
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: ((كان رسول الله وسلّم يعلّمُنا كلمات نقولهن عند النوم.
من الفزع: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن شر
عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون)).
فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن
كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها، كتبها له، فعلَّقها في عنقه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه باقة من الأدعية أمر الله بها نبيه ليدعو بها، ولتعليمنا إياها، وهي:

٤٢٦
اِلُزُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٩٩-١٠٠
أولاً - دعاء النجاة من العذاب الذي يقع بالكفار، ومعناه: يا ربِّ، إن
أريتني ما يوعدون من العذاب، فلا تجعلني معهم في نزول العذاب بهم، بل
أخرجني منهم.
وكان ◌َله يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم
العذاب، ومع هذا أمره بهذا الدعاء، ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات
ذاكراً ربّه تعالى.
والله قادر على إنزال العذاب بهم، وأراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع
والسيف في يوم بدر وفتح مكة، ونجاه الله ومن آمن به من ذلك.
وثانياً - دعاء الاعتصام من الشيطان، والمعنى: يا ربّ إني ألتجئ إليك من
نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى، وفي حالات الغضب.
وبين الدعاءين تعليم لأسلوب الدعوة إلى الله تعالى، وهو مقابلة السيئة
بالحسنة، أي بالصفح ومكارم الأخلاق، لتنقلب العداوة صداقة، والبغض
محبة، قال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
تمني الإنسان عند الموت
الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً
﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿٨) لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
تَرَكْثُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَرَّزَغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
القراءات:
﴿لَعَلَّ أَعْمَلُ﴾
1

٤٢٧
اِلُعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٩٩-١٠٠
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (لعلي أعمل).
، الإعراب:
﴿قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾: إنما جاءت المخاطبة بلفظ الجمع، ولم يقل: ارجعني
تعظيماً لله تعالى، أو على معنى التكرار، كأنه قال: ارجعني ارجعني، فجمع،
كما ثَّى في قوله تعالى: ﴿أَلْفِيَا فِى جَهََّ﴾ أي ألْقِ ألْقِ.
البلاغة:
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ مجاز مرسل، من إطلاق الجزء على الكل، إذ إنه
أطلق الكلمة على الجملة.
المفردات اللغوية:
﴿حَتَّ﴾ ابتدائية. ﴿جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي الكافر، وهو متعلق بقوله:
﴿ يَصِفُونَ﴾ في الآيات المتقدمة، وما بينهما اعتراض، وقد يسأل المؤمن
الرجعة أيضاً، فإذا رأى الكافر مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن،
طلب العودة إلى الدنيا، وكذلك المؤمن يسأل الرجعة، كما جاء في آخر سورة
المنافقين: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخْتَنِىَ إِلَى أَجَلِ فَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ مِّنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠/٦٣].
﴿أَرْجِعُونِ﴾ الواو لتعظيم المخاطب، أي ردوني إلى الدنيا. ﴿لَعَلِّ أَعْمَلُ
صَلِحًا﴾ بأن أشهد أن لا إله إلا الله. ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ضيعت من عمري.
﴿كَلَّاَ﴾ كلمة ردع وزجر عن حصول ما يطلب، أي لا رجوع. ﴿إِنَّهَا﴾ أي
قوله: رب ارجعون ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ أي لا فائدة له فيها. ﴿ وَمِن وَرَآبِهِم﴾
أي من أمامهم. ﴿بََّغُ﴾ حائل أو حاجز بينهم وبين الرجعة. ﴿إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ﴾ أي إلى يوم القيامة، ولا رجوع بعده، فهو تيئيس وإقناط كلي عن
الرجوع إلى الدنيا، وإنما الرجوع إلى حياة الآخرة.

٤٢٨
لِلْجُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٩٩-١٠٠
المناسبة:
بعد أن كشف الله حال المشركين وما يصفون من الشرك والتكذيب، ذكر
الله حال الكافرين عند مجيء الموت، فإنهم يتمنون أن يعودوا إلى دار الدنيا
ليعملوا صالحاً، لكن لا يسمع لقولهم ودعائهم. والمراد أن الكفار ما يزالون
على سوء الحال والاعتقاد إلى الموت، فهذه الآية متعلقة بقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾
وما بينهما اعتراض وتأكيد للإغضاء عنهم وإهمالهم، بالاستعانة بالله على
الشيطان أن يستزله عن الحلم، ويزحزحه عن الأناة.
التفسير والبيان:
هذا حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو العصاة المفرطين في أمر الله
تعالى وماذا يقولون حينئذ، فقال تعالى:
لَعَلِّيِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
٩٩
﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (
تَرَّكْتُ﴾ أي إذا دنا الإنسان الكافر أو العاصي المفرط في حقوق الله من الموت،
ورأى ما ينتظره من العذاب، طلب الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في
مدة حياته، وقال: ربّ ارجعني لكي أتدارك ما قصرت فيه، وأعمل العمل
الصالح الذي ترضى عنه من الطاعات والخيرات وأداء حقوق الناس. وقوله:
﴿ لَعَلَّ﴾ ليس المراد بها الشك، وإنما يعني كونه جازماً بأنه سيتدارك.
وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلِّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ
(٤) [إبراهيم: ١٤ /٤٤] وقال سبحانه:
أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ
﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا
مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوْ لَنَا أَوْ نُرَّدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣/٧].
وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا

٤٢٩
الُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٩٩-١٠٠
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (19)﴾ [السجدة: ١٢/٣٢] وقال
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُوْ يَلَيْنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِئَايَتِ رَيِّنَا﴾
[الأنعام: ٢٧/٦]، ﴿وَتَرَى الظََّلِمِينَ لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرٍَّ مِّن
سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤/٤٢]، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا
غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمَِّّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
﴾ [فاطر: ٣٧/٣٥].
النَّذِيِرُّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
وهذا كله يدل على أن تمني العودة إلى الدنيا يحدث حال المعاينة للعذاب عند.
الاحتضار، وحين النشور، وحين الحساب، وحين العرض على النار، وبعد
دخولهم النار.
وليس سؤال الرجعة مختصاً بالكافر، وإنما يشمل ذلك المؤمن المقصر في
الطاعات وأداء حقوق الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِنْ مَّا
رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُّ فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلًاٌ أَخْتَِىّ إلَى أَجَلِ قَرِيبٍ .
فَأَصََّفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِينَ
١١٠﴾ [المنافقون: ٦٣ /١٠].
كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَرََّخُ إِلَى يَوَمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي يجيبهم
الله تعالى بقوله: كلا وهي كلمة ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى طلبه، وتلك
كلمة لا بدّ من أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ولا فائدة من الرجعة، فلو
ردّ لما عمل صالحاً، وكذب في مقالته هذه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا
نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨/٦] . ثم إنه بين الظلمة حال الاحتضار
وبين الرجوع إلى الدنيا وأمامهم حاجز ومانع من الرجوع. فالبرزخ: الحاجز
ما بين الدنيا والآخرة، فمن مات دخل في البرزخ، أو حياة المقابر. وهذا
تهديد بعذاب البرزخ، وتيئيس إلى يوم القيامة لهؤلاء المحتضرين من الظلمة من
الرجوع أبداً؛ لأنهم إذا لم يرجعوا حال وجود بقية من الحياة فلا يرجعون
بعدئذ مطلقاً، وإنما الرجوع إلى حياة الآخرة، وتلقي عذابها كما قال تعالى:

٤٣٠
لِلُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٩٩-١٠٠
[الجاثية: ١٠/٤٥] وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرَآبِهِ، عَذَابٌ
﴿مِّن وَرَابِهِمْ جَهَنٌَّ)
غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧/١٤].
والخلاصة: أن المراد من قوله: ﴿إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ أن العذاب يستمر
بهؤلاء إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: ((فلا يزال معذباً فيها)) أي في
الأرض وهم في القبور.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يلي:
اً - يتمنى الإنسان الكافر والمؤمن المقصر الرجعة إلى دار الدنيا ليتدارك ما
فاته فيها إما من الإيمان أو العمل الصالح، ولا يطلب الرجعة إلا بعد أن
يستيقن العذاب.
اً - لا رجعة بعد البعث أو دنو الموت إلا إلى الآخرة.
◌َّ - يستمر الكافرون والعصاة في عذاب القبور أو البرزخ إلى يوم القيامة،
قالت عائشة رضي الله عنها: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل
عليهم في قبورهم حيات سود أو دُهْم، حية عند رأسه، وحية عند رجليه،
يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى:
﴿وَمِن وَرَآِهِمْ بََّغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

٤٣١
اِلُعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ /١٠١-١١١
موازين النجاة في حساب الآخرة
فَمَنْ ثَقُلَتْ.
١٠١
﴿فَإِذَا نُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَ لُونَ
وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ
مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ ﴿٨ تَلْفَعُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ (َ أَلَمْ
تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا
قَالَ
١٠٧
وَكُنَا فَوْمًا ضَاَلِينَ ﴿ رََّآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا
أُخْسَشُاْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
فَأَّخَذْتُمُهُمْ سِخْرِيًّا حَتََّ أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى
فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ لَّ
وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿ إِى جَزَيْتُهُمُ اُلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآِزُونَ
القراءات:
﴿ شِقْوَتُنَا﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (شَقَاوتنا).
﴿ سِخْرًِا﴾ :
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف (سُخْرِيّاً).
﴿ أَنَّهُمْ هُمْ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (إِنَّهم هم).
الإعراب:
﴿فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ ﴿خَلِدُونَ﴾ بدل من صلة ﴿الَّذِينَ﴾ أو خبر ثانٍ
لأولئك.

٤٣٢
لِلْمُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمُ سِخْرِبًا﴾ بكسر السين وقرئ بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد،
وهما من سَخِر يسخَر: من الهزء واللعب.
﴿بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآِرُونَ﴾ ما: مصدرية، و﴿أَنَّهُمْ﴾ في موضع
نصب بـ ﴿جَزَيْتُهُمْ﴾ لأنه مفعول ثانٍ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على
تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: جزيتهم بصبرهم؛ لأنهم الفائزون.
و﴿هُمْ﴾ ضمير فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين.
البلاغة:
﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِيْنُهُ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِينُهُ﴾ بين الآيتين مقابلة.
﴿ أَنَّهُمْ هُمُ اُلْفَآِزُونَ﴾ فيها قصر.
كَلِحُونَ﴾،
﴿خَالِدُونَ﴾،
﴿ اَلْمُفْلِحُونَ﴾،
يَسَآءُلُونَ﴾،
﴿تُكَذِّبُونَ﴾، ﴿ظَلِمُونَ﴾، ﴿تُكَلِّمُونِ﴾، ﴿تَضْحَكُونَ﴾، ﴿اٌلْفَآبِزُونَ﴾
سجع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿ نُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ ﴿الصُّورِ﴾ بوق ينفخ فيه نفختين، النفخة الأولى لتموت
المخلوقات، والثانية لتحيا المخلوقات من القبور؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى
الضُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ
﴾ [الزمر: ٦٨/٣٩] والمراد هنا النفخة الثانية
أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ
لقيام الساعة. وقيل: الصور جمع صورة كبسر وبسرة، والمراد: نفخ الروح في
الأجساد. ﴿فَلَآّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط
الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه،
وقيل: لا أنساب يفتخرون بها . ﴿ وَلَا يَتَسَآءَ لُونَ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضاً
يَتَسَاءَ لُونَ
علی
بَعْضِ
( وَأَقَبَلَ بعضَهَمِ
لا شتغاله بنفسه، وهو لا يناقض قوله :

٤٣٣
اللهُعْ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ /١٠١-١١١
[الطور: ٢٥/٥٢] لأن الآية هنا عند النفخة، وذلك بعد المحاسبة ودخول
٢٥
أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. أو لا يتساءلون عن الأنساب.
﴿فَمَنْ تَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ أي موزوناته بالحسنات من عقائد وأعمال، أي فمن
كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله وقدر. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات. ﴿وَمَنْ خَفَتْ مَوَزِينُهُ﴾ موزوناته
بالسيئات، أي ومن لم يكن له وزن وهم الكفار، لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥/١٨]. ﴿خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ غبنوها حيث ضيعوا
زمان استكمالها. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ تحرقها، واللفح كالنفح إلا أنه أشد
تأثيراً. ﴿كَلِحُونَ﴾ عابسون متقلصو الشفاه عن الأسنان، وهذا هو الكلوح.
﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى﴾ أي من القرآن، وهذا على إضمار القول أي يقال لهم:
﴿أَمْ تَكُنْ﴾. ﴿فَكُنْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا
العذاب لأجله. ﴿شِقْوَتُنَا﴾ وشقاوتنا بمعنى واحد: ضد السعادة، أي صارت
أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة، والمراد: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، وسميت
شقوة لأنهما يؤديان إليها. ﴿ضَالِّينَ﴾ تائهين عن الحق والهداية. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾
إلى التكذيب. ﴿فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾ لأنفسنا.
﴿قَالَ﴾ مالك خازن النار ﴿أَخْسَئُواْ فِيهَا﴾ اسكتوا سكوت ذلة وهوان، أو
اقعدوا في النار أذلاء ﴿ وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم. ﴿إِنَُّ كَانَ فَرِيقٌ
مِّنْ عِبَادِى﴾ أي المؤمنون. ﴿فَاتَّخَذْتُهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هزءاً، مثل بلال وصهيب
وعمار وسلمان. ﴿حَتَّىَ أَنَوَكُمْ ذِكْرِى﴾ أي خوف عقابي، من فرط تشاغلكم
بالاستهزاء بهم. ﴿تَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بهم. ﴿حَزَيْتُهُمُ﴾ النعيم المقيم. ﴿بِمَا
صَبَرُواْ﴾ بصبرهم على استهزائكم بهم وأذاكم إياهم. ﴿ اُلْفَآِزُونَ﴾ الظافرون
بمطلوبهم.

٤٣٤
الْجُزْءُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
المناسبة:
بعد أن قال الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرَّزَغُ إِلَى يَوَّمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي إن هناك
حاجزاً إلى يوم القيامة، ذكر أحوال ذلك اليوم، من عدم الاعتداد بالأنساب،
وجعل الحسنات أساس الفوز في الآخرة، والسيئات سبب دخول جهنم.
التفسير والبيان:
﴿فَإِذَا تُفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسَآءَلُونَ (®﴾ أي إذا
نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة النشور، وقام الناس من القبور، فلا
تنفعهم الأنساب والقرابات بالرغم من وجود التعاطف والتراحم؛ لاستيلاء
الدهشة والحيرة علیهم، وانشغال كل إنسان بنفسه، ولا يسأل القريب قریبه،
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٤
لاشتغاله بنفسه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِهِ
وَصَحِبَتِهِ، وَبِيهِ
﴾ [عبس: ٣٤/٨٠-
لِكُلِّ آمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
٣٦
٣٥
﴾ [المعارج: ٧٠ / ١٠ -
يبصرونهم
﴿وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَيمًا (٣)
٣٧] وقوله سبحانه :
١١] أي لا يسأل القريب قريبه، وهو يبصره.
هذا عند النفخة، أما بعد القرار في الجنة أو النار، فيسأل أهل الجنة
بعضهم عن بعض، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَ لُونَ
٢٧
[الصافات: ٢٧/٣٧].
وجاء في السنة ما أخرجه الإمام أحمد عن المسور بن تَخْرمة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَله: «فاطمةٌ بَضْعة مني، يغيظني ما يغيظها، وينشطني ما
ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسبي وصهري)). وأصل
هذا الحديث في الصحيحين عن المسْوَر بن مخرمة أن رسول الله وَ له قال:
(«فاطمة بَضْعة مني، يريبني ما يريبها، ويؤذيني ما آذاها)). وروى الإمام أحمد
عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله وَ له يقول على هذا المنبر: ((ما

٤٣٥
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله وَليو لا تنفع قومه؟ بلى، والله إن رحمي
موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فَرَط(١) لكم إذا جئتم)).
وروى الطبراني والبزار والبيهقي وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: أما
والله، ما بي إلا أني سمعت رسول الله وَ لو يقول: ((كل سبب ونسب فإنه منقطع
يوم القيامة إلا سببي ونسبي».
ثم شرح أحوال السعداء والأشقياء فقال:
﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (4)﴾ أي من رجحت حسناته على
سيئاته، ولو بواحدة، فأولئك الذين فازوا بالمطلوب، فنجوا من النار،
وأدخلوا الجنة.
﴿وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي ثقلت سيئاته على
حسناته، فأولئك الذين خابوا وهلكوا وباؤوا بالصفقة الخاسرة، بأن صارت
منازلهم للمؤمنين. وهذه هي الصفة الأولى لأهل النار، ثم أتبعها بصفات
ثلاث أخرى، فصارت أربعاً :
١ - ﴿فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ أي ماكثون في جهنم على الدوام، مقيمون فيها
إلى الأبد، وفيه دلالة بيّنة على خلود الكفار في النار.
أَ - ﴿تَلْفَعُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ أي تحرق النار وجوههم، وتأكل لحومهم
وجلودهم كما قال تعالى: ﴿وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠/١٤] وقال
سبحانه: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا
عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩/٢١]. وإنما خص الوجوه بالذكر؛ لأنها أشرف
الأعضاء.
(١) أنا فرطكم: أي متقدمكم، يقال: فارط وفرط: إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء.

٤٣٦
لُرُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله
في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: («تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على
أعقابهم».
◌َ - ﴿وَهُمْ فِيَهَا كَلِحُونَ﴾ عابسون متقلصو الشفاه عن الأسنان.
فالكلوح: أن تتقلص الشفتان وتتباعدا عن الأسنان، كما ترى الرؤوس
المشوية.
ثم ذكر الله تعالى ما يقال لأهل النار تقريعاً وتوبيخاً على ما ارتكبوه من
الكفر والمآثم فقال:
(٣) أي ألم تكن آياتي
﴿أَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُم بِهَا تُكَذِبُونَ
من القرآن تتلى عليكم للتذكير والموعظة وإزالة الشُّبَه، فتكذبون بها،
وتعرضون عنها. وهذا كما قال تعالى: ﴿كُلُّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوٌْ سَأَُمْ خَرَُهَا أَلَمْـ
يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ، قَالُواْ بَلَى قَدْ جَنَا نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الملك: ٦٧/
٨-٩] وقال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىَ إِذَا جَاءُ وهَا
فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ
رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَ
اُلْكَفِرِينَ لَا﴾ـ
[الزمر: ٧١/٣٩] .
وهذا من المخطط العام لرسالات الأنبياء وإنزال الكتب، كما جاء في قوله
تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧] وقوله عز وجل :
﴿لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥/٤].
فأجابوا عن السؤال هنا :
أي غلبت
(قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا فَوْمَا ضَالِيْنَ (٢)
علينا شهوات نفوسنا وملذاتنا، بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة،

٤٣٧
◌ِلُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
وأخطأنا طريق الحق والهدى، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١/٤٠] .
﴿ رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (4) أي يا ربنا أخرجنا من
النار، وارددْنا إلى الدنيا، فإن عُدنا إلى مثل ما سلف منا، فنحن ظالمون
مستحقون للعقوبة.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿قَالَ أُخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (٣)﴾ أي قال الله للكفار إذا سألوا الخروج
من النار والرجعة إلى الدنيا: امكثوا فيها - أي في النار - أذلاء صاغرين
مهانين، واسكتوا ولا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي،
ولا رجعة إلی الدنیا.
ثم ذكر سبب عذابهم فقال:
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيِّرُ
أي إنه كان جماعة من عبادي المؤمنين يقولون: يا ربنا صدقنا
(١١٠٩)
الرَّحِمِينَ
بك وبرسلك، وبما جاؤوا به من عندك، فاستر ذنوبنا، وارحم ضعفنا،
فأنت خير من يرحم.
﴿ فَّخَذْ تُ سِخْرًِّا حَتَّىَ أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (﴿1﴾ أي فما
کان منكم إلا أن سخرتم منهم في دعائهم إیاي وتضرعهم إلي، حتى حملكم
بغضهم على نسيان ذكري، وعدم الاهتمام بشأني، ولم تخافوا عقابي، وكنتم
تضحكون استهزاء من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَخْرَمُواْ
كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ([®)
[المطففين:
﴾ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَنُونَ
٢٩/٨٣-٣٠] أي يلمزونهم استهزاء.
ثم أخبر الله تعالى عما جازى به عباده الصالحين فقال:

٤٣٨
اِلُعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١٠١-١١١
﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ اُلْفَآِرُونَ ﴾ أي إني جازيتهم
في يوم القيامة بصبرهم على أذاكم لهم واستهزائكم بهم بالفوز بالسعادة
والسلامة، والنعيم المقيم في الجنة، والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ
عَلَى الْأَرَآيِكِ يَنْظُرُونَ ﴿ هَلْ تُوِّبَ الْكُغَارُ مَا
٣٤
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُغَارِ يَضْحَكُونَ
كَانُواْ يَفْعَلُونَ
[المطففين: ٣٤/٨٣-٣٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إذا حدثت النفخة الثانية ليوم القيامة شغل كل امرئ بنفسه، ولم
يلتفت إلى أحد من أقربائه، ولو كانوا من الوالدين والأولاد والزوجات، ولا
تنفع أحداً روابط الدم والنسب التي كانت تربط الأسر فيما بينهم في الدنيا.
لكن جاء في الحديث الثابت كما تقدم استثناء صلة النسب والقرابة بالنبي ◌َلها.
أَ - إن ميزان النجاة من النار والفوز بالجنة هو رجحان الحسنات على
السيئات، ولو بواحدة. وإن سبب اقتحام النار هو العكس أي رجحان
السيئات على الحسنات.
◌َ - لأهل النار أثناء العذاب صفات أربع: هي خسارة أنفسهم أي غبنها
بأن صارت منازلهم للمؤمنين، وخلودهم في نار جهنم، وإضرام النار في
أجسادهم حتى تأكل لحومهم وجلودهم، وظهور أمارات العذاب على الأوجه
بالكلوح: وهو تقلص الشفاه عن الأسنان، كالرؤوس المشوية.
٤ - اعترف أهل النار حين اقتحام العذاب بالأسباب التي أدت بهم إلى
العقاب: وهي غلبة أهوائهم وشهواتهم على نفوسهم، حتى ساءت أحوالهم،
وصاروا إلى سوء العاقبة، وضلالهم عن الحق والهداية، وظلمهم أنفسهم،
وتكذيبهم بآيات ربهم، واستهزائهم من المؤمنين، ونسيانهم ذكر الله والخوف
من عقابه.

٤٣٩
الجُزُ (١٨) - المُمْنُونَ: ٢٣ /١١٢-١١٨
٥ - لقد طلب الكفار الرجعة إلى الدنيا وهم في النار، كما طلبوها عند
الموت لتدارك ما فاتهم من الأعمال الصالحة والإيمان الصحيح، ولكن لا
رجعة لأحد إلى دار الدنيا بعد البعث والحساب.
٩ - اقتضى العدل مجازاة المؤمنين الذين صبروا على الأذى والسخرية جزاء
عادلاً وهو الفوز بالجنة يوم القيامة، والنجاة من النار.
٧ - على المؤمن إكثار الدعاء بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَمَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا
وَأَنْتَ خَيِّرُ الزَّحِينَ﴾.
التنبيه على قصر مدة اللبث في الدنيا
وعقاب المشركين ورحمة المؤمنين
، قَالُواْ لَبِثْنَا يَوَمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
﴿قَلَ كُمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
فَسْئَلِ الْعَآدِينَ ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ
اَلْحَقُّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ * وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَآخَرَ
لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبٍِِّّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ( وَقُل رَّبِّ
١١٨
أَغْفِرُ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
القراءات:
﴿قَلَ كَمْ﴾
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي (قُل كم).
﴿ فَسْئَلِ﴾ :

٤٤٠
الُجُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /١١٢-١١٨
وقرأ ابن كثير، والكسائي، وحمزة وقفاً (فَسَل).
﴿قَلَ إِن﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (قل إن).
﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (لا تَرْجِعون).
الإعراب:
(كَمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿كَمْ﴾: منصوبة بـ ﴿لَنْتُمُ﴾.
و﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾: تمييز، و﴿سِنِينَ﴾: جمع سنة، وأصل سنة: سَنَهَة أو
سنَوه، فلما حذفت اللام، جمع جمع التصحيح، أي جمع المذكر السالم، عوضاً
عما دخلها من الحذف.
﴿فَسْئَلِ الْعَآَدِينَ﴾ جمع العادّ من العدّ. ومن قرأه بالتخفيف جعله جمع
(عَادِي) من قولهم: بئر عادِيّة، أي قديمة، فلما جمع جمع المذكر السالم (أي
بالواو والنون) حذف منه ياء النسب، وصارت ياء الجمع عوضاً عن ذلك،
كالأعجمين والأشعرين، جمع أعجمي وأشعري، وقيل في قوله تعالى: ﴿سَلَمُ
عَلَىَّ إِلَّ يَاسِينَ ﴿٣)﴾ أنه جمع إلياسيّ، منسوب إلى إلياس. ﴿عَبَثًا﴾ حال بمعنى
عابتين، أو مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿قَلَ﴾ أي قال الله أو الملَك المأمور بسؤالهم ﴿كَمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أحياء.