النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
لُ (١٧) - الحُّ: ٢٢ / ٥٨-٦٠
أي
﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرَضَوْنَةُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
ليدخلن هؤلاء المهاجرين المجاهدين في سبيله موضعاً كريماً يرضونه وهو الجنة،
◌َ فَرَوْعٌ وَرَتْجَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ
كما قال تعالى: ﴿فَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ
﴾ [الواقعة: ٨٨/٥٦-٨٩] أي يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم. وإن الله
٨٩
العليم بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك، فهو عليم بالنيات
والمقاصد والأحوال، وحليم أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب بهجرتهم إليه
وتوكلهم عليه، ولا يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة، ليترك لهم الفرصة للتوبة
والإنابة والإيمان بالله تعالى.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَهُ اللَّهُ﴾
أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو
ماتوا، ومن قوتل ظلماً، وجازى من المؤمنين من اعتدى عليه من المشركين،
ثم بُغي عليه بإلجائه إلى الهجرة ومفارقة الوطن، وابتدائه بالقتال، لينصرنه الله
نصراً مؤزراً، ﴿إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ أي إن الله ليصفح عن المؤمنين
ويغفر لهم خطأهم إذا تركوا ما هو الأجدر بهم وهو العفو والمغفرة عن المسيء.
وفيه حث على العفو عن الجاني، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ
لَمِّنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (®﴾ [الشورى: ٤٣/٤٢] وقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى
اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] وقال: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢]
وفيه دلالة على أنه سبحانه بذكر العفو والمغفرة قادر على العقوبة؛ لأنه لا
يوصف بالعفو إلا القادر على ضده، كما بينا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مزية صنفين من الناس: المهاجرين، والمقاتلين دفاعاً عن
أنفسهم.
أما المهاجرون: فهم الذين تركوا ديارهم وأوطانهم وأموالهم، وفارقوا

٢٨٢
لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٨-٦٠
مكة إلى المدينة، حباً في طاعة الله تعالى، وابتغاء رضوانه، فلهم من الله الفضل
العظيم، والعطاء العميم، والرزق الحسن وهو الجنة، سواء قتلوا في الجهاد أو
ماتوا من غير قتال. وأكد تعالى ذلك بقوله: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُم ◌ُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾
أي الجنان. والله عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم.
أما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه شهيد حي عند ربه
يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ
(٢٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩/٣].
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية
الكريمة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
روي عن أنس أنه قال: قال رسول الله وَله: ((المقتول في سبيل الله،
والمتوفى في سبيل الله بغير قتل، هما في الأجر شريكان)) (١).
وأما المقاتلون المدافعون عن أنفسهم: فإن الله وعدهم بالنصر في الدنيا،
لبغي الكفار عليهم، وإن الله عفا عن المؤمنين ذنوبهم وقتالهم في الشهر
الحرام، وستر ذلك عليهم.
وسمي جزاء العقوبة عقوبة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ
بِهِ﴾ الاستواء الفعلين في الصورة، مثل: ﴿وَجَزَّؤُأْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَاَ﴾
[الشورى: ٤٠/٤٢] ومثل: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أُعْتَدَى
عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤/٢].
(١) روى النسائي حديثاً في معناه عن العرباض بن سارية.

٢٨٣
للزُُ (١٧) - الحِّو: ٢٢ / ٦١-٦٦
من دلائل قدرة الله تعالى
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ
وَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ ﴿﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن
دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ( أَمْ تَرَ أَبَّ اللَّهَ
أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (َ لَّهُ
مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِأَمْرِ، وَيُمْسِكُ الشَّمَآءَ أَن
تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
وَهُوَ الَّذِىّ
٦٥
أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ إِنَ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ
٦٦
القراءات:
﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (وأن ما تَدعون).
﴿لَرَءُوفٌ﴾:
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (لرؤف).
الإعراب:
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ تصبح: مرفوع لا منصوب، محمول على معنى ﴿أَلَمَّ تَرَ﴾
ومعناه: انتبه يا ابن آدم! أنزل الله من السماء ماء، ولو صرح بقوله: انتبه، لم
يجز فيه إلا الرفع، فكذلك ما هو بمعناه.
البلاغة:
﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ الآية: امتنان بتعداد النعم، والاستفهام
للتقرير.

