النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ لُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١٩-٢٤ فقه الحياة أو الأحكام: هذه حال المؤمنين وحال الكافرين في الآخرة، أما الكافرون من الفِرق الخمس الذين تقدم ذكرهم، فخيطت وسويت لهم ثياب شاملة من نار، أي أنها تحيط بهم إحاطة كاملة، ويصب على رؤوسهم الماء الحار المغلي بنار جهنم، يذيب أحشاء بطونهم وشحومها، ويشوي الجلود أو يحرقها، فإن الجلود لا تذاب، فیضم في كل شيء ما يليق به، ويضربون ويدفعون بمضارب ثقيلة من حدید. وإذا حاولوا الخروج من النار حين تفور بهم، فتُلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فتعيدهم خزنة النار إليها بالمقامع، ويقولون لهم: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي المحرِق. والذوق: مماسَّة يحصل معها إدراك الطعم، والمراد به إدراكهم الألم. وأما المؤمنون فلهم ألوان عديدة من النعم، منها أنهم يحلون بأساور الذهب، ويحلون لؤلؤاً يزينون به تيجانهم، قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يَبْعُد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مُصْمَت، أي الذي لا يخالطه غيره. قال القرطبي: وهو ظاهر القرآن ونصه. وجميع ما يلبسونه وينتفعون به من فُرُشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. وأرشدوا إلى طيب القول، قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، والحمد لله، كما أرشدوا إلى صراط الله وهو في الدنيا دينه وهو الإسلام، وفي الآخرة الطيب من القول: وهو الحمد لله؛ لأنهم يقولون غداً: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣/٧]، ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ [فاطر: ٣٤/٣٥]؛ فليس في الجنة لغو ولا كذب، فما يقولونه فهو طيِّب القول. وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله وهو الإسلام أو إلى طريق الجنة، إذ ليس في الجنة ٢٠٢ لُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤ شيء من مخالفة أمر الله. وقيل: الطيب من القول: ما يأتيهم من الله من البِشارات الحسنة. أما في الدنيا فالحرير والذهب محرم استعمالهما حلية على الرجال، حلال للنساء، أما الانتفاع بآنية الذهب والفضة كالأكل والشرب فهو حرام مطلقاً على الرجال والنساء. روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي نَّ قال: ((من لبِس الحرير في الدنيا، لم يَلْبَسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة، لم يشرب فيها في الآخرة)). ثم قال رسول الله وَله: ((لباسُ أهل الجنة وشرابُ أهل الجنة، وآنيةُ أهل الجنة)). والحرمان من ذلك: إنما هو في حال عدم وجود التوبة، بدليل حديث ابن عمر عن النبيِ وَّه: ((من شَرِب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حُرِمها في الآخرة». فإذا لم تحدث التوبة، فيحرم مما ذكر عملاً بظاهر الحديث، وإن دخل الجنة، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَّر: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو)). وكذلك ((من شرب الخمر ولم يتب)) و ((من استعمل آنية الذهب والفضة)) وليس ذلك بعقوبة؛ لأن الجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه (١). (١) تفسير القرطبي: ٣٠/١٢ ٢٠٣ لُعُ (١٧) - الدُّوْ: ٢٢ / ٢٥ المنع من المسجد الحرام ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَاءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ٢٥ أَلِيمٍ القراءات: ﴿سَوَآءً﴾: قرأ حفص (سَوَاءً). وقرأ الباقون (سواءٌ). ﴿ وَالْبَادِ﴾: وقرأ ورش، وأبو عمرو بإثبات الياء وصلاً، ووصلاً ووقفاً قرأ ابن كثير. الإعراب: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الواو: إما واو عطف أو واو حال، فإن كانت للعطف عطف المضارع على الماضي حملاً على المعنى، على تقدير: إن الكافرين والصادِّين. وإن كانت للحال، كان تقديره: إن الذين كفروا صادِّين عن سبيل الله. وخبر ﴿إِنَّ﴾ مقدَّر، أي معذَّبون. والأصح هو الأول، قال البيضاوي: لا يريد به حالاً ولا استقبالاً، وإنما يريد استمرار الصدّ منهم، كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ولذلك حسن عطفه على الماضي. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِ اٌللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨/١٣]. ﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ﴾ ﴿اَلْعَكِّفُ﴾: مبتدأ، ﴿وَالْبَادٍّ﴾: عطف ٢٠٤ الجُزُ (١٧) - الدُّجْ: ٢٢ / ٢٥ عليه، وسواءٌ على قراءة الرفع: خبر مقدم. وعلى قراءة النصب: منصوب على المصدر، على تقدير: سَوَّيْنا، أو على الحال من هاء ﴿جَعَلْنَهُ﴾ وهو عامل فيه، ورفع ﴿اَلْعَلِفُ﴾ به. ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ حالان مترادفان، ومفعول ﴿يُرِدْ﴾: متروك ليتناول كل متناوَل كما قال الزمخشري، وهو الأولى كما قال الرازي. البلاغة: ﴿اَلْعَكِّفُ﴾ ﴿وَالْبَادِّ﴾ بينهما طباق، إذ العاكف: المقيم في المدينة، والباد: المقيم في البادية. المفردات اللغوية: ﴿ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي ويمنعون عن دين الله وطاعته. والصد: المنع، والفعل يفيد استمرار المنع ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مكة ﴿الَّذِى جَعَلْتَهُ﴾ منسكاً ومتعبداً ﴿سَوَآءً اٌلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ﴾ أي تساوى فيه المقيم الملازم والطارئ من البادية ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ عدول عن القصد والاستقامة، والباء زائدة للتأكيد، أي إلحاداً مثل ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠/٢٣] ﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حق، أي بسببه، بأن ارتكب منهياً، ولو شتم الخادم ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي يتلقى بعض العذاب المؤلم، وهو جواب الشرط لمن يُردْ، ويفهم خبر ﴿إِنَّ﴾ من قوله ﴿نُّذِقْهُ﴾ أي نذيقهم من عذاب أليم. سبب النزول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله وسلم وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام، وقد كره عليه الصلاة والسلام أن يقاتلهم، وكان محرماً بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل. ٢٠٥ اِجُزُ (١٧) - الحُرْجُ: ٢٢ / ٢٥ وقوله: ﴿وَمَن يُرِدُ فِیهِ پإلحادٍ﴾: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث النبي وَلّ عبد الله بن أنيس مع رجلين: أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية. المناسبة: بعد بيان مآل الكفار والمؤمنين، عظم الله تعالى حرمة البيت الحرام، وعظم كفر المشركين الصادين عن الدخول إليه لأداء المناسك، مع ادعائهم أنهم حماته. التفسير والبيان: إن الذين كفروا بالله ورسوله، وهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في الأمر نفسه، فهم يمنعونهم من الدخول إليه، مع أن الله تعالى جعله للناس جميعاً لصلاتهم وعبادتهم، وطوافهم وأداء مناسكهم، يستوي في شأنه المقيم منهم فيه والطارئ عليه النائي عنه، من أهل البوادي وغيرهم. ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد والاستقامة، ظالماً، أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار، عامداً قاصداً أنه ظلم غير متأول، وهو التعمد، نذقه يوم القيامة من العذاب المؤلم. قال مجاهد: ﴿بِظُلْمِ﴾: يعمل فيه عملاً سيئاً. وقال ابن أبي حاتم: وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي في الشر إذا كان عازماً عليه، وإن لم يوقعه. وروى ابن أبي حاتم عن يعلى بن أمية أن رسول الله وَلو قال: ((احتكار الطعام بمكة إلحاد)). وهذا بعض أمثلة الظلم، فإن هذا الإلحاد والظلم يجمع ٢٠٦ الُ (١٧) - الخِّرْجُ: ٢٢ / ٢٥ جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة، ولم يعملها، لم يحاسب عليها إلا في مكة. والخلاصة: أن الآية عامة تشمل كل أنواع المعصية، ويختص الحرم بعقوبة من هم فيه بسيئة وإن لم يعملها، كما أن الله تعالى جعل الحرم مفتوحاً ومنسكاً لكل الناس، أي الذین یقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد، ومقيم وطارئ، ومكي وآفاقي. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على مايأتي: اً - حرية العبادة في الحرم المكي لجميع الناس، من أهل مكة وغيرهم، وهذا يومئ إلى أن من يمنع الناس من حج بيت الله الحرام، يكون من الذين كفروا؛ لأن الله تعالى ذكر فريضة الحج عقب هذه الآية. أَ - كل من يرتكب معصية في مكة عدواناً وظلماً، أو يعزم فيه على الشر، وإن لم يفعله، له يوم القيامة عذاب مؤلم شديد الألم أي فيعاقب الإنسان على ما ينويه من المعاصي بمكة، وإن لم يعمله. قال الإمام أحمد: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير، فقال: ياابن الزبير: إياك والإلحاد في حرم الله، فإني سمعت رسول الله ◌َو يقول: ((إنه سيلحد فيه رجل من قريش لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت)). وقد استدل الحنفية بالآية على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها، قائلين بأن المراد بالمسجد الحرام مكة، ومستدلين بما رواه ابن ماجه والدارقطني عن عَلْقمة بن نَضْلة قال: توفي رسول الله وََّ، وأبو بكر وعمر، وما تُدعى رِباع مكة إلا السوائبُ، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وقَال عبد الله بن عمرو - فيما رواه عنه عبد الرزاق: لا يحل بيع دور مكة ولا کراؤها، وقال: ٢٠٧ الجُ (١٧) - الحُرُ: ٢٢ / ٢٥ ((من أكل من أجر بيوت مكة شيئاً، فإنما يأكل ناراً)). وروى عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريج قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم. وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، لحديث أسامة بن زيد في الصحيحين قال: قلت: يارسول الله، أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيلٌ من رباع))؟ وقال فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أسامة: ((لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر)) وثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة، فجعلها سجناً بأربعة آلاف درهم. وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر، جمعاً بين الأدلة. ومنشأ الخلاف: كيفية فتح مكة، هل كان فتحها عَنْوة؟ فتكون مغنومة، لكن النبي وقلقه لم يقسمها وأقرها لأهلها، ولمن جاء بعدهم؛ كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض سواد العراق، فتبقى على ذلك لا تُباع ولا تُكْرى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. أو هل كان فتحها صلحاً؟ وإليه ذهب الشافعي، فتبقی دیارهم بأيديهم، ويتصرفون في أملاكهم كيف شاؤوا، واستدل بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِنْ دِيَرِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢] فأضافها إليهم. وقال ◌َله يوم فتح مكة فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة: ((من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفیان، فهو آمن)). ويلاحظ أنه لم يؤاخذ الله تعالى أحداً على الهم بالمعصية إلا في المسجد الحرام لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ لأنه مكان تطهير النفس والتوبة والنقاء والتخلص من الذنوب بالكلية لله عز وجل. ٢٠٨ لِزُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٢٦-٢٩ تعيين مكان البيت الحرام والأمر بالحج إليه ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرُ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿ وَأَذِّنْ فِىِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُكَ رِجَالًا لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِنَ مِن كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامِ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَفَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ ٢٨ ٢٩ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَوَّفُواْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ القراءات: ﴿ بَوَّأْنَا﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (بوَّانا). ﴿ بَيْتِىَ لِلطَِّفِينَ﴾: قرئ: ١- (بيتي للطائفين) وهي قراءة نافع، وحفص. ٢- (بيتي للطائفين) وهي قراءة الباقين. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ﴾ : قرئ: ١- (ثُمَّ لِيَقضوا) وهي قراءة ورش، وقنبل، وأبي عمرو، وابن عامر. ٢- (ثُمَّ لْيَقْضوا) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَلْيُوفُوْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ :. وقرأ ابن ذكوان (ولِيُوفوا، ولِيَطَّوُّفوا). ٢٠٩ الزُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ الإعراب: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْزَهِيمَ﴾ اللام: إما زائدة؛ لأن ﴿بَوَأْنَا﴾ يتعدى إلى مفعولين، فإبراهيم هو المفعول الأول، و﴿مَكَانَ﴾: هو المفعول الثاني، وإما ألا تكون زائدة، ويكون ﴿بَوَأْنَا﴾ محمولاً على معنى (جعلنا) فكأنه قال: جعلنا لإبراهيم مكان البيت: ظرف، والمفعول محذوف، تقديره: بوأنا لإبراهيم مكان البيت منزلاً. ﴿أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا﴾ أن: إما مخففة من الثقيلة في موضع نصب، أي بأنه لا تشرك بي، وإما مفسّرة بمعنى ((أيْ)) وإما زائدة. . ﴿يَأْتُوَكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ﴾ ﴿رِجَالًا﴾: حال منصوب من واو ﴿يَأْتُوَكَ﴾. و﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: جارّ ومجرور في موضع نصب على الحال، أي يأتوك رجالاً وركباناً. و﴿ يَأْنِينَ﴾: يعود إلى معنى ﴿كُلِّ﴾ وفعل غير العقلاء كفعل المؤنث، ودلت ﴿كُلِّ﴾ على العموم، فأتى الخبر على المعنى. ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: إما مجرور صفة للبيت العتيق، وإما مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ [الحج: ٦٠/٢٢] أي الأمر ذلك. البلاغة: ﴿عَمِيقٍ﴾ ﴿اَلْعَتِيقِ﴾ ﴿سَحِيقِ﴾ أي في الآية التالية سجع مستحسن في علم البديع. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ أي واذكر إذ عيناه وبيناه ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي الكعبة ليبنيه، وكان قد رفع من زمن الطوفان في عهد نوح ﴿وَطَِّّرْ بَيْتِىَ﴾ من ٢١٠ لُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه ﴿ وَاَلْقَآِمِينَ﴾ المقيمين به ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلین، جمع راکع وساجد. ﴿ وَأَذِّن﴾ ناد بالحج، أي بالدعوة إليه، فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس، إن ربكم بنى بيتاً، وأوجب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم. والتفت بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي راجلين ماشين على الأقدام، جمع راجل، كتاجر وتجار وقائم وقيام، و﴿ يَأْتُكَ﴾: جواب الأمر ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي وركباناً على كل بعير مهزول، بأن أتعبه بعد السفر فهزل. والضامر: يطلق على الذكر والأنثى ﴿يَأْنِينَ﴾ أي الضوامر، أتى به جمعاً حملاً على المعنى ﴿مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ أي طريق بعيد. ﴿لِيَشْهَدُواْ﴾ ليحضروا ﴿مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ منافع دينية في الآخرة، ودنيوية بالتجارة ﴿فِيِّ أَتَّامٍ مَّعْلُومَتٍ﴾ هي عشر ذي الحجة، أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق - أيام عيد الأضحى ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ من لحومها، أباح ذلك خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه، وهذا في المتطوع به، المستحب، دون الواجب ﴿ اَلْبَابِسَ الْفَقِيرَ﴾ أي الذي أصابه بؤس أي شدة، والفقير: المحتاج، والأمر فيه للوجوب. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر والشعر، ونتف الإبط، والمراد هنا: قص الأشعار وتقليم الأظفار. ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُوَرَهُمْ﴾ ما ينذرون به من البر في حجهم، ومن الهدايا والضحايا. والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه . ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوْ بِالْبَيْتِ اٌلْعَتِيقِ﴾ أي يطوفوا طواف الركن الذي به تمام التحلل أي طواف الإفاضة، فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل: طواف الوداع. والعتيق: القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس. ٢١١ الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٢٦-٢٩ سبب النزول: نزول الآية (٢٧): ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كانوا لا يركبون، فأنزل الله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى موقف المشركين من الصد عن المسجد الحرام، أراد تعالى بيان مكانة البيت الحرام وتوبيخ أولئك المشركين على فعلهم، فإن أباهم إبراهيم عليه السلام هو الذي بناه، وأُمر بتطهيره للطائفين والمصلين، وأن يدعو الناس إلى الحج، للحصول على المنافع الدينية والدنيوية. التفسير والبيان: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ﴾ أي واذكر يا محمد للناس وقت أن جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعاً يرجع إليه للعبادة، وأرشده إليه وأذن له في بنائه. والمراد بذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من حادث عظيم، ليتذكر المشركون، ويقلعوا عن عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد الديان. وفي هذا تقريع وتوبيخ لمن أشرك بالله في بقعة أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وفيه دليل على أن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله بعد رفعه وطمس معالمه في أثناء طوفان نوح عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذرّ قلت: يارسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قلت: ثم أي؟ قال: ((بيت المقدس)) قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ٢١٢ الزُ (١٧) - الخَّوْ: ٢٢ / ٢٦-٢٩ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦/٣] وقال تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرُهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَطَّابِفِينَ وَالْعَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥/٢]. ﴿أَنَ لَّا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ﴾ أي وقلنا له: ابنه على اسمي وحدي، ولا تشرك بي شيئاً من خلقي في العبادة، وطهِّرْ بيتي من الشرك والأوثان والأصنام والأقذار أن تطرح حوله، واجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به يخص العبادة بالله تعالى، لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، والقائم في الصلاة أو الدعاء لله، والراكع الساجد لله تعالى فيها. وقد قرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه، فالقائمون: هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها وهو القيام والركوع والسجود. ﴿ وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوَكَ﴾ أي نادٍ في الناس بالحج، داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، يأتوك راجلين ماشين، وراكبين على كل بعير ضامر مهزول، من كل طريق بعيد. والأذان والتأذين: الإعلام برفع الصوت على نحو ما يكون للصلاة. والمراد هنا: النداء في الناس بأن الله قد كتب عليهم الحج ودعاهم إلى أدائه. روي أنه لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان للحج قال: ياربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعلي الإبلاغ، فصعِد إبراهيم خليل الله جبل أبي قُبَيْس وصاح: ياأيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت، ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار، فحُجُوا، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، لبّيْك اللهم لَبَّيْك (١). وهذا معجزة خارقة للعادة، فهو سبحانه قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أنحاء الأرض والسماء. (١) تفسير القرطبي: ٣٨/١٢، وسيأتي تخريج الرواية. ٢١٣ الجُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧/١٤]. فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناسُ يقصدونها من سائر الجهات والأقطار. وقد يستدل بقوله: ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ على أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً؛ لأنه قدَّمهم في الذِّكْر، فدل على الاهتمام بهم، وقوة هممهم، وشدة عزمهم. قال ابن عباس: ما آسى على شيءٍ فاتني، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾(١). والذي عليه أكثر العلماء أن الحج راكباً أفضل، اقتداءً برسول الله وَّت، فإنه حجّ راكباً، مع کمال قوته ێ. وإنما قال: ﴿يَأْتُوَكَ﴾ مع أن الإتيان للبيت الحرام، إشارة إلى أنه الداعي والقدوة لهم بعد، وفيه تشريف إبراهيم. ثم أبان تعالى سبب النداء إلى الحج وحكمته فقال: لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ﴾ أي ادعهم إلى الحج ليحضروا منافع لهم دينية بأن يحظوا برضوان الله، ودنيوية بما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، وما يكون في ذلك الاجتماع العظيم من التعارف. وهذا دليل على جواز الاتجار في الحج. وليذكروا اسم الله أي حمده وشكره والثناء عليه بالتكبير والتسبيح، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وذلك في أيام معلومات هي أيام النحر الثلاثة أو الأربعة وهو قول الصاحبين ومالك، وقيل: عشر (١) رواه ابن سعد وابن أبي شيبة والبيهقي وجماعة عنه. ٢١٤ الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٢٦-٢٩ ذي الحجة وهو رأي أبي حنيفة والشافعي. وإذا كان ذكر اسم الله بمعنى الحمد والشكر فتكون ﴿عَلَى﴾ للتعليل، ورأى الزمخشري أن ذكر اسم الله كناية عن الذبح والنحر؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه إذا ذبحوا أو نحروا، وتكون ﴿عَلَى﴾ للاستعلاء. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرَّب به إلى الله أن يذكر اسمه. واختير هذا الأسلوب ليشير إلى أن ذكر الله وحده دون شرك هو المقصود الأعظم وتوسيط الرزق للحث على الشكر والتقرب بتلك القربة والتهوين عليهم في الإنفاق. ثم أمر الله تعالى بالأكل من تلك الذبائح أمر إباحة فقال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ أي فاذكروا اسم الله على الذبائح، وكلوا من لحومها، وأطعموا البائس الذي أصابه بؤس أي شدة، الفقير المحتاج. والأمر بالأكل من الذبائح كما ذكر؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ندباً، لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم وإظهار التواضع، ومن هنا استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث. وثبت أن رسول الله وي ليه لما نحر هديه، أمر من كل بَدَنة بَيَضْعة (قطعة من اللحم) فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها. ومذهب الشافعي أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعمها جميعها جاز وأجزأ. وقوله: ﴿فَكُلُواْ﴾ التفات إليهم بالخطاب ليؤكد لهم إباحة الأكل من تلك الذبائح. ثم أمر تعالى بالنظافة وإيفاء النذر والطواف، فقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ هذه أوامر بواجبات ثلاثة على سبيل الإيجاب، أي ليزيلوا الأوساخ من على أجسادهم بقص الأظفار وحلق الأشعار ونحوه من الأغسال، وليوفوا ٢١٥ الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ نذورهم التي نذروها تقرباً إلى الله تعالى من أعمال البر، والنذر: كل ما لزم الإنسان أو التزمه، وليطوفوا طواف الركن أو الإفاضة، وقيل: طواف الوادع، بالبيت العتيق أي القديم، فهو أقدم بيت للعبادة. فقه الحياة أو الأحكام أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - إن بناء الكعبة المشرفة أو البيت الحرام على يد إبراهيم الخليل عليه السلام بأمر من الله تعالى له هدفان: الأول - إعلان وحدانية الله تعالى وإظهار التوحيد الخالص من شوائب الشرك. الثاني - تطهير البيت من جميع الأصنام والأوثان والأقذار وكل مظاهر الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء، كما قال تعالى: ﴿فَأَجْتَلِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠/٢٢]. والأصح أن الخطاب في ذلك وما يأتي لإبراهيم، وليس لمحمد عليهما الصلاة والسلام. ◌َ - قوله: ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ إعلام بفرضية الحج. وهذا يدل على أن الحج كان مفروضاً في زمن إبراهيم عليه السلام، فإن كانت الفرضية باقية لم تنسخ في عهد نبي بعده، كانت الأوامر به في شريعتنا مؤكدة لتلك الفرضية. وإن نسخت تلك الفرضية، كان وجوب الحج علينا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ج النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧/٣]. وذلك في عام الوفود في السنة التاسعة. وأما آية: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦/٢] النازلة في السنة ٢١٦ الجُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٢٦-٢٩. السادسة، فليست صريحة في الإيجاب؛ إذ يحتمل أن المراد وجوب إتمامها بعد الشروع فيهما، فيكون الشروع فيهما ليس واجباً. وأما إن النبي ◌َّ حج حجتين قبل الهجرة فهما نافلتان على ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، ثم حج بعد الهجرة حجة الوداع في السنة العاشرة، وهي حجة الإسلام. وأما إن النبي ◌َّ لم يبادر بالحج سنة تسع عام الفرضية؛ لأن الوقت حينئذ كان زمن النسيء (تأخير أزمان الشهور) ولم يكن الزمن الحقيقي قد استقر حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الصحيح من السنة، وقد علم النبي رَلقّ أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي في السنة العاشرة، فتأخر إليها كي يقع حجه في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس الحج فيه. وليس على أبي بكر الذي حج في السنة التاسعة ولا على غيره حرج في حجهم مادام أمر الزمان مختلطاً. ونداء إبراهيم بالحج على جبل أبي قبيس وإسماع صوته إلى الآفاق معجزة، فالله قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أي مكان. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال: ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يُبلغ صوتي؟ قال: تعال أذِّن، وعلي البلاغ، قال: ربّ كيف أقول؟ قال: قل: ((يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق)) فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يُلُّون. ◌َّ - قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ وعد بإجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب. وفيه دليل على جواز كل من المشي والركوب إلى الحج، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل منهما : فرأى بعض المالكية أن المشي أفضل، لما فيه من المشقة على النفس، ٢١٧ الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ ولحديث ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: حجَّ النبي ◌ِّه وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، ولقول ابن عباس المتقدم. وذهب جمهور الفقهاء منهم الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي ◌َّة، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وأما مجرد تقديم ﴿رِجَالًا﴾ على الركبان فلا يدل على الأفضلية، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، ولجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان، للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب. وترفع الأيدي عند رؤية البيت الحرام في مذهب أحمد وجماعة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّل أنه قال: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصَّفَا والْمَرْوة، والموقفين (١)، والجمرتین)). ◌َ - دلّ قوله: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ على جواز التجارة في الحج؛ قال مجاهد: المنافع: التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. ونص الفقهاء على جواز التجارة للحجاج من غير كراهة إذا لم تكن هي المقصودة من السفر، بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن زَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨/٢] والفضل: التجارة بلا خلاف. وكلمة ﴿مَنَافِعَ﴾ تدل على حكمة الحج، وأنه شرع لما فيه من منافع عظيمة في الدين والدنيا، فمناسك الحج من أعظم مظاهر الخشية والإخلاص لله في الذكر والدعاء والعبادة، وهي تدل على التجرد من مفاتن الدنيا وزينتها، وتبعث على عدم التعلق بشهواتها وزخارفها. كما أنها بواعث على الرحمة والإحسان، والعدل والمساواة، والتعاون، إذ يتعاون الناس في أسفارهم، (١) موقف عرفات والمشعر الحرام. ٢١٨ الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ ويتراحمون، ويتعارفون في هذا المؤتمر الأكبر، ويكونون متساوين لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين غني وفقير. ثم إنه كان وما يزال الحج محققاً لمنافع معيشية لأهل الحجاز. ٥ - يرى المالكية أن ذبح الهدي لا يجوز ليلاً، الآية: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ لأن الله جعل ظرف النحر هو الأيام لا الليالي. والحق أن اليوم يطلق على النهار، وعلى مجموع النهار والليل. وغير المالكية يرون كراهة الذبح ليلاً، لاحتمال الخطأ فيه بسبب الظلمة. والأيام المعلومة في رأي الإمام مالك وأبي يوسف ومحمد: هي أيام النحر، وهي العيد واليومان بعده. وفي رأي أبي حنيفة والشافعي: هي عشر ذي الحجة، وهي معلومات؛ لأن شأن المسلمين الحرص على معرفتها. وأيام النحر عند الحنفية والمالكية ثلاثة أيام: العاشر ويومان بعده، وعند الشافعي: إنها أربعة: العاشر وما بعده. والرأي الأول مروي عن جمع من الصحابة. والثاني بدليل ما روى البيهقي عن جبير بن مطعم أن النبي وَّ قال: ((وكل أيام التشريق ذبح)) وهي ثلاثة بعد يوم النحر، لكن الإمام أحمد ضعّف هذا الحدیث. ووقت الذبح يوم النحر في رأي مالك: بعد صلاة الإمام وذبحه، وعند أبي حنيفة: بعد الفراغ من الصلاة دون ذبح، وفي رأي الشافعي: بعد دخول وقت الصلاة ومقدار خطبتين. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بين العلماء في أن من ذبح قبل الصلاة، وكان من أهل المصر أنه غير مُضَحّ، لقوله وَله فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب: ((من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم)). وأما أهل البوادي ومن لا إمام له: فمشهور مذهب مالك أنه يتحری ذبح الإمام أو أقرب الأئمة إليه. وقال الحنفية: يجزيهم من بعد الفجر. ٢١٩ الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ أَ - قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ يراد منه الإباحة، مثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلْتُمُ ج فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢/٥] وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠/٦٢] أو يراد منه الندب والاستحباب، فيستحب للرجل أن يأكل من هَذْيه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويز الصدقة بالكل وأكل الكل عند المالكية. وذلك خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية من التحرج عن الأكل من الهدايا، فأباح النص الأكل منها أو ندب إليه لقصد مواساة الفقراء. لكن جواز الأكل من الهدايا ليس عاماً في كل هدي، فإن دم الجزاء لا يجوز لصاحبه الأكل منه اتفاقاً، ودم التطوع يجوز الأكل منه اتفاقاً. أما دم التمتع والقران: فقال الشافعية: إنه دم جبر، فلا يجوز لصاحبه الأكل منه. ورأى الحنفية أنه دم شكر، فأباحوا لصاحبه الأكل منه، عملاً بظاهر الآية، فإنها رتبت قضاء التفث على الذبح والطواف، ولا دم تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران، فإن سائر الدماء يجوز ذبحها قبل هذه الأفعال وبعدها، فدل ذلك على أن المراد في الآية دم المتعة والقران. وثبت أن النبي ◌ّ﴿ أكل من البدن التي ساقها في حجة الوداع، وقد كان قارناً على الراجح عندهم. وإذا كان يجوز إطعام الأغنياء منها، جاز لصاحب الذبيحة أن يأكل منها، ولو كان غنياً. ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أن صاحب الذبيحة لا يأكل من ثلاث من دماء الكفارات: جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ تَحِلَّه، واجباً كان أو تطوعاً. وإذا أكل مما منع منه، يغرم في قول راجح للمالكية قدر ما أكل؛ لأن التعدي إنما وقع على اللحم، وفي قول آخر: يغرم هَذْياً كاملاً. اً - قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَايِسَ الْفَقِيَرَ﴾ ظاهره وجوب إطعام ٢٢٠ الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٢٦-٢٩ الفقراء من الهدايا، وبه أخذ الشافعي، وقال أبو حنيفة: إنه مندوب؛ لأنها دماء نُسُك، فتتحقق القربة فيها بإراقة الدم، أما إطعام الفقراء فهو مندوب. ويستحب عند أكثر العلماء أن يتصدق من أضحيته وهديه بالثلث، ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث. ولم يثبت هذا التقسيم عند مالك. والمسافر في رأي الجمهور يطالب بالأضحية كما يطالب بها الحاضر، لعموم الخطاب بها. ولا يطالب بها عند أبي حنيفة. كما لا يطالب عند مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية. ٨ - لا يجوز بيع شيء من الهدايا، لاقتصار النص على الأكل والطعام، ولما رواه البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه قال: ((أمرني النبي وَلّ أن أقوم على بُدْنه، فقال: اقسم جلودها وجلالها، ولا تعط الجازر منها شيئاً)) فلا يجوز بيع شيء منها بالأولى. هَ - قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ دليل على وجوب التحلل الأصغر، وذلك بالحلق أو التقصير. ٠ ١ - قوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يدل على وجوب الوفاء بالنذر وإخراجه إن كان دماً أو هدياً أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر. وكذلك جزاء الصيد، وفدية الأذى؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملاً من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك، كان عليه هدي کامل. ولا وفاء بنذر المعصية؛ لقوله وَّليل فيما رواه أحمد عن جابر: ((لا وفاء لنذر في معصية الله)) وقوله فيما رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عائشة: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)). ١١ - قوله: ﴿ وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يدل على لزوم هذا الطواف، والمراد به طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك.