النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
لُعُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
ينزل على رسول أكمل ولا أشرف منه، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا نعمة
الله عليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها.
◌َّ - ﴿أَمْ جَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَِّينَ﴾ أي أم اعتقدوا أن مجيء
الرسل أمر على خلاف العادة، مع أنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل تتالت على
الأمم، مؤيدة بالمعجزات، أفلا يدعوهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول؟
◌َ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾﴾ أي ربما لم يكونوا
عارفين رسولهم بخصاله العالية قبل النبوة؟ مع أنهم عرفوا أنه الصادق
الأمين، وأنه يفر من الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقوا
على تسميته بالأمین؟
لهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة: أيها
الملك، إن الله بعث فينا رسولاً، نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وقال المغيرة بن
شعبة لنائب كسرى حين بارزهم مثل ذلك. وكذلك قال أبو سفيان صخر بن
حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي ◌َّ ونسبه
وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفاراً لم يُسلموا، فاعترفوا باتصافه بالصدق.
٤ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ﴾ أي بل إنهم يقولون عن الرسول: إن به جنوناً
لا يدري ما يقول، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلاً ورأياً.
ثم بَيَّن الله تعالى السبب الحقيقي في عدم إيمانهم فقال:
﴿بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ﴾ أي بل جاءهم الرسول الصادق
الأمين بالحق الثابت الذي لا محيد عنه، وهو توحيد الله والتشريع المحقق
للسعادة، لكن أكثرهم كارهون لهذا الحق، لتأصل الشرك في قلوبهم،
وتمسكهم بتقليد الآباء والأجداد، وحفاظهم على المناصب ومراكز الزعامة
والرياسة.

٤٠٢
لُزُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٦٣-٧٧
وإنما قال ﴿وَأَكْتُمْ﴾ لأن بعضاً منهم تركوا الإيمان أنفة واستعلاء،
وتخوفاً من توبيخ القوم وتعبيرهم، لا كراهة للحق، كما حكي عن أبي طالب.
﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ﴾
والحق: كل ما قابل الباطل، فهو الشيء الثابت والصواب والطريق المستقيم،
فلو اتبع أهواء الناس لانقلب باطلاً، ولذهب ما يقوم به العالم، وقيل الحق:
الإسلام لو اتبع أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم،
وعن قتادة: أن الحق هو الله، ومعناه: ولو كان الله إلهاً يتبع أهواءهم ويأمر
بالشرك والمعاصي، لما كان إلهاً، ولكان شيطاناً.
والمعنى العام: أن الحق لا يتبع الهوى، بل الواجب على الإنسان ترك
الهوى واتباع الحق، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم، فلو جاء القرآن
مؤيداً الشرك بالله والوثنية، شارعاً ما فيه الفوضى والانحراف كإباحة الظلم
وترك العدل، وإقرار النهب والسلب والسرقة، وإباحة الزنى والقتل، وإهمال
القيم الخلقية، لاختل نظام العالم ووقع التناقض، وتأخرت المدنية، وفسدت
السماوات والأرض ومن فيهن، لفساد أهوائهم واختلافها، ولو أبيح
العدوان لافتقد الأمن، ولو أبيح الظلم لدمرت المدنية، ولو أبيح الزنى
لاختلطت الأنساب وتهدمت الأسر، وهكذا.
ومن أفكارهم وأقوالهم ما حكاه القرآن: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ
مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣] ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:
٤٣/ ٣٢] ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِىِ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ﴾
[الإسراء: ١٧/ ١٠٠] ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا
٥٣
[النساء: ٤ /٥٣] .
وضمير ﴿وَمَن فِيهِنٌَّ﴾ إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس
الأرض وجِنّها. وأما مالا يعقل فهو تابع لما يعقل.

٤٠٣
الجُرُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
ثم شنع الله تعالى عليهم لإعراضهم عن معالم الحق والهدى والخير فقال:
﴿بَلِّ أَيْلَهُم ◌ِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾ أي بل جئناهم بالقرآن الذي
هو وعظهم أو فيه شرفهم وفخرهم وإعلاء سمعتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ.
لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤/٤٣] ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي
سطر لهم الخلود والمجد.
ثم أوضح إخلاص النبي وَّر في دعوته، وأنه لا يطمع فيهم، حتى يكون
ذلك سبباً للنفرة فقال:
﴿أَمّ ◌َسْئَلُهُمْ خَرْحًا فَخَرَجُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ (٣)﴾ أي أتسألهم أجراً
على تبليغ الرسالة والدعوة إلى الهداية ورفع الشأن حتى لا يؤمنوا بك، ويملّوك
ويبغضوك؟ والمراد أن هذه التهمة بعيدة عنه، وأنه وَّ لا يطلب عوضاً عن
القيام بمهمته، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله. وإن ماعند الله من ثواب
خير من ثواب الدنيا، والله أفضل من أعطى وآجر.
ونظير الآية كثير في القرآن مثل: ﴿قُلّ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرِ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٣٤/ ٤٧] ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ
﴾ [ص: ٨٦/٣٨] ﴿قُل لََّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾ [الشورى:
٢٣/٤٢].
والخلاصة: أنهم غير معذورين في عدم الاستجابة لدعوة النبي ◌َّ، فقد
أيده الله بدستور رفيع للحياة البشرية، وليس له مطمع مادي في مُلْك ولا مال
ولا جاه.
ثم أبان الله تعالى صحة ما جاء به الرسول وله فقال:
﴾﴾ أي وإنك يا محمد لتدعو الناس
﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
قاطبة ومنهم هؤلاء المشركون من قريش إلى الطريق المستقيم، والدين القيم
الصحيح، وسبيل العزة والكرامة، والخير والسداد والوسط، وهو الإسلام

٤٠٤
لُعُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
العلاج الشافي الأدواء البشرية، وحل المشكلات الدينية والدنيوية، كما
شهدت بذلك العقول السليمة، والدراسات الحيادية المجردة من أعداء
الإسلام وعباقرة العلم والمعرفة.
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ عَنِ الْصِّرَطِ لَكِبُونَ (®﴾ أي وإن
المكذبين بالآخرة الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت لعادلون جائرون
منحرفون عن هذا الطريق؛ لأن طريق الاستقامة واحدة، وما يخالفه فكثير.
﴿﴿ وَلَوْ رَحْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنِ ضُرّ لَّلَجُواْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
٧٥
أي إن هؤلاء الكفار لو أسبغنا عليهم واسع رحمتنا، وأزحنا عنهم الضر،
وأفهمناهم القرآن، لما آمنوا به ولما انقادوا له، ولتمادوا في ضلالهم،
ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، وظلوا متحيرين مترددين، كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمَّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم
﴾ [الأنفال: ٢٣/٨].
مُعْرِضُونَ
﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم ◌ِلْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ (٣٦)﴾ أي ولقد
ابتليناهم بالمصائب والشدائد، فما ردّهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر
والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم، وما خشعوا وما خضعوا لربِهم،
وما دعوا ولا تذللوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣/٦].
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال:
﴿حََّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾﴾ أي حتى
إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فنالهم من العذاب مالم يكونوا
يحتسبون، أيسوا من كل خير ومن كل راحة، وانقطعت آمالهم، وخاب
رجاؤهم.

٤٠٥
لالُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن للكفار أعمالاً قبيحة جداً في ميزان شرع الله ودينه، أَسْوَؤها
الشرك، وهم في غفلة وعماية عن القرآن وهديه، وهم عاملون تلك الأعمال
لا محالة؛ لأنها مثبَّتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ، ولكن
دون إجبار ولا إكراه، وإنما باختيار منهم.
أَ - يعتاد الكافر إذا أصابه العذاب والبلاء في الدنيا أن يجأر بالشكوى
ويضج ويستغيث، ولكن إذا داهمه العذاب في الآخرة لم ينفعه التضرع
والجزع، ولا يجد ناصراً ينصره من بأس الله تعالى.
ومثال ذلك أن مترفي مكة تعرضوا للقتل يوم بدر، وللجوع الشديد، حين
قال النبي ◌َّهِ: ((اللهم اشددْ وطأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين
كسِنِي يُوسُف)) فابتلاهم الله بالقحط والجوع، حتى أكلوا العظام والميتة
والكلاب والجيف، وهلكت الأموال والأولاد، كما تقدم بيانه.
◌ّ - كانت أسباب تعذيب الكفار والمشركين ثلاثة: هي النفور عن القرآن
والإعراض عن سماعه، والاستكبار بهذا التباعد عن الحق والافتخار بالبيت
الحرام وأنهم أولياؤه، فكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله تعالى، وما هم
كذلك، والسمر بذكر القرآن وبالطعن فيه. وضمير ﴿ مُسْتَكْبِنَ بِهِ﴾ كما قال
الجمهور: هو عائد على الحرم أو المسجد أو البلد الذي هو مكة، وإن لم يذكر
سابقاً؛ لشهرته في الأمر.
٤ - روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما كُره السَّمَر حين نزلت
(٤) يعني أن الله تعالى ذم أقواماً
هذه الآية: ﴿مُسْتَكْبِيْنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ
يسمُرون في غير طاعة الله تعالى، إما في هَذَيان، وإما في إذاية.

٤٠٦
الُزْعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
وروى مسلم عن أبي بَرْزة قال: ((كان النبي ◌ُّه يؤخر العشاء إلى ثلث
الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها)). أما كراهية النوم قبلها فلئلا
يعرّضها للفوات عن كل وقتها أو أفضل وقتها، وهذا مذهب مالك
والشافعي. وأما كراهية الحديث بعدها، فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه،
فينام على سلامة، وقد ختم الكُتَّاب صحيفته بالعبادة، فإن سَر وتحدث،
فيجعل خاتمتها اللغو والباطل، وليس هذا من فعل المؤمنين. وأيضاً السمر في
الحديث والسهر يفوت عليه غالباً قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة
الصبح. روى أحمد حديثاً: ((لا سمر بعد الصلاة)) أي العشاء الآخرة.
روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((إياكم والسَّمَر بعد هَدْأة
الرجل، فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله تعالى من خلقه، أغلقوا الأبواب،
وأَوكُوا السِّقاء، وخمروا الإناء، وأطفئوا المصابيح)).
وهذه الكراهية إنما تختص بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار وتعليم
العلم، ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح وما شابه ذلك، فقد ورد عن
النبي ◌َّه وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبه.
٥ - إن إقدام الكفار على الأمور الثلاثة المتقدمة لأسباب أربعة: هي عدم
تدبرهم القرآن أي عدم تفهمهم له، واعتقادهم أن مجيء الرسل على خلاف
العادة، وتجاهلهم وإنكارهم خصال الرسول وَلّ قبل النبوة، فإنهم عرفوه
وعرفوا أنه من أهل الصدق والأمانة، فكان في اتباعه النجاة والخير لولا
العَنَت، ووصفهم له بأنه مجنون للاحتجاج في ترك الإيمان به.
مع أنه عليه الصلاة والسلام جاءهم بالحق، أي القرآن والتوحيد الحق
والدِّين الحق، وأكثرهم كارهون للحق حسداً وبغياً وتقليداً.
أ - الحق فوق الأهواء والشهوات، ولو وافق الحق أهواء الكفار، لاختل
نظام العالم؛ لأن شهوات الناس متخالفة متعارضة متضادة، لذا وجب اتباع
سبيل الحق، والانقياد للحق، والتخلي عن الأهواء.

٤٠٧
◌ِلُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
لاً - القرآن الكريم شرف وفخر ومجد وعز للعرب، ومع ذلك فهم
معرضون عنه وعن تعاليمه، وتلك هي الحماقة بعينها، والمكابرة.
٨ - ليس للنبي ◌ّ﴾ مطمع في أجر أو جُعل على تبليغ ما جاء به قومه من
الرسالة، بل هو أسمى من طلب ذلك، لأنه يطلب رضا الله وفضله، وما يؤتيه
الله له من الأجر على الطاعة والدعاء إلى دين الله خير من عَرَض الدنيا، وقد
عرضوا عليه فعلاً أموالهم حتى يصبح أغناهم، فأبى ذلك أيما إباء ولم يحبهم إلى
ذلك.
ـة - إن دعوة النبي ◌َ ﴿ل دعوة إلى الاستقامة، وإلى الدين القويم، والمنهج
الأعدل والأفضل، لكن الذين لا يصدقون بالبعث لعادلون عن الحق،
جائرون منحرفون، حتى يصيروا إلى النار.
٠ ١ - لو ردّ الله الكفار إلى الدنيا رحمة بهم، ولم يدخلهم النار وامتحنهم
مرة أخرى، لتمادوا في طغيانهم، أي في معصيتهم، وظلوا يترددون في
ضلالتهم.
ولو كشف الله ما بالكفار من ضُرّ، أي من قحط وجوع، لتمادوا في
ضلالتهم أيضاً وتجاوزهم الحد، واستمروا يخبطون في طغيانهم.
١١ - لقد مرّ الكفار في تجربة واضحة، فحينما جاءهم العذاب بالجوع
والأمراض والحاجة، ما خضعوا لربهم وما خشعوا له، وما تضرعوا بالدعاء
الله عز وجل في الشدائد التي تصيبهم.
١٢ - إن عاقبة أمر الكفار واضحة، فهم إذا تعرضوا لعذاب الله الشديد في
الآخرة، أيسوا من كل خير، وتحيروا لا يدرون ما يصنعون، كالآيس من
الفَرَج ومن كل خير، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ
٢٧
نُرَّةُ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَبِنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (

٤٠٨
الُعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٧٨ -٨٠
وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الذُّنْيَا وَمَا
(٢٨)
وَلَوَّ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
﴾ [الأنعام: ٢٧/٦-٢٩].
نَحْنُ بِعَبْعُوثِنَ
والخلاصة: يصرُّ المشركون على إشراكهمه بالرغم من الإنذارات المتكررة
وتوافر الأدلة على عظمة الله وقدرته وتحذيره من بأسه الشديد.
نعم الله العظمى على عباده
﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿١٨) وَهُوَ
الَّذِىِ ذَرَكُمُّ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُخْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يُحِىءٌ وَيُمِيتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ
٨٠
اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
البلاغة:
﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَاُلْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ امتنان، وأفرد السمع وجمع
الأبصار تفنناً.
﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ التنكير للتقليل، و﴿مَّا﴾ لتأكيد القلة، والمعنى: شكراً
قليلاً، وهو كناية عن عدم الشكر.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ استفهام بقصد التوبيخ والإنكار.
﴿يُحِ، وَيُمِتُ﴾ طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْشَأَ﴾ خلق ﴿السَّمْعَ﴾ الأسماع ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتتفكروا فيها وتستدلوا بها،
وتحققوا منافع أخرى دينية ودنيوية ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ تشكرونها شكراً قليلاً؛
لأن الشكر الحقيقي استعمال الحواس فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها

٤٠٩
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٧٨ -٨٠
من غير إشراك، و﴿مَّا﴾ لتأكيد القلة ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم وبثكم ﴿تُحْشَرُونَ﴾
تبعثون وتجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم ﴿يُحِىءٍ﴾ ينفخ الروح ﴿ وَلَهُ أُخْتِلَفُ
اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تعاقبهما بالسواد والبياض، والزيادة والنقصان، وذلك
مختص بالله تعالى لا يقدر عليه غيره، كما يقال: يختلف إلى فلان، أي يتردد
عليه، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ صنعه تعالى بالنظر والتأمل أن كل شيء منا، وأن
قدرتنا تعم كل الممكنات وأن البعث من جملتها، فتعتبروا. وقرئ بالياء
(يعقلون) على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى إعراض المشركين عن تدبر القرآن وفهم أدلة وجود الله
ووحدانيته وقدرته، أعقبه ببيان أوجه النعم العظمى على عباده، ليسترشدوا
بها على وجود الله وقدرته. وتلك النعم هي الأسماع والأبصار والأفئدة وهي
العقول والأفهام التي يذكرون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من
الآيات الدالة على وحدانية الله، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على عباده بنعم عظيمة دالة على قدرته وحكمته وعلمه وهي
أربعة :
اً - ﴿وَهُوَ الَّذِيّ أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ أي والله الذي خلق
لكم الأسماع لسماع الأصوات، والأبصار لرؤية الأشياء، والعقول لفهم
الأمور، وإدراك الحقائق المؤدية إلى تحقيق منافع الدنيا والآخرة. وخص هذه
الثلاثة بالذكر؛ لأن الاستدلال على وجود الله وقدرته متوقف عليها.
﴿فَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي إن الشاكرين منهم قليل، فما أقل شكرهم لله على
ما أنعم به عليهم، والمعنى أنهم لم يشكروا الله على نعمه العظيمة، كما يقال

٤١٠
الزرعُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٧٨-٨٠
لجحود النعمة: ما أقل شكر فلان! وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ
﴾ [يوسف: ١٠٣/١٢].
١٠٣
النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
◌َ - ﴿الَّذِىِ ذَرَ كُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي والله الذي خلقكم وبثّكم
بالتناسل في الأرض، لعمارتها وتحضرها، ووزعكم في أقطارها مع اختلاف
الأجناس والألوان واللغات والصفات، ثم يوم القيامة تجمعون جميعاً لميقات
يوم معلوم، فلا يترك صغيراً ولا كبيراً إلا أعاده كما بدأه، وله الحكم وحده.
◌َ - ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ وَيُمِيتُ﴾ أي وهو الذي وهبكم نعمة الحياة، لكن
تلك النعمة غير خالدة، وإنما المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب، وذلك
بالإماتة بعد الإحياء، ثم بالإعادة أحياء مرة أخرىّ للجزاء.
٤ - ﴿وَلَهُ أُخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي ولله وحده تسخير الليل والنهار،
وجعل كل منهما يطلب الآخر، يتعاقبان، لا يفتران ولا يفترقان بنظام دقيق
وزمان محدد؛ كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ
[يس: ٣٦ /٤٠] .
٤٠
سَابِقُ التَّهَارِ وَكُلُّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ
ثم حذر الله تعالى من ترك النظر في كل هذا فقال:
﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتفكرون في هذه الأشياء، أفلا تعقلون كنه
قدرته ورُبوبيته ووحدانيته، وألا تدلكم عقولكم على العزيز العليم الذي قهر
كل شيء، وخضع له كل شيء، لتعلموا أن الله حي موجود قادر؟! وفيه دلالة
على الزجر والتهدید.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تعريف عام بكثرة نعم الله عز وجل على عباده، فهو الذي
وهبهم مفاتيح العلم والمعرفة، وأمدهم بالحواس التي تمكنهم من الاستدلال
بها على كمال قدرته، وهو الذي أنشأهم وبثهم وخلقهم في الأرض لمهمة

٤١١
الجُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
سامية هي الإعمار والتنمية، ثم يجمعون يوم القيامة للجزاء العادل، وهو
الذي منحهم حق الحياة التي يعقبها الموت، حتى لا يطغى الإنسان ويستبد،
فالموت يكون نعمة وراحة كالحياة نفسها، وهو الذي أوجد بيئة الحياة السليمة
بخلق الليل والنهار وجعلهما متعاقبين بنظام دقيق متلائم مع مرور الفصول
الأربعة.
وشأن البصير العاقل أن يتعظ ويعتبر ويفهم ويفكر في بدائع الخلق، وعظم
القدرة والربوبية والوحدانية، دون أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر
علی البعث.
إنكار المشركين البعث وإثباته بالأدلة القاطعة
قَالُواْ أَعِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا
٨١
﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ
أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٨ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ ﴿﴿ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿َ سَيَقُولُونَ
لِلَّهَّ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨ قُلْ مَن رَّبُّ الشَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴿٨ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ فَأَنَّ
وَهُوَ يُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ (َ
١٩٠
تُسْحَرُونَ ﴿ بَلْ أَنَّيْنَهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
القراءات:
﴿ أَءِذَا﴾، ﴿أَِنَّا)
قرئ:
١- (أئذا، إنا) وهي قراءة نافع، والكسائي.
٢- (إذا، أئنا) وهي قراءة ابن عامر.

٤١٢
الُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
٣- (أئذا، أئنا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿مِتْنَا﴾: قرئ:
١- (مِثْنَا) وهي قراءة نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (مُتْنَا) وهي قراءة باقي السبعة.
{ تَذَكَّرُونَ﴾ :
قرئ:
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (تَذَّكَّرون) وهي قراءة باقي السبعة.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾:
وقرأ أبو عمرو (سيقولون الله).
الإعراب:
﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ﴾ جوابه: قراءة من قرأ: (سيقولون الله) وأما قراءة
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فليس بجواب قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ﴾ وإنما هو
جوابه من جهة المعنى؛ لأن معنى قوله: ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ﴾: لمن
السماوات؟ فقيل في جوابه: ﴿لِلَّهِ﴾. ونظيره ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ
مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ فقال: لله، حملاً على المعنى. وهذا كثير في
كلام العرب.
البلاغة:
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني عنه، حذف
جواب الشرط لدلالة اللفظ عليه.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلَا نَثَّقُونَ﴾ استفهام بغرض الإنكار والتوبيخ.

٤١٣
لُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿ بَلّ قَالُواْ﴾ أي كفار مكة ﴿اَلْأَوَّلُونَ﴾ آباؤهم ومن تبعهم ﴿قَالُواْ﴾ أي
الأولون ﴿أَوِّنَا لَمَبْعُوتُونَ﴾ استبعاداً ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضاً تراباً،
فخلقوا ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أُسطورة، كأُحدوثة
وأُعجوبة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها، أي إن كنتم من أهل
العلم أو من العالمين بذلك. وهذا استهانة بهم، وتقرير لفرط جهالتهم، وإلزام
بما لا يمكن إنكاره ممن له شيء من العلم.
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي إن العقل الصريح المجردِ اضطرهم بأدنى نظر إلى
الإقرار بأنه خالقها ﴿قُلٌ﴾ بعد ما قالوه ﴿أَفَلاَ تَذَّكْرُونَ﴾ تتعظون، فتعلموا
أن القادر على الخلق ابتداءً قادر على الإحياء بعد الموت؟!
الکرسی، فإنها
﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
أعظم من ذلك ﴿أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾ تحذرون عقابه، فلا تشركوا به بعض
مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته ﴿مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾
ملك كل شيء ﴿يُجِيرُ﴾ يغيث من يشاء ويحرسه ويمنعه من الغير ﴿وَلَا يُجَارُ
عَلَيْهِ﴾ لا يغاث أحد ولا يمنع منه، ومعنى الجملتين: ﴿يُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ
عَلَيْهِ﴾ يحمي ولا يحمى عليه، يقال: أجرت فلاناً على فلان: أي أغثته
ومنعته منه ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ جواب السؤال من جهة المعنى، وهو: من له ما
ذكر؟ ﴿فَأَّى تُسْحَرُونَ﴾ تُخْدَعُون، فتصرفون عن الرشد وطاعة الله وتوحيده،
مع ظهور الأمر، وتظاهر الأدلة، أي كيف تخيل لكم أنه باطل؟! ﴿بَلْ أَتَيْنَهُم
بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في نفيه.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلة التوحيد في الكون والأنفس، أعقبها ببيان إنكار

٤١٤
الُُ (١٨) - المُؤْمِنُون: ٢٣ /٨١-٩٠
المشركين (عبدة الأوثان) البعث والحشر مع وضوح الأدلة، وتقليدهم الأولين
في الاستبعاد والتكذيب. ثم رد عليهم بأدلة ثلاثة تثبت البعث من غير شك.
التفسير والبيان:
بالرغم من زجر المشركين وتهديدهم في الآيات السابقة على تعطيل عقولهم
التي ترشدهم إلى الإقرار بتوحيد الله وقدرته على البعث، فإنهم رددوا مقالة
السابقين البدائيين وهي :
﴾ أي مع كل ما سبق، فإن هؤلاء
﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَُّونَ
المشركين أنكروا البعث واستبعدوه، وأعادوا مقالة أسلافهم الذين كذبوا
رسلهم، تقليداً أعمى لهم دون برهان، وهذا تعبير بقولهم. وتفصيل تلك
المقالة من وجهين :
الأول:
أي هل إذا متنا،
٨٢
﴿قَالُواْ أَءِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَا لَمَبْعُونُونَ
وصرنا تراباً وعظاماً بالية، نعود إلى البعث والحياة؟ فهم يستبعدون وقوع ذلك
(٣) أَعِذَا كُنَّا
بعد البلى، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَوِّنَا لَمَرْدُودُونَ فِ اُلْحَافِرَةِ
) قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّهُ خَاسِرَةٌ ﴿ فَإَِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا
عِظَمَا نَّخِرَةٌ
هُم ◌ِالسَّاهِرَةِ
١٤)
[النازعات: ١٠/٧٩-١٤] وقال سبحانه: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الْإِنسَنُ
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةُ.
أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ
قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَآ أَوْلَ مََّةٍ وَهُوَ
[يس: ٧٧/٣٦ -٧٩] .
٧٩
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ
والثاني:
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ﴾ أي إن هذا الوعد بالبعث الذي
يخبر به محمد سليم قد وعد به قديماً الأنبياء السابقون، ثم لم يوجد ذلك مع طول
العهد، وكأنهم لغباوتهم يظنون أن الإعادة تكون في دار الدنيا.

٤١٥
اِلُهُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الوعد بالبعث إلا أكاذيب
المتقدمين وأباطيلهم وترهاتهم، قد توارثناها دون وعي، ودون دليل مثبت
لصحتها، كما يزعمون.
ثم رد الله تعالى عليهم لإثبات البعث ببراهين ثلاثة هي:
اً - ﴿قُل لِّمَنِ اُلْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي قل أيها
النبي لمنكري الآخرة: من مالك الأرض الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات
والنباتات والثمرات وغير ذلك من المخلوقات إن كنتم من أهل العلم أو من
العالمين بذلك؟ وقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ استهانة بهم وتأكيد لجهلهم.
سَيَقُولُونَ للَّهِ﴾ أي سیعترفون بما دل عليه العقل بداهة بأن ذلك كله لله
وحده ملكاً وخلقاً وتدبيراً، فإذا كان ذلك:
﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي قل لهم أفلا تتعظون وتتدبرون أن من خلق هذا
ابتداء قادر على إعادته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا الخالق الرازق لا لغيره؟!
وقوله هذا معناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه.
وهذا البرهان القاطع يصلح للرد على منكري الإعادة وعلى عبدة الأوثان
المشركين العابدين مع الله غيره، المعترفين له بالربوبية، ولكنهم أشركوا معه في
الألوهية، فعبدوا غيره، مع اعترافهم أن معبوداتهم لا يخلقون شيئاً ولا
يملكون شيئاً، وإنما اعتقدوا أنهم يقربونهم إلى الله زُلْفَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩].
٣َ - ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ أي قل
لهم أيضاً: من خالق السماوات وما فيها من الكواكب والملائكة، ومن خالق
العرش العظيم الكبير الذي هو سقف المخلوقات، كما قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢] وكما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود

٤١٦
لِجُزْءُ (١٨) - المُؤْمَنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
عن رسول الله وَلل أنه قال: ((شأنُ الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سماواته
هكذا)) وأشار بيده مثل القبة، وفي الحديث الآخر: ((ما سماواته السبع
والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض
فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة)).
فالعرش يجمع بين الصفتين: العظمة والكبر في الاتساع والعلو: ﴿وَرَبُّ
اٌلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ والحسن والبهاء في الجمال، كما قال في آخر السورة: ﴿رَبُّ
اٌلْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾ أي الحسن البهي.
سَيَقُولُونَ لِلَّهَّ﴾ أي إنهم سيعترفون فوراً بأنه لله وحده، ولا جواب سواه.
﴿قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾؟ أي إذا كنتم تعترفون بذلك، أفلا تخافون عقاب الله
وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراککم به؟!
وكما أن العالمين السفلي والعلوي ملك لله تعالى، فله أيضاً تدبير شؤونهما،
كما قال :
◌َّ - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي بيده الملك والتصريف
والتدبير، كما قال: ﴿مَا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦/١١] أي
متصرف فيها.
﴿وَهُوَ يُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي وهو السيد
الأعظم الذي يغيث من يشاء ويحمي من يشاء، ولا يغيث ولا يحمي أحد منه
أحداً، فلا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، إن كنتم من
أهل العلم بذلك.
﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أي سيعترفون أن المالك المدبر هو الله لا غيره، فلا معقّب
لحكمه، ولا راد لقضائه. وقرئ (الله) في هذا وما قبله، ولا فرق في المعنى؛
لأن قولك: من ربه، ولمن هو؟ في معنى واحد.

٤١٧
الُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٨١-٩٠
﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؟ أي قل لهم مستغرباً وموبخاً: فأنى تُخدعون عن
توحيده وطاعته، والخادع: هو الشيطان والهوى، أو فكيف تتقبل عقولكم
عبادتكم مع الله غيره، مع اعترافكم وعلمكم بذلك وتصريحكم بأنه الخالق
المالك المدبر؟.
﴿بَلْ أَيَّنَهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ أي بل جئناهم بالقول الحق،
والدليل الصدق، والإعلام الثابت بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة
القاطعة على ذلك، وإنهم مع ذلك لكاذبون في إنكار الحق، وفي عبادتهم مع
الله غيره، ولا دليل لهم عليها، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَاهَا ءَخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ
فهؤلاء المشركون لا يفعلون ذلك عن دليل، وإنما اتباعاً لآبائهم
وأسلافهم الحيارى الجهال.
وفي هذا توعد وتهديد على ادعائهم أن الله ولداً وأن معه شريكاً، فنسبة
الولد إليه محال، والشرك باطل.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - ليس للمشركين ومنكري الآخرة دليل عقلي مقبول، وكل ما لديهم من
بضاعة هو ترداد أقوال المتقدمين، وتقليد الآباء والأسلاف.
أَ - إنهم اعترفوا صراحة بأن الله تعالى هو مالك الأرض (العالم السفلي)
ومالك السماء (العالم العلوي) ومدبر كل شيء، وبيده مقاليد كل شيء، وهو
المتصرف في كل شيء، والقادر على كل شيء.
ومن كان هذا شأنه، ألا يكون هو المستحق وحده للعبادة، والقادر على
الإحياء والبعث والإعادة؟!

٤١٨
الْجُرُ (١٨) - المُؤْمَنُونَ: ٢٣ /٩١-٩٢
ويكون ما أتى به القرآن من الأدلة المثبتة للوحدانية والقدرة والبعث هو
الحق الثابت الذي لا مرية ولا شك فيه، وهو القول الصدق، لا ما تقوله
الكفار من إثبات الشريك، ونفي البعث.
٣ - دلت هذه الآيات على جواز جدال الكفار، وإقامة الحجة عليهم،
ونبّهت على أن من ابتدأ بالخلق والاختراع، والإيجاد والإبداع هو المستحق
للألوهية والعبادة.
٤ - إن تذييل الآيات بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾
﴿إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَّى تُسْحَرُونَ﴾ يعد حملة شديدة على المشركين
للإقلاع عما هم عليه من الشرك، فقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه
الترغيب في التدبر، ليعلموا بطلان ماهم عليه، وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ معناه الاستهانة بهم وتأكيد لفرط جهلهم، وقوله: ﴿أَفَلاَ
نَثَّقُونَ﴾ معناه التنبيه على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة
الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة، وقوله: ﴿فَأَنَّ تُسْحَرُونَ﴾ إثبات
تناقضهم، إذ كيف تتقبل عقولهم عبادة أحد مع الله، مع اعترافهم الضريح
بأن الله هو المالك الخالق المدبر.
نفي الولد والشريك لله تعالى
﴿مَا أَتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ
عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
٩١
وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
٩٢
فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
القراءات:
﴿عَلِمِ الْغَيْبِ﴾ :

٤١٩
لِلُعُ (١٨) - المُؤْمُنُونَ: ٢٣ /٩١-٩٢
قرئ:
١- (عالم الغيب) وهي قراءة نافع، وحمزة، والكسائي.
٢- (عالم الغيب) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ بالجر بدل من ﴿اللَّهِ﴾ في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ
اللَّهِ﴾ ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب
والشهادة.
البلاغة:
﴿مِن وَلَدٍ﴾ ﴿مِنْ إِلَهِ﴾ ذكر حرف الجر الزائد تأكيد لنفي الولد والإله في
الجملتين.
المفردات اللغوية:
﴿مَا أَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ لتقدسه عن مماثلة أحد ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ
إِلَهٍ﴾ يساهم أو يشاركه في الألوهية ﴿إِذَا لَّذَهَبَ﴾ جواب شرط حذف لدلالة
ما قبله علیه، أي لو كان معه آلهة، كما يقولون، لذهب كل واحد منهم بما
خلقه، واستبدّ واستقل به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم
التحارب والتنازع، كما هو حال ملوك الدنيا، فدل الإجماع والاستقراء
وبرهان العقل على إسناد جميع الممكنات إلى واحد واجب الوجود . ﴿ وَلَعَلَا
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ لغالب بعضهم بعضاً، كفعل ملوك الدنيا ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾
تنزيهاً له ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونه به من الولد والشريك لما سبق من دلیل
فساده.
﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي عالم بما غاب وبما شوهد، وهو دليل آخر

5
٤٢٠
الُُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ /٩١-٩٢
على نفي الشريك؛ لإجماع العقلاء على أنه تعالى هو المتفرد بذلك ﴿فَتَعَلَى﴾
تعاظم ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يشركونه معه.
المناسبة:
بعد إثبات البعث والجزاء بالأدلة القاطعة، والرد على منكري البعث وعبدة
الأوثان أبان الله تعالى أن المشركين كاذبون مفترون في نسبة الولد إلى الله،
واتخاذ شريك له.
التفسير والبيان:
ينفي الله تعالى وينزه نفسه عن أمرين: هما اتخاذ الولد واتخاذ الشريك
فقال: ﴿مَا أَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَكٍ﴾ أي ما جعل لنفسه ولداً، كما يزعم بعض
المشركين حين قالوا: الملائكة بنات الله.
﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ أي وما وجد معه إله آخر يشاركه في
الألوهية، لا قبل خلق العالم ولا بعد خلقه، كما يتصور الوثنيون باتخاذ
الأصنام آلهة.
﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلٍَ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ أي لو قُدِّر تعدد
الآلهة، لانفرد كل منهم بما خلق، واستقل بما أوجد، وتميز ملك كل واحد
منهم عن ملك الآخر؛ لأن استمرار الشركة مستحيل، ولكان هم كل واحد
منهم أن يغلب الآخر، ويطلب قهره والتسلط عليه، لتظهر قوة القوي على
الضعيف، كما هو حال ملوك الدنيا، ولو حدث هذا التغالب والانقسام
لاختل نظام الوجود، ولفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.
إلا أن المشاهد أن الوجود منتظم متسق، وفي غاية النظام والكمال
وارتباط كل من العالم السفلي بالعالم العلوي دون تصادم ولا اضطراب، كما
قال تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُنٍ﴾ [الملك: ٣/٦٧] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