النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ الُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٦-٣٧ وَ لّه بكبشين أَمْلحين (١) أقرنين، ورأيته يذبحهما بيده، ورأيته واضعاً قدمه على صِفاحهما (٢)، وسمی وکثّر. وقد أوجب أبو ثور التسمية، واستحب بقية العلماء ذلك. وكره المالكية الصلاة على النبي ﴿ عند التسمية في الذبح، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجازها الشافعي عند الذبح. وذهب الجمهور إلى أن قول المضحي: اللهم تقبل مني، جائز، وكره ذلك أبو حنيفة، ويرد عليه الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: ((ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) ثم ضحّى به. وكره مالك قولهم: اللهم منك وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من المالكية والحسن البصري، بدليل ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله: أنه وَسير قال عند الذبح: ((اللهم منك ولك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر)) ثم ذبح. فلعل الإمام مالك لم يبلغه الخبر. أَ - لن يصل إلى الله لحوم الذبائح ولا دماؤها، وإنما يصل التقوى من عباده، فيقبله ويرفعه إليه ويسمعه. وقد امتن الله علينا بتذليل الإبل، وتمكيننا من تصريفها، وهي أعظم منا أبداناً، وأقوى أعضاءً، ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير. وإنما هي بحسب مايدبرها العزيز القدير، وليعلم الخلق أن الغالب هو الله وحده القاهر فوق عباده. لاً - في الآية: ﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ دلالة على أن التقوى وشكر الله تعالى والإحسان في العمل لله جل شأنه من أهم المطالب الشرعية التي لا يجوز لأحد إغفالها. (١) الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده. (٢) الصفاح: الجوانب، والمراد: الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثني إشارة إلى أنه فعل ذلك في کل منهما. ٢٤٢ لِزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٦-٣٧ ويحسن ذكر حكم الأضحية بإيجاز، ذهب أبو حنيفة والثوري، ومالك في قول ضعيف عنه إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصاباً، وكان في رأي أبي حنيفة مقيماً غير مسافر؛ لما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من وجد سَعَةً، فلم يُضحِّ، فلا يقربنَّ مُصَلانا)) (١)، وروى الترمذي عن ابن عمر قال: ((أقام رسول الله وَّل عشر سنين يضحي)). وقال الجمهور، وذلك على المشهور عند المالكية لغير الحاج بمنى: لا تجب الأضحية، بل هي سنة مستحبة؛ لما جاء في الحديث: ((ليس في المالٍ حقٌّ سوى الزكاةٍ)) (٢) ولأنه وَ ال ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم، وقال: ((إنها سنةُ أبيكم إبراهيم)) وقال أبو سريحة: كنت جاراً لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما. وروى الجماعة إلا البخاري عن أم سلمة: ((أن رسول الله وَ ل﴿ قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره)) ففيه تعليق الأضحية بالإرادة، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب. وروى أحمد والحاكم والدارقطني عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((ثلاثٌ هُنَّ علي فرائضُ، وهن لكم تطوعٌ: الوِتْر، والنحرُ، وصلاة الضحى)) (٣). وروى الترمذي: ((أمرت بالنحر، وهو لكم سنة)». (١) لكن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل. (٢) رواه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس، وهو ضعيف. (٣) سكت عنه الحاكم، وفيه راوٍ ضعيف ضعفه النسائي والدار قطني. ٢٤٣ لُعُ (١٧) - الحُرْجُ: ٢٢ /٣٨-٤١ دفاع الله عن المؤمنين وأسباب مشروعية القتال إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوَانٍ كَغُورٍ ٣٨ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَشَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّدِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ ﴿®َ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ ٤١ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ القراءات: ﴿يُدَفِعُ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يَدْفَعُ). ﴿ أَذِينَ﴾: قرئ: ١- (أُذِنَ) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وعاصم. ٢- (أَذِن) وهي قراءة الباقين. ﴿ يُقَتَلُونَ﴾: قرئ: ١- (يُقَاتَلون) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص. ٢- (يَقَاتِلون) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿دَفْعُ﴾ : ٢٤٤ الزُعُ (١٧) - الحُرّ: ٢٢ / ٣٨-٤١ وقرأ نافع (دِفاع). ﴿لَّدِّمَتْ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير (لَهُدِمَت). الإعراب: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾ في موضع جر صفة لقوله ﴿لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ﴾ أي أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، الذين أخرجوا. ويكون قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ فصلاً بين الصفة والموصوف، مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ (®َ﴾ [الواقعة: ٧٦/٥٦] أي: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون. ﴿إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع، أي لكن لقولهم: ربنا الله. ﴿ بَعْضَهُم بِبَعْضِ﴾ بدل بعض من الناس. ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ﴾ إما في موضع جر، صفة أخرى لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ وإما منصوب على البدل من ﴿مَن﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ؟﴾ وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ مقدر أي هم. وقوله: ﴿إِن ◌َّكَّتَهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ شرط وجزاء، وهما صلة الموصول. البلاغة: ﴿خَوَّنِ كَفُورٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعَّال وفعول. ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ فيه حذف لدلالة السياق عليه، أي أُذن بالقتال للذين يقاتلون. ٢٤٥ لُعُ (١٧) - الحُرْجُ: ٢٢ /٣٨-٤١ ﴿إِلََّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم، أي لا ذنب لهم إلا هذا، على طريقة قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب المفردات اللغوية: ﴿يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه، وقرئ: (يدفع) أي غائلة المشركين. ﴿خَوَّنِ﴾ في أمانته وأمانة الله أي كثير الخيانة [ كَفُورٍ﴾ لنعمته، وهم المشركون، والمعنى: أنه يعاقبهم، وصيغة المبالغة لبيان واقع المشركين. ﴿أُذِنَ﴾ رُخِّص ﴿لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ من قبل المشركين وهم المؤمنون، أي للمؤمنين أن يقاتلوا، والمأذون فيه وهو القتال محذوف لدلالته عليه، وقرئ بالبناء للمعلوم (يقاتلون) أي عدوهم المشركين. ذكر جماعة من المفسرين: أن هذه أول آية نزلت في الجهاد بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ أي بسبب أنهم ظلموا بظلم الكافرين إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعد لهم بالنصر كما وعدهم بدفع أذى الكفار عنهم. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِم﴾ يعني مكة ﴿بِغَيْرِ حَقِّ﴾ أي بغيرِ موجب في الإخراج استحقوا به ﴿إِلََّ أَن يَقُولُواْ﴾ أي بقولهم ﴿رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ وحده، وهذا القول حق، فالإخراج به إخراج بغير حق، ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين ﴿لَمَّدِّمَتْ﴾ لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل، والقراءة بالتشديد للتكثير، وقرئ بالتخفيف ﴿صَوَيِعُ﴾ للرهبان وهي الأديرة، جمع صومعة ﴿وَبِيَعٌ﴾ كنائس للنصارى، جمع بيعة ﴿وَصَلَوَتٌ﴾ كنائس اليهود، سميت بها؛ لأنها يصلى فيها، وقيل: أصلها: صلوتا بالعبرانية، فعرّبت ﴿وَمَسَجِدُ﴾ معابد للمسلمين، جمع مسجد، والأرض كلها جعلت للنبي وَّ مسجداً، وتربتها طهوراً. ﴿يُذْكَرُ ٢٤٦ الزُ (١٧) - الخروجْ: ٢٢ / ٣٨-٤١ فِيَهَا اسْمُ اُللَّهِ كَثِيرًا﴾ يذكر في المواضع الأربعة المذكورة، وتنقطع العبادة بخرابها ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ من ينصر دينه، وقد أنجز وعده، بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقیاصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ القوي: القادر على كل شيء، ومنه نصرهم، والعزيز: المنيع في سلطانه وقدرته، لا يغلبه غالب. ﴿إِن ◌َّكَّنَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ بنصرهم على عدوهم ﴿وَلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي إليه مرجعها في الآخرة. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ﴾ : رُوي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، وأراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال ويغدِر ويحتال، فنزلت هذه الآية. نزول الآية (٣٩): ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ﴾ الآية: أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه وابن سعد عن ابن عباس قال: خرج النبي وَّر من مكة، فقال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون! ليهلكُنَّ، فأنزل الله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٣٩٦ المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أن الكفار صدوا المؤمنين عن دين الله وعن دخول مکة، ثم بيَّن مناسك الحج وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أردف ذلك ببيان ما يزيل الصدّ، ويؤمن معه التمكن من الحج، وهو دفع الله غائلة المشركين، ٢٤٧ الُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ والإذن بالقتال مع إيضاح الحكمة منه وأسباب مشروعيته، كالدفاع عن المقدسات، وحماية المستضعفين، وتمكين المؤمنين من عبادة الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي إن الله يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر الأشرار، وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم على أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (4َ﴾ [غافر: ٥١/٤٠] وقال: ﴿وَمَن يَنَّوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣/٦٥] وقوله: ﴿يُدَفِعُ﴾ صيغة مفاعلة إما للمبالغة في الدفع، أو للدلالة على تكرره فقط؛ لأن صيغة المفاعلة تدل على تكرر الفعل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوَّانِ كَفُورٍ﴾ أي إنه تعالى لا يحب خائن العهد والميثاق والأمانة، جاحد النعم الذي لا يعترف بها، والمراد أن المؤمنين هم . أحباء الله، وأن الله سيعاقب أعداءهم، فهو تعليل للوعد والوعيد؛ لأن نفي المحبة كناية عن البغض الموجب للعقاب. وخيانة الأمانة إما جميع الأمانات، وإما أمانة الله وهي أوامره ونواهيه. وهذه الآية إما وعيد ضمناً، وبيان عاقبة الصادين عن المسجد الحرام الذين ذكرهم الله قبل آيات الحج، فتكون كلاماً متصلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وإما وعد للمؤمنين الذين تعطشوا إلى رؤية الحرم المقدس بعد منع المشركين لهم، فتكون كلاماً متصلاً بما قبله مباشرة، فإنهم أخرجوا رسول الله من وطنه الذي تعلق قلبه به، حتى إنه نظر إليه حين خروجه من مكة وقال: ((والله إنك لأحبُّ أرض الله إلي، وإنك لأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)). ٢٤٨ الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ والظاهر أن الآية وعد من الله عز وجل وبشارة للمؤمنين بنصر الله لهم وتمكينهم من عدوهم، وفي ضمنه وعيد شديد، وتهديد للمشركين بقهرهم وخذلانهم، وفيه تمهيد وتوطئة لمشروعية الجهاد. ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ﴾ أي رُخِّص للمؤمنين المعتدى عليهم بالقتال بسبب ظلم المشركين إياهم، بإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وإيذاء بعضهم بالضرب والشج، فكانوا يأتون النبي وَله بين مضروب ومشجوج في رأسه، ويشتكون إليه، فيأمرهم بالصبر، ويقول لهم: ((إني لم أومر بقتالهم)) حتى هاجر فنزلت هذه الآية في السنة الثانية من الهجرة. وهي في رأي كثير من السلف كابن عباس وعائشة ومجاهد والضحاك وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة والزهري: أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية، وهو الظاهر، ويؤيده سبب النزول المتقدم ذكره، وذكرت الآية بعد الوعد بالمدافعة والنصر. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أول آية نزلت في القتال: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠/٢]. وفي الإكليل للحاكم: إن أول آية نزلت فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١/٩]. فعلى القول الأول للأكثرين: يكون المقصود بالآية: ﴿أَذِنَ﴾ إباحة القتال ومشروعيته، والمأذون فيه هو القتال حقيقة، وحذف لدلالة السياق عليه، والمراد بهم المهاجرون، بدليل وصفهم بالإخراج من الديار بغير حق. وعلى القول الثاني لبعضهم: يكون المراد حكاية الإذن الحاصل من قبل توطئة لبيان أسباب المشروعية. وعلى قراءة المبني للمجهول ﴿يُقَتَلُونَ﴾ يكون وصفهم بالقتال الواقع ٢٤٩ الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ عليهم فعلاً على حقيقته، سواء قيل: إنها أول آية نزلت في القتال أم لا؛ لأن قتال المشرکین واضطهادهم لهم، كان حاصلاً على كل حال. وعلى قراءة المبني للمعلوم (يقاتلون) إذا قيل: إنها ليست أول آية نزلت في القتال يكون وصفهم بالقتال على حقيقته أيضاً، وأما إذا قيل: إنها أول آية نزلت في الجهاد فيكون وصفهم بالقتال إما على معنى أو على تقدير: إرادة القتال، أي يريدون قتال المشركين ويحرصون عليه، وإما على إرادة استحضار ما يكون منهم في المستقبل، أي ما سيعدون أنفسهم عليه من لقاء المشركين. وعلى كل حال يكون المراد بالآية بيان سبب الإذن في القتال وهو دفع الظلم والإيذاء، فإن المشركين آذوا رسول الله و له بأشد أنواع الإيذاء الأدبية والجسدية، فإنهم اتهموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ووضعوا التراب على رأسه، وألقوا سلا جزور على كتفيه وهو ساجد بين يدي ربه، وأغرت ثقيف سفهاءهم حتى رموه بالحجارة وأدموه واختضب نعلاه بالدم. وآذوا أيضاً أتباعه وأنصاره فعذبوهم بالضرب والجلد، والقتل، والإلقاء في حر الشمس في بطحاء مكة، ووضعوا الحجارة على صدورهم، وحاولوا فتنتهم عن دينهم، فلم يزدهم التعذيب إلا إصراراً على التمسك بعقيدتهم، فلا يصدر عنهم إلا القول: أحد أحد. ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي ثم وعد الله تعالى هؤلاء المعذبين المستضعفين بالنصر فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أي إن الله وحده هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكنه يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، وهو حينئذ معهم يؤيدهم بنصره، وقد فعل، فأعزهم وأهلك أعداءهم. هذا رأي ابن كثير (١). ويكون المقصود تنبيه المسلمين إلى أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، (١) تفسير ابن كثير: ٢٢٥/٣ ٢٥٠ لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ وأنهم مدعوون للجهاد والكفاح، وإثبات الكفاءة والذات، وأن الجزاء مرتبط بالعمل. وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا وعد بالنصر، وتأكيد للوعد في الآية المتقدمة بالدفاع عن المؤمنين، وتصريح بأن الوعد السابق لا يراد منه مجرد تخليصهم من أيدي أعدائهم، بل نصرهم عليهم. وإنما تأخر تشريع القتال إلى ما بعد الهجرة وإلى الوقت المناسب؛ لأن المؤمنين في مكة كانوا قلة، وكان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون - وهم أقل من العُشْر - بقتال المشركين، لشق عليهم. ثم وصف الله تعالى حال هؤلاء المؤمنين بقوله: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللهٌ﴾ أي إن هؤلاء المؤمنين المعتدى عليهم هم الذين أخرجهم المشركون من مكة إلى المدينة بغير حق، وهم محمد رَّ وأصحابه، وما كان لهم من إساءة إلى قومهم، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١/٢٠] وقال سبحانه في قصة أصحاب الأخدود: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ [البروج: ٨/٨٥] . هذا أول أسباب المشروعية وهو الطرد من الأوطان بغير حق، ثم ذكر تعالى سبباً آخر وهو الدفاع عن حرية العبادة في الأرض، وحماية الأماكن المقدسة، فقال : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضِ لَِّمَتْ﴾ هذه هي سنة التدافع من أجل الحفاظ على التوازن بين البشر، والقتال مشروع لحماية أماكن العبادة، وإقرار مبدأ حرية العبادة. والمعنى: لولا أنه تعالى يدفع بقوم عن قوم، ويكفّ شرور أناس من غيرهم، ولولا تشريع القتال دفاعاً عن الوجود والحرمات، لهدّمت مواطن العبادة، سواء كانت معابد للرهبان أو للنصارى أو لليهود أو للمسلمين، التي يذكر فيها اسم الله ذكراً كثيراً. ٢٥١ الُرعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ ويلاحظ وجود التنقل في بيان مواضع العبادة من الأقل إلى الأكثر، ومن الأضيق إلى الأوسع، فإن المساجد أكثر ارتياداً، وأصح عبادة وأسلم قصداً. وكذلك قدمت الصوامع والبيع في الكلام على المساجد؛ لأنها أقدم وجوداً. قال بعض العلماء: هذا ترقِّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّاراً، وأكثر عُبَّاداً، وهم ذوو القصد الصحيح (١). ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ أي وليؤيدنَّ الله بنصره الذين يقاتلون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ورفع لواء دينه، كقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَّ أَعْمَلَهُمْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٧/٤٧-٨]. ٨ وهذا إخبار من الله عز وجل عن مغيبات المستقبل وعما ستكون عليه سيرة المهاجرين رضي الله عنهم إن مكنهم في الأرض، وبسط لهم في الدنيا، وكيف یقومون بأمر الدین (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ أي إن الله هو القوي القادر على نصر أهل طاعته المجاهدين في سبيله، وهو المنيع الذي لا يقهر، ولا يغلبه غالب، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ (١٧٣) ﴾ [الصافات: ١٧١/٣٧ -١٧٣]. وقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨]. لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ثم وصف الله تعالى المهاجرين المؤمنين الجديرين بالنصر فقال: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي إن هؤلاء المهاجرين الذين بوأهم الله السلطة على الناس، وأعطاهم النفوذ بين العالم إن مكنهم من (١) تفسير ابن كثير: ٢٢٦/٣ (٢) الكشاف: ٢/ ٣٥٠ ٢٥٢ الجُ (١٧) - الحِّوْ: ٢٢ / ٣٨-٤١ الأرض وأعطاهم السلطة، فإنهم يأتون بالأمور الأربعة: وهي إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل، وإيتاء الزكاة الواجبة، والأمر بالمعروف (وهو ما أمر به شرعاً وحسن عقلاً) والنهي عن المنكر (وهو ما حظر شرعاً وقبح عقلاً) فدعوا إلى توحيد الله وإطاعته، ونهوا عن الشرك وقاوموا أهله. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤]. ﴿وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي إن مرجع الأمور إلى حكمه تعالى وتقديره في الثواب والعقاب على ما عملوا، كقوله تعالى: ﴿ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧] وفيه تأكيد لما وعد تعالى من نصر أوليائه وإعلاء كلمتهم. فمن تأمل النصر على الأعداء من اليهود وغيرهم، فليعمل بهذه الأوصاف الأربعة التي التزمها المهاجرون والمجاهدون الأولون. ومجمل الآيات أنه إنما أحللت لهم القتال؛ لأنهم ظُلموا، ولم يكن لهم ذنب مع الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا في الأرض أقاموا الصلاة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى غرر الأحكام التالية: اً - وعد الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى بالمدافعة عن المؤمنين، ويحفظهم وصونهم من شر الأشرار وكيد الفجار، وبنصرهم على أعدائهم، ثم نهى نهياً صريحاً عن الخيانة والغدر وكفران النعم. أَ - أباح الله تعالى القتال لمن يصلح له لدفع أذى الكفار واعتدائهم، ودفاعاً عن النفس وحق الحياة العزيزة الكريمة. قال الضحّاك: استأذن أصحاب رسول الله وهل في قتال الكفار إذ آذوهم بمكة، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانِ كَفُورٍ﴾، فلما هاجر نزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ٢٥٣ لُحُ (١٧) - الدرج: ٢٢ / ٣٨-٤١ ظُلِمُواْ﴾ وهذا - كما يقول العلماء القدامى - ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك وصَفْح، وهي أول آية نزلت في القتال. وكانت قريش قد اضطهدت المسلمين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفَوهم عن بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، ومعذَّب، وبين هارب في البلاد مغرَّب، فمنهم من فرَّ إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم من صبر على الأذى (١). والخلاصة: لقد أُذنوا بالقتال بسبب كونهم مظلومين، وكان مشركو مكة يؤذونهم أذىً شديداً، وكانوا يأتون رسول الله وَّر من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا، فإني لم أومر بقتال، حتى هاجر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية (٢). وفي هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع، خلافاً للمعتزلة؛ لأن قوله: ﴿أُذِنَ﴾ معناه أبيح، وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع. ◌َ - إن من مظاهر ظلم المشركين للمؤمنين هو إخراجهم من أوطانهم، لا لشيء، لكن لقولهم: ربنا الله وحده، فإن أهل الأوثان أخرجوهم من ديارهم بتوحيدهم. وفي هذه الآية دليل على جواز نسبة الفعل الموجود من الملْجَأ المكْرَه إلى الذي ألجأه وأكرهه؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار، كما في آية: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [التوبة: ٤٠/٩]. ٤ - ومن أسباب مشروعية القتال: الدفاع عن الحرمات وأماكن العبادات، فلولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٢٨٥/٣ (٢) تفسير الرازي: ٣٩/٢٣ ٢٥٤ الزُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٣٨-٤١ لاستولى أهل الشرك على نواصي الأمور، وأشاعوا الفوضى، ودمروا مواضع العبادات، وتغلبوا على الحق في كل أمة. وهذا يدل على أن الجهاد أمر قديم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، وارتفعت به راية التوحيد، وظهرت بوادر الصلاح، ونواة التقدم والحضارة، وأرسيت معالم حرية الدين، وبرزت معالم الأخلاق القويمة والتهذيب البشري. ٥ - تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبِيَعهم وبيوت نيرانهم، لكن لا يُتركون أن يُحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في البنيان لا سعة ولا ارتفاعاً، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. وجاز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه؛ وقد فعله عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي (قل﴾. ٩ - إن الله تعالى القوي القادر، العزيز المنيع الجليل الشريف ينصر في حكمه وشرعه من ينصر دينه ونبيه، والله لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه، فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور. لاً - إن المسلمين في جهادهم دعاة بناء ومجد وحضارة، وإصلاح وتقويم، فهم إن كانت السلطة لهم في الدنيا لازموا أوصافاً أربعة: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف الذي هو خير، والنهي عن المنكر الذي هو شر محض. قال سهيل بن عبد الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على السلطان وعلى العلماء الذين يأتونه. وليس على الناس أن يأمروا السلطان؛ لأن ذلك لازم له، واجب عليه، ولا يأمروا العلماء، فإن الحجة قد وجبت علیھم. ٢٥٥ الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ ٨ - في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة، وأن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة، فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبداً. الاعتبار بهلاك الأمم السابقة ) وَقَوُ إِزْهِيَمَ ٤٣ ﴿وَإِنِ يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَمُودُ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكَذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ٤٣ وَقَوْمُ لُوطٍ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ ® خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَّا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنٍ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ الصُّدُورِ وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ ٤٧ وَإِّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ ٢٤٨ القراءات: ﴿فَكَأَيِّنِ﴾ : وقرأ ابن كثير (فكائِن). ﴿ أَهْلَكْنَهَا﴾ : وقرأ أبو عمرو (أهلكتُها). ﴿وَيَثْرٍ﴾: وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبير). ٢٥٦ لُُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ رويد ﴿ تَعُدُونَ﴾: وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف (يَعُدَّون). الإعراب: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾: الكاف في موضع نصب بفعل مقدر يفسره الظاهر، وتقديره: وكأين من قرية أهلكناها، وهذا إذا جعلت ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ خبراً. فإن جعلتها صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾ لم يجز أن تكون مفسرة لفعل مقدر؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. ﴿وَبِثْرِ مُعَطَّلَةٍ﴾ معطوف بالجر على قوله ﴿قَرْيَةٍ﴾ وتقديره: وكم من بئر معطلة، وقيل: هو معطوف على ﴿عُرُوشِهَا﴾. المفردات اللغوية: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ﴾ تسلية له وَ لّ بأن قومه إن كذبوه فهو ليس وحده منفرداً في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ ج﴾ تأنيث قوم باعتبار المعنى. ﴿وَعَادٌ﴾ قوم هود. ﴿وَثَمُودُ﴾ قوم صالح. ﴿ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ﴾ قوم شعيب. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه القبط، لا قومه بنو إسرائيل، لذا غيِّر فيه النظم، وبُني الفعل للمفعول؛ لأن قومه لم يكذبوه، وإنما كذبه القبط، ولأن تكذيبه كان أشنع. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِينَ﴾ أمهلتهم بتأخير العقاب لهم . ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعذاب أي أهلكتهم . ﴿نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم، بتغيير النعمة محنة، والحياة هلاكاً، والعمارة خراباً. والاستفهام بـ ﴿فَكَيْفَ﴾ للتقرير، أي هو واقع موقعه، ويراد به التعجب. ﴿فَكَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾ أي كم من قرية أهلكتها، أي بإهلاك أهلها. ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ أي أهلها بكفرهم. ﴿خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، أي ساقطة حيطانها على سقوفها أو خالية . ﴿وَبِثْرٍ ٢٥٧ الُجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي وكم من بئر معطلة، أي متروكة بموت أهلها عطفاً على ﴿فَرْيَةٍ﴾.﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ رفيع أي مرفوع خالٍ، بموت أهله، أو مجصص مبني بالشّيد أي الجصّ، أخليناه عن ساكنيه، وذلك يقوي أن معنى ﴿خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ خالية مع بقاء عروشها. ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي كفار مكة، وهو حثّ لهم أن يسافروا، ليروا مصارع المهلكين، فيعتبروا. ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي يدركون ما يجب أن يعقل، وما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال بما نزل بالمكذبين قبلهم . ﴿أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهِ﴾ ما يجب أن يسمع من الوحي، والتذكير بحال من يشاهد آثارهم . ﴿فَإِنَّهَا﴾ الضمير عائد للقصة أو مبهم يفسره الإبصار، أي أن الضمير ضمير الشأن والقصة، وهو يجيء مذكراً ومؤنثاً. ﴿ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ أي تعمى عن الاعتبار، أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما في سوء استعمال عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد. وذكر الصدور للتأكيد. قال ابن عباس ومقاتل: لما نزلت: ﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾ قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى اُلْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ اَلْصُّدُورِ﴾. (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ المتوعد به. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ بإنزال العذاب، لامتناع الخلف في خبره، فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين، ولكنه صبور لا يعجل بالعقوبة. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ﴾ من أيام الآخرة بسبب العذاب . ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ في الدنيا، وهو بيان لتناهي صبره وتأنیه. نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، لقوله: ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٧٠] وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام، لقوله: ٢٥٨ الجُعُ (١٧) - الرِّجْ: ٢٢ / ٤٢-٤٨ ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨]. ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي من أهل قرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب. ﴿أَمْلَيْتُ لَا﴾ أمهلتها كما أمهلتكم. ﴿ وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلكم . ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب أي أخذت أهلها. ﴿اُلْمَصِيرُ﴾ المرجع، أي وإلى حكمي مرجع الجميع. المناسبة: بعد أن بين الله تعالى أن المشركين الكفار أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم، وضمن للرسول والمؤمنين النصرة عليهم، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول وَله في الصبر على ما هم عليه من إيذائه وإيذاء المؤمنين بالتكذيب وغيره، ممن خالفه من قومه. التفسير والبيان: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ﴿ وَقَوْمُ إِنَزَهِيمَ وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ وَقَوْمُ لُوطٍ (® فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ (®﴾ أي إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون، فلست فريداً في هذا ولا بدعاً من الرسل، وإنما هي سنة الأمم الغابرة، فقد كذبت قبلهم قوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم إبراهيم ولوط، وأصحاب مدين قوم شعيب، وكذب القبط الذين أرسل إليهم موسى، مع ما جاءهم به أنبياؤهم من الآيات البينات والدلائل الواضحات، فأنظرت العذاب عن الكافرين وأخرتهم إلى الوقت المعلوم عندي، ثم أخذتهم بالعذاب والعقوبة وأهلكتهم، فانظر كيف كان إنكاري عليهم بتدميرهم ومعاقبتي لهم؟! ٢٥٩ لُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ . ويلاحظ أنه لم يقل: وقوم موسى؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط، وفرعون وقومه. وما جرى على المثيل يجري على مثيله، فإني سأفعل بالمكذبين من قومك مثلما فعلت بأمثالهم، وإن أمهلتهم، فإني منجز وعدي فيهم: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ [البروج: ١٢/٨٥] فلا تتعجل العذاب. لَشَدِیدُ ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله أربعون سنة. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا ١٠٢ أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ هذه هي سنة التكذيب، وأما العقاب فهو كما قال تعالى: ﴿فَكَأَيِنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَائِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾﴾ أي كم من قرية أهلكتها، وهي ظالمة أي مكذبة لرسلها، والمراد أهلها، فأصبحت ديارهم ساقطة حيطانها على سقوفها، أي قد خربت منازلها، وتعطلت حواضرها، أو أصبحت خالية من أهلها مع بقاء عروشها على حالها وسلامتها. وكم من بئر معطلة أي لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها، والازدحام عليها، وكم من قصر مشيد دمّر أو بقي بعد فناء أهله؟! والمشيد: المجصص: المبيض بالجص، أو المرفوع البنيان. والمعنى الإجمالي للآية: كم قرية أهلكناها، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، فترك ذلك، لدلالة ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ عليه؟! وذلك كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمُنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١/٢١] . ٢٦٠ الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٤٢-٤٨ ثم لفت أنظارهم إلى ضرورة العبرة بما حدث وشاهدوا فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُوْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ﴾ هذا حثّ على السفر، والاتعاظ بالفكر، والتأمل بالبصيرة، أي هلا يسافر هؤلاء في البلاد، فيتأملوا بما حدث من مصارع القوم، وينظروا بأعينهم ما وقع، ويشاهدوا آثارهم، ويفكروا بعقولهم في النتائج، ويسمعوا الأخبار بآذانهم، ليقفوا على الحقائق ويطلعوا على الأسباب، ويدركوا الأسرار، فيعتبروا بما شاهدوا ورأوا، ويقلعوا عما هم فيه من شرك وتكذيب لرسول الله، وينيبوا إلى ربهم الذي خلقهم، وأقام لهم الأدلة والبراهين في الكون على وجوده و وحدانيته. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِ الصُّدُورِ﴾ أي ولكنهم لم يفكروا ولم يعتبروا ولم ينظروا، لا لأنهم قوم عُمْي البصر، وإنما هم عُمْي البصائر، فليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت أبصارهم سليمة، فإنهم عطلوا قدراتهم الفكرية وعقولهم، فلم يتفحصوا حقائق الأمور، ولم ينفذوا إلى العبر. ذكر الرازي أن الآية تدل على أن العقل هو العلم، وأن محل العلم هو القلب؛ لأن المقصود من قوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ العلم، وقوله: ﴿يَعْقِلُونَ بِهآ﴾ كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل (١). وأضاف العقل إلى القلب؛ لأنه محله، كما أن السمع محله الأذن. وبعد أن أبان تعالى ما هم عليه من التكذيب، ذكر أنهم قوم طائشون، حمقى، يستهزئون بحلول العذاب، فقال: ﴿وَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي يتعجل وقوعَ العذاب الذي تنذرهم به هؤلاء (١) تفسير الرازي: ٤٥/٢٣