النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ لُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً (يَةً﴾ [الأنفال: ٣٢/٨] وقال سبحانه: مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴾ [ص: ١٦/٣٨]. ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لََّا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي والعذاب آتٍ حالٌ لا بد منه، فإن الله لا يخلف وعده الذي وعدهم به، وهو إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه، وما وَعَدَه إياهم ليصيبنهم ولو بعد حين. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلِفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ أي إن الله تعالى حليم لا يعجل، ومن حلمه واستقصاره المدد الطوال أن يوماً واحداً عنده كألف سنة مما تعدون، أي إن يوماً من أيام العذاب عند ربك، التي تحل بهم في الآخرة يعادل لشدة عذابه ألف سنة من أيام الدنيا، فأين هم من عذاب ربك؟ وإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجَّل وأنظر وأملى. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَ يَعْرُجُ ج) [السجدة: ٥/٣٢] . إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ والخلاصة: أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة، وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، فاقتضت حكمته الإمهال. وتأكيداً للإنظار والإمهال، وإن طال الأمد، قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَ اُلْمَصِيرُ ﴾ أي وكثيراً من القرى أملى الله لها، وأخَّر عنها العذاب وإهلاكها، مع (٤٨ أنها مستمرة في ظلمها وهو الكفر والمعصية، فاغتروا بذلك التأخير، ثم أخذتها بأن أنزلت العذاب بها، أي بأهلها، فتأخير العذاب من باب الإمهال، لا ٢٦٢ الُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٤٢-٤٨ الإهمال، كما جاء في الحديث الصحيح: ((إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أَخَذَه، لم يُفْلِتْه)). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - إن نجاح النبي محمد وَ ل﴿ في رسالته متوقف أولاً على الصبر على أذى قومه، لذا علمه ربه دروس الصبر، فكانت هذه الآيات تسلية له وتعزية، فقد كان قبله أنبياء كذِّبوا، ذكر الله سبعة منهم، فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فما عليه إلا أن يقتدي بهم ويصبر . . اً - من حكمته تعالى وحلمه أنه كان يؤخر العقوبة عن أولئك الكفار المكذبين رسلهم، الملحدين الجاحدين ربهم، ثم يعاقبهم، فتكون عقوبتهم عبرة للمعتبر، مدعاة للنظر والتأمل: كيف كان تغييره ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك. وكذلك يفعل بالمكذبين من قريش؛ إذ ما جرى على النظير يجري على نظيره عقلاً وعادة وعدلاً. ◌َّ - تدل هذه الآية ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ﴾ على أنه سبحانه يفعل بقوم النبي وَ ثر كل ما فعل بالأقوام الآخرين الغابرين إلا عذاب الاستئصال، فإنه لا يفعله بقوم محمد بسلة، وإن كان قد مكّنهم من قتل أعدائهم وثبّتهم. قال الحسن البصري: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين : أحدهما - أن عند الله حداً من الكفر من بلغه عذّبه، ومن لم يبلغه لم يعذبه. والثاني - أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن. فأما إذا ٢٦٣ الُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ حصل الشرطان: وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر، ويعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء، فيدعون على أممهم، فيستجيب الله دعاءهم، فيعذبهم بعذاب الاستئصال، وهو المراد من قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾. وإذا عذبهم فإنه ينجي المؤمنين؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَقُنَا﴾ أي بالعذاب، نجينا هوداً (١). ٤ - كثير من أهل القرى أهلكهم الله، حال استمرارهم على الظلم وهو الكفر، فتصبح بيوتهم خاوية على عروشها، أي ساقطة أو خالية من أهلها، كما تصبح آبارهم معطلة عن وارديها وسقاتها، وقصورهم المرفوعة البنيان خربة أو خالية من سكانها، فتحل الوحشة محل الأنس، والإقفار بعد العمران. وفي ذلك موعظة وعبرة وتذكرة، وتحذير من مغبّة المعصية، وسوء عاقبة المخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه. ٥ - قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ حثّ واضح على الاعتبار بآثار الأمم البائدة التي أهلكها الله بكفرها وظلمها، فإذا اعتبر الناس بذلك كانوا منتفعين بحق بحواسهم وإدراكاتهم وعقولهم، وإن لم يعتبروا كانوا معطلين لتلك الطاقات والنعم، فاستحقوا العقاب. ومن كان في الدنيا أعمى بقلبه عن الإسلام، فهو في الآخرة في النار. ٩ - لو عرف الناس حال عذاب الآخرة، وأن يوم العذاب فيه لشدته كألف سنة من سني الدنيا، لما استعجلوه، فإن الله لا يخلف وعده في إنزال (١) تفسير الرازي: ٤٣/٢٣ ٢٦٤ لُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٩-٥١ العذاب، قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنیا یوم بدر. وقال عكرمة: أعلمهم الله إذا استعجلوا بالعذاب في أيام قصيرة، أنه يأتيهم به في أيام طويلة. وقال الفرَّاء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة. والخلاصة: أن الآية ردّ على المشركين الذين استعجلوا العذاب تكذيباً واستهزاء، لعدم إيمانهم بيوم القيامة، وإعلام قاطع بوقوع العذاب. لاً - كثير من أهل القرى أمهلهم الله تعالى مع عتوهم، ثم أخذهم بالعذاب، وإلى الله المصير، أي إليه المرجع والمآب في الحكم والقضاء. صَلَ اللّه وَسَّام تحديد مهمة النبي قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِّ ءَايَئِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ ٥١ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ القراءات: ﴿مُعَجِزِينَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (مُعَجِّزِين). البلاغة: يوجد مقابلة بين ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ وبين ﴿وَلَّذِينَ سَعَوْأ فيّ ءَيَئِنَا مُعَجِزِينَ﴾. ٢٦٥ الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٩-٥١ المفردات اللغوية: (يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أهل مكة وغيرهم. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الإنذار: وهو التخويف، وأنا أيضاً بشير المؤمنين، واقتصر على الإنذار مع عموم الخطاب بقوله: ﴿لَكُمْ﴾ ومع ذكر الفريقين: المؤمنين والكافرين؛ لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين. وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظ أعدائهم المشركين. ﴿لَمُم مَّغْفِرَةٌ﴾ لما بدر منهم من الذنوب. ﴿وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ هو الجنة، والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله . ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِيّ ءَايَتِنَا﴾ القرآن بالرد والإبطال والطعن بأنها سحر وشعر وأساطير . ﴿مُعَجِزِينَ﴾ أي مسابقين مغالبين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكار البعث والعقاب، وقرئ (مُعَجِّزِيْنَ) أي مثبطين غيرهم عن الإيمان. ﴿الْجَحِيمِ﴾ النار الموقدة. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى استعجال المشركين العذاب تكذيباً له واستهزاء به؛ لأنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، أردف ذلك بإيضاح وظيفة الرسول وقصير وهي الإنذار والتخويف، وأنه بعث للإنذار، فاستهزاؤهم بذلك لا يمنعه منه. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى نبيه و له بأن يقول للكفار حين طلبوا منه وقوع العذاب واستعجلوه به: يا أيها المشركون المستعجلون مجيء العذاب إنما أرسلني الله إليكم نذيراً لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم شيء، بل أمركم إلى الله: إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، كما قال: ﴿وَاَللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١/١٣]. ومهمتي كما تشمل الإنذار تتضمن التبشير، وهذا مضمون الأمرين: ٢٦٦ الُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٩-٥١ ١ - ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ (®َ﴾ أي فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم لهم مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب حسن ولو على القليل من حسناتهم، وجنة عرضها السماوات والأرض، فالرزق الكريم هو الجنة التي وصفها الله سبحانه بقوله ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١/٤٣] ووصفها الرسول وسلم فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)). ٢ - ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيّ ءَايَئِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي والذين جهدوا في إبطال آياتنا، وردّ دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي ◌َّر، ظناً منهم أنهم يُعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَذُواْ عَنِ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ [النحل: ٨٨/١٦]. وقد شبههم بالصاحب من حيث الدوام. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: اً - إن وظيفة الرسول وَه هي الإنذار والتبشير، إنذار من عصاه بالنار وتبشير من أطاعه بالجنة. ٢ - للمؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات الجنة والمغفرة للذنوب والرضوان. ◌َ - للكافرين المعاندين الظانين ألا بعث وأن الله لا يقدر عليهم النار المستعرة التي يخلدون فيها على الدوام. ٢٦٧ لُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ إحكام الوحي وصونه عن الشياطين قصة الغرانيق ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِ فَيَنْسَُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ عَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمُ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ وَالْقَاسِيَةِ ٥٣ حَكِيمُ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْءَ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أَنَّهُ أُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَّالِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ ٥٦ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِيرٌ ٥٧ القراءات: ﴿نَبِيّ﴾: وقرأ نافع (نبيء). [صِرَاطٍ﴾: وقرأ قنبل (سراط). الإعراب: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الضمير في ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ يعود إلى الألف واللام في قوله: ﴿وَالْقَاسِيَةِ﴾. وهذا يدل على أن الألف واللام في حكم الأسماء؛ لأن الحروف لا حظّ لها في الضمير ألبتة، وتقديره: فويل للذين قست قلوبهم، ٢٦٨ لُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ ولهذا التقدير عاد الضمير . ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ﴾ أي كائن مستقر لله، وهو ناصب للظرف. البلاغة: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ جناس اشتقاق. ﴿فَيَنْسَخُ﴾ ﴿يُحْكِمُ﴾ بينهما طباق. ﴿وَإِنَّ اُلظَّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل (وإنهم) قضاء عليهم بالظلم والمعاداة. ﴿أَوَ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمِ﴾ في قوله ﴿عَقِيمٍ﴾ استعارة، شبه يوم القيامة الذي لا ليل بعده ولا نهار بالمرأة العقيم التي لا تلد، لانقضاء الزمان، بعكس ما قبله من الأيام التي تعقبها الليالي، فهي بمنزلة الولدان لليالي. المفردات اللغوية: ﴿رَّسُولِ﴾ هو نبي أمر بالتبليغ، أو في الأصح من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي: أعم من الرسول، فهو من لم يؤمر بالتبليغ، أو في الأصح من بعثه الله بتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام، ولذلك شبه النبي ◌َّر علماء أمته بهم، ويدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الأنبياء فقال: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاث مئة وثلاثة عشر جماً غفيراً. ﴿تَمَنَّ﴾ قرأ ﴿أُمْنِّيَّتِهِ﴾ قراءته، وألقى الشيطان ما ليس من المقروء الموحى به مما يرضاه المرسل إليهم ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ﴾ يبطل ويزيل ﴿يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ﴾ يثبتها ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال الناس وبإلقاء الشيطان ما ذكر ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم، فإنه يفعل ما يشاء. ٢٦٩ الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أي محنة وابتلاء واختباراً ﴿مَّرَضٌ﴾ شك ونفاق ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم الكفار الذي قست قلوبهم عن قبول الحق ﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عداوة شديدة وبعد عن الحق، وخلاف طويل مع النبي ◌َّ والمؤمنين. ﴿الْعِلْمَ﴾ التوحيد والقرآن أو أهل العلم المجردون عن التعصب والعناد ﴿ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي بالقرآن أو بالله ﴿فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ تطمئن أو تنقاد وتخشى وتخضع (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الطريق القويم وهو دين الإسلام، أو النظر الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق. ﴿مِّرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِّنْهُ﴾ أي القرآن ﴿السَّاعَةُ﴾ القيامة أو الموت، أو أشراط الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم منفرد عن سائر الأيام لشدته، والمراد به يوم حرب يقتلون فيه، كيوم بدر؛ لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعُقُم، أو لأنه لا خير فيه كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل بعده. ﴿ اَلْمُلْكُ﴾ السلطان والتصرف ﴿يَوْمَيٍِ﴾ أي يوم القيامة، والتنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية، أي يوم تزول مريتهم ﴿لِلَّهِ﴾ وحده ﴿يُحْكِمُ﴾ يقضي بين الكافرين والمؤمنين ﴿مُّهِينٌ﴾ شديد مذل بسبب