النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الُ (١٧) السورة (٢٢) الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الحِجُ
مدنية، وهي ثمان وسبعون آية
تسميتها:
سميت سورة الحج لإعلان فريضة الحج فيها على الناس، على لسان إبراهيم
الخليل عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالحَجّ﴾ بعد بناء البيت العتيق، فأذن،
فبلغ صوتُه أنحاءَ الأرض، وأسمع النطف في الأصلاب والأجنة في الأرحام،
وأجابوا النداء: ((لبيك اللهم لبيك)).
صلتها بما قبلها:
هناك تناسب وارتباط بين بداية هذه السورة، وخاتمة السورة السابقة، فقد
ختم الله سورة الأنبياء ببيان اقتراب الساعة ووصف أهوالها في قوله:
﴿وَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وافتتح هذه
السورة بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ﴾.
و في السورة المتقدمة بيان قصص أكثر من عشرة من الأنبياء تدور على ما
قاموا به من إثبات توحيد الله، ونبذ الشرك، والإيمان بالبعث، وفي هذه
السورة استدلال بخلق الإنسان بأطواره المتعددة وبإبداع السماوات والأرض
على قدرة الله على إحياء البشر للبعث، وعلى وجوده تعالى ووحدانيته، ثم تنبيه

١٦٢
لُُ (١٧) السورة (٢٢) الخِّرْجُ
الأفكار على الالتفات لأحوال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، والاتعاظ
بها بسبب تكذيبهم الرسل.
مشتملاتها:
بالرغم من أن هذه السورة مدنية تضمنت الكلام عن فرضية الحج
ومناسكه، وعن مشروعية القتال ومقومات النصر، فإنها تحدثت عن أمور
مشابهة لموضوعات السور المكية من الإيمان بالله عزّ وجلّ وتوحيده، والبعث
والاستدلال عليه، والجزاء على الأعمال.
افتتحت السورة بما يهز المشاعر، وينشر الرعب والخوف من أهوال
الساعة، وشدائد يوم القيامة.
ثم انتقلت إلى بيان أدلة البعث، وإتيان القيامة، وبيان بعض مشاهدها من
جعل الأبرار في دار النعيم، وزجّ الكفار في نار الجحيم، وإعلان خسارة
المنافقين المضطربين الذين لا يعرف لهم قرار ولا اتجاه. ثم أبانت حرمة المسجد
الحرام، وفرضية الحج ومنافعه، وحرماته وشعائره، ومناسكه وذبائحه،
وأردفت ذلك بالحديث المقنع عن أسباب فرضية القتال، ومقومات النصر على
الأعداء، مع تسلية الرسول وَليل عما ناله من أذى قومه، وتكذيبهم له،
والتعريف بحال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، وجعل العاقبة للمتقين،
وتحديد مهمة النبي ◌َّ وهي الإنذار والتبشير، إنذار مكذبي القرآن بالنار،
وتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة والنعيم، وإظهار مدى فضل
الله على المهاجرين وإثابتهم.
واقتضت الحكمة بعدئذٍ الكلام عن أدلة القدرة الإلهية من خلق الليل
والنهار، والسماء والأرض، والإحياء والإماتة، والعلم الشامل لجميع
مكنونات الكون، وتفرد الله تعالى بالحساب والفصل والحكم بين الناس. ثم
بيان مدى تبرم الكفار بآيات الله، وإظهار الغضب على وجوههم، وتحديهم

١٦٣
الُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١-٤
بأن معبوداتهم من الأصنام وغيرها لا تستطيع خلق ذبابة، فضلاً عن خلق
الإنسان، وأن منشأ شركهم إقفار قلوبهم من تقدير الله حق قدره، علماً بأن
الله يرسل رسلاً من الملائكة ومن البشر لتبليغ الرسالة الإلهية على أتم وجه.
ثم عاد الكلام إلى بيان أحكام التشريع من أمر المؤمنين بفرائض جوهرية
ثلاث: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيل الله حق الجهاد،
وأردف ذلك بالتذكير بسماحة الإسلام، وأن الدين يسر لا عسر، ثم أمرهم
بالاعتصام بدين الله والقرآن والإسلام، وبيان أن الرسول شهيد على أمته يوم
القيامة، وأن أمته تشهد على الأمم المتقدمة بتبليغ أنبيائهم لهم دعوة الله
وتشريعه، وتلك مزية سامية لهذه الأمة.
فضلها:
قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلاً ونهاراً، سفراً
وحضراً، مكيّاً ومدنياً، سلمياً وحربياً، محكماً ومتشابهاً.
الأمر بتقوى الله تعالى
يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴾ يَوْمَ
تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ
خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ )
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ ◌َّرِيدٍ جَ كُتِبَ
عَلَيْهِ أَنَّهُ, مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَهِدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
٤
القراءات:
﴿سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَنَرَى﴾

١٦٤
الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١-٤
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (سكرى، بسكْرى).
الإعراب:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بتذهل ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ ما: موصولة أو
مصدرية.
﴿أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾ في موضع رفع على أنه نائب فاعل، وهاء ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير
الشأن والحديث. و﴿مَن﴾: إما بمعنى الذي، و﴿تَوَلَّاهُ﴾: صلته، وهو وصلته
مبتدأ، وقوله: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ خبره، ودخلت الفاء؛ لأن الموصول يتضمن
معنى الشرط والجزاء. ومن وصلته وخبره: خبر ((أن)) الأولى. وإما أن تكون
﴿مَنَ﴾ شرطية، و﴿تَوَلَّهُ﴾: مجزوم بها، وجواب الشرط: ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾.
ومن الشرطية وجوابها خبر ((أن)) الأولى. وأما فتح ((أن)) الثانية فهو على أن
يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فشأنه أنه يضله، أي فشأنه الإضلال.
البلاغة:
﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى﴾ تشبيه بليغ، حذف فيه أداة التشبيه والشبه، أي
كالسكارى من شدة الهول.
﴿شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ استعارة، استعار لفظ الشيطان لكل طاغية عات متمرد
على الله.
﴿يُضِلُُّ﴾ ﴿وَهَدِيهِ﴾ بينهما طباق.
﴿ وَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أسلوب تهكم.
المفردات اللغوية:
(يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي ياأهل مكة وغيركم. ﴿اَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ احذروا
ج

١٦٥
المُُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١-٤
عقابه، بأن تطيعوه. ﴿ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ تحريكها للأشياء، على الإسناد
المجازي، والزلزلة: الحركة الشديدة للأرض، وقيل: تكون هذه الزلزلة
حقيقة، ثم يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة؛
لأنها من أشراطها. (شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ هائل، مزعج للناس، وهو نوع من
العقاب. وقد علل أمر الناس بالتقوى بفظاعة الساعة، ليتصوروها بعقولهم،
ويعلموا أن الأمان منها بالتدرع بلباس التقوى.
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ الضمير للزلزلة. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ]
أي تذهل كل مرضعة (وهي الأنثى حال الإرضاع) عن رضيعها وتنساه، أي
تذهلها الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة بسبب مايطرأ من هم
أو وجع أو غيره، والمقصود تصوير هولها والدلالة على ترك التعلق بأحب
الأشياء. ﴿حَمْلَهَا﴾ جنينها. (سُكَرَى﴾ كأنهم سكارى من شدة الخوف.
﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ على الحقيقة. ﴿ وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أي يرهقهم
هوله ويذهب عقولهم وتمييزهم، فهم يخافونه.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فيقولون: الملائكة بنات الله،
والقرآن أساطير الأولين، وينكرون البعث وإحياء من صار تراباً . ﴿وَيَتَّبِعُ﴾
في جداله وعامة أحواله . ﴿كُلَّ شَيْطَنِ تَرِيدٍ﴾ متمرد عاتٍ، متجرد
للفساد.
﴿ كُتِبَ عَيْهِ﴾ قضى على الشيطان. ﴿أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ﴾ اتبعه . ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾
أي كتب عليه إضلال من يتولاه؛ لأنه جبل عليه . ﴿وَيَّدِيهِ إِلَى عَذَابٍ
السَّعِيرِ﴾ أي يدعوه إلى النار، ويحمله على مايؤدي إليه.
سبب النزول:
نزول الآيتين (١ - ٢):
روي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله

١٦٦
لُعُ (١٧) - الحِّرْجُ: ٢٢ /١-٤
وَّ على الناس، فلم يُرَ باكياً أكثرمن تلك الليلة، وأصبح الناس بين باك
وجالس حزين متفكر.
نزول الآية (٣):
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ﴾ قال: نزلت في النضر بن الحارث.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده بتقواه، ويخبرهم عما يستقبلون من أهوال القيامة
وزلازلها وأحوال الآخرة، فيقول:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ أي
يا أيها البشر قاطبة، احذروا عقاب ربكم، بطاعته وعدم عصيانه، فإن زلزلة
القيامة أو حركتها الشديدة حين قيامها قبل قيام الناس من قبورهم شيء عظيم
الهول، خطير الوقع. وذلك بدليل قوله تعالى ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
﴾ [الزلزلة: ١/٩٩-٢] وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ اٌلْأَرْضُ
٢
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
فَيَوْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (﴿لَ﴾ [الحاقة: ١٤/٦٩-١٥]
١٤
وَلْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَلَّةً وَحِدَةً (
وقوله: ﴿إِذَا رُخَتِ الْأَرْضُ رَبَّا ﴿﴿ وَبُسَتِ الْجِبَالُ بَسَّا ﴿ فَكَانَتْ هَبَاءٍ مُتْبَثًاً
[الواقعة: ٤/٥٦-٦].
وأوصاف ذلك اليوم هي:
اَ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ يوم تُذهِلُ
الزلزلةُ كل مرضعة عن وليدها الرضيع. والذهول: الغفلة عن الشيء مع
دهشة، والمرضعة: التي هي في حال الإرضاع، ملقمة ثديها الصبي. والمرضع:
المستعدة للإرضاع أو التي من شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع، في
حال وصفها به، وقوله: ﴿عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ أي إرضاعها أو عن الطفل الذي
ترضعه.

١٦٧
الجُزُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /١-٤
أَ - ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمّلَهَا﴾ أي وتسقط الحامل جنينها من
بطنها من شدة الهول والخوف والفزع.
قال الحسن البصري: تَذْهَل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل
ما في بطنها لغير تمام.
◌َ - ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾ أي وترى الناس كالسكارى من الخوف،
وهم في الحقيقة والواقع غير سكارى من الشراب، ولكن شدة العذاب
أفقدتهم عقولهم وتمییزهم.
ومع هذا التحذير الشديد ينكر بعض الناس البعث ويجادل في المغيبات بغير
علم، فيقول تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي وبعض الناس من يجادل في
صفات الله وأفعاله، وقدرته على البعث وغيره بغير علم صحيح، ولا عقل
رشيد، ويتبع في جداله بالباطل خطوات كل شيطان متمرد عاتٍ، فهو لا
يجادل بالحق، وإنما يجادل بالباطل.
قيل كما بينا: نزلت في النضر بن الحارث، وكان جَدِلاً، يقول: الملائكة
بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار
تراباً.
والآية كما قال في الكشاف عامة في كل من تعاطى الجدال، فيما لا يجوز
على الله، وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم، ولا يتّبع
حجة ولا برهاناً صحيحاً، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق
والباطل. والآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، وهي المجادلة مع
العلم، المرادة بقوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦].
ج
أما المجادلة الباطلة فهي المراد من قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾
[الزخرف: ٥٨/٤٣] .

١٦٨
لُ (١٧) - الدِّرْ: ٢٢ /١-٤
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَتَهُ يُضِلُّهُ﴾ أي قضي على من اتبع الشيطان،
وجعله ولياً ناصراً له أن يوقعه في الضلال، وأن ولايته له لم تثمر إلا الإضلال
عن طريق الجنة، والهداية إلى النار، وإيصاله إلى جهنم. والمقصود أن اتباع
الشيطان يؤدي إلى الضلال في الدنيا، وإلى عذاب النار في الآخرة، وكأنه
تعالى قال: قضي على من يتبع الشيطان أن الشيطان يضله عن الجنة، ويهديه إلى
النار، وهذا وعيد لمتبع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - وجوب التحلي بالتقوى وهي التزام الأوامر الإلهية، واجتناب
النواهي، لاتقاء أهوال يوم القيامة ذات الخطر الشديد.
٣ - إن وقع الساعة وتأثير القيامة على النفس شديد الأثر، حتى لتكون
زلزلتها مذهلة (شاغلة) الأم الحنون عن طفلها الرضيع، ومسقطة الجنين من
بطن أمه، وجاعلة الناس كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم في الحقيقة
سكارى من الشراب.
٣ - إن المشرك بالله هو الذي يجادل بالباطل وبغير علم صحيح في صفات
الله وأفعاله، وقدرته على البعث، والإحياء بعد الإماتة، وهو في جداله يتبع
كل شيطان متمرد، ومن يتبع الشياطين ويتولاهم فإنهم يوقعونه في الحيرة
والضلال في النار، ويأخذون بيده إلى عذاب جهنم في الآخرة. وهذا يدل على
تحريم المجادلة الباطلة القائمة على الجهل، وعلى الزجر من الله تعالى على اتباع
خطوات الشيطان.
أما المجادلة بالحق وهي القائمة على العلم، فهي جائزة غير ممنوعة.

١٦٩
الزُُّ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥-٧
الاستدلال بخلق الإنسان والنبات على البعث
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْنَكُمْ مِّن قُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ
اَلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ
وَمِنكُمْ مَّن يُنَوَقَّ وَمِنكُمْ مَّن يُرَّدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ
بَعْدِ عِلِمِ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِىِ الْمَوْنَ وَأَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ عَلِيَّةٌ لَّا رَبْبَ فِهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى
الْقُبُورِ
الإعراب:
﴿بَعْدِ عِلْمِ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾: منصوب بالمصدر قبله، على قول البصريين؛
لأنه الأقرب، وبـ ﴿يَعْلَمَ﴾ على قول الكوفيين؛ لأنه الأول.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ﴾ ذا: إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر
كذلك، وإما منصوب على تقدير فعل، تقديره: فَعَل الله ذلك بأنه الحق. وقال
الحَقّ
اللَّهَ هُوَ
بِأنّ
13
البيضاوي: وهو مبتدأ، وخبره:
البلاغة:
﴿تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿آَهْتَزَتْ وَرَبَتْ﴾ استعارة تبعية، شبه الأرض بنائم، ثم يتحرك بنزول المطر
عليه.
المفردات اللغوية:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿رَيْبٍ﴾ شك. ﴿مِّنَ اُلْبَعْثِ﴾

١٧٠
لُ (١٧) - الحُرّ: ٢٢ / ٥-٧
من إمكانه وكونه مقدوراً .﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ﴾ أي فانظروا في بدء خلقكم
وأصلكم آدم، فإنه يزيح ريبكم ﴿مِّن تُرَابٍ﴾ أي خلق آدم منه، وخلق
الأغذية التي يتكون منها المني ﴿قُطْفَةٍ﴾ مني: وهو ما يخرج عند اللذة من
صلب الرجل، سمي نطفة لقلته، مأخوذ من النّظْف: أي الصب أو القطر.
﴿عَلَقَةٍ﴾ قطعة من دم جامد . ﴿مُضْغَةٍ﴾ قطعة من اللحم، قدر ما يمضغ.
﴿ُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ مصوَّرة معالم الخلقة أو غير مصوَّرة، أو مسؤَّاة لا
نقص فيها ولا عيب، أي تامة الخلق، وغير مسوَّاة . ﴿لِّنُبَيِنَ لَكُمْ﴾ بهذا
التدرج في الخلقة كمال قدرتنا وحكمتنا، لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على
إعادته . ﴿ وَنُقِرُّ﴾ أي نبقي، وهو كلام مستأنف. ﴿مَا نَشَآءُ﴾ أن نقرَّه. ﴿إِلَ
أَجَلٍ تُسَمَّى﴾ هو وقت الوضع، وأدناه بعد ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر،
وأقصاه في رأي أهل الخبرة سنة . (ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾ عطفاً على ﴿لِنُبَيِّنَ﴾،
أي نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً. و﴿طِفْلًا﴾: حال أجريت على تأويل
كل واحد، أو الدلالة على اسم الجنس فيكون للواحد والجمع. ﴿ثُمَّ ◌ِتَبْلُغُواْ
أَشُنَّكُمْ﴾ أي ثم نعمركم لتبلغوا الكمال في القوة والعقل وهو ما بين الثلاثين
إلى الأربعين سنة، والأشد: كمال القوة والعقل والتمييز، وهو جمع شدة،
كالأنعم جمع نعمة، وقال الزمخشري: هو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها
واحد، كالأسدة والقتود والأباطيل وغير ذلك.
﴿ وَمِنْكُمْ مَّن يُوَّى﴾ يموت قبل بلوغ الأشد. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أدناه
وأردؤه من الهرم والخرف. ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلِمِ شَيْئًا﴾ ليعود كهيئته
الأولى في أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر
من عرفه. قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة. والآية استدلال ثانٍ
على إمكان البعث بما يعتري الإنسان في أطواره من الأمور المختلفة والأحوال
المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره.
﴿هَامِدَةً﴾ يابسة ميتة لا نبات فيها. ﴿أُهْتَزَّتْ﴾ تحركت بالنبات. ﴿وَرَبَتْ﴾

١٧١
اِجُزُ (١٧) - الحُرْجُ: ٢٢ / ٥-٧
ارتفعت وزادت وانتفخت بالماء والنبات . ﴿ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾
أي أنبتت من كل صنف حسن رائق. و﴿مِن﴾: زائدة ﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور من
بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض. ﴿ِأَنَّ اللَّهَ﴾ بسبب أن الله. ﴿هُوَ
اَلْحَقُّ﴾ الثابت في نفسه، الدائم الذي يحق ثبوته، أي لأن الله هو الحق. ﴿وَأَنَّهُ
يُحِي الْمَوْنَى﴾ أي أنه يقدر على إحيائها، وإلا لما أَخْبى النطفة والأرض الميتة
﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأن قدرته لذاته، فمن قدر على إحياء بعض
الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها. ﴿لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شك. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ
يَبْعَثُ مَن فِىِ اٌلْقُبُورِ﴾ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى عن المشركين الجدل بغير علم في قضية البعث
والحشر والنشر، وذمَّهم على ذلك، أورد تعالى الأدلة على إثبات البعث بخلق
الإنسان، وخلق النبات، فقال هنا عن الأول: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾
الآية، وقال في آيات أخرى: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٣٦/
٧٩] . ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَ﴾ [الإسراء: ٥١/١٧] وقال
عن الثاني: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥/٢٢].
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى موقف المنكر للبعث، ذكر الدليل على قدرته على
المعاد بما يشاهد من بدئه الخلق، فقال:
﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ أي يا أيها البشر المنكرون
للبعث، إن كنتم في شك من إمكان البعث ومجيئه، يوم القيامة، فانظروا إلى
بدء خلقكم، فمن قدر على البدء قدر على الإعادة بدليل المراحل والأدوار
السبعة التي يمر بها الإنسان وهي:

١٧٢
الجُزُ (١٧) - الدِّجُّ: ٢٢ / ٥-٧
اَ - ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ أي خلقنا أصلكم آدم من التراب، وخلقنا
الأغذية التي يتكون منها المني من النبات المتولد من الماء والتراب.
أَ - ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي ثم صار التوالد المعتاد بواسطة المني المتولد من
الغذاء الناشئ من التراب.
◌َّ - ﴿ِثُمَ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي ثم تتحول بإذن الله النطفة بعد أربعين يوماً إلى
قطعة دم مكثف أو جامد، أو علقة حمراء.
٤ - ﴿ثُمَّ مِن تُضْغَةٍ تُخَلَّفَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّفَةٍ﴾ ثم تصبح العلقة قطعة لحم،
وتلك القطعة إما أن تتم منها أحوال الخلق، فتصير تامة الصورة والحواس
والتخطيط لمعالم الجسد، وإما ألا تتم، وتسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط
أو بعده، أو تبقى ناقصة الصور والحواس والتخطيطات وتتم ولادتها، قال
الرازي: فيجب أن تحمل ﴿تُخَلَقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ على من سيصير إنساناً؛ لأنه
تعالى قال في أول الآية: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ﴾ وذلك يبعد حمل قوله: ﴿وَغَيْرِ
مُخَلَّقَةٍ﴾ على السقط.
والخلاصة: أن المخلقة هي القطعة المسوّاة التي لا نقص فيها ولا عيب أي
التامة الخلقة، وغير المخلقة: هي القطعة غير المسوّاة التي فيها عيب.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي خلقناكم على هذا النحو من التدرج لنبين لكم كمال
ج
قدرتنا وحكمتنا، لتستدلوا بها على إمكان البعث، فإن من قدر على خلق البشر
من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً - ولا تناسب بين الماء والتراب - وقدر على
أن يجعل النطفة علقة - وبينهما تباين ظاهر - ثم يجعل العلقة مضغة، والمضغة
عظاماً، قدر على إعادة ما بدأه، بل هذا أهون، كما قال الزمخشري رحمه الله
تعالی.
٥ - ﴿ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ أي ثم نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً

١٧٣
لُعُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥-٧
ضعافاً في البدن والعقل والحواس، ثم ينمو كل طفل ويعطيه الله القوة شيئاً
فشيئاً.
٩ - ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ﴾ ثم تتكامل قواكم البدنية والعقلية، حتى
تصلوا إلى حد الكمال في عنفوان الشباب.
لاً - ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُنَّ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي
ومنكم من يموت قبل بلوغ الأشد أو في حال الشباب والقوة، ومنكم من
يعيش حتى يصل إلى سن الشيخوخة والهَرَم، وضعف القوة والعقل والفهم،
والْخَرَف، حتى يعود إلى ما كان عليه حال الطفولة، ضعيفاً، سخيف العقل،
قليلٍ الفهم، ينسى ما كان يعلمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى
الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨/٣٦]. والخلاصة: أن تدرج الخلق في مراحله المذكورة،
وطروء الموت وعوارض الأحوال على الإنسان دليل قاطع على وجود الخالق
القادر المهيمن، الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه في القياس
﴿ِ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
والعقل، كما قال تعالى:
ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ
[الروم: ٥٤/٣٠].
(٥٤)
اُلْقَدِيرُ
ثم ذكر الله تعالى الدليل الثاني على إمكان البعث بخلق النبات المشابه الخلق
الإنسان فقال :
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أي وإذا تأملت أيها الإنسان ترى الأرض (١)
ميتة يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر أو غيره، تحركت
(١) خاطب تعالى الناس أولاً بصيغة الجمع، فقال: ﴿فَإِنَّا خَلَقْتَكُ﴾ ثم خاطب بصيغة الواحد،
للتنويع فقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾ فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل، للاحتجاج
به على منکري البعث.

١٧٤
لُ (١٧) - الحُرّ: ٢٢ /٥-٧
بالنبات وحييت بعد موتها، وازدادت وارتفعت وانتفخت بالماء والنبات، ثم
أنبتت من كل صنف من النبات والزرع، ذي منظر حسن وبهاء ورونق وطيب
ريح، لاختلاف ألوان الثمار والزروع، وطعومها، وروائحها، وأشكالها،
ومنافعها، فمن قدر على إحياء الأرض الميتة الهامدة التي لا ينبت فيها شيء،
قادر على إحياء الموتى. ونتائج ما ذكر هي الأمور الخمسة التالية:
اً - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك المذكور الذي بينته لكم من خلق
الإنسان والحيوان والنبات، وانتقال كل مخلوق من حال إلى حال، بسبب أن
الله هو الحق الموجود الثابت الذي لا شك فيه، ولا يحول ولا يزول، الخالق
المدبر الفعال لما يشاء. وأما ما عداه من جميع المخلوقات فضعيف عاجز لا يقدر
على فعل شيء مما ذكر. وهذا دال على وجود الصانع المتفرد بالخلق.
◌َ - ﴿وَأَنَّهُ يُحِى الْمَوْنَ﴾ أي وبأنه الإله القادر على إحياء الموتى، كما أحيى
الإنسان والحيوان والنبات، فأنبت من الأرض الميتة ما فيه الحياة، وهذا تنبيه
على أن من لم يعجزه إيجاد هذه الأشياء، فكيف يعجزه إعادة الأموات؟! ﴿إِنَّ
الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُخِى الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ [فصلت: ٣٩/٤١].
◌َ - ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وبأنه تعالى القادر على كل شيء، فمن
كان قادراً على ما ذكر وعلى جميع الممكنات، فهو قادر على إعادة الأجساد بعد
الفناء، وعالم بكل المعلومات: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مََّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ
خَلْقٍ عَلِيمٌ (9َ﴾ [يس: ٧٩/٣٦].
٤ - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا﴾ أي ولتعلموا أن من قدر على إحياء
الموتى أو إعادتهم أحياء قادر على الإتيان بيوم القيامة، فالساعة كائنة لا شك
فيها ولا مرية، كما وعدكم بها. فقوله: ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ معطوف على قوله:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ من حيث اللفظ، وليس عطفاً في المعنى، فلا بد من
إضمار فعل يتضمنه، أي وليعلموا أن الساعة آتية.

١٧٥
الجُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٥-٧
هَ - ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ اٌلْقُبُورِ﴾ أي ولتتيقنوا أن الله سيبعث أهل
القبور، أي يعيدهم بعدما صاروا في قبورهم رمماً، ويوجدهم مرة أخرى
أحياء، ليوم المحشر والحساب، والثواب والعقاب.
والخلاصة: أن بيان مراتب خلق الإنسان والحيوان، والنبات، دليل على
أنه سبحانه قادر على كل الممكنات، وعالم بكل المعلومات، مما يثبت کون
الإعادة ممكنة، وأن المعاد مقدور عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
الغاية من التنزيل القرآني إثبات ثلاثة أمور أساسية في العقيدة، وهي توحيد
الله، واتصافه بصفات الكمال، وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات البعث والحياة
الأخروية، وما فيها من ثواب وعقاب، وإثبات الوحي والنبوة ورسالات
الأنبياء بالمعجزة الخارقة للعادة، لذا تكرر في القرآن التركيز على هذه
الأصول، وجاءت الآيات هنا للاستدلال على الأمر الثاني.
اً - استدل الله سبحانه وتعالى على إمكان حدوث البعث والقيامة وإحياء
الموتى بإحياء الإنسان والحيوان والنبات بعد الموت والعدم، فمن خلق أصل
الإنسان من تراب، ثم من ماء منشؤه الغذاء الناتج من التراب، ثم رعاه حتى
خلقه في أحسن تقويم، ثم أعاده إلى الضعف، قادر على إعادة خلقه وإيجاده
وتكوينه كما قال: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
(٨٢)﴾ [يس: ٨٢/٣٦].
ولقد أوضحت السنة أطوار الخلق، جاء في الصحيحين عن عبد الله بن
مسعود قال: حدثنا رسول الله وَله، وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم
يُجمع خَلْقُه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقة مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً
مثلَ ذلك، ثم يُرسَل الملَك، فينفُخُ فيه الروحَ، ويؤمرُ بأربع كلمات: بكَتْب
رِزْقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)) وفي رواية: ((يُجْمَعُ خَلْق أحدِكم في بطن

١٧٦
الجُزُ (١٧) - الدُّجْ: ٢٢ / ٥-٧
أمه أربعين يوماً نطفةً، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مُضغة، ثم يُبْعث
الملك، فينفخ فيه الروح)) أي إن أطوار الجنين الأولى أربعة أشهر، قال ابن
عباس: وفي العشر بعد الأشهر الأربعة يُنفخ فيه الروح، فذلك عدة المتوفى
عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.
ويلاحظ أن الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن النفخ
سبب يخلق الله به الروح والحياة، وأن الخلق بقدرة الله واختراعه؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١/٧]. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤/٤٠] وللآية هنا: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾. وتكون
الحياة في المادة المنوية عند التقائها ببويضة المرأة حياة نباتية خلوية.
ولم يختلف العلماء أن نفخ الروح الحركية في الجنين يكون بعد مئة وعشرين
يوماً، أي بعد تمام أربعة أشهر، ودخول الشهر الخامس.
لذا ليست النطفة بشيء يقيناً، كما قال القرطبي، ولا يتعلق بها حكم إذا
ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، كما لو كانت في صلب الرجل، فإذا
طرحته علقة، فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول
أحوال وجود الولد، فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل،
تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدّة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب
مالك وأصحابه.
وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة
والتخطيط، أي بإلقاء المضغة المخلقة دون الأربعة أشهر (١). قال ابن زيد:
المخلَّقة: التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين.
وقال مالك رضي الله عنه: ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم
(١) تفسير القرطبي: ٨/١٢

١٧٧
الزُ (١٧) - الحُّوْ: ٢٢ / ٥-٧
أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغُرّة (١). وقال الشافعي رضي الله عنه: لاشيء
فيه حتى يتبين من خَلْقه شيء. وقال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهلّ
صارخاً ففيه الغُرَّة. فإذا استهل صارخاً فقال هو والشافعي فيه الدية كاملة.
وذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع؛ لأنه حمل،
والله تعالى يقول: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤/٦٥]
. وقال ابن العربي: ولا يرتبط به شيء من الأحكام، إلا أن يكون مخلَّقاً؛
لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةِ ثُمَّ مِن
مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّفَةٍ﴾ (٢).
أَ - إن في مراحل خلق الإنسان المذكورة لدليلاً واضحاً وبياناً قاطعاً يدل
على كمال قدرة الله تعالى.
وفي رعاية الله للإنسان بولادته طفلاً، ثم اكتمال جسده وعقله وقوته في
سن الشباب نعمة تستحق الشكر والتقدير وعرفان حق الخالق.
ثم في الرد إلى الشيخوخة والهرم دون خرف أو مع الخرف عبرة وعظة تدل
على إطلاق تصرف الله في خلقه، وكان النبي ◌َّ - فيما رواه النسائي عن سعد
- يدعو فيقول: «اللهم إني أعوذُ بك من البُخْل، وأعوذ بك من الجبْن،
وأعوذ بك أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر)».
◌َ - وهناك دليل أقوى على البعث وهو خلق النبات من الأرض الميتة إذا
أنزل الله عليها الماء، فتخرج منه الزروع والثمار ذات المنظر أو اللون الحسن،
وذات الرائحة العبقة، والطعم الشهي.
(١) الغرة: دية الجنين، وهي ما بلغ عوضه نصف عشر الدية، أي خمسين ديناراً.
(٢) أحكام القرآن: ١٢٦١/٣

١٧٨
الجُرُ (١٧) - الخروج: ٢٢ /٨-١٤
٤ - إن خلق الإنسان والنبات حاصل بالله، وهو السبب في حصوله،
ولولاه لم يتصور وجوده، فإن الله هو الحق، أي الثابت الموجود، وأنه قادر
على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد
الساعة والبعث، فلا بد أن يفي بما وعد، وأنه عالم بكل شيء، وقادر على
جمع ذرات الإنسان المتفرقة في أنحاء الأرض أو قيعان البحار أو أجواف
الحيوانات، أو في أي مكان.
أحوال الناس
الجدال بالباطل والإيمان المضطرب
وجزاء المؤمنين الصالحين
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ جَ ثَانِىَ
عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ
ذَلِكَ بِمَا فَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِدِ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ
اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ أَلْمَأَنَّ بِّ، وَإِنْ أَصَابَنْهُ فِئْنَةٌ أُنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
) يَدْعُوْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ
يَضُرُهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الصَّلَلُ الْبَعِيدُ
مِن نَّفْعِةٍ، لِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِْسَ الْعَشِيرُ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الضَّالِحَتِ جَتَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
القراءات:
﴿لِيُضِلَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ليَضِل).
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبْسَ﴾ :

١٧٩
الجزءُ (١٧) - الخروج: ٢٢ / ٨-١٤
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (لبيس، ولبيس).
الإعراب:
﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾ حال من ضمير. ﴿يُجَدِلُ﴾ عائد على ﴿مَن﴾ والإضافة في
تقدير أو نية الانفصال، أي ثانياً عطفه، ولذلك لم يكتسب التعريف بالإضافة.
﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ مَنْ: فيه أربعة أوجه:
الأول - أنه منصوب بـ ﴿يَدْعُواْ﴾ واللام في غير موضعها، أي يدعو من
لَضَرُّه أقربُ من نفعه، فقدمت اللام إلى (من) و﴿ضَرُّهُرٌ﴾: مبتدأ،
و﴿أَقْرُبُ﴾: خبره. وهذا قول الكوفيين.
والثاني - أن مفعول ﴿يَدْعُواْ﴾ محذوف، واللام في موضعها، أي يدعو
إليها أي ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرُبُ مِن نَّفْعِةٍ،﴾ فمن: مبتدأ، وخبره: ﴿أَقْرَبُ﴾
والجملة صلة (من). و﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾: خبر ثانٍ لـ: (مَنْ). وهو قول المبرد.
والثالث - أن ﴿يَدْعُواْ﴾ بمعنى يقول، وما بعده: مبتدأ وخبر، أي يقول
لمن ضُّه عندكم أقرب من نفعه هو إلهي، فخبر المبتدأ محذوف، أي يقول
الكافر: الصنم الذي تعدونه من جملة الضرر: إلهي.
والرابع - أن ﴿يَدْعُواْ﴾ تكرار للأول، لطول الكلام، مثل ﴿لَا تَحْسَبَنَّ
اُلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَوْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوْ فَلَا تَحْسَبَّهُم﴾.
[آل
عمران: ١٨٨/٣] .
البلاغة:
﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾ كناية عن التكبر والخيلاء.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ مجاز مرسل، علاقته السببية؛ لأن اليد هي التي تفعل
الخير أو الشر.

١٨٠
الزُ (١٧) - الدِّوْ: ٢٢ / ٨-١٤
﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ استعارة تمثيلية، شبه المنافقين وما هم فيه من
اضطراب في دينهم بمن يقف على طرف هاوية يريد العبادة.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرَ أَطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾ مقابلة
بدیعة.
﴿يَضُرُّهُ﴾ و﴿ يَنفَعُهُ﴾ بينهما طباق.
ج
المفردات اللغوية:
﴿هُدِّى﴾ هو النظر الصحيح الموصل إلى المعرفة. ﴿كِنَبٍ مُنِيرٍ﴾ الوحي
المظهر للحق.
﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ متكبراً عن الإيمان، معرضاً عن القرآن كفراً وتعظماً،
ولاوياً عنقه، والعِطْف: الجانب عن يمين أو شمال. ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن
دينه، وليضل: علة للجدال. ﴿لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ عذاب وهوان وذل، فقتل
يوم بدر أي أبو جهل المجادل. ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي الإحراق بالنار. ﴿بِمَا
قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ عبر بهما دون غيرهما؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وهو
وارد بطريق الالتفات، أو إرادة القول، أي يقال له يوم القيامة: ذلك الخزي
والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي . ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ
لِلْعَبِيدِ﴾ أي ليس بذي ظلم لأحد، فيعذبهم بغير ذنب، وإنما هو مجازيهم على
أعمالهم، والمبالغة في (ظلام) لكثرة العبيد.
﴿عَلَى حَرْفٍّ﴾ أي على طَرَف من الدين لا ثبات له فيه، وهذا تشبيه حال
المنافقين بحال من يقف على حرف جبل في عدم ثباته، أو كالذي يكون على
طرف الجيش، فإن أحس بظفر قَرَّ، وإلا فَرَّ، فهو على شك وضعف في
العبادة. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة وسلامة في نفسه وماله. ﴿فِتْنَةٌ﴾ محنة،
وسقم في نفسه وماله . ﴿أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾ أي رجع إلى الكفر وارتد.