٢٨٤
المُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٦١-٦٦
ج
﴿ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ﴾ صيغة مبالغة أي مبالغ في الجحود.
المفردات اللغوية:
﴿ذَلِكَ يِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ أي ذلك النصر بسبب أنه قادر على أن يدخل
كلاً من الليل والنهار في الآخر، بأن يزيد به، وقادر على تغليب بعض الأمور
على بعض . (سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يسمع أقوال عباده المؤمنين والكفار، بصير بما
يصدر عنهم من أفعال.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك الوصف بكمال القدرة والعلم،
والنصر أيضاً، بسبب أن الله هو الثابت في نفسه، الواجب لذاته وحده، فإن
وجوب وجوده، ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه، عالماً
بذاته وبما عداه، أو الثابت الألوهية، ولا يصلح لها إلا من كان قادراً عالماً.
﴿مِن دُونِهِ﴾ إلهاً من الأصنام. ﴿هُوَ الْبَطِلُ﴾ الزائل، المعدوم في حد ذاته،
أو باطل الألوهية. ﴿اٌلْعَلِىّ﴾ العالي على الأشياء بقدرته. ﴿اَلْكَبِيرُ﴾ عن أن
يكون له شريك، ولا شيء أعلى منه شأناً، وأكبر منه سلطاناً، وهو الذي
يصغر كل شيء سواه.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ أي ألم تعلم أن الله أنزل
مطراً من السماء وهو استفهام تقرير، ولذلك رفع ﴿فَتَصْبِحُ﴾ عطف على
﴿ أَنْزَلَ﴾ إذ لو نصب جواباً للاستفهام، لدل على نفي الاخضرار، كما في
قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، فإن نصبت فأنت نافٍ لتكريمه، وإن رفعته
فأنت مثبت للتكريم، والمقصود إثباته. وإنما عدل بـ (تصبح) المضارع عن صيغة
الماضي، للدلالة على بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان. ﴿لَطِيفُ﴾ بعباده يصل
علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق ومنه إخراج النبات. (خَبِيرٌ﴾ بالتدابير
الظاهرة والباطنة، وبما في قلوب العباد، ومنه قلقهم عند تأخير المطر.

٢٨٥
لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦١-٦٦
﴿لَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً. ﴿اٌلْغَنِىُ﴾ في ذاته
عن كل شيء. ﴿اَلْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
﴿أَلَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى الْأَرْضِ﴾ ألم تعلم أن الله جعل جميع ما في
الأرض مذللة لكم، معدَّة لمنافعكم. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن. عطف على ﴿مَا﴾ أو
على اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿َتَجْرِى فِ الْبَحْرِ﴾ للركوب والحمل، والجملة: حال من
﴿ وَالْفُلْكَ﴾، أو خبر. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ على قراءة الرفع على الابتداء. ﴿بِأَمْرِهِ﴾
بإذنه . ﴿أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ من أن تقع أو لئلا تقع، يأن خلقها على صورة
متينة مستمسكة . ﴿إِلَّا بِإِذْنِهَِ﴾ أي إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد
على القول باستمساكها بذاتها. ﴿رَّحِيمٌ﴾ بتسخير ما في الأرض، وإمساك
السماء، والتهيئة لعباده أسباب الاستدلال، وفتح أبواب المنافع عليهم،
ودفع أنواع المضارّ عنهم.
﴿أَحْيَاكُمْ﴾ بالإنشاء بعد أن كنتم جماداً: عناصر ونطفاً. ﴿ثُمَّ يُمِتُكُمْ﴾
عند انتهاء آجالكم. ﴿ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ في الآخرة عند البعث. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ
لَكَفُورٌ﴾ لجحود للنعم مع ظهورها، تارك توحيد الله تعالى.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عظيم قدرته على تحقيق النصر للمؤمنين، أتى بأنواع
من الدلائل على قدرته البالغة، من إيلاج الليل في النهار وبالعكس وخلقه لهما
وتصرفه فيهما وعلمه بما يجري فيهما، وإنزال المطر لإنبات النبات، وخلقه
السماوات والأرض وملكه لهما، وتسخيره ما في الأرض والفلك، وإمساك
السماء من الوقوع على الأرض، والإحياء والإماتة ثم الإحياء.
التفسير والبيان:
أورد الله تعالى في هذه الآيات أنواعاً من الدلائل على قدرته البالغة وعلمه