كفرهم. ويلاحظ أن إدخال الفاء في خبر الذين الثاني: ﴿فَأَوْلَئِكَ﴾ دون الأول: ﴿فِىِ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى، وأن عقاب الكفار مسبب عن أعمالهم، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ ولم يقل: في عذاب. سبب النزول: ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، ورجوع كثير من مهاجرة الحبشة ٢٧٠ لِجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ إلى مكة، ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. وذكروا روايات مختلفة، كلها من طرق مرسلة، وليست مسندة من وجه صحيح كما قال ابن كثير (١). منها ما رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير: أن النبي وَّ جلس في نادٍ من أندية قومه، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله فقرأ ، شيء، فينفروا عنه يومئذ، فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى حتى إذا بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغَرَانيق (٢) العُلا، وإن شفاعتهن لترتجى. فتكلم بها، ثم مضى بقراءة السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعاً معه، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ﴾ الآية. ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً، فلما أمسى النبي ◌َّ أتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين قال: ما جئتك بهاتين، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا ثَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٤) إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ : [الإسراء: ٧٣/١٧-٧٥] فما ٧٥ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا زال مغموماً حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَنُ فِىِّ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قال ابن العربي وعياض: إن هذه الروايات باطلة لا أصل لها (٣). وقال (١) تفسير ابن كثير: ٢٢٩/٣ (٢) تلك الغرانيق إما الأصنام وإما إشارة إلى الملائكة أي هم الشفعاء، لا الأصنام؛ لأن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله عنهم. (٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي: ١٢٨٨/٣ - ١٢٩٠، تفسير القرطبي: ٨٢/١٢ ٢٧١ لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٥٢-٥٧ الرازي (١): أما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه منها قوله تعالى: ﴿قُلّ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآِى نَفْسِىّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىٌّ﴾ [يونس: ١٥/١٠] وقوله: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (جَ﴾ [النجم: ٣/٥٣-٤] وقوله: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٣ اُلْأَقَاوِلِ ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ جَ) [الحاقة: ٤٤/٦٩- ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ٤٥ ٤٦] فلو أنه قرأ عقيب آية النجم المذكورة: تلك الغرانيق العلا، لنسب الكذب إلى الله تعالى في الحال، وذلك لا يقوله مسلم. وأما السنة: فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة: أنه سئل عن هذه القصة، فقال: هذا وضع من الزنادقة. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وأيضاً: فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ◌َّ- قرأ سورة النجم، وسجد فيها المسلمون والمشركون، والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه: منها: أن من جوز على الرسول وَلقال تعظيم الأوثان، فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. قال الرازي: وأقوى الوجوه: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، أي شرع الله، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة: ٦٧/٥] فإنه لا فرق في العقل. بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذا عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. (١) تفسير الرازي: ٥٠/٢٣ ٢٧٢ الجُرُ (١٧) - الحياة: ٢٢ / ٥٢-٥٧ التفسير والبيان: تبين من الكلام السابق في سبب النزول أن قصة الغرانيق موضوعة مكذوبة وضعها الزنادقة، لذا يجب تفسير الآيات على نحو آخر، خلافاً لما عليه كثير من المفسرين. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، لكن المقطوع به أن النبي ◌َلّ عملاً بدلالة الآيات السابقة الدالة على عصمته، وأنه لا ينطق عن الهوى أنه لم يجار الشيطان فيما ألقاه، ولم يردد على لسانه ما وسوس به. وأحسن تأويل الآيات كما قال القرطبي: هو أن النبي ◌ٍَّ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلاً، ويفصِّل الآي تفصيلاً في قراءته، كما روى الثقات عنه، فيمكن ترصُّد الشيطان لتلك السكتات، ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبي وَله، بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنّوها من قول النبي ◌َّر وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين، لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ◌َّ في ذمّ الأوثان وعَيْبها ما عُرف عنه (١). وعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ أي وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولاً ولا نبياً إلا إذا قرأ وتلا كلام الله، ألقى الشيطان في قراءته وتلاوته بعض الأقاويل والأباطيل. وقوله ﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ دليل على تغاير الرسول والنبي، والفرق بينهما كما في الكشاف: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله. وقد ذكرت في المفردات التعريف المشهور والأصح للرسول والنبي وعدد الرسل والأنبياء. ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِْ﴾ أي فيزيل الله (١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٨٢ - ٨٣ ٢٧٣ اِلُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ ما وسوس به الشيطان من الكلمات والخرافات التي تعلّق بها بعض الكفار، ثم يجعل آياته محكمة محصّنة مثبَّةً، لا تقبل التشويه والتزييف أو الزيادة أو النقصان. وهذا يشبه محاولات بعض القساوسة اليوم دسّ بعض الأكاذيب والشبهات في مبادئ الإسلام وتعاليمه، وقلب الحقائق، وتزييف الوقائع، وتأويل بعض الآيات على وجه غير صحيح، ثم تتبدد تلك المساعي الخبيثة، وتدحض تلك المفتريات على يد بعض العلماء الأثبات من المسلمين أو من غيرهم، وتدفن تلك الآراء المدسوسة في النشرات والكتب المدرسية وغيرها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي والله عليم بكل شيء، وبما أوحى إلى نبيه، وبما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية، حكيم في تقديره وخلقه وأمره وأفعاله، له الحكمة التامة، والحجة البالغة، فيجازي المفتري بافترائه، ويظهر الحق للمؤمنين، وتتبدد الظلمة في نفوس المنافقين، وهذا ما أبانه الله تعالى في موقف الفريقين، فقال: اً - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضُ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ليجعل ما يوسوس به الشيطان فتنة أي ابتلاء واختباراً للمنافقين الذين في قلوبهم شك وشرك وكفر ونفاق، وللمشركين أو اليهود المعاندين قساة القلوب، حين فرحوا بإلقاء الشيطان بعض الكلمات، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. ﴿وَإِنَّ الَّلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي وإن هؤلاء الظالمين أنفسهم من المنافقين والكفار لفي مخالفة وعصيان، ومشاقة لله تعالى ولرسوله مح له، وعناد بعيد من الحق والصواب. ◌َ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ أُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ولكي يعلم أهل العلم النافع الذين يفرقون به بين ٢٧٤ لُحُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٥٢-٥٧ الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق الثابت الصحيح من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وصانه أن يختلط به غيره، فيصدقوا به وینقادوا له، وتخضع له قلوبهم، وتذل وتخشع له نفوسهم، وتعمل بأحكامه وآدابه وشريعته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَُّ لَكِنَبُ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ [فصلت: ٤١/٤١ - ٤٢] . ٤٢ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي وإن الله لمرشد المؤمنين بالله ورسوله إلى طريق قويم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه بتأويل سليم للمتشابه في الدين، وتفصيل واضح للمجمل منه، وفي الآخرة يهديهم الطريق الصحيح الموصل إلى درجات الجنان، ويصرفهم عن دركات النيران. ومصير الفريق الأول ما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمِ ﴾﴾ أي ولا يزال الكفار في شك وريب من هذا القرآن أو من الرسول، فضمير ﴿مِّنْهُ﴾ راجع إلى القرآن أو الرسول وَلّه، أو لا يزال الكفار في ريب منه أي مما ألقى الشيطان في قلوبهم حين قراءة القرآن عليهم، حتى تأتيهم الساعة، أي يوم القيامة أو مقدماتها أو الموت، بغتة أي فجأة من غير أن يشعروا، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، أي يوم القيامة أو يوم حرب مدمرة كيوم بدر. وجعل الساعة غاية لكفرهم وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. وإنما وصف يوم القيامة بالعقيم لأنه لا يأتي بعده ليل، ووصف يوم الحرب بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم: أبناء الحرب، فإذا قُتلوا وصف هذا اليوم بأنه عقيم، على سبيل المجاز. قال ابن كثير: القول الأول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، ولهذا قال: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. ٢٧٥ اِلُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٢-٥٧ والمراد بالآية أن الكفار ما يزالون على كفرهم لا يؤمنون حتى يهلكوا. ﴿ اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي السلطان والتصرف يوم القيامة يوم الجزاء والثواب والعقاب لله الواحد القهار، يقضي بينهم بالحق، وهو الحكم العدل جل شأنه، كما قال تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤/١] وقال عز وجل: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى [الفرقان: ٢٦/٢٥] . ٢٦ اُلْكَفِرِينَ عَسِيرًا ونتيجة الحكم تظهر ببيان جزاء كل من الفريقين، فقال تعالى: ﴿فَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَّالِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ أي فالذين آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وبالقرآن، وعملوا بمقتضى ما علموا من الأعمال الصالحة بإطاعة أوامره تعالى واجتناب نواهيه، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (*)﴾ أي والذين كفرت قلوبهم بالحق وجحدته، وكذبوا بالقرآن وبالرسول، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم، فأولئك لهم عند ربهم عذاب مذلّ مخزٍ، مقابل استكبارهم عن الحق، وإبائهم النظر في آيات القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٤٠] ٦٠] أي صاغرين. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ا - هذه إيناس أخر من الله تعالى لرسوله وَله بعد قوله المتقدم: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ﴾ أي فلا تحزن ولا تتألم لما يردده الكفار على لسان الشيطان، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. ٢٧٦ لُُ (١٧) - الخِّوْ: ٢٢ / ٥٢-٥٧ لاً - الآية تدل على إحكام الوحي وحفظ كتاب الله تعالى وحراسته من أقاويل الشيطان وأباطيله وخرافاته، فإنه إذا ألقى شيئاً من الكلام في ثنايا آيات القرآن الكريم أو حديث النبي وَّ في نفسه، فيبطل الله ما ألقى الشيطان، ويحكم آياته ويثبتها. فقوله تعالى ﴿تَمَنَّ﴾ و﴿ أُمْنِيَّتِهِ،﴾ أي قرأ وتلا، وقراءته. وروى البخاري عن ابن عباس في ذلك: إذا حدَّث - أي النبي - ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان. والمعنى: أن النبي وَلو كان إذا حدّث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول: لو سألت الله عز وجل أن يغنّمك ليتسع المسلمون؛ ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقي الشيطان، أي أن المراد حديث النفس. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. ءَّ - إن في إلقاء الشيطان حكمة وهو أن يجعل فتنة أي ابتلاء واختباراً لفئتين هما المنافقون والمشركون، وهم الظالمون أنفسهم، والظالمون أي الكافرون لفي خلاف وعصيان ومشاقة الله عز وجل ولرسوله ولچ. ٤ - قال الثعلبي في آية ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ﴾: وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والغلط بوسواس الشيطان، أو عند شغل القلب حتى يغلط، ثم يُنَّه ويرجع إلى الصحيح؛ وهو معنى قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهْ﴾. ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأما ما ينسب إليه من قولهم: تلك الغرانيق العلا، فكذب على النبي وَيّ؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن، ثم ينشد شعراً، ويقول: غلطت وظننته قرآناً. ه - وحكمة أخرى لإلقاء الشيطان هي أن يعلم المؤمنون أن الذي أحكم ٢٧٧ لُ (١٧) - الدِّرْجُ: ٢٢ / ٥٢-٥٧ من آيات القرآن هو الحق الصحيح الثابت من الله، فيؤمنوا به، وتخشع وتسكن قلوبهم، وإن الله يهدي المؤمنين إلى صراط مستقيم، أي يثبّتهم على الهداية. أَ - سيظل الكفار في شك من القرآن أو من الدين؛ وهو الصراط المستقيم، أو من الرسول، أو مما ألقى الشيطان على لسان محمد وحل﴾، وهو لم يقله، فيقولون: ما باله ذكر الأصنام بخير، ثم ارتدّ عنها؟ ويستمر الشك إلى وقت مجيء زمن الإيمان القسري أو الملجئ فجأة وهو إما يوم القيامة وإما الموت، وإما يوم الحرب كبدر، وذلك يوم عقيم. وقد تبين لدينا أن الراجح في تفسير اليوم العقيم هو يوم القيامة، قال الضحاك: عذاب يوم لا ليلة له، وهو يوم القيامة. قال الرازي: وهذا القول أولى؛ لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ﴾ ويكون المراد يوم بدر؛ لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر. ولا يكون هناك تكرار بينه وبين قوله ﴿ السَّاعَةُ﴾ لأن الساعة من مقدمات القيامة، واليوم العقيم هو ذلك اليوم نفسه، كما أن في الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم. ويحتمل أن يكون المراد بالساعة: وقت موت كل أحد، وبعذاب يوم عقيم : القيامة (١). لاً - الملك والسلطان لله وحده يوم القيامة، دون منازع، فهو الذي يقضي بالمجازاة بين العباد، ويكون قرار حكمه أن المؤمنين الذين يعملون الصالحات في جنات النعيم، وأن الكافرين المكذبين بآيات القرآن في عذاب مهين. وقوله: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ من أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو يوم القيامة. (١) تفسير الرازي: ٥٦/٢٣ ٢٧٨ لِجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٨-٦٠ وعده الكريم بالنصر والجنة للمهاجرين المقاتلين دفاعاً عن النفس ﴿ وَلَّيْنَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ لَيُدْسِلَّهُم مُدْخَلًا ٥٨ يَرْضَوْنَةٌ، وَ إِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ القراءات: ﴿ قُتِلُواْ﴾: وقرأ ابن عامر (قُتِّلُوا). ﴿لَهُوَ﴾: وقرأ قالون، وأبو عمرو، والكسائي (َهْو). ﴿مُدْخَلًا﴾: وقرأ نافع (مَدْخلاً). الإعراب: ﴿ وَمَنْ عَاقَبَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: مبتدأ مرفوع، بمعنى الذي، وصلته: ﴿عَاقَبَ﴾ وخبره: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اَللَّهُ﴾. وليست ﴿وَمَنْ﴾ ههنا شرطية؛ لأنه لا لام فيها، كما في قوله تعالى: ﴿لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٨] . ٢٧٩ الزُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥٨-٦٠ المفردات اللغوية: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي تركوا أوطانهم في طاعة الله من مكة إلى المدينة. ﴿ثُمَّ قُتِلُواْ﴾ في الجهاد. ﴿رِزْقَا حَسَنًا﴾ هو الجنة. ﴿خَيْرُ الَّزِقِينَ﴾ أفضل المعطين، فإنه يرزق بغير حساب. ﴿قُدْخَلًا﴾ أي إدخالاً، أو موضعاً يدخلونه ويرضونه وهو الجنة. ﴿لَعَلِيمٌ﴾ بنياتهم وبأحوالهم. ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عقابهم، فلا يعاجلهم في العقوبة. ﴿َلِكَ﴾ أي الأمر ذلك، أو ذلك الذي قصصناه عليك. ﴿ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ جازى من المؤمنين. أي جازى الظالم بمثل ظلمه . ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ ظلماً من المشركين، أي قاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام، ولم يزد في الاقتصاص. وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هو الجزاء عقاباً للازدواج. والمشاكلة، أو لأنه سببه. ﴿ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ﴾ منهم، أي ظلم بإخراجه من منزله. ﴿لَعَفُوُّ﴾ عن المؤمنين. ﴿غَفُورٌ﴾ لهم عن قتالهم في الشهر الحرام. وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته يعفو ويغفر، فغيره بذلك أولى، وفيه أيضاً تنبيه على أنه قادر على العقوبة؛ إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. سبب النزول: نزول الآية (٦٠): ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مقاتل أنها نزلت في سرية بعثها النبي ◌َّر، فلقوا المشركين لليلتين من المحرم، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، فناشدهم الصحابة، وذكروهم بالله أن لا يتعرضوا لقتالهم، ٢٨٠ الجُعُ (١٧) - الدرج: ٢٢ / ٥٨-٦٠ فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، ونصروا عليهم، فنزلت هذه الآية. وروى مجاهد أيضاً أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة، فتبعهم المشركون فقاتلوهم. وظاهر الكلام للعموم. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أن الملك له يوم القيامة، وأنه يحكم بين عباده المؤمنين والكافرين، وأنه يدخل المؤمنين الجنات، أتبعه بذكر وعده الكريم للمها جرين المجاهدين، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم. ثم ذكر وعداً كريماً آخر لمن قاتل مبغياً عليه دفاعاً عن نفسه، بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن، وابتدئ بالقتال. التفسير والبيان: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ ﴾﴾ أي والذين خرجوا مهاجرين في سبيل الله، وتركوا أوطانهم وديارهم ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لما عنده، ثم قتلوا في الجهاد، أو ماتوا حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، وليمنحنهم الله الجنة، وليرزقنهم من فضله منها، إن الله خير المعطين الرازقين، يعطي من يشاء بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوِّثُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠/٤]. وهذا الرزق الحسن كما قال تعالى: