النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨ وقوله: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ أي منطلقين ذاهبين. وسمع هذا القول رجل منهم، فحفظه، ثم أخبر عنه، وشاع ذلك في جماعة، وعليه قال تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠/٢١]. ولم يخرج إبراهيم معهم معتذراً بأنه سقيم، وصمم على تنفيذ خطته عملياً، لعلهم يتركون عبادة الأصنام، حينما يتأملون أنها لا تستطيع دفع الأذى عن نفسها، والبرهان العملي أوقع في النفس، وأدعى إلى التأمل، وأشد صدمة للذهن. ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَادًا إِلَّا كَبِيرًاً لَّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾﴾ أي فلما ذهبوا دخل على الأصنام، وأمامهم الأكل، فجعلهم قطعاً فتاتاً وحطاماً، كسرها كلها إلا الصنم الكبير عندهم لم يكسره كما قال تعالى: ﴿فَرَعَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِلْيَمِينِ (﴾ [الصافات: ٩٣/٣٧] لعل هؤلاء الوثنيين يرجعون إلى الكبير الذي يلجأ إليه عادة، وقد علق إبراهيم الفأس على عنقه، أو في يده، فيتبين لهم أنه عاجز لا يستطيع فعل شيء، وأنهم بعبادة الأصنام مغرورون جاهلون. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: اً - لا تأتي النبوة لأحد إلا بعد إعداد وصقل وتوافر مقومات ومؤهلات تؤهل لها، فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام وفَّقه الله لهدايته وللنظر والاستدلال على توحيد الله بآيات الكون من قبل النبوة على الرأي الراجح، أو من قبل موسى وهارون كما قيل، وكان الله عالماً بأنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة. ◌ً - كان لإبراهيم موقف جريء رائع من الأصنام وعبدتها، فقال لأبيه آزر وقومه أي النمروذ ومن اتبعه: ما هذه التماثيل التي أنتم مقيمون على عبادتها؟. ٨٢ لُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨ فأجابوه بأنهم يعبدونها تقليداً للأسلاف، فيرد عليهم بأنهم وآباءهم في خسران مبين بعبادتها؛ إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. وكأنهم لم يصدقوا قوله، فسألوه: هل جئتنا بحق فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ فكان إبراهيم صارماً مجداً في إظهار الحق الذي هو التوحيد قولاً وفعلاً، أما القول فقال: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُرَّ﴾ أي خلقهن وأبدعهن.﴿ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ أي إنني شاهد على أنه رب السماوات والأرض، والشاهد يبين الحكم، وأنا أبين بالدليل ما أقول. وأما الفعل: فإنه كسر الأصنام وكان عددها سبعين، فعل واثق بالله تعالى، موطّن نفسه على تحمل المكروه في سبيل رفع لواء الدين الحق، وإعلاء راية التوحيد لله. وترك كبير الأصنام وعظيم الآلهة في الخلق، فإنه لم يكسره. قال السدي ومجاهد: ترك الصنم الأكبر، وعلَّق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه؛ ليحتج به عليهم. وهذا هو معنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي إلى الصنم الأكبر يرجعون في تكسيرها، كما يرجع إلى العالم أو الزعيم في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، ومالك صحيحاً، والفأس على عاتقك؟. وحينئذ يتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر لهم أنهم في عبادته على جهل عظیم. وذكر القرطبي والرازي وجهاً آخر في تفسير ذلك: وهو لعلهم إلى إبراهيم ودينه يرجعون إذا قامت الحجة عليهم، أو يرجعون إلى توحيد الله عند تحققهم عجز آلهتهم. ٨٣ لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ - ٢ - النقاش الحاد بين إبراهيم وقومه بعد كارثة تكسير الأصنام ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِخَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَىّ عوده قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ قَالُواْ عَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بَِالِتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ ٦١ فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ هَذَا فَتَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ (9) ﴿ ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ أَنْتُهُ الظَّالِمُونَ ٦٥ القراءات: ﴿فَسَثَلُوهُمْ﴾ : وقرأ ابن كثير، والكسائي، وحمزة وقفاً (فَسَلوهم). الإعراب: ﴿مَن فَعَلَ هَذَا ◌ِخَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، و﴿لَمِنَ اُلَِّمِينَ﴾ : خبره. ﴿ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمٌ﴾ الفعلان هنا صفتان لفتى، أو أن ﴿ يَذْكُرُهُمْ﴾: ثاني مفعولي سمع. و﴿يُقَالُ﴾: فعل مبني للمجهول، و﴿ إِبْرَهِيمٌ﴾: قيل: هو خبر مبتدأ محذوف (أي هو إبراهيم) أو منادى مفرد (أي يا إبراهيم) قال الزمخشري: والصحيح أنه فاعل (أي نائب فاعل) يقال؛ لأن المراد الاسم، لا المسمى. ٨٤ لُرُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ ﴿عَلَىَّ أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ في محل الحال بمعنى معايناً مشاهداً، أي بمرأى منهم ومنظر، أو هو على حذف مضاف، تقديره: على رؤية أعين الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والاستعلاء في ﴿عَلَى﴾ في الرأي الأول وارد على طريق المثل، أي يثبت إتيانه في الأعين، ويتمكن فيها ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه. ﴿كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿ُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ استعارة، شبه رجوعهم عن الحق إلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق الاستعارة. المفردات اللغوية: ﴿قَالُواْ﴾ أي بعد رجوعهم من مجتمعهم في يوم العيد، ورؤيتهم ما فعل. ﴿قَالُواْ﴾ الثانية: أي بعضهم لبعض. ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي يعيبهم ويسبهم. ﴿عَلَىّ أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي معايناً ظاهراً بمرأى منهم، بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بفعله أو قوله، أو يحضرون عقوبتنا له. ﴿قَالُواْ﴾ بعد إتيانه ﴿َأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ حين أحضروه. ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا﴾ أسند الفعل إليه تجوُّزاً وتعريضاً لهم بأن الصنم المعلوم عجزه عن الفعل لا يكون إلهاً، وإنما هو متسبب لما حصل، والقصد تبكيتهم وإلزامهم الحجة وحملهم على ترك الوثنية، أو للاستهزاء بهم، ولهذا قال: ﴿ فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ أي اسألوا هذه الأصنام عن الفاعل الذي كسرها إن كانوا يقدرون على النطق. وما روي في الصحيحين وعند أحمد عن أبي هريرة أنه وقدر قال: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات)) تسمية ٨٥ لُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ للمعاريض كذباً، لما شابهت صورتها صورته. وجملة ﴿فَسْئَلُوهُمْ﴾ فيه تقديم جواب الشرط. ﴿فَرَجَعُوْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي راجعوا عقولهم، وفكروا وتدبروا ﴿فَقَالُواْ﴾ لأنفسهم ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ اُلْظِّمُونَ﴾ بعبادتكم من لا ينطق. ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمُ﴾ انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا، وعادوا إلى جهلهم، وردوا إلى كفرهم، وقالوا لإبراهيم: والله ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ﴾ أي فكيف تأمرنا بسؤالهم. وقوله: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ﴾ شبَّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعلياً على أعلاه. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثاني من قصة إبراهيم، الذي يصور مرحلة الغليان والغيظ والحقد عند عبدة الأصنام بعد تكسيرها وتحطيمها، وهي كارثة بالنسبة إليهم تتطلب معرفة الفاعل للثأر منه، وحكاية ذلك: ﴿ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا ◌ِثَالِهَتِنَآَ﴾؟ أي قال عبدة الأوثان قوم إبراهيم، النمروذ وأتباعه، على سبيل الوعيد والتوبيخ، حين رجعوا وشاهدوا تحطيم آلهتهم: من الذي كسر هذه الآلهة؟ وتعبيرهم بالآلهة تشنيع وتهويل، ومبالغة في التعنيف. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّلِمِينَ﴾ أي إن هذا الفاعل في صنيعه هذا لمن الذين ظلموا أنفسهم وعرَّض نفسه للإهانة والعقاب، إما لجرأته على الآلهة، وإما لإفراطه في كسرها وتماديه في الاستهانة بها. قال بعضهم الذي سمع ٦٠ ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ قوله المتقدم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُرُ﴾: سمعنا شاباً يعيبهم ويتوعدهم يسمى إبراهيم، فهو الذي فعل بهم هذا. قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا ٨٦ الُعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ شاباً، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى﴾. وظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد، فقد كان يناقشهم ويقول: ﴿مَا هَذِهِ اٌلْتَّمَاثِلُ الَّى أَنْتُمْ لَا عَكِفُونَ﴾ فغلب على أذهانهم أنه الفاعل. ﴿ قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾﴾ أي قال نمروذ وأشراف قومه: إذن فائتوا به على مرأى ومسمع من الناس في الملأ الأكبر، بحضرة الناس كلهم، حتى يروه ويشهدوا عليه، فلا يأخذوه بغير بينة، أو حتى يبصروا ما يصنع به فيكون عبرة. وكان هذا هو مقصود إبراهيم عليه السلام أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تمنع عن نفسها ضراً ولا تنصر أحداً. ﴿قَالُوْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِنَا يَكَإِبْزَهِيمُ ﴾﴾؟ أي فلما أتوا به - وهذا كلام محذوف مفهوم - قالوا له: أأنت الذي كسرت هذه الأصنام؟ فأجابهم: ﴿بَلِّ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ أي بل الذي فعل هذا هو الصنم الأكبر، الذي لم یکسره. وقد نسب الفعل إلى هذا الصنم الأكبر، لما رأى شدة تعظيمهم له، باعتباره المتسبب أو الباعث على الفعل، أي الاستهانة والتحطيم، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى المتسبب فيه. أو أنه أقرّ بفعله بأسلوب تعريضي لإلزامهم الحجة وتبكيتهم، كما يقول الصانع الحاذق الشهير أو الخطاط المشهور لمن يسأله عن هذه الصنعة الرائعة أو الخط الجميل: بل أنت صنعت ذلك أو بل أنت كتبت ذلك، والقصد بهذا الجواب تقرير السائل على سؤاله مع الاستهزاء به، لا نفيه عن صاحبه وإثباته للسائل. ﴿فَسَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ أي فاسألوا هذه الأصنام عمن كسرها إن كانوا آلهة ينطقون. ٨٧ لُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ وفي ذلك الجواب لفت أنظارهم وتنبيه أذهانهم إلى عقم عبادة الأصنام، فيبادروا من تلقاء أنفسهم للاعتراف بعدم جدواها وأنها أحجار صماء لا تنطق، وجمادات لا تتكلم، فكيف تستحق العبادة؟! وقد أثر الجواب في أفكارهم بدليل قوله الآتي: ﴿فَرَجَعُوْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي فرجع قوم إبراهيم حينئذ على أنفسهم بالملامة، ونسبوا إلى أنفسهم التقصير في عدم الاحتراز وعدم حراسة آلهتهم، ما داموا لا ينطقون، وقالوا : ﴿فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الََّلِّمُونَ﴾ أي قال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها. أو أنتم الظالمون أنفسكم بعبادة ما لا ينطق. ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾﴾ أي ثم أطرقوا في الأرض للتأمل والتفكير، أو عادوا إلى المجادلة بالباطل لإبراهيم وانقلبوا عن حال الاستقامة، واحتجوا على إبراهيم حينما أدركتهم الحيرة بقولهم: إنك تعلم ونحن نعلم أن هؤلاء لا ينطقون، فكيف تطلب منا سؤالهم إن كانوا ينطقون؟! أي أنهم احتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم بسبب الحيرة التي أدركتهم. فقه الحياة أو الأحكام: لقد طاشت سهام قوم إبراهيم حينما رأوا أصنامهم مكشَرة، بعد أن رجعوا من عيدهم، فقالوا على جهة البحث والإنكار: ﴿مَن فَعَلَ هَذَا ◌ِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا أمر متوقع، قدَّره إبراهيم عليه السلام. كما أنه قدر أنهم سيعرفون أنه هو المتهم بالتكسير، لحملته السابقة بالقول والنكير، وتسفيه الأحلام والعقول، وانتقاده اللاذع لعبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ودعوته إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي يمنح ويمنع، ويضر وينفع. ٨٨ لُهُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٥٩-٦٥ ولما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، أرادوا إثبات التهمة عليه بالبينة، فقالوا: ائتوا به على مرأى ومسمع من الناس، ليشهدوا عليه بما يقول، ليكون ذلك حجة عليه. وفي هذا دليل على أنه ما كان يؤخذ أحد بدعوى أحد، وهكذا الأمر في شرعنا، وكل الشرائع. ولكنهم ما أدركوا أن تلك المواجهة مع إبراهيم عليه السلام أمام الناس في غير صالحهم، فقد كان إبراهيم قوي الحجة، وأراد تنبيه الأفكار إلى عبث عبادتهم، وقلة عقلهم، وكثرة جهلهم، فسألوه عمن فعل تلك الفعلة، فأجابهم بأن الفاعل هو كبيرهم، تعريضاً بأن عبادتهم له وتعظيمهم إياه سبب للغيظ والغضب، مما حمله على تكسيرها، وتنبيهاً لهم بأن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يُعبَد، وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، قال ◌َلّ فيما رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين وهو ضعيف: ((إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب)) وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لو قال: ((إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾. وواحدة في شأن سارة إذ قال: لسارة أختي، وذلك ليدفع بقوله مكروهاً)). ثم قال إبراهيم: سلوهم إن نطقوا، فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. ويتضمن هذا الكلام اعترافاً بأنه هو الفاعل. فقد احتج عليهم بأمرين: الأول: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ وشأن الكبير حماية الأتباع والصغار، أو لأنه غضب أن تعبد معه هذه الصغار، فكسرها. والثاني: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم. ٨٩ الخُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٦٦ -٧٠ ولما ألزمهم بحجته أقروا بأنهم هم الظالمون بعبادة من لا ينطق بكلمة، ولا يملك لنفسه شيئاً، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن رأسه الفأس، ثم عادوا لجهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ - ٣ - الانتصار الساحق لإبراهيم - نجاته من النار ﴿قَالَ أَفَتَّعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴿ أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ قَالُواْ حَرِّفُوهُ وَأَنْصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُمْ فَعِلِينَ ﴿ قُلْنَا يَنَارُ كُنِ بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَى إِنْزَهِيمَ ٦٩ V وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ اُلْأَخْسَرِينَ القراءات: ﴿أُنٍ لَّكُمْ﴾: قرئ: ١- (أفِّ) وهي قراءة نافع، وحفص. ٢- (أفَّ) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر. ٣- (أفّ) وهي قراءة الباقين. البلاغة: ﴿يَنَفَعُكُمْ﴾ ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ بينهما طباق. ﴿كُونِ بَدًا﴾ مجاز مرسل، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل، أي باردة أو ذات برد. ٩٠ لُ (١٧) - الانْبَكَاءِ: ٢١ / ٦٦ -٧٠ المفردات اللغوية: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي بدله. ﴿مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ من رزق وغيره. ﴿وَلَا يَضُّكُمْ﴾ شيئاً إذا لم تعبدوه . ﴿أَفٍ﴾ هو صوت المتضجر، ومعناه: نتناً وقبحاً، ويستعمل للدلالة على أن القائل متضجري والمراد هنا أن إبراهيم تضجر على إصرارهم على الباطل البيِّن. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قبح صنعكم، وأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، ولا تصلح لها، وإنما يستحقها الله تعالى. ﴿قَالُواْ حَرِّقُوُهُ﴾ أخذوا في المضارّة لما عجزوا عن المحاجة، أي حرقوا إبراهيم، فإن النار أهول ما يعاقب به . ﴿ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾ بتحريقه والانتقام لها . ﴿إِنِ كُمْ فَعِلِينَ﴾ أي إن كنتم ناصريها نصراً مؤزراً. والقائل منهم: رجل من أكراد فارس، اسمه (هينون) خسف به الأرض، وقيل: نمروذ. فجمعوا له الحطب الكثير، وأضرموا فيه النار، وأوثقوا إبراهيم، ورموه في منجنيق في النار. ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِى بًَّا وَسَلَمَا عَلَىّ إِبْزَهِيمَ (٤) أي كوني ذات برد وسلام، أي ابردي برداً غير ضار، فلم تحرق منه غير وثاقه، وذهبت حرارتها، وبقيت إضاءتها، وسلم من الموت ببردها . ﴿كَيْدًا﴾ أي تحريقاً ومكراً في إضراره، والكيد: المكر والخديعة. ﴿اُلْأَخْسَرِينَ﴾ في مرادهم، أي أخسر من كل خاسر، لما عاد سعيهم برهاناً قاطعاً على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، وموجباً لمزيد درجته، واستحقاقهم أشد العذاب. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الثالث والخاتمة المدهشة من قصة إبراهيم مع قومه عبدة الأصنام، فإنه لما أقروا على أنفسهم بأن لا جدوى من عبادة آلهتهم، وألزمهم إبراهيم الحجة، اندفع كالسيل الهادر يعلن ضرورة إنهاء هذه العبادة الخرافية، التي تقوم على الأوهام، والتي يترفع عنها العقلاء، فقال: ٩١ اِلُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٦٦-٧٠ ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴾﴾؟ أي قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بأن تلك الآلهة لا تنطق: أتعبدون بدلاً عن الله أشياء لا تنفعكم شيئاً إذا علَّقتم الأمل بها، ولا تضركم شيئاً إذا عاديتموها أو خفتم منها. صى ﴿أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي تباً لكم وقبحاً لآلهتكم، وهذا التأفف والتضجر لكم ولها لعبادتكم إياها غير الله تعالى. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا يدين به إلا كل جاهل ظالم فاجر. ولما تفوق إبراهيم بحجته عليهم، وظهر الحق واندحر الباطل، لم يجدوا مناصاً إلا اللجوء للأذى والمضارّة: أي قال بعضهم ﴿قَالُواْ حَرِفُوهُ وَأَنْصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنُمْ فَعِلِينَ لبعض - والمشهور أن القائل: مروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح، وقيل: إنه رجل من الكرد من أعراب فارس -: احرقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها نصراً مؤزراً، فجمعوا حطباً كثيراً جداً، ورموا إبراهيم من كفة منجنيق. ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِ بَرْدًا وَسَلَمَا عَلَىّ إِنْزَهِيمَ (4) أي قال الله تعالى المتكفل بحفظ أنبيائه وعصمتهم من أذى الناس: يا نار كوني برداً، وسلاماً على إبراهيم، أي أبردي برداً غير ضار، فكانت وسطاً لا حامية ولا باردة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها. وقال أبو العالية: ولو لم يقل ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ لكان بردها أشد عليه من حرّها. وبرودتها حدثت بنزع الله عنها طبعها من الحر والإحراق، مع بقائها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت، والله على كل شيء قدير. ٩٢ الجُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٦٦ -٧٠ روى البخاري عن ابن عباس أن إبراهيم لما ألقوه في النار قال: ((حسبي الله ونعم الوكيل، وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾)) [آل عمران: ٣/ ١٧٣] . وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالتيٍ: ((لما أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك)). وعن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله وَلفيه: ((أن إبراهيم حين قيدوه وألقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك اْلك لا شريك لك)» قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم؟ ألك حاجة؟ قال: ((أما إليك فلا)) فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال: ((حسبي من سؤالي علمه بحالي)) فقال الله تعالى: [يَنَارُ كُنِى بَرْدًا وَسَلَمَا عَلَىَّ إِنْزَهِيمَ﴾(١). ﴿وَأَرَدُوْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي وأراد قوم إبراهيم به ٧٠ مكراً وتدبيراً يؤذيه ويقتله، فجعلناهم المغلوبين الأسفلين، ونجاه الله من النار. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآيات عبرة لمن اعتبر، إنها تمثل موقف المجاهد الصابر في سبيل دعوته إلى التوحيد والحق والفضيلة، وموقف المعادي الجاهل المناصر للباطل والشرك والوثنية. لقد دبّر قوم إبراهيم له طريقاً للخلاص منه، وأرادوا إحراقه وتعذيبه بأشد (١) تفسير القرطبي: ٣٠٣/١١ ٩٣ اِلُهُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٦٦-٧٠ أهوال العذاب، ومعاقبته بالنار؛ لأنها أشد العقوبات، وجمعوا الحطب وأوقدوا النار، واشتعلت واشتدت، ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولاً. وهذا من أشد وأعتى ما يفعله البشر، ولكن أين الله؟! لقد كانت النتيجة مروعة مذهلة مدعاة للعجب والاستغراب، وفوق حدود التصورات البشرية، فسلخ الله تعالى من النار خاصية الإحراق، ونجا إبراهيم وخرج من النار كأنه يخرج من حمام أمام الجموع الغفيرة المشاهدة، ولم تحرق النار إلا وِثاقه في أول ملامستها له، وتلك معجزة تدعو إلى الإيمان بحق، وتستدعي التأمل في تدبير البشر ومكرهم، وفي تدبير الله الأعظم الذي يبدد كل تدبير، ويحبط كل مسعى شرير، فنجاه الله من النار، وجعلهم الأخسرين المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا به التحريق، فخاب مرادهم. روى ابن أبي حاتم عن عائشة أن رسول الله وَالر قال: ((إن إبراهيم حين ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوَزَغ (١)، فإنه كان ينفخ على إبراهيم)). وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة، فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة. آمنت بالله وحده لا شريك له، فهو صاحب القدرة المطلقة، إذا أراد شيئاً قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. (١) الوَزَغ: دُوَيَّة أمر رسول الله وَلَه بقتلها وسماها فويسقة. ٩٤ لُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧١-٧٣ - ٤ - نعم أخرى على إبراهيم وإنجاؤه مع لوط إلى الأرض المباركة ﴿وَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَا جَعَلْنَا صَكَلِحِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةِ وَكَانُواْ ٧٣ لَنَا عَيِدِينَ البلاغة: ﴿فِعْلَ اُلْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِسَآءَ الزَّكَوَةِ﴾ عطف الصلاة والزكاة على فعل الخيرات من باب عطف الخاص على العام للتفضيل؛ فإنهما من فعل الخيرات، وخصهما بالذكر لفضلهما ورفعة مرتبتهما. ﴿لِعَلَمِينَ﴾ (صَلِحِينَ﴾ ﴿عَبِدِينَ﴾ سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿ وَلُوطًا﴾ ابن أخي إبراهيم ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ أي من العراق إلى أرض فلسطين في الشام، التي بارك الله فيها بكثرة الأنهار والأشجار، أو لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها، فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية. روي أن إبراهيم نزل بفلسطين، ولوط بالْمُؤْتَفِكة، وبينهما مسافة يوم وليلة ﴿وَوَهَبْنَا لَّهُؤْ﴾ أي لإبراهيم، وكان قد سأل ولداً، كما جاء في سورة الصافات ﴿نَافِلَةٌ﴾ عطية ومنحة، وهي حال من إسحاق ويعقوب، أو المراد: زيادة على ما سأل وهو ٩٥ اِلُُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧١-٧٣ إسحاق، فتختص كلمة ﴿نَافِلَةٌ﴾ بيعقوب، ولا بأس به للقرينة، كما قال البيضاوي. ﴿وَكُلًا﴾ أي الأربعة: هو وولداه ولوط ﴿جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾ أنبياء، ووفقناهم للصلاح، فصاروا كاملين ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً﴾ رؤساء يقتدى بهم في الخير ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس إلى ديننا ﴿يِأَمْرِنَا﴾ أي بأمرنا لهم بذلك ﴿وَأَوْحَيْنَاً إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِتَآءَ الزَّكَوَةَ﴾ أي أن يحثوا الناس على فعل الخير، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فيتم كمالهم بانضمام العمل إلى العلم. وأصل الكلام: أن تفعل الخيرات. وحذفت تاء ﴿ وَإِقَامَ﴾ تخفيفاً، وهي الإقامة؛ لقيام المضاف إليه مقامها ﴿عَبِدِينَ﴾ موحدين مخلصين في العبادة، ولذلك قدم الصلة وهي لنا ليفيد الإخلاص في العبادة. المناسبة: بعد إنجاء إبراهيم من النار، ذكر الله تعالى نعماً أخرى عليه وعلى لوط ابن أخيه، وقد قرن مع إبراهيم لما كان بينهما من القرابة والاشتراك في النبوة. ومن تلك النعم: إخراجهما من العراق إلى بلاد الشام الأرض المباركة، ومنها: جعلهما أئمة يقتدى بهم، وإنزال الوحي عليهما لفعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن النعم على إبراهيم هبته من الذرية إسحاق ويعقوب. التفسير والبيان: ﴿وَجَّيِّنَهُ وَلُوطًّا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي ومن نعم الله تعالى على إبراهيم: أنه ولوط عليهما السلام نجاهما إلى الأرض المباركة، بالهجرة من العراق إلى بلاد الشام الأرض المقدسة، والتي بارك الله فيها بكثرة ما بعث فيها من الأنبياء، وانتشرت شرائعهم بين العالمين، كما بارك فيها ٩٦ لِلُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧١-٧٣ بخصوبة أراضيها وكثرة أشجارها وأنهارها، فاجتمع فيها خير الدنيا والآخرة. ويقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، وبها يهلك المسيح الدجال. وكانت هجرة إبراهيم من كُوث من بلدة ((فدان آرام)) بالعراق، ومعه لوط وسارَّة، فراراً من الشرك والوثنية، والتماساً لمقر التوحيد وعبادة الله، فنزل حَرَّان، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى الشام، فنزل بِفَلْسطين، وأقام لوط في قرى المؤتفكة التي تبعد عن فلسطين مسيرة يوم وليلة. ثم ذكر الله تعالى نعماً أخرى على إبراهيم بعد نعمتي النجاة من النار والهجرة إلى الأرض المباركة فقال: ا - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي ومنحنا إبراهيم من الذرية المباركة إسحاق ويعقوب، أو أعطيناه إسحاق إجابة لدعائه، إذ قال: ﴿رَبِّ [الصافات: ١٠٠/٣٧] وزدناه يعقوب نافلة زائدة على ١٠٠ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ ما سأل، كالصلاة النافلة التي هي زيادة على الفرض. وعلى التفسير الأول: تكون النافلة (أي العطية والمنحة) إسحاق ويعقوب، وعلى التفسير الثاني: النافلة يعقوب خاصة. ◌َ - ﴿وَكُلَّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾ أي وكلاً من الأربعة: لوط وإبراهيم وولديه، أو: وكلاً من إبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلنا الجميع أهل خير وصلاح، يطيعون ربهم، ويتجنبون محارمه، أو جعلناهم أنبياء مرسلين، والأول أقرب لشموله الكل. ووصفهم بالصلاح يدل على أن الأنبياء معصومون. ◌َّ - ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ أي وصيرناهم قادة وأئمة يقتدى بهم، يدعون إلى دين الله بإذنه، وإلى الخيرات بأمره. وفيه دلالة على أن من ٩٧ الجُعُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٧١-٧٣ صلح للقدوة في دين الله موفق مهدي للدين الحق وطريق الاستقامة، وليس له أن يخل بمقتضى الهداية ويتثاقل عنها. ٤ - ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾ أي وأنزلنا عليهم أن يفعلوا الخيرات وهي الأعمال الصالحات من فعل الطاعات وترك المحرّمات. وهذا يدل على أنه سبحانه خصهم بشرف النبوة، وذلك من أعظم النعم على الأب إبراهيم عليه السلام. ٥َ، أَ - ﴿وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةِ﴾ أي وأوحينا إليهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة المفروضتين، وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن الصلاة والزكاة من الخيرات، وخصهما بالذكر من سائر العبادات لسمو مرتبتهما وخطورتهما؛ لأن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله تعالى، والزكاة أشرف العبادات المالية، وشرعت لدفع حاجة الفقراء، وفي كلتا العبادتين تعظيم أمر الله تعالى. وبعد تعداد هذه النعم ووصفهم بالصلاح أولاً، ثم بالإمامة، ثم بالنبوة والوحي، أبان اشتغالهم بالعبودية والعبادة لله تعالى، فقال: ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَلَبِدِينَ﴾ أي وكانوا لجناب الله خاشعين خاضعين، طائعين فاعلين ما يأمرون به الناس. وفي هذا دلالة على أنهم كانوا أوفياء لإحسان الله ونعمہ علیھم، فلما أكرمهم الله بالإنعام وتفضل عليهم بالإحسان، كانوا أوفياء له بالعبودية وهو الطاعة والعبادة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى بيان ما تفضل الله به من النعم الوفيرة على إبراهيم عليه السلام بعد نجاته من النار، وهي ما يلي: اً - النجاة من أرض الكفر والوثنية إلى أرض الإيمان والتوحيد، وذلك ٩٨ الجُزءُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٧١-٧٣ بهجرة إبراهيم الخليل مع ابن أخيه لوط من بلاد العراق إلى أرض الشام المباركة ببعثة أكثر الأنبياء فيها، وبكثرة الخيرات الزراعية، فهي معادن الأنبياء، وكثيرة الخصب والنمو، ووافرة الثمار والأنهار العذبة. اً - هبة الذرية الطيبة له، فقد وهبه الله إسحاق إجابة لدعائه، وزاده يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل. ٣ - جعل الله كلاً من إبراهيم وإسحاق ويعقوب صالحاً عاملاً بطاعة الله، ورأى البيضاوي إضافة رابع وهو لوط. قال القرطبي: وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد، فهو مخلوق لله تعالى. ٤ - جعلهم رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات، يعملون بأمر الله وبما أنزله عليهم من الوحي والأمر والنهي، ويهدون الناس إلى دين الله الحق بأمر الله لهم، ويدعونهم إلى التوحيد. ٥ - الإيحاء لهم بأن يفعلوا الطاعات. أَ - أمرهم بإقامة الصلاة المفروضة التي هي أشرف العبادات البدنية. ٧ - الوحي لهم أيضاً بإيتاء الزكاة الواجبة التي هي أشرف العبادات المالية. وكانوا مشتغلين بالعبودية، مطيعين لأوامر الله تعالى، كأنه سبحانه وتعالى لما وفى بعهد الربوبية في الإحسان والإنعام، فهم أيضاً وَفّوا بعهد العبودية، وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة. ٩٩ لُحُ (١٧) - الانْبِسَاءِ: ٢١ /٧٤-٧٥ القصة الثالثة - قصة لوط عليه السلام ﴿وَلُوطَا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَِّثَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ اُلْصَلِحِينَ (٧٥ الإعراب: ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: وآتينا لوطاً آتيناه، وقيل: تقديره: واذكر لوطاً. البلاغة: ﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآ﴾ مجاز مرسل علاقته المحلية، أي أدخلناه في الجنة؛ لأنها مكان تنزل الرحمات. المفردات اللغوية: ﴿ وَلُوطًا﴾ هو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام، كما عرفنا ﴿حُكْمًا﴾ حكمة، أو نبوة، أو فصلاً بين الخصوم ﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي علمه للأنبياء ﴿وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي قرية سَدُوم التي بعث إليها لوط عليه السلام ﴿الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ﴾ أي يعمل أهلها، وصفها بصفة أهلها ﴿اَلْخَبَكَبِثَّ﴾ أي الأعمال الخبيثة من اللواط وغيره كالرمي بالبندق واللعب بالطيور ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ مصدر ساء نقيض سَرّ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾ كالتعليل لما سبق ﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِّنَا﴾ بأن أنجيناه من قومه، وجعلناه في أهل رحمتنا أو في جنتنا ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين سبقت لهم منا الحسنى. ١٠٠ ١ الزُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧٤-٧٥ المناسبة: بعد بيان ما أنعم الله تعالى به على إبراهيم عليه السلام، ذكر نعمه على لوط عليه السلام، لما بينهما من القرابة والاشتراك في النبوة. ولوط: هو لوط بن هاران بن آزر، كان قد آمن بإبراهيم عليه السلام واتبعه وهاجر معه، قال تعالى: ﴿فَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦/٢٩]. التفسير والبيان: ﴿ وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي آتى الله لوطاً النبوة والحكمة (وهي ما يجب فعله) والحكم: وهو حسن الفصل في الخصومات بين الناس، وكذلك آتاه علماً بما ينبغي للأنبياء وهو كل ما يتعلق بالعقيدة والعبادة وطاعة الله تعالى، وبعثه إلى ((سَدُوم)) وتوابعها وهي سبع قرى، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله، ودمر عليهم، كما أخبر في مواضع من القرآن العزيز. وهاتان نعمتان على لوط، والنعمة الثالثة هي: ﴿ وَبَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَِّى كَنَتَ تَعْمَلُ الْخَبَتِثَّ﴾ أي ونجاه الله من عذابه الذي عذَّب به أهل القرية ((سدوم)) الذين كانوا يرتكبون خبائث الأعمال، وأخطرها اللواط. وسبب ذلك أنهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ﴾ أي إنهم كانوا جماعة سوء وقبح، خارجين عن طاعة الله، مرتكبين معاصيه، والفسوق: الخروج. والنعمة الرابعة هي: ﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِّنَآَ﴾ أي وجعلناه من أهل رحمتنا أو في جنتنا، كما جاء في الحديث الصحيح: ((قال الله عز وجل للجنة: أنتِ رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي)) وقيل: الرحمة: هي النبوة، أو الثواب. والسبب هو كما قال: ﴿إِنَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ﴾ أي من الذين يعملون الصالحات، ويؤدون الطاعات، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي.