النص المفهرس

صفحات 381-400

٦
٣٨١
الُرُ (١٨) - المؤمنُونَ: ٢٣ /٥١-٥٦
١- (أَيَجْسَبُون) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (أَحْسِبُون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾: ﴿وَإِنَّ﴾ بالكسر على الابتداء
والاستئناف. وتقرأ بالفتح على النصب أو الجر، فالنصب بتقدير حذف
حرف الجر، أي وبأن هذه، أو بفعل مقدر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم.
والجر: بالعطف على (ما) في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. و﴿ أَمَّةً﴾: منصوب على
الحال، أي هذه أمتكم مجتمعة، ويقرأ بالرفع: إما بدل من ﴿أَمَّكُمْ﴾ التي هي
خبر ﴿وَإِنَّ﴾، وإما خبر بعد خبر، وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي أمة
واحدة.
﴿زُبُّ﴾ حال من فاعل ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا﴾ (ما): بمعنى الذي في موضع نصب؛ لأنها اسم (أن)
و خبرها
﴿ ◌ُسَارِعُ لَهُمْ﴾ به، فحذف (به) وهو حذف وقع في الصلة وفي الخبر.
البلاغة:
﴿فَذَرُهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ استعارة، شبه ما هم فيه من الجهالة والضلالة بالماء
الذي يغمر الإنسان برمته.
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُرُ﴾ استفهام إنكاري.
﴿ ◌ُشَارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ﴾ حذف (به) أي نسارع لهم به في الخيرات، وحذف
لطول الكلام.
﴿فَأَنَّقُونِ﴾ ﴿فَرِحُونَ﴾ ﴿حِينٍ﴾ ﴿وَبَنِينَ﴾ سجع مقبول لا تكلف فيه.

٣٨٢
الجُرُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ /٥١-٥٦
المفردات اللغوية:
﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ نداء وخطاب لجميع الأنبياء، ولكن ليس دفعة واحدة؛
لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على معنى أن كلّاً منهم خوطب به في زمانه،
فيشمل الخطاب عيسى عليه السلام، للتنبيه على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن
له خاصة، وإنما إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم، وللاحتجاج على الرهبانية
في رفض الطيبات. ﴿اُلْطََّتِ﴾ ما يستطاب ويستلذ من المباحات في المآكل
والفواكه. ﴿ وَأَعْمَلُوْ صَلِحً﴾ من فرض ونفل. ﴿إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
فأجازيكم عليه.
﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ﴾ ملة الإسلام. ﴿أُمَّتَّكُمْ﴾ ملتكم ودينكم وشريعتكم أيها
المخاطبون، يجب أن تكونوا عليها. ﴿فَأَنَّقُونِ﴾ فاحذرون. ﴿فَتَقَطَّعُواْ﴾ أي
الأتباع أي قطعوا ومزقوا. ﴿أَمْرَهُر﴾ دينهم. ﴿زُبُرًا﴾ قطعاً وأحزاباً متخالفين،
كاليهود والنصارى وغيرهم، جمع زبور. ﴿حِزْبٍ﴾ جماعة وأمة. ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾
عندهم من الدين . ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون، معجبون، معتقدون أنهم على الحق.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ اترك كفار مكة، ودعهم .﴿فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ في ضلالتهم وجهالتهم،
شبهها بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم مغمورون فيها . ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إلى حين
موتهم أو قتلهم . ﴿أَنَّمَا نُمِذُهُم ◌ِهِ،﴾ أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم. ﴿مِن مَالٍ
وَبَنِينٌ﴾ في الدنيا.
﴿ُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتِّ﴾ نعجل لهم به، وهو خبر أن، والراجع ضمير
محذوف، والمعنى: أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع لهم به فيما فيه خيرهم
وإكرامهم. ﴿بَل لَّا يَشْعُونَ﴾ أن ذلك استدراج لهم، وإنما هم كالبهائم، لا فطنة
عندهم ولا شعور ليتأملوا، فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج، لا مسارعة في
الخير.

٣٨٣
الزُعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٥١-٥٦
المناسبة:
بعد بيان قصص بعض الأنبياء المتقدمين، أوصى الله تعالى بجملة من المبادئ
في الحياة هي الأكل من الحلال، والعمل بصالح الأعمال، وإدراك أن الملة
واحدة وأن الدين الحق واحد، ولكن الأمم فرقت دينها شيعاً، وهم في حيرة
وعمى يظنون أن إفاضة النعم عليهم، لرضا الله عليهم، ولكنها في الحقيقة
استدراج، لا مسارعة في الخيرات.
التفسير والبيان:
اً - ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
هذا أمر من الله تعالى عباده المرسلين عليهم السلام بالأكل من
الحلال، والقيام بصالح الأعمال، شكراً للنعمة. وهذا دليل على أن الحلال
عون على العمل الصالح وسابق عليه، ثم ذكر تعالى علة هذا الأمر، فقال:
﴿إِنِىِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي إني مطلع على جميع أعمالكم، لا يخفى علي شيء
منها، وأنا مجازيكم عليها.
ومن أمثلة الحلال أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، وأن داود
عليه السلام كان يأكل من كسب يده، كما ثبت في الصحيح، فيعمل الدروع
المسردة (أي ذات الحلق من الحديد) بيده معجزة له وأمراً خارقاً للعادة، وفي
صحيح مسلم: ((وما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟
قال: نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله وَله: ((يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين
بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّى
بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾﴾، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢/٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمُه

٣٨٤
الُعُ (١٨) - المُمْنُون: ٢٣ /٥١-٥٦
حرام، ومشربه حرام، وملبسُه حرام، وغُذِّي بالحرام، يمدُّ يديه إلى السماء،
یا ربُّ، یا ربُّ، فأنى يستجاب له)).
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت
شداد بن أوس رضي الله عنها أنها بعثت إلى النبي ◌َّ بقدَح لبن حين فطره،
وهو صائم، فرد إليها رسولها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي، ثم
ردّه وقال: ومن أين هذه الشاة؟ فقالت: اشتريتها بمالي، فأخذه، فلما كان
من الغد جاءته وقالت: يا رسول الله، لم رددته؟ فقال وَّ: ((أُمِرَتِ الرُّسل ألا
يأكلوا إلا طيباً، ولا يعملوا إلا صالحاً)).
أي وإن دينكم
◌َّ - ﴿وَإِنَّ هَذِهٍِ أُمَّتِّكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ
يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده
لا شريك له. وهذا يدل على أن الأديان متحدة في أصولها المتعلقة بتوحيد الله
ومعرفته. أما اختلاف الفروع من شرائع وأحكام بحسب اختلاف الأزمان
والأحوال، فلا بأس به ولا يسمى اختلافاً في الدين.
ومرجع أعمال الأنبياء جميعاً إلى الله تعالى، فأنا ربكم المتفرد بالربوبية،
فاحذروا عقابي، ولا تخالفوا أمري، أي والحال أني أنا ربكم.
◌َّ - ﴿فَتَقَطَّعُوْ أَقْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زَبْرً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي إن أتباع الأنبياء
فرقوا أمر دينهم وقطعوه ومزقوه، وجعلوه قطعاً، وصاروا فرقاً وأحزاباً
وجماعات، كل حزب يفرحون بما هم فيه من الضلال، ويعجبون بما هم
عليه، معتقدين أنه الحق الصراح، ويحسبون أنهم مهتدون.
وهذا ذم واضح للتفرق والتشتت، وتوبيخ ووعيد، لذا قال الله تعالى
متهدداً لهم ومتوعداً :
أي دعهم واتركهم في جهالتهم
﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (®َ)

٣٨٥
الجُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ /٥١-٥٦
وضلالهم إلى حين موتهم أو قتلهم ورؤيتهم مقدمات العذاب وبوادره، كما
قال تعالى: ﴿فَهِّلِ اُلْكَفِرِينَ أَمْهِلَّهُمْ رُوَيْدًا (٣)﴾ [الطارق: ١٧/٨٦]، وقال
سبحانه: ﴿ذَرُهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُذْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[الحجر: ٣/١٥] .
٤ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبِينٌ ﴿®ّ ◌َُارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا
١٩٥٠
أي أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال
يشعرون
والأولاد، لكرامتهم علينا، ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في
قولهم: ﴿ وَقَالُوْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
﴾ [سبأ: ٣٤/
٣٥
٣٥] .
لقد أخطؤوا في ذلك، وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل ذلك استدراجاً
وإنظاراً وإملاءً لهم، لهذا قال تعالى: ﴿بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يحسون أنما نفعل
ذلك بهم استدراجاً وأخذاً بأيديهم إلى العذاب إذا لم يتوبوا، كما قال تعالى:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥/٩]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوّاْ إِثْمَّأَ﴾ [آل
عمران: ١٧٨/٣]، وقال عزّ وجلّ: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ
وَأُعْلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُّ
حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (39)
[القلم: ٦٨ /٤٤-٤٥] .
٤٥
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ﴾ الآية: مَكر والله
بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم
وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول
الله وَّة: ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله
يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدِّين إلا من أحب، فمن
أعطاه الله الدِّين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده، لا يُسلم عبد حتی یُسلم
قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا رسول

٣٨٦
لُزُ (١٨) - المُؤْمِنُونَ: ٢٣ /٥١-٥٦
الله؟ قال: غَشْمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه، فيبارك
له فيه، ولا يتصدق به، فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى
النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث
لا يمحو الخبيث)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
ا - إن الأنبياء كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة،
فكذلك هم متفقون على التوحيد، وعلى اتقاء معصية الله تعالى.
والدين الذي لا خلاف فيه: معرفة ذات الله تعالى وصفاته، أي إثبات
وجود الله وتوحيده، أما الاختلاف في الشرائع والأحكام العملية الفرعية،
فلا يسمى اختلافاً في الدين.
◌َ - سوّى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال
وتجنب الحرام، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِنِِّ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وإذا كان هذا مع الأنبياء، فما ظنُّ كل الناس بأنفسهم؟!
(بَّ - الطيبات هي الحلالات، وإن لأكل الحلال أثراً ملموساً في حياة
الإنسان الدنيوية والأخروية، ففي الدنيا يبارك الله تعالى لمن أكل الحلال في
جسده وصحته ورزقه وأولاده وأمواله. وفي الآخرة يمتعه الله بالجنان. أما آكل
الحرام أو السحت فإنما يأكل ما يؤدي به إلى نار جهنم.
٤ - اتفقت الرسل جميعاً على الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد، وكان
أصل الدين واحداً بالدعوة إلى التوحيد وفضائل الأعمال، وما نشاهد من
اختلاف وخصام بين أتباع الأديان، فإنما هو من اختلاف الأمم والجماعات
فيما بينهم بحسب أهوائهم وعقولهم، وهو خروج عن أصل وحدة الدين الحق.

٣٨٧
الُرُ (١٨) - المؤمنُون: ٢٣ /٥١-٥٦
فمن تمسك بالحق المتمثل بالقرآن، ولم يصر على ما توارثه من عقائد محرفة
ومشوهة، وسار على نهج خاتم النبيين ◌َ﴾، كان من الفائزين الناجين.
٥ - إن الافتراق المحذر منه في الآية إنما هو في أصول الدين وقواعده، لا
في الفروع والجزئيات العملية، فذلك لا يوجب النار؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾ [المائدة: ٤٨/٥]، ويؤيد الآية حديث خرَّجه أبو
داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ قال: ((ألا إنّ من قبلكم من أهل
الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث
وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)).
٦ - إن الكرامة والمكانة للعبد عند الله ليست بالمال والولد، ولكن بالتقوى
والعمل الصالح.
لاً - لقد أخطأ أصحاب الأموال والثروات في الجاهلية وغيرها حينما ظنوا
أن الإمداد بالمال والولد دليل على رضا الله تعالى، وإنما هو على العكس
استدراج (أخذ قليلاً قليلاً) إلى مهاوي النار، أخرج أحمد والطبراني والبيهقي
في شعب الإيمان عن عقبة بن عامر أن النبي ◌َّ قال: ((إذا رأيت الله تعالى
يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه
استدراج».
لهذا شبَّ الله تعالى حالهم حين سَتَر الجهل والحيرة عقولهم بحال من غمره
الماء، فقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ أي فذر هؤلاء الجاهلين يتيهون في
جهالتهم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت معلوم.
والخلاصة: أن هذا الإمداد للكفار ليس إلا استدراجاً لهم إلى المعاصي،
واستجراراً إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات إكراماً لهم،
وتعجيلاً للثواب قبل وقته.

٣٨٨
الْخُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
صفات المسارعين في الخيرات
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ (
وَالَّذِينَ هُم بِشَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ
٥٧
٥٨
وَالَّذِينَ هُم بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ
٥٩
وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةُ أَنَهُمْ إِلَى
رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَّرَتِ وَهُمْ لَا سَِقُونَ ﴿ وَلَا تُكَلِفُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَأْ وَلَدَيْنَا كِنَبُ يَطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ﴾ ،
و﴿أُوْلَتِكَ﴾: مبتدأ، و﴿ يُسَرِيعُونَ﴾: جملة فعلية: خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره
في موضع رفع؛ لأنه خبر ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿ وَلَدَيْنَا كِنَبُ يَطِقُ بِالْحَقِّ﴾ استعارة، شبه الكتاب بمن له لسان ينطق،
مبالغة في وصفه بإظهار البيان وإعلان الأحكام.
﴿ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ﴾ جناس اشتقاق.
﴿ُشْفِقُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ﴿سَبِقُونَ﴾ سجع محكم.
المفردات اللغوية:
خوف من عقابه أو عذابه. ﴿تُشْفِقُونَ﴾ حذرون،
﴿خَشْبَةِ رَهِم﴾
والإشفاق: نهاية الخوف، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد لازمه وأثره وهو
دوام الطاعة.

٣٨٩
الُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
﴿بِثَّايَتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة والمنزلة، أي الآيات الكونية في الأنفس
والسماوات والأرض، والآيات المنزلة وهي القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون.
﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾ شركاً جلياً ولا خفياً. ﴿يُؤْثُونَ﴾ يعطون. ﴿مَآ ءَاتَواْ﴾ ما أعطوا
من الصدقات والأعمال الصالحة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ﴾ أي خائفة ألا تقبل منهم.
﴿ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ أي بأنهم راجعون إلى الله؛ لأن مرجعهم إليه.
﴿ أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَّرَتِ﴾ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها.
﴿وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ فاعلون السبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها.
﴿وُسْعَهَا﴾ ما يسع الإنسان فعله دون مشقة ولا حرج. ﴿كِنَبُ﴾ هو صحيفة
الأعمال. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع.
المناسبة:
بعد أن ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن
قَالٍ وَبَنِنٌ ﴿® ◌َُارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْزَنِّ﴾ أردف بعده صفات من يسارع حقيقة في
الخيرات، وهي أربع صفات: خشية الله، والإيمان بآيات ربهم، ونفي
الشريك لله تعالى، ويؤدون حقوق الله تعالى كالزكاة والكفارة، وحقوق
الآدميين كالودائع والديون، وقلوبهم خائفة ألا يُتَقَبَّل ذلك منهم.
التفسير والبيان:
هذه صفات المسارعين في الخيرات:
اً - ﴿إِنَّ الَِّينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ (
أي إن الذين هم من
٥٧
خوفهم من عذاب ربهم دائمون في طاعته، فالمراد من الإشفاق أثره وهو الدوام
في الطاعة. أو أن المراد خائفون من الله، ويكون الجمع بين الخشية والإشفاق
للتأکید.
أَ - ﴿ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي والذين هم بآيات الله

٣٩٠
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
الكونية والقرآنية المنزلة يصدقون تصديقاً تاماً لا شك فيه. والآيات الكونية:
هي آيات الله المخلوقة الدالة على وجوده بالنظر والفكر، كإبداع السماوات
والأرض وخلق النفس الإنسانية. والآيات المنزلة في القرآن، مثل الإخبار عن
مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢/٦٦]، أي أيقنت أن ما
كان إنما هو عن قدر الله وقضائه، ومثل ماشرعه الله، فهو إن كان أمراً فهو
مما يحبه ويرضاه، وإن كان نهياً فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيراً فهو
حق.
أي لا يعبدون معه غيره، بل
◌َ - ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ
يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله، الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ
صاحبةً ولا ولداً، وأنه لا نظير له ولا كفء له.
هي
٥٨
ويلاحظ أن الصفة الثانية: ﴿ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ
الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى، وهو توحيد الربوبية، والصفة الثالثة
هي توحيد الألوهية والعبادة ونفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصاً في
العبادة، بأن تكون لوجه الله تعالى وطلب رضوانه.
ولم يقتصر على الصفة الثانية؛ لأن كثيراً من المشركين يعترفون بتوحيد
الربوبية، كما قال تعالى: ﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١]، ولا يعترفون بتوحيد الألوهية والعبادة، فعبدوا
الأصنام والأوثان ومعبودات أخرى.
٤ - ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾﴾ أي
والذين يعطون العطاء، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن
يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق
والاحتياط؛ روى الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله
عنها أنها قالت: يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ﴾ هو الذي

٣٩١
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عزّ وجلّ؟ قال: ((لا يا بنت أبي
بكر، يا بنت الصدّيق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله
عزّ وجلّ)).
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ أي لأنهم أو من أجل أنهم.
والإيتاء لا يقتصر على العطاء المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل
حق يلزم إيتاؤه، سواء كان ذلك من حقوق الله تعالى، كالزكاة والكفارة
وغيرهما، أو من حقوق الآدميين، كالودائع والديون والعدل بين الناس؛ لأن
من يؤدي الواجب من عبادة أو غيرها، وهو وَجِل من التقصير والإخلال
بنقصان أو غيره، فإنه يكون مجتهداً في أن يوفّيها حقها في الأداء.
وترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن؛ لأن الصفة الأولى دلت على حصول
الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والصفة الثانية دلت على
أصل الإيمان والتعمق فيه، والصفة الثالثة دلت على ترك الرياء في الطاعات،
والصفة الرابعة دلت على الإتيان بالطاعات مع الخوف من التقصير، وذلك
هو نهاية مقامات الصديقين.
﴿ أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِى الْخَّرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ ﴾﴾ أي أولئك الذين
يبادرون في الطاعات لئلا تفوتهم، ويتعجلون في الدنيا وجوهٍ النفع والإكرام؛
كما قال تعالى: ﴿فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٣/
١٤٨]، وقال: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾
[العنكبوت: ٢٧/٢٩]، وهم لأجل الطاعات سابقون الناس إلى الثواب،
وينالون الثمرة في الدنيا قبل الآخرة، لا أولئك الكفار الذين أمددناهم بالمال
والبنين، فظنوا خطأ أن ذلك إكرام لهم.
والخلاصة: أن السعادة ليست هي سعادة الدنيا، وإنما سعادة الآخرة
بالعمل الطيب، وإيتاء الصدقات، مع الخوف والخشية.

٣٩٢
لِلُ (١٨) - المُؤْنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
وبعد بيان كيفية أعمال المؤمنين المخلصين، ذكر الله تعالى حكمين من
أحكام أعمال العباد:
الأول - ﴿ وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ أي إن منهاج شرعنا ألا نكلف
نفساً إلا قدر طاقتها، وهذا إخبار عن عدله في شرعه، ورحمته بالعباد، وهو
أيضاً يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس.
والثاني - ﴿وَلَدَيْنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحَقِّ﴾ أي ولدينا كتاب الأعمال أو
صحائف الأعمال، وقيل: اللوح المحفوظ، يبين بدقة وصدق لا يخالف
الواقع أعمال الناس في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿هَذَا كِنَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ
﴾ [الجاثية: ٢٩/٤٥]، وقال سبحانه: ﴿لَا
٢٩
إِنَّا كُنَّا نَسْتَفْسِخُ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ
يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩/١٨]، فالأظهر أن المراد
بالكتاب كتاب إحصاء الأعمال.
ثم بَيَّن الله تعالى فضله على عباده في الحساب بعد بيان يسر التكليف فقال:
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي وهم لا يبخسون في الجزاء من الخير شيئاً، بل يثابون
على ما قدموا من الأعمال القليلة والكثيرة، ولا يزاد في عقابهم، فهم لا
يظلمون بزيادة عقاب أو نقصان ثواب، بل يعفو الله عن كثير من السيئات.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - إن ميزان قبول الأعمال يعتمد على الصفات الأربع، وهي: الخوف
من عذاب الله، والإيمان بآيات الله، وإخلاص العبادة لله ونفي الشرك
الخفي، وأداء الواجبات مع الاجتهاد في إيفائها حقها.
اً - نبهت الآيات على خاتمة الإنسان وهي الرجوع إلى لقاء الله تعالى، جاء
في صحيح البخاري: ((وإنما الأعمال بالخواتيم)).

٣٩٣
الجُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٥٧-٦٢
◌ّ - إن المؤمنين المتصفين بالصفات المتقدمة هم الذين يبادرون في
الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغُرُفات. وأما قوله تعالى:
﴿وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾ فقال القرطبي: أحسن ما قيل فيه: إنهم يسبقون إلى أوقاتها.
ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل. وكل من تقدم في شيء فهو سابق
إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وقته. فاللام في ﴿لَا﴾ على هذا القول بمعنى
إلى، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (®﴾ [الزلزلة: ٥/٩٩]، أي أوحى
إليها(١). وقال الزمخشري والرازي: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون.
وهذا ما جرينا عليه في التفسير. ويجوز أن يكون معنى ﴿وَهُمْ لَهَا﴾ بمعنى: أنت
لها وهي لك.
٤ - إن الذي وصف الله به الصالحين غير خارج عن حد الوسع والطاقة.
وهذا ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف لا يطاق. والآية تقرر مبدأ
عاماً في التكليف وهو التيسير ودفع الحرج، كما في آية البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢].
هَ - أظهر ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَدَتِّنَا كِثَبٌ يَنَطِقُ بِالْقٍ﴾: أنه أراد
كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة. وأضافه إلى نفسه؛ لأن الملائكة
كتبت فيه أعمال العباد بأمره، فهو ينطق بالحق ..
وفي هذا تهديد وتأييس من الخَيْف والظلم.
٩ - إن الجزاء على الأعمال لا ظلم فيه بزيادة عقاب أو نقصان ثواب،
فلا يظلم ربك أحداً من حقه، ولا يحطه عن درجته، بل إن فضل الله واسع،
ورحمته وسعت كل شيء، فإنه يعفو ويصفح عن كثير من السيئات لعباده
المؤمنين.
(١) تفسير القرطبي: ١٣٣/١٢

٣٩٤
الُعُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
إنكار أعمال الكفار ومشركي قريش وأسبابها
﴿بَّ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَلُ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ
خََّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْتَّرُونَ (٤َ لَا تَجْثَرُواْ الْيَوْمَّ إِنَّكُ مِنَّا لَا
تُصَرُونَ ﴿ قَدْ كَانَتْ ءَايَتِىِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَِكُمْ تَنْكِصُونَ
٦٦
مُسْتَكْبِيِنَ بِهِ، سَِرًا تَهْجُرُونَ ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ
الْأَوَّلِينَ ﴿َ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ
جَآءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴿ وَلَوِ أَتَّبَعَ اُلْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِرَبََّّ بَلْ أَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ
أَمْ تَثَلُهُمْ خَرْهَا فَخَرَاجُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى
٧٤
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِّرَطِ لَكِبُونَ
صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ لـ
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُّ لَّلَجُواْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ وَلَقَدْ
أَخَذْنَهُمْ بِلْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ
حَتَّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا
VV
عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ
القراءات:
﴿تَهْجُرُونَ﴾ :
وقرأ نافع (تُهْجِرُون).
﴿خَرْجًا فَخَرَجُ﴾
قرئ:
١- (خَرْجاً فَخَرْج) وهي قراءة ابن عامر.
٢- (خَرَاجاً فَخَراج) وهي قراءة حمزة، والكسائي.

٣٩٥
الُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
اسے
٣- (خَرْجاً فَخَراج) وهي قراءة الباقين.
(صِرَطٍ﴾: ﴿الصِّرَطِ﴾
وقرأ قنبل (سراط)، (صراط).
الإعراب:
(4) ﴿مُسْتَكْرِينَ﴾ و﴿سَمِرًا﴾ منصوبان
﴿ مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ
على الحال. و﴿بِهِ،﴾ من صلة (سامر). وقال ﴿سَمِرًا﴾ بصيغة الإفراد بعد قوله
﴿ مُسْتَكْبِينَ﴾ لأن ﴿سَمِرًا﴾ في معنى (سَُّار) فهو اسم جمع، كالجامل والباقر:
اسم لجماعة الجمال والبقر. و﴿تَهْجُرُونَ﴾ من هَجَر يهجُر هَجْراً وهُجراناً،
والمراد: تهجرون آياتي وما يتلى عليكم من كتابي. وقرئ بضم التاء (تُهجرون):
من (أهجر): إذا هذى، والهجر: الهذيان فيما لا خير فيه من الكلام.
﴿أَسْتَكَانُواْ﴾ أصله: استكونوا بوزن استفعلوا، من الكون، فنقلت فتحة
الواو إلى الكاف، فتحركت في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفاً.
البلاغة:
﴿ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَِكُمْ تَكِصُونَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه إعراضهم عن الحق
بالراجع القهقرى إلى الخلف.
المفردات اللغوية:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي الكفار ﴿فِى غَمْرَةِ﴾ في غفلة غامرة لها وجهالة ﴿مِّنْ
هَذَا﴾ من كتاب الحفظة، أو مما وصف به هؤلاء، أو من القرآن ﴿ وَلَمْ أَعْمَلٌ
مِّن دُونِ ذَلِكَ﴾ أي أعمال خبيثة متجاوزة لما وصفوا به أو أدنى مما هم عليه من
الشرك أو غير ذلك ﴿هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ معتادون فعلها، فيعذبون عليها.

٣٩٦
الخُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
﴿حَتٌَّ﴾ ابتدائية يبتدأ بعدها الكلام، وهو الجملة الشرطية هنا ﴿مُتْرِفِيهِم)
متنعميهم وهم أغنياؤهم ورؤساؤهم ﴿ِاَلْعَذَابِ﴾ يعني القتل يوم بدر، أو
الجوع حين دعا عليهم الرسول وَلل، فقال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر،
واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف
والعظام المحترقة ﴿يَجْثَرُونَ﴾ يصيحون ويضجون، وقد فاجؤوا الصراخ
بالاستغاثة، وهو جواب الشرط.
﴿إِلَا نُصَرُونَ﴾ لا تمنعون منا، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا ولا
ينصركم أحد، وقوله: ﴿إِنَّكُ مِّنَا لَا نُصَرُونَ﴾ تعليل للنهي، أي لا تجأروا فإنه
لا ينفعكم ﴿وَيَتِ﴾ القرآن ﴿نَنِصُونَ﴾ ترجعون وراءكم، والمراد: تُعرضون
مدبرين عن سماع الآيات وتصديقها والعمل بها ﴿مُسْتَكْبِينَ﴾ عن الإيمان
﴿بِهِ﴾ أي بالتكذيب أو بالبيت الحرام بأنهم أهله وقوامه، وأنهم في أمن
بخلاف سائر الناس في مواطنهم، والباء على هذا المعنى متعلقة بمستكبرين؛
لأنه بمعنى مكذبين ﴿سِرًا﴾ أي جماعة ◌ُتماراً، وهم الذين يتحدثون بالليل
حول البيت، يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ﴿تَهْجُرُونَ﴾ إذا كان من
الثلاثي (هجر) أي بفتح التاء: أي تتركون القرآن من الهجْر وهو القطيعة،
وإذا كان من الرباعي (أهجر) أي بضم التاء: أي تقولون غير الحق في النبي
والقرآن، من الحُجْر: وهو الهذيان والفحش.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ اُلْقَوْلَ﴾ أي يتدبروا القرآن الدال على صدق النبي ◌َّ، ليعلموا
أنه الحق من ربهم، بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله ﴿أَمْ جَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ
ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَِّينَ﴾ من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله، فلم
يخافوا كما خاف آباؤهم الأقومون کإسماعيل وأعقابه، فآمنوا به وكتبه ورسله
وأطاعوه ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾ بالأمانة والصدق، وحسن الخلق، وكمال
العلم، مع عدم التعلم، إلى غير ذلك من صفات الأنبياء ﴿فَهُمْ لَهُ مُنِكِّرُونَ﴾
دعواه.

٣٩٧
◌ِلُعُ (١٨) - المؤمنُونَ: ٢٣ /٦٣ -٧٧
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ﴾ أي جنون، فلا يبالون بقوله، وكانوا يعلمون أنه
أرجحهم عقلاً، وأتقنهم نظراً. والاستفهام للتقرير بالحق، من صدق النبي
وَّل، ومجيء الرسل للأمم الماضية، ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة، وأن
لا جنون به ﴿بَلِ﴾ للانتقال ﴿جَآءَهُم بِالْحَقِّ﴾ أي القرآن المشتمل على التوحيد
وشرائع الإسلام. ﴿ وَأَكْتُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾ لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم،
فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر؛ لوجود أناس منهم تركوا الإيمان
خشية توبيخ قومه، لا لكراهته للحق.
﴿ وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي لو اتبع القرآن ما يستهوون، بأن كان في
الواقع آلهة شتى، أو ما يهوونه من الشريك والولد لله ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ
وَاُلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ أي خرجت عن نظامها المشاهد ﴿بَلْ أَنَيَْهُم بِذِكْرِهِم﴾
القرآن الذي فيه ذِكْرهم وشرفهم وفخرهم ووعظهم.
﴿خَرْجًا﴾ أجراً أو جعلاً على أداء الرسالة ﴿فَخَرَجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي أجره
وثوابه ورزقه خير وأبقى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ أفضل من أعطى وآجر.
﴿صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق قويم لا عوج فيه وهو دين الإسلام ﴿لَا يُؤْمِنُونَ
بِالْآَخِرَةِ﴾ بالبعث والثواب والعقاب ﴿عَنِ اٌلْصِّرَطِ﴾ الطريق ﴿لَكِبُونَ﴾
عادلون عن طريق الرشاد، فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق
وسلوك طريقه.
﴿ضُرِّ﴾ جوع أصابهم بمكة سبع سنين ﴿لَّلَجُواْ﴾ تمادوا ﴿ فِي طُغْيَنِهِمْ﴾
ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ﴾ يعني القتل يوم بدر
أو الجوع ﴿فَمَا اُسْتَكَانُواْ﴾ تواضعوا وخضعوا وذلوا ﴿وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ لا
يرغبون إلى الله بالدعاء، بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم ﴿حَتّىَ﴾ ابتدائية
﴿ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ صاحب عذاب، هو يوم بدر بالقتل ﴿مُبْلِسُونَ﴾ متحيرون
آیسون من كل خير.

٣٩٨
لِلْزُ (١٨) - المُؤْزَنُونَ: ٢٣ / ٦٣ -٧٧
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿ مُسْتَكْبِيْنَ بِهِ﴾ : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت
قريش تسمر حول البيت، ولا تطوف به، ويفتخرون به، فأنزل الله:
﴿ مُسْتَكْبِيْنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ
نزول الآية (٧٦):
﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ﴾ : أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس قال:
جاء أبو سفيان إلى النبي وَّ، فقال: يا محمد، أنشدك بالله والرحم، قد أكلنا
العِلْهز، يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِلْعَذَابِ فَمَا أُسْتَكَانُواْ
لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ
وأخرج البيهقي في الدلائل بلفظ أن تُمامة بن أثال الحنفي، لما أُتي به للنبي
وَلَه، وهو أسير، خلّ سبيله، وأسلم، فلحق بمكة، ثم رجع، فحال بين أهل
مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى
النبي ◌َّة، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال: فقد
قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن الدين يسر لا عسر، فلا تكليف إلا بقدر الطاقة،
أردف ذلك بالإنكار على الكفار والمشركين من قريش، ووصفهم بأنهم في
غمرة من هذا الذي بُيِّن في القرآن، أو من وصف المشفقين، وأن لهم أعمالاً
أخرى أسوأ في الكفر والعصيان، كالشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء
بالنبي ◌َّر، وإيذاء المؤمنين.

٣٩٩
الُ (١٨) - المُؤْمنُون: ٢٣ / ٦٣-٧٧
وبعد أن بين أنه لا ينصر أولئك الكفار، أتبعه بعلة ذلك، وهي أنه متى
تليت عليهم آيات القرآن، أتوا بأمور ثلاثة: هي النفور والإعراض عن تلك
الآيات وعن تاليها، والاستكبار بالبيت العتيق أو الحرم قائلين: ((لا يظهر
علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم)) والسمر بذكر القرآن والطعن فيه.
ولما زيَّف طريقة القوم، أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول وَّه، فقال:
﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣)﴾ ولكن الكفار تنكبوا عن هذا الطريق
وعدلوا عنه، وقد أنذرهم ربهم بإحلال العذاب عليهم بالقتل يوم بدر،
والجوع وغير ذلك، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم، وتمادوا في ضلالهم، وهم
متحيرون.
التفسير والبيان:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ أي بل قلوب الكفار والمشركين في غفلة
وضلالة من هذا البيان الشافي في القرآن، ومن هدايته لأقوم الطرق، وإسعاده
للناس في دنياهم وآخرتهم.
﴿وَهُمْ أَعْمَلٌ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ أي ولهم أعمال سيئة منكرة غير
ذلك أي غير الغفلة والجهل وهو الشرك والطعن في القرآن وإيذاء النبي تَل
والمؤمنين، هم لها عاملون قطعاً في المستقبل. وإنما قال ذلك؛ لأن تلك
الأعمال مثبتة في علم الله وفي اللوح المحفوظ ومكتوبة مسجلة عليهم سلفاً،
لإحاطة علم الله بها، وعلم الله لا يتغير.
﴿حَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ ﴾﴾ أي حتى إذا أوقعنا
مترفيهم (وهم المتنعمون البطرون في الدنيا) في العذاب الشديد والبأس
والنقمة بهم، صرخوا واستغاثوا، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالُْكَذِّبِينَ أُوْلِ
﴿﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا (1)﴾ [المزمل: ١١/٧٣- ١٢]
النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (
وقال سبحانه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنْ قَرْنٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ
[ص: ٣/٣٨] .

٤٠٠
الجُرُ (١٨) - المُؤْمنُونَ: ٢٣ / ٦٣-٧٧
﴿لَا تَجْمَرُواْ الْيَوْمَّ إِنَّكُ مِّنَا لَا تُصَرُّونَ (6) أي لا فائدة ولا جدوى من
الصراخ، فلا يدفع عنكم ما يراد إنزاله بكم، وقد لزم الأمر ووجب
العذاب، ولن تجدوا ناصراً ينصركم، ويحول بينكم وبين العقاب الأليم.
وأسباب حجب نصر الله لهم وإيقاع هذا الجزاء ثلاثة هي:
اً - ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَِىِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنْكِصُونَ (﴾﴾ أي
إنه متى تليت عليكم آيات القرآن نفرتم منها وأعرضتم عن سماعها وعمن
يتلوها، كما يذهب الناكص (الراجع) على عقبيه، بالرجوع إلى ورائه.
والمراد: أنهم يعرضون عن الحق، فإذا دعوا أبوا، وإن طلبوا امتنعوا.
٣َ - ﴿ مُسْتَكْبِنَ بِهِ﴾ أي إنهم حال نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه
يكونون مستكبرين استكباراً عليه (أي على الحق) واحتقاراً له ولأهله.
وضمير ﴿بِهِ﴾ عائد إلى البيت العتيق أو الحرم، فإنهم كانوا يفتخرون به
ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا به، أو أنه عائد إلى القرآن أو إلى محمد رَالت،
فإنهم كانوا يصفون القرآن بأنه سحر أو شعر أو كِهانة، ويقولون عن النبي
وَالر: إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو كذاب أو مجنون، وكل ذلك باطل،
فالقرآن حق، ومحمد نبي الحق، وليس الاستكبار من الحق.
◌َّ - ﴿سَمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ أي سماراً حول البيت، تتركون القرآن، أو تأتون
بالهذيان، فتسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وعلى هذا تتعلق كلمة ﴿بِهِ،﴾
بـ: ﴿سَمِرًا﴾.
وبعد أن وصف حالهم، أبان أن إقدامهم على هذه الأمور، لا بد من أن
يكون لأحد أسباب أربعة هي:
اً - ﴿أَفَلَمْ يَذَبَُّواْ اُلْقَوْلَ﴾ أي أفلا يتفهم المشركون هذا القرآن العظيم؟ مع
أنهم خصوا به، وهو معروف لهم بياناً وفصاحة وبلاغة ومضموناً سامياً، ولم