النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ لِلُعُ (١٧) - الخِّوّ: ٢٢ / ٧١-٧٦ التفسير والبيان: هذه بعض أباطيل المشركين الدالة على جهلهم وكفرهم وسخافتهم فيقول تعالی: اً - ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِلَّمٌ] [الحج: ٧١/٢٢] أي ويعبد هؤلاء المشركون آلهة من غير الله، ليس لهم دليل نقلي ولا عقلي على عبادتها، فهو تعالى لم ينزل من السماء بجواز عبادتها حجة ولا برهاناً، وهو المقصود بالدليل النقلي السمعي، والمراد من قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ وليس لهم دليل عقلي وهو المراد بقوله: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِّ﴾ وإذا لم يكن هناك دليل مقبول، فهو عن تقليد للآباء والأسلاف، أو عن جهل وشبهه، وكل ذلك باطل. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا ﴾ [المؤمنون: ١١٧/٢٣]. وفي حِسَابُ عِندَ رَبِّهِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ الآية إشارة إلى أن الكافر قد يكون كافراً، وإن لم يعلم كونه كافراً، ودلالة على فساد التقليد القائم على الجهل. ﴿وَمَا لِلّلِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أي ليس للكافرين الظالمي أنفسهم من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العقاب أو العذاب. أَ - ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتِ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ﴾ أي وإذا ذكرت للمشركين آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأن لا إله إلا الله، وأن رسله الكرام حق وصدق، ظهرت على وجوههم دلالة الغيظ والغضب، وامتلأت قلوبهم حقداً ونفوراً. ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا﴾ أي يكادون أو . ٣٠٢ الجُعُ (١٧) - الدِّوْ: ٢٢ / ٧١-٧٦ يقاربون يبطشون بالذين يحتجون عليهم بدلائل القرآن الصحيحة، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. وهذا يدل على غليان قلوبهم بالكفر، وسيطرة الجهالة والعناد والكفر عليها، حتى أصبحوا ميئوساً من علاجهم، وصاروا متمردين على الأنبياء والمؤمنين. ﴿قُلْ أَفَأْتِيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مقابلة لوعيدهم: ألا أخبركم بشر من غيظكم الذي ملأ قلوبكم؟ هو النار التي وعدها الله للكافرين، فعذابها ونكالها أشد وأشق وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، بل هو أعظم مما تنالون منهم فعلاً، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وبئس المصير، أي وبئس النار موئلاً ومُقاماً لكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦/٢٥] . ثم نبه الله تعالى على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها، وبيان حال هذه الأشباه والأمثال الله في زعمهم، فقال: (يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأُسْتَمِعُواْ﴾ أي يا أيها البشر قاطبة جعل مثل أي شبه لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، فأنصتوا وتفهموا حال تلك المعبودات، وإذا فُهم حالها يكون حال عابديها أسوأ، فهم كالأصنام وأسوأ منها، وحالها هو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِمْ﴾ أي إن ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد لن يقدروا على خلق ذبابة واحدة، حتى ولو تعاون واجتمع لهذه المهمة جميع تلك المعبودات. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلُق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذُرة أو ذبابة أو حبة)) ورواه الشيخان بلفظ آخر: ((قال الله عز وجل: من أظلم مِمَّن ذَهَبَ يخلُق كخَلْقي، فَلْيَخلُقُوا ذُرَة، فليخلقوا شعِیرة)). ٣٠٣ الُعُ (١٧) - الحِّرُ: ٢٢ / ٧١-٧٦ ﴿وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ ج وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي كما أنهم عاجزون عن خلق ذبابة واحدة، هناك ماهو أبلغ من ذلك عاجزون من مقاومته والانتصار منه، فلو سلب الذباب شيئاً مما على الأصنام من الطيب، لا تقدر أن تستنقذه منه، علماً بأن الذباب أضعف مخلوقات الله، لذا قال: ﴿ضَعُفَ اُلْطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي عجز الطالب وهو الإله المعبود من استنقاذ الشيء المسلوب من الذباب المطلوب، أو ضعف عابد الصنم، والصنم المعبود. وهذا يدل على جهالتهم وغباوتهم؛ لأن العابد يتأمل عادة النفع أو دَفْع الضُّرِّ من المعبود، وعابد الصنم لا يحقق لنفسه شيئاً، مما يدل على حقارة الصنم وضعفه، وغباء عابده، فكيف يصح جعله مثلاً لله في العبادة. ثم قال تعالى مؤكداً عبثهم وجهلهم وعدم معرفتهم حق الله تعالى: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ (٣)﴾ أي ما عرفوا قدر الله وعظمته، وما عظموه حق التعظيم، حين عبدوا معه غيره، كهذه المخلوقات الجمادات التي لا تقاوم الذباب لضعفها. والله هو القوي القادر الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، العزيز الذي عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يغالب ولا يمانع، لعزته وعظمته وسلطانه، فهو الجدير بالعبادة والتعظيم. ونظائر الآية كثير منها: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَكُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ ﴿﴿ إِنَّهُ هُوَ يُدِىُ وَبُعِيدُ ١٣ [البروج: ١٢/٨٥-١٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ (٥٨) ) [الذاريات: ٥١/ ٥٨] . ثم انتقل بيان الله تعالى من الإلهيات إلى النبوات فقال: ٣٠٤ الزُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١-٧٦ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ﴾ أي أن الله يختار من الملائكة رسلاً لتبليغ الوحي إلى الأنبياء، ومن الناس لإبلاغ الرسالة إلى العباد، حسبما يشاء وعلى وفق ما يريد. قيل: إن الوليد بن المغيرة قال: أو أنزل عليه الذكر من بيننا؟ فنزلت الآية. ﴿إِنَ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق اختياره للرسالة. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم علماً تاماً بأحوال الملائكة والرسل والمكلفين، ما مضى منها، وما يأتي، فلا يخفى عليه شيءٍ من أمورهم، كما قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (َ إِلَّا مَنِ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ ٢٧ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا [الجن: ٧٢٪ ٢٨١ ٢٦-٢٨] . ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي وإليه يوم القيامة مرجع الأمور كلها، فلا أمر ولا نهي لأحد سواه. وهذا إشارة إلى القدرة التامة، والتفرد بالألوهية والحكم. وقوله ﴿مَا بَيْن أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يتضمن مجموعهما الزجر عن الإقدام على المعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - إن عبدة الأوثان مثل كفار قريش يعبدون من غير الله آلهة، ليس لهم دليل سمعي نقلي أو عقلي، لذا توعدهم ربهم بقوله: ﴿وَمَا لِلَّلِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أي ناصر ومعين. ٣٠٥ لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١-٧٦ أَ - إن تأصل الكفر والعناد والاستكبار في نفوس أولئك الكفرة، جعلهم في أشد حالات الغضب والعبوس والحقد إذا تليت عليهم آيات القرآن، ويكادون يبادرون إلى البطش الشديد بمن يحتج عليهم بدلائل القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء. ◌َّ - أمر الله تعالى نبيه و ير أن يقابل وعيدهم بقوله: هل أخبركم بما هو أسوأ أو أشنع وأكره من تخويفكم المؤمنين وبطشكم بهم ومن هذا القرآن الذي تسمعون؟ إنه نار جهنم وعذابها ونكالها، وعدها الله الذين كفروا يوم القيامة، وبئس المصير، أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار. فهذا وعيد لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ٤ - ضرب الله مثلاً لحال الكفار وأصنامهم؛ لأن حجج الله تعالى عليهم بضرب الأمثال أقرب إلى أفهامهم، وهو في الحقيقة ليس مثلاً، وإنما هو لما في صفتهم وحالهم من الاستغراب والتعجب سمي مثلاً، تشبيهاً لتلك الصفة ببعض الأمثال السائرة. والمعنى: ضربوا لله مثلاً فاستمعوا قولهم؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلاً بعبادتهم غيره؛ فكأنه قال: جعلوا لي شبيهاً في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا التشبيه. فالكفار هم ضاربو المثل. أو أن المعنى: يا أيها الناس، هذا مَثَل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذباباً، وإن سلبها الذباب شيئاً لم تستطع أن تستنقذه منه، أي أن الله هو ضارب المثل. والأدق في المعنى: ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلاً، أي بيَّن الله لكم شبهاً ولمعبودكم، فالمثل يشمل العابد والمعبود. ة - المثل: هو أن الذين تعبدون من دون الله وهي الأوثان التي كانت حول الكعبة، وعددها ثلاث مئة وستون صنماً، لن يقدروا أن يخلقوا ذبابة ٣٠٦ الِزُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١-٧٦ واحدة، ولن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم أمام ذبابة إذا أراد أن يأخذ شيئاً مما عليها - على الأوثان - من الطيب والزعفران الذي كانوا يطلون به أصنامهم. لقد ضعف وعجز الطالب وهو الآلهة، والمطلوب: وهو الذباب، أو عابد الصنم والصنم المعبود، فالطالب: يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم: المطلوب إليه. ٩ - ما عظّم هؤلاء المشركون الله حق عظمته، حيث جعلوا هذه الأصنام العاجزة شركاء له، وهو القادر القهار، القوي العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، ومن يجرؤ على مغالبته؟ !. اً - الاختيار المطلق لله عز وجل في اصطفاء الملائكة يتوسطون لإبلاغ الوحي إلى الأنبياء، وفي اصطفاء الرسل من البشر لتبليغ الرسالة إلى الناس. والمراد بالآية: إن الله اصطفى محمداً ويله لتبليغ الرسالة؛ فليس بعثه محمداً أمراً بِدْعِياً. إن الله سميع لأقوال عباده، بصير بمن يختاره من خلقه لرسالته. وهو سبحانه عليم بكل ما قدموا وما خلفوا، وإليه وحده مرجع الأمور كلها، فيجازي العباد على أعمالهم. ٣٠٧ الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ أوامر التشريع والأحكام (يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ اُلْخَبْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (٨) وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَئِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمُ فِى الْذِيْنِ مِنْ حَرَجْ مِلَّةَ أَبِكُمْ إِنََّهِيَمَّ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِنَّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى ٧٨ وَنِعْمَ النَّصِيرُ الإعراب: ﴿مِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنَزَهِيمٌ﴾ ﴿مِّلَّةَ﴾: إما منصوب بفعل مقدر، أي اتبعوا ملة أبيكم، وإما منصوب على البدل من موضع الجار والمجرور، وهو قوله: ﴿فِي اُلّينِ﴾ لأنه منصوب بجعل. وإما منصوب بنزع الخافض وهو الكاف، أي كملة أبيكم إبراهيم، أي وسع عليكم في الدين كملة إبراهيم، وهذا بعيد. ويجوز نصبه على الإغراء أو على الاختصاص. و﴿إِبْرَهِيمٌ﴾: عطف بيان. ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا﴾ ﴿هُوَ﴾: يراد به الله تعالى، أو يراد به إبراهيم. ﴿وَفِ هَذَا﴾: أي سماكم المسلمين في هذا القرآن، وفاعل ﴿سَمَّنْكُمْ﴾ ضمير يعود على الله أو على إبراهيم. البلاغة: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ مجاز مرسل، من إطلاق الجزء على الكل، أي صلوا باعتبار الركوع والسجود من أهم أركان الصلاة. ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُوْ رَّكُمْ وَأَفْعَلُوْ اُلْخَيْرَ﴾ فيه ذكر العام بعد الخاص للعناية بشأن الخاص، ثم ذكر الأعم. ٣٠٨ الْجُ (١٧) - الخُرْجُ: ٢٢ / ٧٧-٧٨ المفردات اللغوية: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ أي صلوا. ﴿ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ وحدوه وتعبَّدوه بسائر ما تعبدكم به . ﴿وَأَفْعَلُوْ اْلْخَيْرَ﴾ أي افعلوا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون، كنوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي افعلوا هذه كلها، وأنتم راجون الفلاح، غير متيقنين له. والآية آية سجدة عند الشافعية، لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود، ولقوله وَله: (فضلت سورة الحج بسجدتين، من لم يسجدهما، فلا يقرأهما)). ﴿وَجَهِدُوْ فِ اللَّهِ﴾ أي في سبيله ومن أجله أعداء دينه. ﴿حَقَّ جِهَادِهِْ﴾ أي جهاداً حقاً خالصاً لوجهه، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة، كقولك: هو حق عالم. وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعاً، أو لأنه مختص بالله. والجهاد: استفراغ الوسع في مجاهدة العدو، وهو ثلاثة أنواع: مجاهدة العدو الظاهر كالكفار، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس والهوى، وهذه أعظمها، فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال: ((قدم على رسول الله ◌َّر قوم غزاة، فقال: قدمتم خير مَقْدَم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه)). وروي عنه بَّر أنه رجع من غزوة تبوك، فقال: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)) (١). ﴿هُوَ اجْتَبَنَكُمْ﴾ اختاركم لدينه ولنصرته، وفيه تنبيه على مقتضي الجهاد والداعي إليه . ﴿حَرَجْ﴾ ضيق وعسر ومشقة، بتكليفكم ما يشق عليكم، بأن سهله عند الضرورات، كقصر الصلاة الرباعية، والتيمم، وأكل الميتة، والفطر للمريض والمسافر. وفيه إشارة إلى أنه لا عذر لأحد في ترك التكليف، فهو إما عزيمة، وإما رخصة، قال : ﴿ فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: ((إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)). (١) انظر تخريج الحديث ودرجة ضعفه في كشف الخفا. ٣٠٩ لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ﴿ِلَّةَ أَبِيَكُمْ إَِزَهِيمٌ﴾ أي شريعته، وإنما جعل أباً للمسلمين؛ لأنه أبو رسول الله وَ ◌ّل، وهو كالأب لأمته، من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته، فغلِّبوا على غيرهم. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل القرآن في الكتب المتقدمة. ﴿ وَفِ هَذَا﴾ أي القرآن. ﴿هُوَ سَمَّنَكُمْ﴾ الضمير يعود إلى الله، بدليل قراءة: (الله سماكم) أو لإبراهيم، لقوله المتقدم: ﴿وَمِن ذُرِّيَّقِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ﴾. ﴿لِيَكُونَ اُلرَّسُولُ﴾ متعلق بسماكم. ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بأنه بلّغكم، فيدل على قبول شهادته لنفسه، اعتماداً على عصمته . ﴿ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِّ﴾ بتبليغ الرسل إليهم، أي تكونوا أنتم شهداء على الناس أن رسلهم بلَّغوهم. ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات، لما خصكم بأنواع الفضل والشرف . ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ أي وثقوا به في مجامع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصرة إلا منه . ﴿هُوَ مَوْلَئِكُمْ﴾ ناصركم ومتولي أموركم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ هو؛ إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا ناصر سواه في الحقيقة. المناسبة: بعد أن تكلم الله تعالى في الإلهيات، ثم في النبوات، أتبعه بالكلام في الشرائع والأحكام من نواحٍ أربع هي : اً - تعيين المأمور: وهم المكلفون: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. أَ - وأقسام المأمور به: وهي أربعة: الصلاة، وعبادة الله وحده، وفعل الخير، والجهاد. ٣ - وما يوجب قبول تلك الأوامر: وهو ثلاثة: الاجتباء، وكون التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه السلام، وتسميتكم مسلمين في القرآن وسائر الكتب المتقدمة عليه. ٣١٠ الجُزءُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ٤ - تأكيد ذلك التكليف بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله تعالى، أي الاستعانة به. التفسير والبيان: هذه أوامر تكليفية إلهية يراد بها توثيق الصلة بالله تعالى، وتهذيب النفس، وجهاد الأعداء، وإقامة صرح العدالة الاجتماعية في شرع الله ودينه، فقال تعالی: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَرْكَعُوْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُوْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ اُلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (4) أي يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، وآمنوا باليوم الآخر صلوا صلاتكم المفروضة المشتملة على الركوع (الانحناء لله عز وجل) والسجود (الخضوع بأشرف أجزاء الإنسان وهو الوجه لله تعالى) واعبدوه بسائر ما تعبدكم به كمناسك الحج والصيام ونحوها، وتحروا فعل الخير الذي يرضي ربكم ويقربكم منه من أداء نوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وهذا يشمل كل فضيلة في الإسلام، وفعل الخيرات عام للتكاليف جميعها، يشمل ما يصلح علاقة العبد بالرب، وما يصلح علاقات الناس بعضهم مع بعض. لذا جمعت الآية أسمى درجات التهذيب النفسي والاجتماعي، فكل ما أمر الله به خير، لذا قال معللاً ذلك الأمر بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لتفلحوا أو افعلوا هذا راجين الفوز والفلاح بما عند الله من الثواب والرضوان. والفلاح: الظفر بنعيم الآخرة. وتأكيداً لإعداد الذات المؤمنه وتهذيبها، وصوناً للجماعة المؤمنة من كيد أعدائها أمر الله بالجهاد، فقال: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهٍِ﴾ أي وجاهدوا في سبيل نصرة دين الله، ٣١١ الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ومن أجل إرضاء الله، جهاداً حقاً خالصاً لوجهه الكريم، لا يشوبه رياء، ولا يثني عنه لوم لائم، فالجهاد في الله: معناه الجهاد في سبيله ومن أجل دينه، والأولى أن يحمل الجهاد على المعنى العام الذي يشمل جميع أنواعه. والجهاد أنواع ثلاثة كما بينا: جهاد النفس والهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار المعتدين والمنافقين المرجفين. ويكون الجهاد الأخير بالأموال والألسن والأنفس، أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس رضي الله عنه أن النبي وَ﴿ قال: ((جاهِدُوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) وجهاد اللسان يكون بالحجة والبيان والإعلام، والجهاد بالنفس بحمل السلاح يكون للمعتدين، وهو فرض كفاية على المسلمين، يجزئ فيه قيام بعضهم به متى حققوا المطلوب، وإلا فعلى حسب رأي الحاكم ولو بالنفير العام. وجهاد النفس أصل لجهاد العدو الظاهر، فهو الجهاد الأكبر كما وصفه الرسول و98 في الحديث المتقدم، ولهذا كان فرض عين على كل مسلم. وكذلك جهاد أهل الظلم والبدع فريضة على كل مكلف على قدر طاقته، كما قال رسول الله ◌َ﴿ - فيما يرويه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). ونظير الآية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيْرًا ﴿﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ [الفرقان: ٥١/٢٥-٥٢] . وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا فَانْقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتَمْ﴾ [التغابن: والآية محكمة غير منسوخة بقوله تعالى: ١٦/٦٤] فليس المقصود بقوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ،﴾ الغاية القصوى التي تتجاوز الوسع وحد الاستطاعة، وإنما المراد الإخلاص لإعلاء دين الله، وتأييد شرعه، والتدرع بالقوة والعزيمة والصبر، والترفع عن المطامع المادية كالغنيمة أو غيرها من شهوات الدنيا. ٣١٢ للزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ وإضافة ﴿حَقَّ﴾ إلى (جهاد) في قوله تعالى: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ من إضافة الصفة للموصوف، كما بينا، وإضافة (جهاد) للضمير في قوله: ﴿جِهَادِهِ﴾ يراد بها اختصاص المضاف بالمضاف إليه، وهو جعل الجهاد مطلوباً لله ومن أجل دينه. ثم ذكر الله تعالى علة الأمر بالجهاد وهي ثلاثة أنواع: اً - ﴿هُوَ أَجْتَبَكُمْ﴾ أي لأن الله أيتها الأمة اختاركم من بين سائر الأمم للقيام بهذه المهمة، وفضلكم وشرفكم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع، ولكنه غير شاق، لذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ أي لم يجعل الدين ضيقاً حرجاً شاقاً، وإنما جعله سهلاً يسيراً، فلم يكلفكم مالا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم، وهذا تأكيد لوجوب الجهاد، والحفاظ على الدين الذي اختاركم لحمايته. والآية كالجواب عن سؤال يذكر، وهو أن التكليف والاجتباء تشريف من الله للعبد، لكنه شديد شاق على النفس؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾. لكن المشقة المرفوعة في التكاليف الشرعية: هي المشقة الزائدة غير المعتادة التي تصل إلى حد الحرج. أما المشقة المعتادة المألوفة فهي غير مرفوعة من التكاليف، بل لا يتحقق التكليف إلا بها؛ لأن التكليف هو إلزام مافيه كلفة ومشقة، ولا يخلو عنها أي تكليف، لكنه سهل يسير على النفس، تطيق تحمله دون انزعاج. ومظاهر التيسير ودفع الحرج والمشقة عامة شاملة العبادات والمطعومات والمعاملات. ففي العبادات: يجوز قصر الصلاة الرباعية في السفر، فتصلى ثنتين، والصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالاً وركباناً، مستقبلي ٣١٣ الجُزُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ القبلة وغير مستقبليها، وكذا النافلة في السفر تصلى إلى القبلة وغيرها. ويسقط القيام في الصلاة لعذر المرض، فيصلي المريض جالساً أو مضطجعاً أو على جنب أو بالإيماء. ويجوز في صيام رمضان الإفطار لعذر لكل من المسافر والمريض والشيخ الهرم، والحامل والمرضع. وفي المطعومات: يجوز الأكل والشرب من المحرَّمات المحظورات للضرورة، كالميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك. وفي المعاملات: يجوز بعض التصرفات للحاجة أو للضرورة. · وهكذا تشرع الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، لهذا قالَ مَ ﴿ فيما رواه أحمد عن جابر: ((بُعِثْتُ بالحنيفية السَّمْحة)) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن فيما أخرجه البخاري ومسلم: ((بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا)). والآيات في هذا المعنى كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢] وقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢] وقوله عز وجل: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦/٦٤]. أَ - ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِنْزَهِيمٌ﴾ أي اتبعوا أو الزموا ملتكم التي هي كملة أبيكم إبراهيم عليه السلام في حنيفيتها وسماحتها وبعدها عن الشرك. والمراد بالملة: الأحكام الأصلية الاعتقادية، فهي واحدة في شريعتنا وشريعة إبراهيم عليه السلام، بل هي واحدة في جميع الشرائع؛ قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلْذِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ: إِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ [الشورى: ١٣/٤٢] وقال تعالى: ﴿وَمَآ ٣١٤ الزُعُ (١٧) - الدرج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ٢٥ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥/٢١] وقال النبي ◌َّ فيما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد: (الأنبياء أولاد عَلات)) أي أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة. وسبب تخصيص إبراهيم عليه السلام بالذكر هو التشابه في السماحة والتوحيد بين الملتين، وكون أكثر العرب من نسل إبراهيم عليه السلام، فهم يحبونه، والحب مدعاة التمسك بشريعته وشريعة محمد بنّله التي هي شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وبما أن إبراهيم هو أبو رسول الله وَالر، فكان أباً لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده. ونظير الآية قوله عز وجل : ﴿قُلّ إِنَّنِ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٦/ ١٦١]. ◌َ - ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا﴾ أي إن الله - وقيل: إبراهيم -، هو الذي سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي القرآن. قال ابن كثير مرجحاً المعنى الأول بعود الضمير إلى الله: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ أَجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾. وفي قراءة: (الله سَّاكم). وأما دليل من قال بعود الضمير إلى إبراهيم عليه السلام: فهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَِّنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨/٢]. ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِ﴾ أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً عدولاً خياراً مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم، ليكون الرسول محمد سير شهيداً عليكم يوم القيامة بتبليغه ما أرسل به إليكم أي أنه قد بلغكم، ولتكونوا شهداء على الناس في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم. واللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ إما لام العاقبة، وهي متعلقة بقوله: ٣١٥ لُزُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ﴿سَمَّنَكُمُ﴾. وإما لام التعليل، وتكون (على) في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى اللام، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣/٥] وتكون شهادة الرسول لهم: أن يزكيهم عند الله يوم القيامة، ويشهد بعدالتهم إذا شهدوا على الأمم السابقة. والراجح أنه لا داعي لوصف اللام بما ذكر، ويكون قبول شهادة الرسول وَلخير على الأمة علة في الحكم وهو تسميتها أمة مسلمة. وقبول شهادة النبي وَّ ر وشهادة أمته يوم القيامة فيه تشريف للنبي وَيليه وتشريف لأمته، فإن الله تعالى يصدّق قوله على أمته في دعوى تبليغه إياها ، ويجعل أمته أهلاً للشهادة على سائر الأمم. وإنما قبلت شهادتهم على الأمم؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد من الرسل، وعلموا أخبارهم من القرآن الكريم. ورد أنه يؤتى بالأمم وأنبيائهم، فيقال للأنبياء: هل بلّغتم أممكم؟ فيقولون: نعم بلغناهم، فينكرون، فيؤتى بهذه الأمة، فيشهدون أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم؟ فيقولون: عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. ومقابلة لهذه النعمة العظيمة على الأمة ووجوب شكرها، طلب الله منها دوام عبادته والاعتصام به، فقال: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ أي فقابلوا هذه النعمة الجليلة بالقيام بشكرها، فأَدُّوا حقَّ الله عليكم بطاعته فيما افترض وأوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة أي أداؤها تامة الأركان والشروط بخشوع كامل وخضوع تام لله، فهي صلة بينكم وبين ربكم، وإيتاء الزكاة التي هي طهرة للنفس والمال، وإحسان واجب إلى خلق الله المستحقين، وهي دليل التعاون والتضامن والإخاء، واستعينوا بالله والجؤوا إليه في جميع أموركم. والاعتصام بالله: هو الثقة به، والالتجاء إليه، والاستعانة بقوته ٣١٦ الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ العظمى على دفع كل مكروه، وهو ناصركم على من يعاديكم. والمولى: هو الحافظ والناصر والمالك والخالق. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي نعم المولى المتولي أموركم، ونعم الناصر، العظيم النصرة، الكامل المعونة، هو أي الله تعالى. وهو المخصوص بالمدح. فقه الحياة أو الأحكام: ظاهر هذه الآيات التي ختمت بها سورة الحج أنها جمعت أنواع التكاليف الدينية والاعتقادية والاجتماعية، وأحاطت بفروع الشريعة، وعنيت بأمر الصلاة لأنها عماد الدين، ولم تكتف بطلبها في عموم العبادات. ودلت على ما يأتي: اً - وجوب أربعة أمور: هي الصلاة المشتملة على أهم أركانها وهو الركوع والسجود، وعبادة الله دون غيره، وفعل الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة، وفعل الخير كصلة الرحم ومكارم الأخلاق. وقد اختلف العلماء في قوله: ﴿وَأَسْجُدُواْ﴾ أهو سجود الصلاة أم سجود التلاوة؟ فقال الشافعية والحنابلة: هذه سجدة تلاوة؛ لأنه يمكن حمل اللفظ على حقيقته مع عدم صارف يصرفه إلى معنى آخر، ومعنى السجود: وضع الجبهة على الأرض، ولما أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عُقْبة بن عامر عن النبي ◌َّ: ((فُضِّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يَسْجُدْهما فلا يقرأهما)). وأخرج أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عمرو بن العاص أن رسول الله وهلهو أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفضَّل، وفي الحج سجدتان. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن هذه الآية ليست آية سجدة؛ لأن اقتران السجود بالركوع دليل على أن المراد به سجود الصلاة، كما في قوله تعالى: ٣١٧ الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣/٣]. ولما روي عن أُتي بن كعب رضي الله عنه أنه عدَّ السجدات التي سمعها من رسول الله وَ ◌ّهِ، وعدَّ في الحج سجدة واحدة. وأما حديثا عقبة وعمرو فضعيفان. ويكون المراد بالآية على هذا الرأي الصلاة المفروضة، وخص الركوع والسجود تشريفاً للصلاة، وهو ما سرت عليه في التفسير والاستنباط. أَ - وجوب عبادة الرب تعالى، أي امتثال أوامره. ٣ - الندب إلى فعل الخير فيما عدا الواجبات التي صح وجوبها شرعاً. ٤ - وجوب الجهاد بأنواعه الثلاثة: جهاد الهوى والنفس وجهاد الشيطان ومطاردة وساوسه، وجهاد أهل الظلم والبدع، وهي كلها فرض عين على كل فرد مسلم. روى الترمذي وابن حبان عن فضالة بن عبيد أن النبي وَلّ قال: ((المجاهد: من جاهد نفسه لله عز وجل)). وروى أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي وَله: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) وقد ذكرت حديث: ((من رأى منكم منكراً ... )). وجهاد الكفار والمنافقين بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان واجب أيضاً، وهو فرض كفاية على جماعة المسلمين، يجزي فيه قيام بعضهم إذا تحقق المقصود، وطرد العدو، وتم دفعه عن بقية المسلمين وأموالهم وأعراضهم وبلادهم، فإن لم يتحقق ذلك كان فرض عين على كل واحد من القادرين على القتال. وهذا حينما كان الاعتماد على العنصر البشري في الحروب أمراً ضرورياً وأساسياً، أما اليوم حيث تطورت وسائل القتال، فلا يصح حشد المسلمين في جبهة واحدة مثلاً لحصادهم بقنبلة واحدة أو بغيرها من الوسائل الحربية الفتاكة الحديثة، وإنما ينظر الحاكم فيما يحقق المصلحة، وتقتضيه الحاجة، بعد الأخذ بوسائل الإعداد الحديثة المكافئة لما هو موجود عند الأعداء. ٣١٨ الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧-٧٨ 6 - علة التكليف بالتكاليف السابقة ثلاثة أمور: أ - الاجتباء أي الاصطفاء والاختيار للدفاع عن الدين والتزام أمره، وهذا تأكيد للأمر بالجاهدة، أي وجب عليكم أن تجاهدوا؛ لأن الله اختاركم له. وزيادة في التأكيد والترغيب رفع الله الحرج، أي الضيق والعسر عن الناس في المطالب الشرعية، وهذا عام في كثير من الأحكام، وهو مما خص به هذه الأمة. قال قتادة: أُعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يُعطها إلا نبي: كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِِّنِ مِنْ حَرَجَ﴾. والنبي شهيد على أمته، وقيل لهذه الأمة: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٤٣]. ويقال للنبي: سل تُعْطَّه، وقيل لهذه الأمة: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبُ [غافر: ٤٠ / ٦٠] . فرفع الحرج من الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي، قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والشّرَّاق وأصحاب الحدود، فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين. ب - كون ملتنا كملة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهو أبو العرب قاطبة. جـ - تسمية الله لنا بالمسلمين في الكتب المتقدمة وفي القرآن. أَ - تقبل شهادة الرسول وَل﴿ على الأمة بتبليغه إياهم أحكام شرع الله، وقبول شهادته علة لعدالة الحكم وهو التسمية بالمسلمين، وكذلك قبول شهادة أمته على الأمم الأخرى أن رسلهم قد بلغتهم علة في تسميتها مسلمة كذلك، وقبول الشهادتين تشريف للنبي وآل18 ولأمته. ٣١٩ الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧٧ -٧٨ لاً - إن قبول شهادة الأمة المسلمة على الأمم الأخرى نعمة عظمى تستوجب الشكر بأداء الفرائض واجتناب النواهي المحظورات، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله، أي الثقة به، والاستعانة بقوته الجبارة على دفع السوء؛ لأنه مالكنا وخالقنا، وحافظنا وحامينا، وناصرنا على أعدائنا. تم الجزء السابع عشر ولله الحمد