النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٨-١٤
﴿خَسِرَ الذُّنْيَا﴾ ضيعها بفوات ما أمله منها، وبذهاب عصمته لارتداده.
﴿وَالْآَخِرَةَ﴾ بالكفر وحبوط عمله. ﴿الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ البَيِّن، إذ لا خسران
مثله.
﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي يعبد جماداً أو صنماً لا يضر بنفسه إن لم يعبده
ولا ينفع إن عبده. ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ أي ذلك الدعاء (العبادة)
هو الضلال البعيد عن المقصد والحق.
﴿يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ أي يقول، واللام زائدة: إن من ضرره بعبادته أقرب
من نفعه، إن نفع بتخيله، هو إلهي. والضرر: هو استحقاق القتل في الدنيا
والعذاب في الآخرة، والنفع: هو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى . ﴿لَبِئْسَ
اٌلْمَوْلَى﴾ الناصر أي لبئس هو الناصر. ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب هو
والمعاشر.
﴿وَعَمِلُواْ الضَّالِحَةِ﴾ من الفروض والنوافل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدٌ﴾ من
إثابة الموحد الصالح، وإكرام من يطيعه، وعقاب المشرك، وإهانة من يعصيه.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ﴾ نزلت في أبي جهل، أنذره الله بالخزي (الذل
والهوان) في الدنيا، فقتل يوم بدر، أو نزلت في النضر بن الحارث الذي قتل
أيضاً يوم بدر، ومعظم المفسرين على هذا كالآية الأولى.
نزول الآية (١١):
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾: أخرج البخاري عن ابن عباس قال: كان
الرجل يقدُم المدينة، فيسلم، فإن ولدت امرأته غلاماً، ونتجت خيله قال:

١٨٢
الُءُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٨-١٤
هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولداً ذكراً، ولم تنتج خيله قال: هذا دين
سوء، فأنزل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ﴾.
وأخرج ابن مردويه من طريق عطية عن ابن مسعود قال: أسلم رجل من
اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فقال: لم أصب من
ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي، ومات ولدي، فنزلت: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدِ ﴾﴾ [الحج: ٣/٢٢] حال الأتباع
الجهال المقلِّدين الذين يتبعون أهل الكفر والمعاصي والشياطين، ذكر هنا حال
المتبوعين، الدعاة إلى الكفر والضلال، رؤساء الشر والابتداع.
وبعد بيان حال هؤلاء المجادلين في توحيد الله بلا حجة ولا برهان صحیح،
أبان تعالى حال المنافقين مضطربي الإيمان، الذين لم تستقر عقيدتهم، من جماعة
الأعراب القادمين إلى المدينة بقصد المنفعة المادية.
وبعد كشف حال عبادة المنافقين وحال معبوديهم من الأصنام والأوثان،
أوضح الله تعالى صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم، فعبادة الأولين خطأ
غير صواب، ومعبودهم لا يضر ولا ينفع، أما عبادة المؤمنين فهي حق
وحقيقة، ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة.
التفسير والبيان:
تضمنت هذه الآيات أحوال ثلاث فئات من الناس، بعد بيان حال فئة هم
الضُّلال الجهال المقلدون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانِ مَّرِيدِ (٤﴾ [الحج: ٣/٢٢].

١٨٣
الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٨-١٤
أما الفئة الأولى هنا فهم الدعاة إلى الضلال رؤساء الكفر والبدع، فقال
تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمِ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُِّيرٍ
(ج) أي وبعض الناس من يجادل في توحيد الله وأفعاله وصفاته، بلا عقل
صحيح، ولا نقل صريح، بل بمجرد الرأي والهوى.
﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي أنه يجادل وهو مستكبر عن الحق
وقبوله إذا دُعي إليه، كما قال تعالى حكاية عن قول لقمان لابنه: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ
خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨/٣١] أي تميله عنهم استكباراً عليهم، وهدفه أو عاقبته
صدُّ الناس المؤمنين عن دين الله الذي فيه خيرهم. واللام في قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾
إما لام العاقبة؛ لأنه لا يقصد ذلك، أي ليصير مآله ممن يضل عن سبيل
الله، وإما لام التعليل، قال الزمخشري: تعليل للمجادلة، ولما أدّى جداله إلى
الضلال، جعل كأنه غرضه.
ثم ذكر تعالى عقابه، فقال:
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي أن عقابه في
الدنيا هو الخزي أي الهوان والذل، وقد قتل يوم بدر، وعقابه في الآخرة الزجّ
به في عذاب النار المحرقة أو الإحراق في النار.
أي والسبب
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾
فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هو ما قدَّم من الكفر والمعاصي،
وقد فعل الله به ذلك عدلاً في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين؛ لأن الله لا
يظلم عباده. أو يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى
ذُقْ إِنَّكَ
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ([َ
سَوَآءِ الْجَحِيمِ
[الدخان: ٤٤/
۵٠
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
٤٧ - ٥٠]. ونظير آية العدل: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ
◌ِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١/٥٣].

١٨٤
الُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٨-١٤
والخلاصة: أن هذا العقاب حق وعدل بسبب جرم الكفر والإثم الفاحش.
وأما الفئة الثانية أهل الضلالة الأشقياء: فهم أهل الشك والنفاق
والمصلحة والمنفعة المادية، وهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أي
وبعض الناس يعبد الله على شك وطرف من الدين لا في القلب، كمن يقف
على حافة وادٍ، أو على طرف الجيش ليفر عند الإحساس بالهزيمة، فهو
مضطرب الإيمان، غير مطمئن القلب، غير واثق بهذا الدين، ولا صادق
النية، ولا مخلص في العبادة، وهم صنف من المنافقين.
﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ الْمَنَّ بٌِّ﴾ أي فإن أصابه خير مادي من غنيمة ومال،
وزيادة نتاج في الولد ونسل الحيوان، رضي عن هذا الدين. واطمأن إليه. وإن
أصابه مرض أو لم تلد امرأته، ولا ماشيته، أي أحس بنقص في المال أو
الأنفس، أو هلاك أو جدب في الثمرات والغلات، ارتد ورجع كافراً، وهذا
هو النفاق بعينه.
﴿خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي ضيع الدنيا والآخرة،
فلا هو حصل من الدنيا على شيء من عز وكرامة وغنيمة، ولا استفاد من
ثواب الآخرة، لأنه كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة،
وذلك هو الخسران البيِّن الذي لا خسران مثله، أو هي الخسارة العظيمة
والصفقة الخاسرة.
وتأكيداً لعظم تلك الخسارة قال تعالى:
﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾ أي يعبد من غير الله
آلهة من الأصنام والأنداد، يستغيث بها، ويستنصرها، ويسترزقها، وهي لا
تضره إن لم يعبدها، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ أي ذلك الارتداد، وعبادة تلك الأصنام،
هو الضلال الموغل في الضلالة، البعيد جداً عن طريق الصواب.

١٨٥
الزُ (١٧) - الوزن: ٢٢ / ٨-١٤
ثم زاد الأمر تأكيداً فقال:
﴿ يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾﴾ أي
يدعو (تكراراً للأول) لمن ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها،
وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، لبئس الناصر هو، ولبئس الصاحب هو.
أو يقول الكافر حينما يتحقق من تضرره بعبادته هذا المعبود الخاسر الذي
أدخله النار: لبئس هذا المولى والناصر، ولبئس هذا العشير والصاحب.
وأما الفئة الثالثة: وهم الأبرار السعداء فهم الذين آمنوا بقلوبهم،
وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي إن الله تعالى يكافئ
المؤمنين الصادقي الإيمان، الذين عملوا الصالحات، أي الطاعات والقربات،
وتركوا المنكرات، بإدخالهم روضات الجنات التي تجري من تحت أشجارها
الأنهار.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدٌ﴾ بإكرام أهل الطاعة وإثابتهم، وإهانة أهل المعصية
وحرمانهم من فضله، يفعل وفق مراده ومشيئته المطلقة، فلا راد لقضائه، ولا
معقّب لحكمه، يدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - تكرر نزول الآيات في النضر بن الحارث، فهو في جداله في الآية
المتقدمة [٣] يريد إنكار البعث، وفي هذه الآية [٨] يريد إنكار النبوة وإنكار
نزول القرآن من جهة الله. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. وكان من قوله:
إن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله تعالى. ووصف هنا بأنه أعرض عن

١٨٦
الُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٨-١٤
القرآن والحق، ولوى عنقه مَرَحاً وتعظماً وتكبراً، وكانت عاقبته أنه يجادل
فيضل عن دين الله تعالى.
وعقابه في الدنيا الهوان والذل مما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة
المؤمنين إلى يوم القيامة، وقتل يوم بدر، ويغشى في الآخرة نار جهنم، جزاء
وفاقاً للكفر والمعصية، ولا يظلم ربك أحداً. وفيه دليل على أن الله لا يعذب
الأطفال بكفر آبائهم.
ودليل أيضاً على أن العقاب بسبب عمل الإنسان وفعله، فإذا عاقبه بغير
فعله كان ذلك محض الظلم. وهو على خلاف النص.
أَ - يجب أن يكون الإيمان في القلب كالجبال الراسيات، لا يتأثر بحدوث
ضرر، ولا بزوال نفع، أما المنافقون الماديون الذين ينتظرون حدوث النفع
المادي من مال أو غنيمة، ويستاؤون بما يتعرضون له من نقص في المال
والثمرات، فهم الذين خسروا الدنيا، فلا حَظّ لهم في غنيمة ولا ثناء،
وخسروا الآخرة بأن لا ثواب لهم فيها، بل لهم العقاب الدائم بسبب ردتهم
ورجوعهم إلى الكفر.
والراجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر، ويدعو من ضرره
أدنى من نفعه في الآخرة؛ لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعاً أصلاً. أو
يقول الكافر: لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين: هو معبودي وإلهي،
لبئس المولى في التناصر، ولبئس المعاشر والصاحب والخليل.
◌َّ - يثيب الله من يشاء، ويعذب من يشاء، فللمؤمنين الجنة بحكم وعده
الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله، لا أن فعل الرب معلل
بفعل العبد.
٤ - ما أروع هذه المقارنة والموازنة في الآيات بين حال المشركين وحال

١٨٧
الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٥-١٦
المنافقين، وحال المؤمنين في الآخرة! فالعاقل هو الذي ينحاز آلياً لصف
الإيمان ليبرأ في عالم الآخرة، والجاهل الغبي أو المعاند أو المتلاعب هو الذي
يبقى في عكر العقيدة ومفاسدها وخبائتها، فيتلقى جزاءه عدلاً، ولا ظلم في
الحساب.
حال اليائس من نصرة الرسول وإنزال الآيات البينات
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُهُ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ
ثُمَّ لَيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيْطُ ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْتَهُ ◌َيَتٍ
بَيْنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِی مَن يُرِيدُ
القراءات:
﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ
وقرأ ورش، وأبو عمرو، وابن عامر (ثُمَّ لِيَقْطَع).
الإعراب:
﴿ءَيَتِ بَيِّنَتٍ﴾ حال منصوب، و﴿ بَيِّنَتِ﴾ صفة، أي ومثل ذلك الإنزال
أنزلنا القرآن كله آيات واضحات.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى﴾ معطوف على هاء: ﴿أَنْزَلْنَهُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ لَّنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ﴾ أي أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان
يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي
فليمدد حبلاً إلى سقف بيته يشده فيه وفي عنقه، ثم ليختنق به، بأن يقطع أنفاسه

١٨٨
لِلُ (١٧) - الخِّوَجْ: ٢٢ / ١٥-١٦
من الأرض، والمراد: فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كل ما
يفعله الممتلئ غضباً أو غيظاً، حتى يمد حبلاً إلى سماء بيته، فيختنق. وليس هذا
دعوة إلى الانتحار، وإنما كما يقول المثل العامي: اشرب البحر، للدلالة على
عدم الفائدة من الفعل.
﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ أي فليتصور في نفسه، هل يُذْهبن
كيدُه في عدم نصرة النبي وَّ ر غيظه، والمعنى: فليختنق غيظاً منها، فلابد منها.
﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ﴾ أي مثل إنزالنا الآية السابقة ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ أي القرآن
الباقي ﴿عَيَتٍ بَيْنَتٍ﴾ ظاهرات واضحات ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ﴾ هداه،
أي ولأن الله يهدي به أو يثبِّت على الهدى من يريد هدايته أو ثباته، أنزله
كذلك مبيناً.
المناسبة:
بعد بيان حال المشركين المجادلين بالباطل، والمنافقين، والمؤمنين، بيَّن الله
تعالى حال أمرين: هما نصرته رسول الله ◌َّل في الدنيا والآخرة؛ لييأس
المجادلون، وإنزاله القرآن آيات واضحات ترشد إلى الحق والصواب.
التفسير والبيان:
من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً وَ له في الدنيا والآخرة، فليمدد بحبل
إلى سقف بيته، ثم ليختنق به، ثم ليتأمل ويتصور في نفسه: هل يُذهب فعله
الذي فعله غيظه من نصرة رسول الله آل®؟ كلا.
وسمي الاختناق قطعاً؛ لأن المختنق يقطع حياته، وسمي فعله وهو نصب
المشنقة كيداً استهزاء؛ لأنه لم يَكِدْ به محسوده، وإنما كاد به نفسه، أو لأنه
كالكيد، حيث لم يقدر على غيره.

١٨٩
لُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٥-١٦
وقال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى: من
كان يظن أن لن ينصر الله محمداً وَله، وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي
أوتيه، فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ثم ليقطع النصر إن تهيأ له، ثم لينظر
هل يُذهبن كيدُه وحيلتُه ما يغيظه من نصر النبي ◌َّ؟. والفائدة في الكلام أنه
إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا، لم يصل إلى قطع النصر.
وعلى كلا المعنيين، إن الله ناصر دينه وكتابه ورسوله لا محالة، فليفعل أهل
الغيظ ما شاؤوا.
﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ ◌َيَتٍ بَيِّنَتِ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال للآية المتقدمة
أنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها، ليتعظ بها المعتبر.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَهدِی مَن يُرِيدُ﴾ أي ولأن الله يهدي به ويوفق الذین یعلم أنهم
يؤمنون، ومستعدون للإيمان بما أنزل، ويريد الله هدايتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على حسم الموقف بين النبي 98ُّ وبين معاديه، فالله تعالى
لا محالة ناصر رسوله، ومؤيد دينه وکتابه ودعوته، ومحبط مكائد الأعادي،
وقاطع أطماعهم، ورادٌّ كيدهم في نحورهم، فلا أمل لهم بعدئذ في إحباط
دعوة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَةُ
عَلَى الْدِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: ٩/٦١] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
٥١٠
[غافر: ٥١/٤٠] .
والله تعالى أيضاً مؤيد رسوله وَالله بوحيه، وبما أنزله عليه من الآيات
البينات الواضحات، ليفهمها الناس، أي القرآن، وكذلك ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَدِى
مَن يُرِيدُ﴾ قال القرطبي: علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي

١٩٠
الجُرُ (١٧) - الخِدْ: ٢٢ / ١٧-١٨
سواه. وقال الزمخشري والبيضاوي: ولأن الله يهدي به الذين يعلم أنهم
مؤمنون، أو يثبّت الذين آمنوا على الهدى.
الفصل الإلهي بين الأمم
وخضوع كل ما في الكون لعزة اللَّه
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّنِينَ وَالنَّصَرَىُ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيْئً
١٧
أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُ وَالذَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِّ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُّ
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾
القراءات:
﴿ وَالصَّبِينَ﴾:
وقرأ نافع، وحمزة وقفاً (والصَّابين).
الإعراب:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّنِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُوا﴾ الخبر: إما محذوف، وإما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ﴾ لأنها فيها معنى الجزاء، فحمل الخبر على المعنى.
﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِِ﴾ إما معطوف على ﴿مِّنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَسْجُدُ لَهُ
مَنْ فِي السَّمَوَتِ﴾ لأن السجود بمعنى الانقياد، وكل مخلوق منقاد تحت قدرة
الله تعالى، وإما مبتدأ وخبره: إما ﴿مِّنَ النَّاسِّ﴾ أي من الناس الذين هم
الناس على الحقيقة، وهم الصالحون المتقون، وإما محذوف، وهو مثاب، أي

١٩١
لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٧-١٨
وكثير من الناس ثبت له الثواب، دل عليه خبر مقابله وهو قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ
اُلْعَذَابُّ﴾.
البلاغة:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ ﴿فَمَا لَهُ مِن تُكْرِمٍ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ هم اليهود ﴿وَالصَِّينَ﴾ هم فرقة بين اليهود والنصارى،
أو قوم يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ أتباع المتنبئ، قوم
يعبدون الشمس والقمر والنار ويقولون: إن هناك إلهين اثنين للخير والشر
وهما النور والظلمة. ﴿ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ عبدة الأصنام والأوثان ﴿يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بينهم لإظهار المحق من المبطل، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل
غيرهم النار ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ من عملهم ﴿شَهِيدٌ﴾ عالم به علم مشاهدة،
مراقب لما يتعلق به.
﴿ يَسْجُدُ لَهُ﴾ يخضع له بما يراد منه، وهو السجود بالتسخير والانقياد
لإرادته تعالى، وهناك سجود بالاختيار خاص بالإنسان. ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ
النَّاسِّ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، فهو فاعل فعل مضمر،
أو هو مبتدأ دل عليه قسيمه المقابل له بعده، وخبره: حق له الثواب، وهم
المؤمنون بما هو أكثر من الخضوع في سجود الصلاة ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ
اَلْعَذَابُ﴾ أي وكثير منهم ثبت له العذاب، وهم الكافرون؛ لأنهم أبَوْا
السجود والخضوع لله بشرط الإيمان ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ أي
ومن يجعله شقياً لما علم منه من اكتساب الشقاوة فما له أحد يكرمه ويسعده
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ من الإهانة والإكرام.
المناسبة:
هناك ارتباط عام وارتباط خاص بين هذه الآيات وما قبلها، أما الارتباط

١٩٢
الجُزُ (١٧) - الخروجّ: ٢٢ / ١٧-١٨
العام: فبعد أن ذكر تعالى أحوال المشركين والمنافقين والمؤمنين، أبان هنا أن
الله يقضي بينهم جميعاً ليبين المحق من المبطل، وأما الارتباط الخاص، فبعد أن
ذكر تعالى في الآية السابقة ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ﴾ أتبعه في الآية الأولى
ببيان من يهديه ومن لا يهديه.
ثم أردفه في الآية الثانية ببيان أنه ما كان ينبغي لأهل الأديان المختلفة أن
يختلفوا؛ لأن جميع العوالم خاضعة لسلطانه وقدرته، وساجدة لعظمته طوعاً أو
کرھاً.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ إن الله تعالى يقضي بين أهل الأديان المختلفة
من المؤمنين بالله ورسله، واليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركين الذين
يعبدون مع الله غيره، ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن
كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أعمالهم، حفيظ لأقوالهم وأفعالهم، عليم
بسرائرهم، وما تكنُّ ضمائرهم.
﴿أَمْ تَرَ أَتَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ أي ألم تعلم أن الله تعالى يخضع ويسجد لعظمته
كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء بما يختص به، فيسجد له من في
السماوات: وهو الملائكة، ومن في الأرض وهم الإنس والجن، والشمس
والقمر والنجوم من العوالم العلوية، والشجر والدوابّ (الحيوانات كلها) من
العالم السفلي، وكثير من الناس حقَّ له الثواب أو يسجد لله طوعاً مختاراً متعبداً
بذلك، أي ثبت وتقرر، وكثير حق عليه العقاب، ممن امتنع وأبى واستكبر.
وقد نص على هذه الأشياء؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فأبان تعالى أنها
تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة منقادة لله تعالى.
ومن يهنه الله فيشقيه، أو من يهنه بالشقاء والكفر لسوء استعداده للإيمان،
لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه، ولا يسعده أحد؛ لأن الأمر بيده تعالى،
یوفق من يشاء ويخذل من یرید.

١٩٣
لُجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٧-١٨
إن الله تعالى يفعل في عباده ما يشاء من الإهانة والإكرام، لا راد لقضائه،
ولا معقّب حكمه.
ونظير الآية كثير، مثل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ
(٤٨)) [النحل: ٤٨/١٦].
ج
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
ومثل ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ، وَلَكِن لََّ نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:
٤٤/١٧] .
وأما إطلاق المشيئة لله تعالى فيوضحه ما رواه ابن أبي حاتم عن علي: أنه
قيل لعلي: ((إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله، خلقك
الله كما يشاء، أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو
إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل
إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء،
قال: والله، لو قلت غير ذلك، لضربتُ الذي فيه عيناك بالسيف)) (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى على أن الله تعالى يقضى بالعدل بين أهل الأديان المختلفة،
وهم المؤمنون بالله وبرسوله وَلير، واليهود: وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه
السلام، والصابئون: وهم قوم يعبدون النجوم، والنصارى: وهم المنتسبون
إلى ملة عيسى، والمجوس: وهم عبدة النيران القائلون بأن للعالم أصلين: نور
وظلمة، والمشركون: وهم العرب ونحوهم عبدة الأوثان. هذه الفرق الست:
خمسة منها للشيطان، وواحدة منها للرحمن. وإنه تعالى يقضي ويحكم بينهم،
فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة، إن الله تعالى شهيد على أعمال خلقه
وحركاتهم وأقوالهم.
(١) تفسير ابن كثير: ٢١١/٣

١٩٤
لُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١٩-٢٤
ودلت الآية الثانية على أن القلب والعقل يرى أن جميع ما في العوالم العلوية
والسفلية من الكواكب والجمادات والنباتات والإنسان والحيوان يسجد لله
تعالى سجود تذلل وانقياد لتدبير الله عز وجل في جميع الأحوال من ضعف
وقوة، وصحة وسقم، وحسن وقبح، وسجود خضوع لعظمته وسلطانه
و جبروته.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قرأ
ابن آدم السجدة، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أُمر ابنُ آدم
بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت، فلي النار)).
ومن أهانه الله بالشقاء والكفر لسوء استعداده لا يقدر أحد على دفع الهوان
عنه، والذين حق عليهم العذاب، ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان
عنهم، فيكون مكرماً لهم.
وإن الله تعالى هو الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب
والعقاب. والمراد من بيان إطلاق المشيئة الله أن مصير الكافرين إلى النار فلا
اعتراض لأحد عليه.
جزاء الكافرين والمؤمنين
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِىِ رَبِهِمِّ قَالَّذِينَ كَفَرُوْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ
مِّن ثَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُوِهِمْ وَالْجُلُودُ
وَلَهُمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمِّ أُعِيدُواْ
﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فِيَهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَدُرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّاً
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴿﴿ وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطٍ
٢٤
الْحَمیدِ

١٩٥
الزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤
القراءات:
﴿هَذَانِ﴾ :
وقرأ ابن كثير (هذانَّ).
﴿رُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ : قرئ:
١- (رؤوسهِم الحميم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (رؤوسهُمُ الحميم) وهي قراءة وحمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (رؤوسهِمُ الحميم) وهي قراءة السبعة.
﴿وَلُؤْلٌُ﴾ : قرئ:
١- (ولؤلؤاً) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (ولُولُؤٍ) وهي قراءة السوسي.
٣- (ولؤلؤٍ) وهي قراءة الباقين.
(صِرَاطِ»:
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ أو خبر ثانٍ.
(9): ﴿مَا﴾: نائب فاعل،
(يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
﴿وَالْجُلُودُ﴾: معطوف عليه، وهاء ﴿بِهِ،﴾ عائدة على ﴿الْحَمِيمُ﴾. والجملة:
حال من ﴿اَلْحَمِيمُ﴾ أو من ضمير ((هم).

١٩٦
لِزُرُ (١٧) - الدُّنْ: ٢٢ / ١٩-٢٤
﴿مِنْ غَمِّ﴾ في موضع نصب؛ لأنه بدل من قوله: ﴿مِنْهَا﴾ أي: كلما
أرادوا أن يخرجوا من غم أعيدوا فيها.
﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ﴾ على حذف القول، أي: ويقال لهم: ذوقُوا عذاب
الحريق، وهذا كثير في كلام العرب.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ صفة مفعول محذوف.
﴿ وَلُؤْلُؤًا﴾ إما منصوب بتقدير فعل، أي ويعطون لؤلؤاً، لدلالة
﴿يُحَلَّوْنَ﴾ عليه في أول الكلام. وإما معطوف على موضع الجار والمجرور
من قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ كأن يقال: مررت بزيدٍ وعَمْراً. وعلى قراءة الجر
يكون معطوفاً على ﴿أَسَاوِرَ﴾ أو على الذهب بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب.
البلاغة:
﴿ آخْتَصَمُوا فِی رِهِمْ﴾ أي في دين ربهم، فهو على حذف مضاف. وقوله:
﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و﴿ اخْتَصَمُواْ﴾ للمعنى.
﴿قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ ﴾ استعارة عن إحاطة النار بهم كإحاطة الثوب
بلا بسه.
المفردات اللغوية:
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ الخصم: من يعارض غيره في الرأي. وقد وصف به
الفريق أو الفوج، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان متنازعان،
وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و﴿اخْتَصَمُواْ﴾ للمعنى، والمراد بهما: المؤمنون
والكافرون. والخصم: يطلق على الواحد والجماعة. ﴿أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ أي
في دينه أو في ذاته وصفاته ﴿قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ﴾ أي قدِّرت لهم ثياب يلبسونها،
والمراد: نيران تحيط بهم إحاطة الثياب ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء البالغ نهاية الحرارة

١٩٧
الُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤
﴿يُصْهَرُ بِهِ،﴾ يذاب ﴿مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَاَلْجُلُودُ﴾ أي يؤثر من فرط حرارته في
باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيذاب به أحشاؤهم، كما يذاب أو يشوي به
جلودهم ﴿مَّقَمِعُ﴾ مضارب أو سياط حديد يجلدون بها، جمع مِقْمعة.
﴿أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي من النار ﴿مِنْ غَمِّ﴾ حزن شديد يلحقهم بها
﴿أُعِيدُواْ فِيَهَا﴾ ردوا إليها بالمقامع ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي ويقال لهم:
ذوقوا العذاب البالغ نهاية الإحراق، أو العذاب المحرق.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسورة، وهي جمع سِوار، أي فالأساور جمع الجمع،
وهي حلية تلبسها النساء في معاصمها ﴿ وَلُؤْلُؤَّا﴾ هو ما يستخرج من البحر من
جوف الصدف ﴿حَرِيرٌ﴾ هو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا. ﴿وَهُدُواْ﴾
أرشدوا ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أو هو
قولهم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٩/ ٧٤] أو كلام أهل الجنة
مع بعضهم بعضاً (صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ أي الطريق المحمود، وهو الإسلام أو
طريق الجنة، أو آداب المعاشرة والاجتماع. والأصح أنه طريق الله الحميد أي
المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩):
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي ذر قال: نزلت هذه
الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رِهِمَّ﴾ في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي
طالب، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة. أي الفريقين اللذين قاما بالمبارزة في
بداية معركة بدر.
وأخرج الحاكم عن علي قال: فينا نزلت هذه الآية، وفي مبارزتنا يوم بدر :
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رِهِمَّ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْحَرِيقِ﴾.

١٩٨
لِلِزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤
وأخرج الحاكم من وجه آخر عن علي قال: نزلت في الذين بارزوا يوم
بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
والوليد بن عتبة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أنها نزلت في أهل الكتاب قالوا
للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم، فقال
المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وبنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب.
المناسبة:
بعد بيان أهل الفرق الستة وقضاء الله بينهم بالعدل، ذكر هنا تصنيفهم إلى
فريقين: فريق الإيمان، وفريق الكفر، ثم محاورتهم فيما بينهم في الأهدى
طريقاً، ومآل كل من الفريقين إلى الجحيم أو إلى النعيم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن خصومة فريقين اختصموا في دين الله وذاته وصفاته
فيقول: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِهِمَّ﴾ أي إن أهل الأديان المختلفة الستة
المتقدم بيانهم هم فريقان متميزان: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين الذين هم
أتباع الديانات الخمس المتقدمة، تنازعوا وتجادلوا في شأن ربهم وفي دينه،
وكل منهم يعتقد أنه على حق، وأن خصمه على الباطل ويبني على أساس ذلك
جهاده وسلوكه وفكره.
والحق أن مصير الفريقين واضح، أما الفريق الأول وهم الكافرون
فجزاؤهم: ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُوْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارٍ﴾ أي فالكافرون تحيط
بهم النار إحاطة شاملة، وقد مثّل ذلك بأنه فصلت لهم مقطعات من نار تحيط
بهم كإحاطة الثوب بلابسه، مما يومئ بشدة عذابهم واحتقار شأنهم، كما قال
تعالى: ﴿لَم مِّن جَهَتَّمَ مِهَاٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍِ﴾ [الأعراف: ٤١/٧] وقال
﴾ [إبراهيم: ٥٠/١٤].
٥٠
سبحانه ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ

١٩٩
الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤
[يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
أي يصب على رؤوسهم الماء البالغ درجة الغليان الذي يذيب ما في بطونهم من
أحشاء، ويشوي جلودهم، فيحرق الباطن والظاهر.
روى ابن جرير والترمذي وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ قال: ((إن الحميم ليصبُّ على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص
إلى جوفه، فيَسْلِت ما في جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهو الصَّهْر، ثم يُعاد كما
كان)».
﴿وَمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾﴾ أي لهم مضارب أو سياط من حديد، يضربون
بها على وجوههم ورؤوسهم وأعضائهم وأجسادهم. أخرج الإمام أحمد عن
أبي سعيد الخدري عن رسول الله وسلم قال: ((لو أن مقمعاً من حديد وضع في
الأرض، فاجتمع له الثقلان، ما أقاموه من الأرض)). وأخرج عن أبي سعيد
أيضاً قال: قال رسول الله وَتليفون: ((لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم
عاد كما كان، ولو أن دلواً من غَسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا)).
﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَّ﴾ أي كلما حاولوا الهرب من جهنم
بسبب شدة العذاب والغم، أي الحزن الشديد، أعيدوا فيها كما كانوا،
ويقال لهم: ذوقوا العذاب المحرق، وعذاب هذه النار المحرقة. قال الفضيل بن
عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة،
ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
وقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ
الَّذِى كُتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠/٣٢] ومعنى الكلام: أنهم يهانون
بالعذاب قولاً وعملاً.
وبعد بيان سوء حال الكافرين وماهم فيه من العذاب والنكال، والحريق
والأغلال، ذكر تعالى حسن أهل الجنة، فقال:

٢٠٠
الجُزُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ١٩-٢٤
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي إن الله يدخل
المؤمنين الذين يعملون الصالحات أي الطاعات والقربات، ويتجنبون
المنكرات جنات عالية رفيعة تجري الأنهار من تحت أشجارها وجوانبها
وقصورها، يوجهونها حيث أرادوا.
﴿ يُخَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَا﴾ أي وحليتهم التي يلبسونها
أساور الذهب في أيديهم أو تكون مرصعة باللؤلؤ، ويؤتون لؤلؤاً يزينون به
هاماتهم ورؤوسهم، كما قال النبي ◌َّر في الحديث المتفق عليه: ((تبلغ الحلية
من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» واللؤلؤ كما تقدم: هو ما يستخرج من البحر
من جوف الصَّدَف.
﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي ويَرْتَدُون الحرير الذي كان محرماً لباسه على
الرجال في الدنيا، في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، ويؤكدها آية
أخرى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣/٣٥].
﴿ وَهُذُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ اٌلْقَوْلِ﴾ أي أرشدوا إلى القول الطيب، وهو كلمة
التوحيد أو قوله تعالى حين دخول الجنة: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا
وَعْدَهُ وَأَوْرَتَّنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
٧٤
[الزمر: ٧٤/٣٩]. أو إلى تحية الملائكة لهم بالسلام، وهذا في مقابل أهل النار
الذين يُقَرَّعون ويوتُّون ويقال لهم: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
﴿ وَهُذُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ أي وأرشدوا إلى الطريق المحمود أو إلى المكان
الذي يحمدون فيه ربهم على نعمه وأفضاله، أو إلى السلوك الحسن المرضي ربهم
في أقوالهم وأفعالهم، والأصح: إلى طريق الله الحميد أي المحمود نفسه أو
عاقبته وهو الجنة.