٢٨٦
الُعُ (١٧) - الدِّرْ: ٢٢ / ٦١-٦٦
الشامل، ومن كان قادراً على كل شيء، عالماً بكل شيء، كان قادراً على
النصر، فقال:
أَ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِعُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى
الَّيْلِ﴾ أي ذلك النصر المذكور بسبب أنه قادر على كل شيء، فهو يولج
ويدخل الليل في النهار ويولج ويدخل النهار في الليل، بمعنى زيادة أحدهما
على حساب الآخر، فيزيد في أحدهما من الساعات ما ينقص من الآخر،
فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر
الليل كما في الصيف، فالقادر على ذلك قادر قطعاً على نصرة المظلوم، وإثابة
الطائع، ومجازاة العاصي.
﴿ وَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي وذلك بسبب أن الله سميع لكل دعاء أو قول،
بصير بكل عمل أو حال، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذا يعني أن الله تعالى هو الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، الحاكم.
الذي لا معقب لحكمه، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن
تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ
مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (َ﴾ [آل
عمران: ٢٦/٣ -٢٧].
وعلة هذه القدرة الفائقة ما قال:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَبَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾.
أي ذلك الوصف المتقدم من القدرة الكاملة والعلم التام لله تعالى لأجل أن الله
هو الحق، أي الموجود الثابت الواجب لذاته، بلا مثيل ولا شريك، بمعنى أنه
هو مصدر الوجود، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو
السلطان العظيم، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، وأن ما يعبدون من دونه .

٢٨٧
المُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦١-٦٦
من الآلهة من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من غير الله هو باطل،
لا يقدر على صنع شيء، ولا يملك ضراً ولا نفعاً؛ لأنه عاجز ضعيف،
ومصنوع مخلوق لربه القادر.
﴿ وَبَ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ أي ولأن الله تعالى المتعالي على كل
شيء بقدرته وعظمته، الكبير عن أن يكون له شريك، إذ هو العظيم الذي لا
أعظم منه، العلي الذي لاشيء أعلى منه شأناً، الكبير الذي لا أكبر منه، ولا
أعز ولا أكبر منه سلطاناً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢/
٢٥٥] وقال: ﴿اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩/١٣].
والمقصود: كيف يصح لعبدة الأصنام وأمثالها عبادة من لا يملك لنفسه ولا
لغيره نفعاً ولا ضراً، ويتركون عبادةً من بيده كل شيء، وهو القادر على كل
شيء؟!
٣َ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءٍ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾
أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله يرسل الرياح، فتثير سحاباً، فيمطر على
الأرض الجرُز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة، فتصبح زاهية نضرة،
محضرة بالنباتات والأزهار ذات الألوان البديعة، والأشكال الرائعة، بعد
يبسها وجمودها، قال الخليل: المعنى انتبه! أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا
وكذا. وقوله: ﴿مُخْضَرَّةٌ﴾ أي ذات خضرة، على وزن مفعلة كمبْقِلة ومُسْبَعة،
أي ذات بقل وسباع.
﴿إِنَ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ أي إن الله رحيم لطيف بعباده، يدبر لهم أمر
المعاش، واصل علمه أو فضله إلى كل شيء، عليم بما في أنحاء الأرض من
الحب مهما صغر، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم وأحوالهم، لا يخفى عليه
خافية، فيحقق لهم المصلحة بتدبيره، كما قال تعالى حكاية عن لقمان: ﴿يَبُنَىَّ
إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ

٢٨٨
لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٦١-٦٦
﴾ [لقمان: ١٦/٣١] وقال سبحانه :
١٦
اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيْرٌ
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَّ أَصْغَرَ مِن
ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١/١٠].
◌َ - ﴿لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ
اُلْحَمِيدُ (®) جميع ما في السماوات وما في الأرض لله سبحانه خلقاً وملكاً
وعبيداً، أي جميع الأشياء هي مخلوقة له، مملوكة له، عبيد له، منقادة خاضعة
لأمره، متصرف فيها كيف يشاء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه،
عبد لديه. وهذا دليل آخر على القدرة الإلهية الشاملة.
٤ - ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ﴾ أي ألم تعلم أن الله ذلل لكم
أيها البشر جميع ما في ظاهر الأرض وباطنها، من حيوان وجماد ومعدن وزروع
وثمار، لينتفع بها الإنسان في مصالحه المختلفة، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرَضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣/٤٥] أي من إحسانه وفضله
وامتنانه.
﴿ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي وسخر لكم السفن، جارية في
البحار، لنقل الركاب والبضائع، بتسخيره وتسييره، متنقلة من بلد إلى بلد،
ومن قطر إلى قطر، فيتم تبادل الحوائج والمنافع، ويتعايش الناس متعاونين،
يحققون بها ما يحتاجون إليه ویریدون.
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِةٍ﴾ أي ويحفظ السماء بما
فيها من كواكب ونجوم بالجاذبية، وبتخصيص مدار ثابت خاص لكل منها ،
بمشيئته وإرادته، ولو شاء لأذن للسماء، فسقطت على الأرض، فهلك من
فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء من أن تقع على الأرض إلا
بإذنه وأمره، وذلك يوم القيامة حيث تتساقط الكواكب وتتصدع السماوات،
[الانفطار:
كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْكَوَكِبُ أَنَتْ

٢٨٩
الُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦١-٦٦
١/٨٢-٢] ولولا هذا النظام الدقيق لاصطدمت الكواكب ببعضها، ودمرت
الأرض بما عليها، لذا قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إن الله تعالى رؤوف رحيم بالناس على
ظلمهم، فمتعهم بجمال السماء والأرض، وأرشدهم إلى الاستدلال بآيات
الكون على وجوده ووحدانيته.
٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِىَّ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِثُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ أي وهو الذي
چ
أحياكم من العدم، وخلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً يذكر، ثم يميتكم عند
انقضاء آجالكم وأعماركم، والموت ستر ونعمة، ثم يحييكم بالبعث يوم
القيامة. ويلاحظ اختيار الصيغ المناسبة للتعبير، فهو أولاً عبر بالماضي لأنه تم
وحدث، ثم أشار إلى المرحلة المرتقبة وهو الموت، ثم الحياة الجديدة في عالم
الآخرة.
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي إن الإنسان جحود نعم الله تعالى، فلم
يقدر تلك النعم، ويهتدي بها إلى عبادة الله وتوحيده، وهجر كل ما عداه
من الآلهة المزعومة، وهو مثل قوله: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُورٌ
[العاديات: ٦/١٠٠].
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمَّ
﴾ [البقرة: ٢٨/٢] وقوله: ﴿قُلِ
٢٨
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
اللَّهُ يُحْبِيَكُمْ ثُمَّ يُمِيِّئُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ﴾ [الجاثية: ٢٦/٤٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات الاستدلال على كمال قدرته تعالى وكمال علمه، وتلك
الأدلة هي ما يأتي:
اً - من آيات قدرة الله البالغة كونه خالقاً الليل والنهار، ومتصرفاً فيهما،

٢٩٠
الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦١-٦٦
فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما، وإذا كان قادراً عليماً، كان
قادراً على نصر من شاء من عباده، يفعل ما يلائم الحكمة والمصلحة، فهو
يسمع الأقوال، ويبصر الأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة، ولا دبيب ملة إلا
يعلمها ويسمعها ويبصرها.
أَ - ذلك الوصف المتقدم من قدرة الله على هذه الأمور لأجل أن الله هو
الحق أي الموجود الواجب لذاته، الذي يمتنع عليه التغير والزوال، فيأتي
بالوعد والوعيد. أو أنه ذو الحق، فدينه الحق، وعبادته حق، والمؤمنون بحق
يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق.
وأما الأصنام فلا استحقاق لها في العبادات، والله هو العالي على كل شيء
بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد، المقدس عما يقول الظالمون من
الصفات التي لا تليق بجلاله. وهو الكبير المتعال أي الموصوف بالعظمة
والجلال وكِبر الشأن، الكبير عن أن يكون له شريك.
٣ - ومن الأدلة على كمال قدرته إنزال المطر وإنبات النبات ذي الخضرة
البديعة، السارّة لكل عين وقلب، ومن قدر على هذا قدر على إعادة الحياة بعد
الموت؛ كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
[الحج: ٥/٢٢].
وقوله ﴿فَتُصْبِحُ اُلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء
بالنبات واستمرارها كذلك عادة.
وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس: خبير بما ينطوي
عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. وهو لطيف بأرزاق عباده.
٤ - لله تعالى جميع ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وملكاً وعبيداً،
وكلٌ محتاج إلى تدبيره وإتقانه، وإن الله لهو الغني الحميد، فلا يحتاج إلى شيء،
وهو المحمود على كل حال، والكل منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه، وهو

٢٩١
لِلُهُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦١-٦٦
غني عن الأشياء كلها، وعن حمد الحامدين أيضاً؛ لأنه كامل لذاته، والكامل
لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور.
٥ - هناك نعم كثيرة من الله على عباده تدل أيضاً على قدرته ورحمته ولطفه،
منها أنه سخر (ذلل) لعباده كل ما في الأرض مما يحتاجون إليه من الدواب
والشجر والأنهار، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
[البقرة: ٢٩/٢]. وسخر لكم الفلك في حال جريها، كما قال تعالى: ﴿أَلَّمْ تَرَ
أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَتِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
[لقمان: ٣١/٣١] وتسخير الفلك: بتسخير الماء
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
والرياح لجريها.
وهو تعالى يمسك السماء لئلا تقع على الأرض، فيهلك الناس، إلا بإذن
الله لها بالوقوع أو السقوط، فتقع بإرادته وتخليته، إن الله بالناس لرؤوف
رحيم في هذه الأشياء التي سخرها لهم.
أَ - ومن دلائل القدرة الإلهية: الإحياء والإماتة، فالله هو الذي خلقنا
بعد أن كنا نطفاً، ثم يميتنا عند انقضاء آجالنا، ثم يحيينا للحساب والثواب
والعقاب، ولكن الإنسان لجحود لما ظهر من الآيات الدالة على قدرته
ووحدانيته تعالى. قال ابن عباس: يريد الأسود بن عبد الأسد وأبا جهل بن
هشام والعاص بن هشام، وجماعة من المشركين. والأولى - كما ذكر الرازي -
تعميمه في كل المنكرين، وإنما قال ذلك؛ لأن الغالب على الإنسان كفران
النعم، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤]
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ زجر للإنسان عن الكفران، وبعث له
على الشكر.

٢٩٢
للزُ (١٧) - الحرّ: ٢٢ / ٦٧ -٧٠
لكل أمة شريعة ومنهاج ملائمان
(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكَا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِى الْأَمْنِّ وَادْعُ إِلَى
وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
رَبِّكَّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى تُسْتَقِيمٍ ﴾
﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضُِّ إِنَّ ذَلِكَ فِىِ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
ـوم
يَسِيرٌ
٧٠
القراءات:
﴿مَنْسَكَا﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (مَنْسِكاً).
البلاغة:
﴿فَلَا يُنَزِعُنَّكَ﴾ نهي يراد به النفي، أي لا ينبغي لهم منازعتك، فقد ظهر
الحق وقامت أدلته.
المفردات اللغوية:
﴿مَنْسَكًا﴾ شريعة ومنهاجاً ومتعبداً ﴿نَاسِكُوُهُ﴾ عاملون به ﴿فَلَا
يُنَزِعُتَّكَ فِ اٌلْأَمْيِ﴾ أي لا ينبغي لهم أن ينازعوك في أمر الدين، ومنه أمر
الذبيحة، إذ قالوا: ما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم؛ لأنهم إما جهال
وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع ﴿ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي
إلى دينه وتوحيده وعبادته ﴿هُدَى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق إلى الحق سويّ أو دين
قويم.

٢٩٣
الُهُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦٧ -٧٠
﴿ وَإِن جَدَلُوكَ﴾ في أمر الدين، وقد ظهر الحق، ولزمت الحجة ﴿فَقُلِ اللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المجادلة الباطلة وغيرها، فمجازيكم عليها، وهو وعيد
فیه رفق.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب
والعقاب يوم القيامة، كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات ﴿فِيمَا كُتُمْ
فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، بأن يقول كل فريق خلاف قول الآخر.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ استفهام تقرير ﴿يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ فلا يخفى عليه
شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ﴾ أي إن ما ذكر هو في اللوح المحفوظ مسجل فيه
قبل حدوثه، فلا يهمنك أمرهم، مع علمنا به، وحفظنا له . ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إن
علم ما ذكر والإحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ سهل؛
لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء.
سبب النزول:
قيل نزلت هذه الآية بسبب جدال الكفار في أمر الذبائح، وهم كفار
خزاعة، قالوا للمسلمين: تأكلون ما ذبحتم، ولا تأكلون ما ذبح الله من الميتة،
أو مالكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟! فكان ما قتل الله أحق
أن تأكلوه مما قتلتم أنتم بسكاكينكم، فنزلت الآية بسبب هذه المنازعة.
المناسبة:
بعد أن عدد الله تعالى نعمه، وأبان أنه رؤوف رحيم بعباده، وإن كان منهم
من يكفر بالله ولا يشكر النعمة، أتبعه بذكر نعمه بما كَلَّف، فقال: ﴿لِّكُلِّ
أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكَا هُمْ نَاسِڪُوهُ﴾ أي لكل أمة شريعة خاصة، وفيه زجر من
نازع النبي ◌َّر، بتمسكهم بما شرعوا من الشرائع، ثم أمره بالثبات على دينه
الحق، فالله يحكم بين العباد يوم المعاد.

٢٩٤ ٠
الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦٧ -٧٠
التفسير والبيان:
[َلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوَةٌ﴾ يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم
منسكاً هم عاملون به، أي شريعة، ومتعبَّداً، ومنهاجاً صالحاً، يتلاءم مع
مقتضيات الزمان والمكان، ومع سنة التدرج والتطور ونضوج العقل البشري،
فأنزل التوراة على موسى بنحو من الشدة، لعلاج التمسك بالمادة، ثم أنزل
الإنجيل متمماً لحكم التوراة مع علاج الروح وإشاعة المحبة، والعناية بجوهر
الدين، لا بمجرد المظاهر والشكليات والطقوس، ثم أنزل القرآن حينما نضج
العقل البشري، لإرساء معالم دستور الحق، والجمع بين العناية بالمادة
والروح، والتركيز على معايير العلم، واستخدام العقل، فكان أول دين يضع
أسس الحضارة الإنسانية الشاملة، وكان تشريعه وسطاً بين الشرائع، وكانت
هذه الأديان صالحة للزمان الذي جاءت فيه.
﴿فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِى الْأَمْيِّ﴾ أي إذا كان هذا هو شأن التدرج في الشرائع، فلا
ينبغي لمعاصريك يا محمد أن ينازعوك في أمر الدين، فلكل أمة شريعة خاصة
تناسب الزمان الذي جاءت فيه، ثم جاء هذا القرآن ناسخاً تلك الشرائع التي
لم تعد صالحة للعمل بها، وأدت دورها، وكانت مقصورة على أتباعها
المتقدمين.
فلا تتأثر يا محمد بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من
الحق، واثبت على دينك ثباتاً لا يتزعزع ولا يلين. والمراد بذلك تهييج حمية
الرسول وَالر، والمبالغة في تثبيته على دينه.
﴿وَدْعُ إِلَى رَبِكَّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وادع هؤلاء المنازعين
وغيرهم، أي ادعُ كل الناس إلى سبيل ربك ودينه الحق، فإنك على طريق
واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهو سعادة الدنيا والآخرة، كقوله
تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَادْعُ إِلَى رَبِكٌَ وَلَا
[القصص: ٨٧/٢٨] .
١٨٧
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

٢٩٥
اِلُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦٧ -٧٠
أي فإن عدلوا عن هذه
﴿وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
الأدلة إلى طريقة المراء والجدال بالباطل، بعد أن ظهر الحق، فقل لهم على
سبيل التهديد والوعيد: الله عليم بما تعملون وبما أعمل، ومجازٍ كل واحد
بعمله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوَكَ فَقُل لِ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم
بَرِعُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (4)﴾ [يونس: ٤١/١٠] وقوله سبحانه:
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨/٤٦] لأنه
ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا اللون من الوعيد والتحذير، لذا قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (59﴾ أي الله
يقضي بين المؤمنين منكم والكافرين يوم القيامة فيما اختلفتم فيه من أمر
العقيدة والدين، بالجزاء الحاسم المتردد بين الجنة والنار، والثواب والعقاب،
الأول لمن قبل، والثاني لمن رفض، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل، والمحق
من المبطل.
والخلاصة: إن الآيات آمرة باستمرار الدعوة إلى شرع الله ودينه، وعدم
التمييز بين الناس، دون مبالاة بجدل المرائين وعرقلة المتخلفين، فإن الداعي
على حق أبلج، كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتِّ وَلَا
◌َِّعُ أَهْوَةَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْتَكُمُ اللَّهُ
رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّا
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[الشورى: ٤٢ /١٥] .
ثم أخبر الله تعالى عن كمال علمه بخلقه وعلمه بالكائنات كلها قبل خلقها
وبما يستحقه كل من المسيء والمحسن، فقال:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضُِّ إِنَّ ذَلِكَ فِ كِتٍَ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ أي لقد علمت أيها الرسول - والخطاب وإن كان
معه، فالمراد سائر الناس - أن علم الله محيط بما في السماوات وما في

٢٩٦
الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٦٧ -٧٠
الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل
وجودها، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ. وكتابة كل ما هو كائن إلى يوم
القيامة، وعلمه الشامل، وفصله بين عباده يوم القيامة يسير سهل عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
اً - لكل أمة من الأمم المتقدمة شريعة خاصة بها، صالحة لزمانها، أي أنه
كانت الشرائع في كل عصر، ومن الخطأ البيِّن التمسك بما كان للأولين من
شريعة التوراة والإنجيل؛ لأن القرآن نسخ ما قبله من الشرائع.
أَ - إن خاصم الناس بالباطل، كمخاصمة مشركي مكة محمداً وَالر، فليقل
المؤمن: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب، وهذا أمرٌ من الله
تعالى لنبيه بالإعراض عن مُماراة قومه، صيانة له عن الاشتغال بتعنتهم، ولا
جواب لصاحب العناد، فإنهم إن أبوا إلا المجادلة بعد الاجتهاد بتسوية النزاع،
فليدفعوا بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها، وبما تستحقون عليها من الجزاء،
فهو مجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين.
◌َّ - الله تعالى هو الذي يحكم بين النبي ◌َّل وقومه، وبين المؤمنين
والكافرين فيما يختلفون فيه من أمر الدين، فيعرف حينئذ الحق من الباطل.
قال القرطبي: في هذه الآية أدب حسن علّمه الله عباده في الرد على من
جادل تعنتاً ومِراء ألا يجاب ولا يناظر، ويُدفع بهذا القول الذي علمه الله لنبيه
وَسـ
٤ - على النبي وَ ل والمؤمنين من بعده الدعوة إلى دين الله الحق، فإن هذا
الدين طريق واضح مستقيم مؤد إلى المقصود، وعلى كل داعية إلى الله وتوحيده
وعبادته ألا يعبأ بالعثرات، وألا يهتم بمراء المجادلين، ومحاولاتهم الوقوف في
وجه الدعوة.

٢٩٧
الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١ -٧٦
٥ - الله عليم بأحوال الناس وبما هم مختلفون فيه، وإن كل ما يجري في
العالم هو مكتوب عند الله في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وإن العلم
الشامل بما في السماء والأرض، والفصل بين المختلفين يسير جداً على الله
تعالى. ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله :
((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة،
وكان عرشُه على الماء)) وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله
وَل﴿ قال: ((أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال:
اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)).
فما العباد عاملون قد علمه الله تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه،
فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك
عنده، وأحاط بكل شيء علماً، وهو سهل عليه.
بعض أباطيل المشركين وتحديهم بخلق ذبابة
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِلْمٌ وَمَا
لِّلِينَ مِن نَصِيرٍ ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَيْنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُودِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا قُلْ
أَفَأْتِيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يَتَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنٍ
يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَِّّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿ مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ
عَزِيزُ ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ إِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ
٧٦

٢٩٨
الُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١-٧٦
القراءات:
يُنَزِّلْ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُنْزِل).
﴿وَيَشْسَ﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة (وبيس).
﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (تَرْجِع الأمور).
الإعراب:
﴿قُلْ أَفَأْتِبِّئُكُمْ بِشَرِّ مِّنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ ﴿النَّارُ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف،
وتقديره هي النار، و﴿ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾: استئناف كلام، وإما أن يكون مبتدأ،
والجملة الفعلية: ﴿وَعَدَهَا اَللَّهُ﴾ خبره.
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ منصوب على الحال ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال.
البلاغة:
﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ﴾ فيه استعارة، أي تستدل من
وجوههم على المكروه وإرادة الفعل القبيح، مثل: عرفت في وجه فلان الشر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا﴾ تمثيل، أي مَثَل
الكفار في عبادتهم لغير الله كمثل الأصنام التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة
واحدة. وقد سمي الذي جاء به ﴿مَثَلٌ﴾ تشبيهاً للصفة ببعض الأمثال.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي المشركون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي الأصنام ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ،

٢٩٩
الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١-٧٦
قلے
سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهاناً سمعياً يدل على جواز عبادته ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِلْمٌ]
أي حجة عقلية أنها آلهة، سواء أكان العلم من ضرورة العقل أو استدلاله
﴿وَمَا لِلِّينَ﴾ بالإشراك ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾ أي ناصر ومعين يقرر مذهبهم أو يدفع
عنهم العذاب.
﴿ءَتُنَا﴾ من القرآن ﴿بَيِّنَتٍ﴾ واضحات الدلالة على العقائد الحقة
والأحكام الإلهية ﴿الْمُنكَرِّ﴾ المستنكر من التجهم والانتفاخ، أو الإنكار
لها، كالمكرم بمعنى الإكرام، أي أثره من الكراهة والعبوس ودلالة الغيظ
والغضب، لفرط نكيرهم للحق، وهذا منتهى الجهالة. وإشعاراً بذلك وضع
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ موضع الضمير ﴿يَسْطُونَ﴾ أي يبطشون بهم من شدة
الغيظ.
ج
﴿بِشَرِّ مِّن ذَلِكُمْ﴾ من غيظكم على التالين، وبأكره إليكم من القرآن المتلو
عليهم ﴿النَّارُ﴾ هو النار، كأنه جواب سائل قال: ما هو؟ ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بأن مصيرهم إليها ﴿وَبِشَ الْمَصِيرُ﴾ هي النار.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أهل مكة وغيرهم ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ بُيِّن لكم حال مستغربة
أو قصة رائعة أو جعل، ولذلك سماها مثلاً، تشبيهاً لها ببعض الأمثال،
والمثل: الشبه. ﴿فَأُسْتَمِعُوْ لَهُمْ﴾ للمثل أو لبيانه استماع تدبر وتفكر ﴿إِنّ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي تعبدون غيره وهم الأصنام ﴿ذُبَابًا﴾
اسم جنس، يقع على المذكر والمؤنث، واحده: ذبابة وجمعه أذبَّة وذِبّان، مثل
غراب وأغربة وغِربان، وسمي به لكثرة حركته. وقوله: ﴿لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا﴾
أي لا يقدرون على خلقه مع صغره؛ لأن ﴿لَن﴾ بما فيها من تأكيد النفي دالة
على المنافاة بين المنفي والمنفي عنه ﴿وَلَوِ أُجْتَمَعُواْ لَهُمْ﴾ أي لخلقه، أي لا
يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟ !.
﴿ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ من الطيب والزعفران الملطخين به ﴿لَّا

٣٠٠
الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٧١ -٧٦
ج
يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ لا يستردوه منه لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء لله تعالى؟
هذا أمر مستغرب، عبر عنه بضرب المثل ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾
العابد والمعبود.
﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ ما عظموه حق عظمته، إذ أشركوا به العاجز
عن دفع الذباب عنه والانتصاف منه ﴿لَقَوِىّ﴾ قادر على خلق الممكنات
بأسرها ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب ﴿يَصْطَفِى﴾ يختار ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي
إن الله سميع لمقالتهم، مدرك للأشياء كلها، بصير بمن يتخذه رسولاً كجبريل
وميكائيل وإبراهيم ومحمد وغيرهم عليهم السلام. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ﴾ أي ما قدموا وما أخروا وما عملوا وماهم عاملون بعد ﴿ وَ إِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ﴾ أي إليه مرجع الأمور كلها؛ لأنه مالكها بالذات، لا يسأل
عما يفعل من اصطفاء الرسل وغيره، وهم يسألون.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أنه العليم بكل شيء، بيَّن أن عبادة المشركين لغير الله
تعالى لا تعتمد على دليل نقلي أو عقلي، وهم مع جهلهم وغباوتهم إذا أُرشدوا
إلى الحق ودليله، وتلي عليهم القرآن، ظهر في وجوههم الغيظ والغضب،
وهموا أن يبطشوا بمن يتلو ويذكّرهم، ولكن ما ينالهم من النار أعظم مما
يحصل لهم من الغم حين تلاوة الآيات.
ولما بين أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم، ذكر ما يدل
على إبطال قولهم وجهلهم بعظمة الإله، ثم انتقل من الإلهيات إلى النبوات،
وأبان أنه يختار الرسل من الملائكةٍ والناس ممن يعلم أنه الأكفأ والأوفق:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦].