النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ الجُزُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٦-٧٧ فقه الحياة أو الأحكام: أنعم الله تعالى على لوط عليه السلام بأربع نِعَم وهي: اً - إيتاؤه الحكم: أي النبوة، والحكمة: وهي ما يجب فعله. أَ - تعليمه العلم النافع: وهو المعرفة بأمر الدين، وما يقع به الحكم بين الخصوم. ٣ - إنجاؤه من العذاب الذي حل بالقرى التي أرسل إليها، لارتكاب أهلها خبائث الأعمال، وأهمها اللواط، ولأنهم قوم سوء فاسقين، أي خارجين عن طاعة الله تعالى. ٤ - إدخاله في جنان الخلد التي هي متنزل الرحمات الإلهية؛ لأنه من القوم الصالحين الذين آمنوا بالله، وأطاعوا ربهم، وائتمروا بأمره، وانتهوا عن نهيه. القصة الرابعة - قصة نوح عليه السلام ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأْسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْرِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَاْ إِنَهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءِ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ المفردات اللغوية: ﴿ وَنُوحًا﴾ أي واذكر نوحاً ﴿إِذْ نَادَى﴾ إذ دعا على قومه بالهلاك، بقوله: [نوح: ٢٦/٧١] وهو ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا بدل مما قبله . ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل المذكورين: إبراهيم ولوط ﴿فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه ﴿فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ﴾ في السفينة ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي من الطوفان والغرق، وأذى قومه، والكرب: الغم الشديد ﴿وَنَصَرْنَهُ﴾ ١٠٢ الجُعُ (١٧) - الأنْبَاءِ: ٢١ / ٧٦-٧٧ جعلناه منتصراً ﴿كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ الدالة على رسالته ﴿فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الاجتماع الأمرين: تكذيب الحق، والانهماك في الشر، ولم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله. المناسبة: بعد بيان قصة إبراهيم أبي الأنبياء ولوط قريبه، ذكر الله تعالى قصة نوح أب البشر الثاني؛ لأن جميع الباقين بعد الطوفان من ذريته عليه السلام. وكل من إبراهيم ونوح من الرسل أولي العزم. التفسير والبيان: ﴿وَنُوحًا﴾ أي واذكر أيها النبي وقت أن نادى نوح ربه بأن دعا على قومه لما القمر: ١٠/٥٤] ﴿ وَقَالَ نٌُ رَّبِّ لَا ١٠) كذبوه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِى مَغُلُوبٌ فَأَنَصِرْ ﴾ [نوح: ٢٦/٧١] وذلك من قبلك وقبل ٢٦) نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا إبراهيم ولوط، فاستجبنا له دعاءه ونجيناه والذين آمنوا به من أهله، كما قال تعالى: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ، إِلَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠/١١] نجيناهم من الغرق والشدة والأذى. فقوله ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل هؤلاء المذكورين. والكرب: الطوفان والغم الشديد والعذاب النازل بالكفار، وتكذيب قومه إياه وما لقي منهم من الأذى. وذلك بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل، فلم يؤمن به منهم إلا القليل. ﴿وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوِْ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ أي وجعلناه منتصراً على القوم الذين كذبوا بأدلتنا الدالة على رسالته. وفي لغة هذيل: اللهم انصرهم منه، أي اجعلهم منتصرين منه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إن سبب إهلاكهم أنهم ١٠٣ الُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٧٦-٧٧ قوم سوء لأجل تكذيبهم لنبيهم، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله جميعاً صغاراً وكباراً، ولم يبق منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم، بعد أن أصروا على كفرهم، وتصدوا لإيذائه، وتواصوا قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل على مخالفته وعصيان أمره. فقه الحياة أو الأحكام: إن في عذاب الاستئصال للأمة أو القوم جميعاً عبرة وعظة بالغة، فهؤلاء قوم نوح الذين عكفوا على عبادة الأوثان، وأصروا على الكفر، وتمردوا على دعوة نوح ورسالته، قد أهلكهم الله عامة بالطوفان الذي عم السهول والجبال. والسبب هو تكذيبهم لنبيهم وإيذاؤهم له، بالرغم من الصبر عليهم قرابة عشرة قرون (٩٥٠) عاماً، وهي مدة طويلة جداً. وكان النصر حليف نوح عليه السلام، فنجاه الله والمؤمنين الذين آمنوا به، وعددهم قليل. فلله الأمر والحكمة، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ولا يصدر عنه إلا الخير والعدل، ولا يظلم أحداً من عباده، فلو علم الله فيهم خيراً لما عذبهم وأهلكهم، وسيلقون أيضاً في الآخرة عذاب النار. وقد أجمع المحققون - كما ذكر الرازي - على أن دعاء نوح على قومه كان بأمر الله تعالى، وإلا كان ذلك مبالغة في الإضرار، وسبباً لنقصان حال الأنبياء. i ١٠٤ لُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ القصة الخامسة - قصة داود وسليمان عليهما السلام ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا (٧٨) ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ وَعَلَمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ ٧٩ مَعَ دَاوُدَّ الْجِبَالَ يُسُبِّحْنَ وَالطَّيْرْ وَكُنَّا فَعِينَ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيَحَ عَاصِفَةً لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ تَجْرِى بِأَمْرِةٍ إِلَى الْأَرْضِ اٌلَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾ وَمَنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكٌَ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ ٨٢ 1 القراءات: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾: قرئ: ١- (لتُخْصِنَكُم) وهي قراءة ابن عامر، وحفص. ٢- (ليُحْصِنَكُم) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ بَأْسِكُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسكم). الإعراب: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ أي واذكر داود وسليمان. ﴿ وَكُنَا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ الضمير في ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ راجع إلى داود وسليمان، على طريقة إقامة الجمع مقام التثنية. أو أن المراد بالضمير الحاكمان والمتحاكمان وهم جماعة. ١٠٥ اِلُعُ (١٧) - الاثْبِيَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ ﴿ يُسَبِّحْنَ﴾ الجملة حال، أو استئناف لبيان وجه التسخير (معه) متعلق بيسبحن أو بسخرنا. ج ﴿وَالطَّيْرَ﴾ منصوب معطوف على ﴿اُلْجِبَالَ﴾، أو لأنه مفعول معه. ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ أي الصنعة، وقرئ بالياء أي (ليحصنكم الله) وقرئ بالنون، أي: لنحصنكم نحن. المفردات اللغوية: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ أي واذكر قصتهما ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ بدل مما قبله ﴿اَلْحَرَّثِ﴾ الزرع، وقيل: كرم تدلت عناقيده ﴿نَفَشَتْ﴾ رعت ليلاً بلا راع، بأن انفلتت من حظيرتها، والنفش: الرعي ليلاً. ﴿ وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ أي حاضرين، وفيه استعمال ضمير الجمع لاثنين أو كنا شاهدين عالمين حكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما. وكان حكم داود: أن يتملك صاحب الزرع الأغنام، وحكم سليمان: تبادل المتحاكمين الشيء المملوك لمدة سنة، فينتفع صاحب الزرع بدَرّ الغنم ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحب الغنم، ثم يردها إلى صاحبها. ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ الضمير يعود للفتوى الصادرة. وكان حكم داود وسليمان باجتهاد، ثم رجع داود إلى حكم سليمان ﴿وَكُلَا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا﴾ أي آتينا كلاً منهما حكماً أي نبوة، وعلماً بأمور الدين. ﴿ يُسَبِّحْنَ﴾ يقدسن الله معه، إما بلسان الحال، أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله فيها صوتاً بلغة معينة .﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي وكذلك سخرنا الطير له للتسبيح معه، بأمره به في وقت الراحة ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ أي تسخير التسبيح معه، فكنا فاعلين لأمثاله، فليس ببدع منا، وإن كان عجباً عندكم أي مجاوبة الجبال والطير لسيدها داود ﴿صَنْعَةَ لَبُوُسِ﴾ المراد هنا الدروع؛ لأنها تلبس، ١٠٦ الُزُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وهو أول من صنعها، وكان قبلها صفائح. واللبوس في الأصل: السلاح بأنواعه ﴿لَّكُمْ﴾ متعلق بقوله ﴿وَعَلََّنَهُ﴾ أو متعلق بصفة للبوس. ﴿ لِنُحْصِنَكُمْ﴾ لتحميكم وتمنعكم وتصونكم الصنعة ﴿مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل اشتمال بإعادة الجار، وبأسكم: حربكم مع أعدائكم، البأس: الحرب ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿شَكِرُونَ﴾ نعمتي، بتصديق الرسول، فإن شكركم لي يكون بذلك. وقوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ﴾؟ أمر في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع. ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ﴾ أي وسخرنا له ﴿الرّيَحَ عَاصِفَةً﴾ الريح العاصف: هي الشديدة الهبوب. وكانت ﴿رُغَةَ﴾ أي لينة خفيفة في نفسها طيبة، كما جاء في آية أخرى، فقد جمعت بين الوصفين، فهي لينة طيبة، وتسرع في جريها كالعاصف ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا﴾ هي الشام ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ أي نعلم بكل شيء، فنجزيه على ما تقتضيه الحكمة، وقد علم الله تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه للخضوع لربه. ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي وسخرنا له ﴿ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي يدخلون في البحر، فيخرجون منه الجواهر لسليمان، والغوص: النزول إلى أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ. ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي سوى الغوص أو غيره، كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة، كقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤]. ﴿وَكُنَا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا ما عملوا؛ لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره. المناسبة: هذه القصة كسابقاتها أيضاً فيها تعداد النعم العظمى على داود وسليمان عليهما السلام، فذكر فيها أولاً النعمة المشتركة بينهما وهي تزيينهما بالعلم ١٠٧ الُعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ والفهم كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَّاً﴾ مما يدل على شرف العلم، لتقديم ذكره على سائر النعم الأخرى. ثم ذكر ما اختص به كل منهما من النعم، أما داود فخص بنعمة تسخير الجبال والطير للتسبيح معه، وبصناعة الدروع. وأما سليمان فاختص بنعمة تسخير الريح، وتسخير الشياطين للغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، ولأعمال أخرى كبناء المدن والقصور وصناعة الأشياء الغريبة من قدور ومحاريب وتماثیل. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى قصة الحكم بين المزارع والراعي، ثم ذكر النعم الجليلة المختصة بكل من داود وسليمان. أما قصة الحكم كما قال أكثر المفسرين وكما ذكر الرازي: فهي أن راعي غنم رعت غنمه زرع فلاح ليلاً، فاحتكما إلى داود عليه السلام، فحكم بالغنم لصاحب الحرث (الزرع) فقال سليمان - وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بهما، وأمر بتسليم الغنم إلى أهل الحرث، فينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، وتسليم الحرث إلى أرباب الغنم، يتعهدونه بالمطلوب، حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادان. وكان حكمهما باجتهاد. والحكم في شرعنا في رأي الإمام الشافعي: وجوب ضمان المتلف بالليل، إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً، وكذلك قضى النبي ◌َ ليم لما دخلت ناقة البراء حائطاً (بستاناً) وأفسدته، فقال: ((على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل)) (١). (١) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن حِرَام بن سعد بن مُخَيِّصة. ١٠٨ لُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وفي رأي الإمام أبي حنيفة: لا ضمان إلا أن يكون معها حافظ حارس؛ لقوله وَلِّ: ((جُرْح العجماء جُبَار)) (١) أي أن ما تتلفه البهيمة هدر لا ضمان فيه. أما النص القرآني في هذا الحكم فهو: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ فِ الْحَرَّثِ﴾ أي واذكر أيها الرسول قصة داود وسليمان حينما حكما في زرع رعته ليلاً غنم لآخرين، وكان الله عليماً شاهداً بما حكم به داود وسليمان، لا تخفى عليه خافية. ولكنه تعالى أفهم سليمان القضية والحكمة والفتوى الصحيحة الراجحة فكان رأيه هو الأصوب، مع أنه سبحانه آتى كلاً من داود وسليمان النبوة وحسن الفصل في الخصومات والعلم والفهم والإدراك السليم للأمور، مما يدل على إقرار الحكمين في الجملة، وعلى أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه، وإن كان الصواب واحداً، وهو ما قضى به سليمان، ودل قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ على إظهار ما تفضل الله عليه به في صغره. قال ابن العربي: لم يُرِدْ إذ جمعهما في القول اجتماعَهما في الحكم، فإن حاكمين على حُكْم واحد لا يجوز، وإنما حَكَم كل واحد منهما على انفراد بحكم، وكان سليمان هو الفاهم لها (٢). وأما نعم الله على داود عليه السلام فهي: اً - ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَاَلْظَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ أي وسخر أي ذلل الله الجبال والطيور مسبحات مُقَدِّسات الله مع داود لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، (١) نص الحديث ((العجماء جُرْحها جُبَار)) رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) أحكام القرآن: ١٢٥٤/٣ ١٠٩ اِلُ (١٧) - الأنبيَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وترد عليه الجبال تسبيحاً، فيكون ذلك أكثر تأثيراً في مشاعره وعواطفه، فيستديم في التسبيح، وقد وصف النبي وَلّ صوت أبي موسى الأشعري حين استمع لقراءته القرآن فقال فيما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، والنسائي عن عائشة: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)). وقدمت الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة الإلهية، وأروع في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان إلا أنه غير ناطق. ونطق الجبال والطير بأن يخلق الله فيها الكلام، كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى عليه السلام، فإذا ذكر داود ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه، لذا قال تعالى: ﴿وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجباً عندكم. ونظير الآية: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤/١٧]. أَ - ﴿وَعَلَّْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾﴾ أي وعلمنا داود صناعة الدروع لباساً لكم، وكانت الدروع قبله صفائح وهو أول من جعلها حِلَقاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ [سبأ: ١٠/٣٤- ١١] أي لا توسع الحلقة ولا تغلظ المسمار. وذلك لتحميكم وتمنعكم وتحرسكم من شدة الحرب في القتال من جرح وقتل وضرب، فهل أنتم شاكرون نعم الله عليكم بتعليمه داود ذلك من أجلكم؟ وهذا استفهام معناه الأمر للمبالغة والتقريع، أي اشكروا الله على هذه الصنعة. والبأس: الحرب. وفيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود عليه السلام، ثم تعلم الناس منه، وتوارثوا الصنعة عنه، فعمَّت النعمة كل المحاربين إلى آخر الدهر. ١١٠ لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وأما نعم الله على سليمان عليه السلام فهي كما قال قتادة: ورَّث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته، وزاده أمرين: سخر له الريح والشياطين، فقال : أَ - ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرّيَحَ عَاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديد السرعة والهبوب، وجعلناها طائعة منقادة له، مع كونها في نفسها رخاء أيضاً أي لطيفة لينة، فهي تجري بأمره، وتخضع لحكمه، وتنقله إلى أجزاء الأرض المقدسة المباركة، وهي أرض الشام، فيخرج مع صحبه في الغداة حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله، أي أن تلك الريح كانت جامعة بين الأمرين: رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد. ﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ أي وكان الله عالماً بكل شيء وعالماً بتدبيره، فما آتاه الملك والنبوة، وما سخر له الريح بأمره إلا لعلمه بما فيه الحكمة والمصلحة والاستحقاق، فيشكر هو وقومه المنعم عليهم، ويعرفوا هذه المعجزات الظاهرة. روي أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاجه من أمور المملكة، كالخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته، ثم تحمله وترفعه، وتسير به وتظله الطير، لتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل، وتوضع آلاته، كما قال تعالى: ﴿فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُخَّةً حَيْثُ أَصَابَ (٦َ﴾ [ص: ٣٦/٣٨] وقال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ٣٤ /١٢] (١). ٢ - ﴿ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ﴾ أي وسخرنا له فئة من الشياطين (١) تفسير ابن كثير ١٨٧/٣ ١١١ الُُ (١٧) - الأنْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ تغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها، والغوص: النزول تحت الماء. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي ويؤدون له عملاً غير ذلك كبناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات ونحوها، كما قال تعالى: وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّنَ فِىِ الْأَصْفَادِ (﴿٤﴾ [ص: ٣٨/ V ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ٣٧-٣٨] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ﴾ [سبأ: ٣٤] ١٣] وأما الصناعات فهي مثل الطواحين والقوارير والصابون. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ أي حافظين لأعمالهم، نحرسه من أن يناله أحدهم بسوء، وقد جعلنا له سلطة مطلقة عليهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال في الآية السابقة: ﴿وَءَآخَرِينَ مُقَرَِّنَ فِىِ الْأَصْفَادِ (٣٨) فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى مايأتي من الأحكام: اً - الحق والصواب واحد لا يتعدد، فإن حكم سليمان كان هو الأصوب، ولكن لا مانع من الخطأ في الاجتهاد، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ولكن لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع، وعلى المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع الحادثة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم، لإمكان أن يظهر له ثانياً خلاف ما ظهر له أولاً. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ◌َّ: ((إذا اجتهد الحاكم فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهدَ فأخطأ فله أجْرٌ)) وفي السنن الصحاح: ((القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حکم بین الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار)). ١١٢ لِمُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وقال الحسن البصري: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والشيخان والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب، فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان، فقال: هاتوا السكين أشقُّه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمكَ الله، هو ابنها، لا تشقه، فقضى به للصغری». وأما حكم مسألة رعي الزرع ليلاً في شرعنا، فقال الجصاص: ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ؛ وذلك لأن داود عليه السلام حکم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم، ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين جميعاً منسوخان بشريعة نبينا وعَ لَّ (١). وأما آراء فقهائنا فهي كما يلي (٢): قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا ضمان على أرباب المواشي فيما أصابت بالنهار. وقال الليث: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار. وأما ما تتلفه المواشي بالليل فللعلماء فيه رأيان مشهوران: (١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٢٣/٣ (٢) أحكام القرآن لابن العربي: ١٢٥٦/٣ ومابعدها، تفسير الرازي: ١٩٩/٢٢، تفسير القرطبي: ٣١٥/١١. ١١٣ الُرُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ رأي الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): وهو ضمان ما تتلفه البهائم ليلاً، عملاً بما قضى به النبي وَّ في ناقة البراء، وهو أن حفظ البهائم بالليل على أرباب المواشي، وهذا حديث خاص، وأما حديث ((العجماءُ جُرْحها جُبَار)) أي أن فعل البهائم هدَر، فهو عام، ولا خلاف أن العام يقضي عليه الخاص، أي أنه يقدم الخاص على العام، ولأنه لا إشكال في أن من أتلف شيئاً فعليه الضمان، ويكون الضمان بالقيمة، وإن زادت على قيمة المواشي. ورأي أبي حنيفة: ألا ضمان لما تتلفه المواشي، ليلاً أو نهاراً، للحديث المتقدم: ((العجماء جرحها جُبَار)). اً - قال ابن العربي: من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مُگِّن منه، مثل النحل والحمام والإوز والدجاج، وذلك كالماشية. وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد، فلا سبيل إليه، قال وسلّ فيما رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس: ((لا ضرر ولا ضرار)) (١). ٣ - إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالماً بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضى من السلف؛ لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط. فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد، فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل الحديث المتقدم: ((القضاة ثلاثة)) قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب، لا على الخطأ، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾. ٤ - أكثر الفقهاء قالوا: إن الحق واحد من أقوال المجتهدين، وليس الحق أو الصواب في جميع أقوالهم، بدليل قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ﴾ فخص سليمان بالفهم، ولو كان الكل مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة. (١) أحكام القرآن: ١٢٥٨/٣، تفسير القرطبي: ٣١٨/١١ ١١٤ الُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ 5 - هل للأنبياء الاجتهاد؟ اختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء، فمنعه قوم، وجوزه المحققون الأكثرون؛ لأنه ليس فيه استحالة عقلية؛ لأنه دليل شرعي، فلا مانع أن يستدل به الأنبياء، والله تعالى قال: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ﴾ [الحشر: ٢/٥٩] وهو أمر للكل بالاعتبار، وذلك يشمل الرسول وَّة، ولأنه إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل المقيس عليه معلل بمعنى، ثم وجد ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن الفرع كالأصل في الحكم، ثم إنه لو جاز الاجتهاد للعلماء وهو أرفع درجات العلم، لثبت لأحد من أمة النبي ◌َّ من الفضيلة مالا يثبت له. ٩ - في هذه الآية دليل على جواز رجوع القاضي عما حكم به، إذا تبين له أن الحق في غيره، فقد رجع داود إلى حكم سليمان عليهما السلام، وهذا ثابت أيضاً في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. ٧ - كان ترتيل داود عليه السلام لكتابه الزبور وتسبيحه تتردد أصداؤه في الجبال والطيور، وكانت هذه تتجاوب معه بالتسبيح، وتذكر الله معه بلغة خاصة بها، قال مقاتل: إذا ذكر داود عليه السلام ربه، ذكرت الجبال والطير ربها معه. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أي راحة أمر الجبال، فسبَّحت حتى يشتاق، ولهذا قال: ﴿وَسَخَّرْنَا﴾ أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَدُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠/٣٤]. قال الرازي: والقول الأول (أي قول مقاتل) أقرب؛ لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره. وتسبيح الجبال والطير فيه دلالة على قدرة الله تعالى، وعلى تنزهه عما لا يجوز. ٨ - كان داود أول من اتخذ الدروع وصنعها، وتعلمها الناس منه، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها، فأصبحت النعمة عليه نعمة على جميع المحاربين على الدوام أبد الدهر، لحماية الناس وحراستهم من السلاح في أثناء القتال، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة. ١١٥ الجُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٨-٨٢ وذلك يقتضي الشكر، لذا قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ﴾ أي على تيسير نعمة الدروع لكم، وأن تطيعوا رسول الله فيما أمر به. والمراد: اشكروا الله على مايسر عليكم من هذه الصنعة. ـة - هذه الآية دليل على جواز اتخاذ الصنائع والأسباب، فالسبب سنة الله في خلقه، وهي شهادة للعمال وأهل الحرف والصنائع بأن العمل شرف، واتخاذ الحرفة كرامة، وقد أخبر الله تعالى عن داود أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وأخبر نبينا وَّر عن داود عليه السلام أنه كان يأكل من عمل يده، وذلك أفضل الكسب. وكان آدم حراثاً، وكان نوح يصنع السفن وكان نجاراً، وكان إدريس ولقمان خياطين، وطالوت دباغاً، أو سقّاءً، وكل ذلك يدل على أن العمل كان منهج الأنبياء والصالحين، وطريق المؤمنين الأقوياء. والإسلام دين يحب العمل ويوجبه، ويكره البطالة والكسل، ويحارب العاطلين والخاملين إذا كانوا قادرين على العمل، جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة أن النبي وقل قال: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس)). وبالصنعة يكف الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها الضرر والبأس عن نفسه. جاء في حديث آخر رواه الحكيم الترمذي والطبراني والبيهقي عن أبي هريرة، وهو ضعيف: ((إن الله يحب العبد المؤمن المحترف الضعيف المتعفف، ويبغض السائل الملْحِف)). ٠ ٢ - كان من إكرام الله تعالى لسليمان تسخير الريح التي تجري بأمره إلى حيث شاء، ثم تردّه إلى بلاد الشام المباركة. يروى أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم تردّه إلى الشام. ومن إنعام الله عليه تسخير الشياطين له يعملون بصفة غواصين لاستخراج الجواهر من البحر، كما يعملون له أعمالاً أخرى غير الغوص، من بناء المدن ١١٦ لُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٣-٨٤ والقصور، ونحت المحاريب والتماثيل، وصناعة القدور الراسيات والجفان الواسعة والطواحين والقوارير والصابون، وغير ذلك مما يسخّرهم فيه، ويحفظ الله له أعمالهم من أن يفسدوها، أو أن يهيجوا أحداً من بني آدم في زمان سليمان، أو أن يهربوا أو يمتنعوا من أمره، فقد كانوا رهن إشارته، وطوع إرادته، لا يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منه. القصة السادسة - قصة أيوب عليه السلام وَأَنُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الَّحِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَيِدِينَ ٨٤ القراءات: ﴿مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾: وقرأ حمزة (مَسَّنْ الصُّر). الإعراب: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله ﴿مِّنْ عِندِنَا﴾ صفة. البلاغة: ﴿أَنِي مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ ألطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ﴿ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ فيهما جناس الاشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿ وَأَيُّوبَ﴾ أي واذكر أيوب ﴿إِذَّ نَادَى رَبَّهُ﴾ لما ابتلي به من المرض، وهو ١١٧ المُعُ (١٧) - الاثْبيَاءِ: ٢١ / ٨٣-٨٤ بدل مما قبله ﴿أَنّ﴾ أي بأني ﴿الضُّرُّ﴾ بالضم: الضرر والشدة في النفس من مرض وهزال. وأما الضَّرر بالفتح: فهو الأذى في كل شيء، فالضُّر خاص بما في النفس من مرض وهزال، والضرر: شائع في كل ضرر . ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ﴾ وصف ربه بغاية الرحمة، بعدما ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب، لطفاً في السؤال. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أجبنا له نداءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ أي أزلنا ورفعنا ضره بالشفاء من مرضه ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ أي وأعطيناه مثل أهله عدداً، وزيادة مثل آخر، بأن ولد له ضعف ما كان عنده من زوجته وزيد في شبابها ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَِدِينَ﴾ أي رحمة على أيوب، وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أثيب. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصص خمسة من الأنبياء: إبراهيم، ولوط، ونوح، وداود، وسليمان، وما تعرضوا له من الابتلاء في سبيل الدعوة إلى الله، ذكر هنا قصة أيوب وابتلاءه له بأنواع المحن في نفسه وأهله، والكل قد صبروا على المحن والبلايا، وشكروا الله على ما أنعم عليهم من رفع البلاء، والنصر على أقوامهم. أضواء على قصة أيوب عليه السلام: ورد اسم أيوب عليه السلام في القرآن الكريم أربع مرات في سور النساء والأنعام والأنبياء وسورة ص. وهو أيوب بن أموص، وأمه من ولد لوط عليه السلام، وكان عليه السلام رومياً من ولد يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. کان موطنه أرض عوص من جبل سعیر أو بلاد أدوم، قيل : إنه كان قبل موسى، أو قبل إبراهيم بأكثر من مئة سنة، قال ابن إسحاق في السيرة: الصحيح أنه كان من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء، إلا أن اسم أبيه: أموص. ١١٨ لِلُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٨٣-٨٤ آتاه الله النبوة، وبسط عليه الدنيا، وكثّر أهله وماله، فكان له سبعة بنين، وسبع بنات، وذلك تعويضاً عما ابتلاه الله من محنة في نفسه إذ مرض مدة طويلة هي ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبع سنوات ونيف، على حسب الروايات، ولكنه مرض غير منفر للناس؛ لأن الأنبياء متصفون بالسلامة عن الأمراض المنفرة طبعاً. وابتلاه الله أيضاً في أهله بذهاب ولده، انهدم عليهم البيت، فهلكوا. وابتلاه كذلك في ماله بذهابه وفنائه، وكان رحيماً بالمساكين، ويكفل اليتامى والأرامل، ويكرم الضيف. وقد أكرمه الله تعالی بکفارة يمينه، كما ذكر في سورة ص، بأن يأخذ بيده ضِغْئاً، فيضرب به زوجته، حتى لا يكون حانثاً. وزوجته: هي رحمة بنت أفرايم بن يوسف، أو ماخر بنت ميشا (منسا) بن يوسف، أو ليا بنت يعقوب، على اختلاف الروايات، ذهبت لحاجة، فأبطأت، أو بلغت أيوب عن الشيطان أن يقول كلمة محظورة فيبرأ، وأشارت عليه بذلك، فقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ فحلف إن برئ ليضربنها مئة ضربة، فحلل الله له يمينه وأمره بأن يأخذ ضغثاً (وهو حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو قضبان) ويضربها به، وذلك رحمة به وبها، لحسن خدمتها إياه، ورضاه عنها. وهي رخصة مقررة في عقوبات الحدود في شريعتنا وفي غيرها أيضاً في حالات الضرورة كالمرض والحمل. التفسير والبيان: أيوب عليه السلام مثل أعلى ومشهور في الصبر على المحنة والبلاء، حتى صار يضرب به المثل، فيقال: كصبر أيوب، وهاهي قصته: ﴿ وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي واذكر أيها الرسول للعبرة والعظة والتأسي خبر أيوب الذي أصابه البلاء في ماله وولده وجسده، حين دعا ربه، وقد مسّه الضر فقال: رب إني مسني الضر والعناء، وأنت أرحم الرحماء. وصف نفسه ١١٩ لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٣-٨٤ بما يقتضي الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بمطلوبه بطريق التلطف في السؤال، وإيمانه بأن ربه عليم به. والنداء: الدعاء. وكان مرضه طويل الأمد، إلا أنه غير منفر للناس ولا مشوه للجسد؛ لأن الأنبياء معصومون، سالمون عن الأمراض المنفرة طبعاً. وقد لازمته زوجته، وظلت تحنو عليه وتقوم بأمره. وقد قال النبي ◌َّ فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد: ((أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دِينه، فإن كان في دينه صلباً، اشتد بلاؤه». قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. قال ابن العربي: وهذا ممكن، ولكنه لم يصح في مدة إقامته خبرٌ ولا في هذه القصة. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرِّ﴾ أي أجبنا دعاءه، ورفعنا عنه ضره، وعافيناه. ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ أي وعوضناه عما فقد في الدنيا، فأعطيناه مثل أهله وزيادة مثل آخر، فقد ولد له من زوجته من الأولاد ضعف ما كان عنده. ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ أي أعطيناه التعويض عن المال والأهل والولد، وعافينا جسده، رحمة منا به، وتذكيراً للعابدين بالاقتداء به، والصبر كما صبر، ليثابوا كما أثيب، وحتى لا ييأس مؤمن من عفو الله ورحمته وفضله، ولا يطمع مؤمن في أنه لا يصاب بسوء أو مكروه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان. وقال الزمخشري: أي لرحمتنا العابدين، وأنا نذكرهم بالإحسان، لا ١٢٠ لُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٥-٨٦ ننساهم، أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: ذكر القرطبي سبعة عشر قولاً في بيان الضر الذي مس أيوب، والحق الاقتصار على ظاهر النص القرآني، وهو أنه أصيب بضرر في نفسه وبدنه وأهله وماله، فصبر، ثم عافاه الله تعالى، وأعطاه خيراً مما فقد، وأثنى عليه بالصبر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ اٌلْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَابٌ﴾ [ص: ٤٤/٣٨]. والثابت المؤكد أن مرضه لم يكن منفراً. والهدف أن قصته عبرة، وتعريف أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على الإنسان أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى، وألا يضجر من شيء، وألا يتسخط ولا يتبرم، وإنما يصبر على حالتي الضراء والسراء. وقد أجمل الله تعالى هذه العبرة بقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، وتذكيراً للعبّاد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه، صبروا صبر أيوب، فيكون هذا تنبيهاً لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. وأما مدة إقامته في البلاء ففيها روايات، قال القرطبي: الأصح منها - والله أعلم - ثماني عشرة سنة؛ رواه ابن شهاب الزهري عن النبي ◌َّر، كما ذكر ابن المبارك. القصة السابعة قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل عليهم السلام ﴿وَإِسْمَئِعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِّنَ الصَّبِينَ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى ١٨٥ ٨٦ رَحْمَتِّنَا إِنَّهُم ◌ِنَ الصَلِحِينَ