النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
لِلُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ /٣٤-٤١
وهم القائلون: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ أي يقولون تعجباً
واستنكاراً: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويسفّه أحلامكم؟!
﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ أي والحال أنهم كافرون بالله الذي
خلقهم وأنعم عليهم، وإليه مرجعهم، و﴿هُمْ﴾ الثانية توكيد كفرهم أي فهم
الكافرون، مبالغة في وصفهم بالكفر. والمراد أنهم كيف يعجبون منك ومن
صنيعك بنبذ آلهتهم ووصفها بالسوء، وهم أشد عجباً، إذ يكفرون بالله،
ويستهزئون برسول الله وَلير، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن
يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَبَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ
ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَأْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ مَنْ
أَضَلُّ سَبِيلًا (﴿4﴾ [الفرقان: ٤١/٢٥-٤٢].
والخلاصة: أنهم يعيبون على النبي ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع
بالسوء، مع أنهم كافرون بالرحمن الذي هو المنعم الخالق المحبي المميت، ولا
فعل أقبح من ذلك، فالهزء والذم يعود عليهم من حيث لا يشعرون، وهم
أحق بالاستهزاء والسخرية؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه.
وبالرغم من هذا فهم أناس حمقى طائشون متهورون يستعجلون بمجيء
العذاب الذي تهددهم به يا محمد، فقال تعالى:
﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي خلق عجولاً، أو فطر الإنسان على العجلة،.
والمراد نوع الإنسان، وقيل: إنه شخص معين، حتى لكأن التعجل جزء من
تكوينه وفطرته، وسجيته وطبعه كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا﴾،
فاستعجل هؤلاء المشركون عذاب الله وآياته الملجئة إلى الإيمان والإقرار
بالعبودية، وبرسالة محمد وسل#، فالمراد بالآيات: أدلة التوحيد وصدق
الرسول، أو الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولذلك قال: ﴿فَلَا
تَسْتَعْجِلُونٍ﴾ أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها، ثم حكى الله تعالى قولهم:

٦٢
لِلُُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
أي إنهم
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
يستعجلون أيضاً بوقوع العذاب بهم تكذيباً وجحوداً، وكفراً وعناداً،
واستبعاداً لحدوثه، فيقولون على سبيل الاستهزاء للنبي وَّر ولأصحابه المؤمنين
لجهلهم وغفلتهم: متى وقت حدوث عذاب النار الذي تهددوننا به إن كنتم
صادقين في وعدكم وقولكم؟! فقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أي يا
معشر المؤمنين.
أراد تعالى نهيهم عن الاستعجال وزجرهم، فقدَّم أولاً ذمّ الإنسان على
إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم عن استبطاء الموعود به
بقصد إنكار وقوعه وعدم تصوره أصلاً، ثم بيَّن مدى حماقتهم بهذا الطلب
فقال :
﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ أي لو
تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، لما استعجلوا، ولو علموا أحوال عذاب
النار التي تحيط بهم من الأمام والخلف وجميع الجهات، وحين يغشاهم
العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فلا يستطيعون ردّ النار عن وجوههم،
ولا دفعها عن ظهورهم، ولا يجدون ناصراً لهم ينصرهم وبمنعهم من العذاب
وينقذهم منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤/١٣]
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لو علموا وقت الوعيد، لما أصروا في البقاء على
كفرهم، ولما استعجلوا هذا العذاب الشديد.
والعلم في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ بمعنى المعرفة، فلا يقتضي مفعولاً
ثانياً، مثل ﴿لَا نَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨].
وإنما خص الوجوه والظهور؛ لأن شدة تأثرها بالعذاب أكثر.
ج
ونظير الآية: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ ظَلٌ﴾ [الزمر: ٣٩/
١٦]، وقوله أيضاً: ﴿لَهُم مِّن جَهَتَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٧/

٦٣
لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
٥٠
٤١]، وقوله كذلك: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
[إبراهيم: ٥٠/١٤] فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم.
ثم أبان الله تعالى كما هو المعتاد في قرآنه أن وقت مجيء العذاب مجهول
فقال: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ
؛ أي بل إن الساعة تأتيهم فجأة، فتحیرهم وتغلبهم، فلا يجدون حيلة
لردها، ولا هم يمهلون ويؤجلون لتوبة أو معذرة، لفوات الوقت. وهذا تذکیر
بإمهاله إياهم، وإعطائهم فرصة واسعة للتذكر والإيمان، والعدول عن الكفر
والضلال، فلا يمهلون بعد طول الإمهال.
والسبب في عدم العلم بمجيء الساعة هو جعل العبد أشد حذراً، وأقرب
إلى تدارك الأخطاء، فلا يتكل ولا يتوانى لحين حدوث العذاب.
ورجوع الضمير المؤنث في قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةُ﴾ هو إلى النار، أو
إلى الوعد؛ لأنه في معنى النار، أو إلى الحين؛ لأنه في معنى الساعة (القيامة).
ثم سلى رسوله مٍَّ﴿ عن استهزائهم به وتكذيبهم له، فقال:
﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي إن لك في الأنبياء عليهم السلام
أسوة، فقد استهزئ برسل كثيرين من قبلك، فنزل بالساخرين المستهزئين
العذاب جزاء ما فعلوا، وسينزل أيضاً بمن استهزأ بك العذاب والبلاء جزاء
استهزائهم، كما حدث بأسلافهم من الأمم المكذبة لرسلها، ذلك العذاب
الذي کانوا یستبعدون وقوعه، كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرَّ
(٣٤) ﴾ [الأنعام: ٣٤/٦].
وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

٦٤
الُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
اً - لا خلود لأحد من المخلوقات في دار الدنيا، وكل من عليها فان، وكل
نفس ذائقة الموت، فإن مات النبي محمد رَّير، أفهم الخالدون إن مات؟!
اً - الدنيا دار ابتلاء واختبار، والاختبار كما يكون بالشر يكون بالخير،
فيختبر الناس بالشدة والرخاء، والحلال والحرام، وينظر كيف شكرهم
وصبرهم، ثم يكون المرجع والمآل إلى الله تعالى للجزاء بالأعمال.
والابتلاء لا يكون إلا بعد التكليف، فتدل الآية على حصول التكليف،
ولا يقتصر الابتلاء على المأمور به والمنهي عنه، وإنما يشمل ما سماه خيراً وهو
نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور، وما سماه شراً وهو المضار الدنيوية من
الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين، والعبد يتردد بين هاتين
الحالتين، لكي يشكر على المنح والنعم، ويصبر في المحن.
◌َّ - العموم في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ من قبيل العمومِ
المخصوص، فإنه تعالى نفس؛ لقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام:
﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦/٥] مع أن الموت لا
يجوز عليه، وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت. والعام المخصوص
حجة، فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء.
٤ - الكفار المستهزئون بالنبي ◌َّله الذي يعيب اتخاذ الأصنام آلهة أحق
وأجدر بالاستهزاء والسخرية لكفرهم بالإله الحق الخالق المنعم المتفضل على
الناس بأصناف النعم الكثيرة.
هَ - رُكّب الإنسان على العجلة، فخلق عجولاً، وصار طبع الإنسان
العجلة، ولكن في العجلة أحياناً حماقة وطيش وجهل وغفلة، كما في حال
استعجال المشركين نزول العذاب الموعود.
أَ - إن مجيء الساعة أو وقت العذاب بالنار محقق، ولكنه يأتي فجأة، فلا
یبقی مجال لتوبة واعتذار.

٦٥
لُ (١٧) - الانَبِيَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
٧ - إن الاستهزاء بالرسل ديدن الكفار قديماً وحديثاً، فلا بد من الصبر،
وسيلقى المستهزئون جزاء استهزائهم.
حراسة الله وحفظه للإنسان وعدل الحساب
﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَتْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنُّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم
◌ُّعْرِضُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاً لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ
وَلَا هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ ﴿ بَلْ مَنَعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأَتِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ ﴿﴿ قُلْ
وَلَپن
٤٥
إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِلْوَحِيَّ وَلَا يَسْمَعُ الصُُّّ الدُّعَلَّ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ
١٠٠٠
مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ
وَنَضَعُ
٤٦
اَلْمَوَزِيْنَ اٌلْقِسْطَ لِيَّؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ
مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ
القراءات:
﴿ وَلَا يَسْمَعُ الصُّدُ﴾:
وقرأ ابن عامر (ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ).
﴿مِثْقَالَ﴾ :
وقرأ نافع (مثقالُ).
الإعراب:
﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ ﴿مِثْقَالَ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ الناقصة،
واسمها مضمر فيها، وتقديره: وإن كان الظلم مثقال حبة. وقرئ بالرفع على
أن تجعل ﴿كَانَ﴾ التامَّة، فيكون مرفوعاً على أنه فاعل.

٦٦
لِلُعُ (١٧) - الأنَبَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
البلاغة:
﴿ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّّ الدُّعَءَ﴾ استعارة، استعار الصُمّ للكفار، لأنهم
كالبهائم لا يسمعون النداء إلى الإيمان سماع تدبر وتفهم.
﴿حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ كناية عن العمل القليل.
المفردات اللغوية:
﴿يَكْلَؤُكُم﴾ يحرسكم ويحفظكم، والفعل الماضي: كلاً: حفظ،
والمصدر: الكلاءة: الحراسة والحفظ. ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي من بأسه وعقابه
الذي تستحقونه إن أراده بكم. وفي لفظ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيه على ألا كالئ غير
رحمته العامة. ﴿ذِكْرِ رَبِّهِم﴾ أي القرآن. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيه.
﴿مِّن دُونِنَا﴾ من غيرنا ومن عذابنا. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يجارون من عذابنا، يقال:
صحبك الله أي حفظك.
﴿أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحِيْ﴾ من الله، لا من قبل نفسي. ﴿وَلَا يَسْمَعُ الْصُرُ
الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ إنما سماهم الصم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار
كالصم. ﴿نَفْحَةٌ﴾ نصيب قليل أو أدنى شيء، وأصلِ النفح: هبوب رائحة
الشيء. ﴿يَوَيْلَنَا﴾ يا هلاكنا، و(يا): للتنبيه. ﴿إِنَّ كُنّا ظَلِمِينَ﴾
بالإشراك وتكذيب محمد ێ.
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ﴾ أي ذوات العدل، توزن بها صحائف الأعمال.
﴿ ◌َِوَمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي فيه أو لجزاء يوم القيامة. ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾. من
نقص حسنة أو زيادة سيئة. ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ﴾ أي وإن كان العمل أو
الظلم مقدار حبة، وحبة الخردل مثل في الصغر . ﴿أَنْيَّنَا بِهَا﴾ أحضرناها
وأتينا بموزونها . ﴿حَسِبِينَ﴾ محصين كل شيء؛ إذ لا مزيد على علمنا
وعدلنا.

٦٧
لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن الكفار لا يستطيعون أن يكفوا النار عن وجوههم
ولا عن ظهورهم، أتبعه ببيان أنهم في الدنيا أيضاً، فلولا أن الله تعالى
يحرسهم ويحفظهم لما بقوا سالمين.
ثم أردفه ببيان أنهم معرضون لا يتفكرون بالأدلة التي ترشدهم إلى الإيمان
وترك عبادة الأصنام، كما أنهم لا يرون آثار قدرة الله في إتيان الأرض من
جوانبها، بأخذ الواحد بعد الواحد، وفتح البلاد والقرى حول مكة، وفي
ذلك عبرة، فيؤمنوا برسول الله وَال.
ثم ذكر وظيفة الرسل التي هي التبليغ والإنذار، لا الإلزام بالقبول، لكفاية
أدلة القرآن على الإيمان. ثم بيَّن سبحانه أن جميع ما يتعرض له الكفار في الآخرة
لا يكون إلا عدلاً، فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة،
فموازين الحساب قائمة على العدل والقسط.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي قل أيها الرسول لأولئك الذين يسخرون منك
ويستهزئون: من يحفظكم ويحرسكم ليلاً في نومكم ونهاراً في عملكم من بأس
الله وعذابه إن أتاكم أو أراد إنزاله بكم؟!
وفي تعبير ﴿الرَّحْمَنِّ﴾ إشارة إلى أن تأخير العذاب عن الكفار والعصاة هو
من رحمة الله ونعمته وفضله، كي يعود الإنسان إلى ربه من نفسه.
﴿بَلَّ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾ أي بل إن هؤلاء المشركين،
بالرغم من وجود الأدلة الكثيرة العقلية والمذكورة في القرآن الدالة على فضل
الله ونعمته بالحفظ والكلاءة، معرضون عن تلك الأدلة، ولا يتفكرون فيها،
ولا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم.

٦٨
لُحُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
وفي ذكر (الرب) دلالة على أنهم خاضعون لسلطانه، وأنهم يعيشون في
رعايته وتربيته وإمداده بالنعم الوفيرة.
ثم بعد بيان اتصافهم بالإعراض، وبخهم الله تعالى على عبادتهم آلهة لا تضر
ولا تنفع فقال:
﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاً﴾؟ أي هل لهؤلاء المستهزئين المعرضين
عن بيان الله آلهة قادرة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَ هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ﴾ أي إن تلك الآلهة
المزعومة لا تتمكن من نصر أنفسهم، ولا دفع الضر والبلاء عنهم، ولا هم
منا يجارون أو يمنعون؛ لأنهم في غاية العجز والضعف، فكيف ينصرون
غيرهم، ويدفعون الضر عنهم، أو يجلبون النفع لهم؟!
ثم أخبر تعالى عن مزيد فضله عليهم فقال:
﴿بَلْ مَنَعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّىَ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ﴾ أي إن الذي غرهم
وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنّهم مُتّعوا في الحياة الدنيا، ونَعِموا بها،
وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، والحقيقة أنهم مع
طول الزمان في غفلة، حتى اغتروا بنعمتنا، ونسوا شكرها.
والخلاصة: أنه ما حملهم على الإعراض عن آيات الله إلا الاغترار بطول
المهلة.
ثم قال تعالى واعظاً لهم:
﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ اَلْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ أي أفلا يعتبرون
بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة، والقرى الظالمة،
وإنجائه لعباده المؤمنين، وفتح البلاد حول مكة، وتناقص رقعة بلاد أهل
الشرك؟!

٦٩
لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
وبعبارة أخرى: أفلا يرون أنا ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف
جوانبها وأطرافها بتسليط المسلمين عليها، وتغلبهم على أهلها، وضمها إلى
دار الإسلام.
والفائدة في قوله: ﴿نَأْتِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ تصوير ما كان
يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تفتح أرض
المشركين المعتدين، وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها. ومعنى نقص
أطرافها: دخول المسلمين فيها، واتساع نفوذ الإسلام شيئاً فشيئاً، وانحسار
أرض الكفار، بدليل قوله بعدئذ: ﴿أَفَهُمُ اُلْغَلِبُونَ﴾ أي هل نحن الغالبون
أم هم؟ فكيف يتوهمون غلبتهم؟ فهم المغلوبون الأخسرون، وهو استفهام
بمعنى التقرير والتقريع.
ويرى بعض علماء العصر أن في الآية دلالة واضحة على نقص أطراف
الكرة الأرضية في الشمال والجنوب، وأنها غير كاملة التكوير والاستدارة،
وذات تفلطح، وهو ما يعبر عنه بالخط الإهليلجي في القطب الشمالي
والجنوبي، مما يدل على قدرة الله تعالى، وقوة سلطانه، وتحكمه في الأرض
أثناء دورانها.
وبعد أن كرر تعالى إيراد الأدلة في القرآن على وجود الله وقدرته وتوحيده،
وبالغ في التنبيه عليها، أتبعه بقوله:
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِاَلْوَحِيَّ﴾ أي قل أيها النبي: إني إنما أنذركم بالقرآن
الذي هو كلام ربكم، وإنما أنا مبلّغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب
والنكال، فلا تظنوا أن ذلك من قبلي، بل الله آتیکم به، وأمرني بإنذارکم،
وعملي هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول، فإن لم تجيبوا دعوتي، فعليكم الوبال
والنكال، لا علي.
﴿ وَلَا يَسْمَعُ الصُُّ الذُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ أي لا يجدي هذا الوحي من

٧٠
الُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، وما مثلهم حين لم ينتفعوا بما
سمعوا من الإنذار، على كثرته وتتابعه، إلا مثل الصم الذين لا يسمعون شيئاً
أصلاً؛ إذ ليس الغرض من الإنذار مجرد السماع، بل العمل بما يُسْمَع،
والتمسك به، بالإقدام على فعل الواجب، والتحرز عن المحرَّم، ومعرفة
الحق، فإذا لم يتحقق هذا الغرض فلا فائدة في السماع. ثم بيَّن تعالى أن حالهم
سيتغير، فيصبحون سريعي التأثر بما ينذرون، ويعترفون بما لا ينتفعون،
فقال :
﴿وَلَيِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُبَّ يَوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ
(4) أي ولئن مسّ أو أصاب هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله يوم
القيامة، ليعترفن بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، ويظهرون
الندامة على ما فرط منهم، ويتنادون بالويل والهلاك، ولا فائدة من ذلك. قال
الزمخشري في الكشاف: وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات: لفظ المس، وما في
النفح من معنى القلة والنزارة، ولفظ المرة.
ثم بَيَّن الله تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلاً، فقال:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي ونضع
الموازين العدل التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة، أو لأهل يوم
القيامة، فلا يلحق نفساً أي ظلم، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا، فلن
يظلموا في الآخرة، وقوله: ﴿فَلَ نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ تأكيد عدالة الميزان،
وأنه لا ينقص ثواب أي نفس ما تستحقه.
والأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال
الموزونة فيه. ووصفت الموازين بأنها عادلة، لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد
یکون بخلافه.
والمراد بوضع الموازين: إرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب

٧١
الُ (١٧) - الاثْبيَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
الأعمال بالعدل والإنصاف، من غير أن يظلم أحد مثقال ذرة، أي أن
المقصود من الوزن العدل بين الخلائق، وقد مثل ذلك بوضع الموازين لتوزن
بها الموزونات. وفي قول آخر هو الأرجح: المراد أنه تعالى يضع الموازين
الحقيقية، ويزن بها الأعمال. قال الحسن البصري: هو ميزان له كفتان ولسان.
فمن رجحت حسناته على سيئاته، كان من الناجين، ومن غلبت سيئاته على
حسناته، كان من الهالكين. والقسط: العدل أي ليس في الموازين بخس ولا
ظلم کما یکون في وزن الدنیا.
﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي وإن كان العمل أو الظلم
مقدار زنة حبة الخردل، فنجازي عليه الجزاء الأوفى، حسناً أو سيئاً.
﴿وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ أي وكفى بنا محصين لأعمال العباد، فلا أحد
أعلم بأعمالهم منا، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا. وفي هذا
تحذير شديد، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما
يجب عليهم نحو الله تعالى؛ لأن العالم الذي لا يشتبه عليه شيء، القادر الذي
لا يعجزه شيء، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن من فضل الله ورحمته الكلاءة: الحراسة والحفظ للناس من عذاب
الله تعالى بالليل حال النوم، وفي النهار حال التصرف في الأمور، ولكن
الناس لاهون غافلون عن موعظة القرآن ومواعظ ربهم ومعرفته حق عليهم.
أَ - إن الآلهة الذين زعم الكفار أنهم ينصرونهم لا يستطيعون نصر
أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم؟! وكيف يُمنَعون ويجارون من عذاب الله
تعالى؟!

٧٢
لُجُزُ (١٧) - الاِنْبَاءِ: ٢١ / ٤٢-٤٧
◌َّ - إن تقلب أهل مكة وأمثالهم في نعيم الدنيا، وظنهم أن النعمة لا تزول
عنهم هو سبب اغترارهم وإعراضهم عن تدبر حجج الله عز وجل، وكان
عليهم التأمل في متابعة انتصارات النبي ◌َّ وغلبته عليهم، وتمكين الله له من
فتح البلاد بلداً بعد بلد، مما حول مكة.
٤ - إن مهمة النبي ◌َله إنذار الكفار وتحذيرهم بالقرآن الموحى إليه من عند
الله، لا من قبله، ولكنهم إذا لم ينتفعوا بما سمعوا من الإنذار، صاروا كالصم
الذين لا يسمعون أصلاً، وسيتغير حالهم إذا مسّهم أدنى شيء من عذاب الله،
فعندئذ يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون، أي يعترفون بظلم
أنفسهم وبكفرهم حين لا ينفعهم الاعتراف.
٥ - لا عدل أدق وأضبط وأحكم فوق عدل الله، فموازينه لأهل يوم
القيامة أو في يوم القيامة غاية العدل، فلا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد
في إساءة مسيء، وإن كان العمل أو الشيء الذي قدمه المحسن مثقال حبة
الخردل، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، وكفى بالله مجازياً على ما قدم الناس
من خير أو شر، وكفى به محصياً عاداً لأعمال عباده، وألا أحد أسرع حساباً
منه، والحساب: العد، والغرض من ذلك التحذير.
والغرض من قوله: ﴿حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ المبالغة في أن الشيء مهما صغر
أو كبر غير ضائع عند الله تعالى.
٩ - الذي وردت به الأخبار وعليه أكثر العلماء هو أن لكل مكلف ميزاناً
توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. قال حذيفة
رضي الله عنه: ((صاحب الميزان يوم القيامة: جبريل عليه السلام)).
وقيل عن مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مَثَل، وليس ثَمَّ ميزان، وإنما
هو العدل.

٧٣
الُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٤٨-٥٠
القصة الأولى - قصة موسى عليه السلام
مقارنة بين خصائص التوراة وخصائص القرآن
﴿وَقَدْ ءَتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْقُرْفَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ ﴿٨َ الَّذِينَ
* ج
يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنْزَلْنَةُ
٥٠
أَفَتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ
القراءات:
﴿وَضِيَّةَ﴾ :
وقرأ قنبل (وضِئَاء).
الإعراب:
﴿وَضِيَاءً﴾ فيه محذوف تقديره: ذا ضياء، فحذف المضاف، وأدخل واو
العطف على ﴿وَضِيَآءٌ﴾ وإن كان في المعنى وصفاً دون اللفظ، كما يدخل على
الوصف إذا كان لفظاً، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى
قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ [الأنفال: ٤٩/٨] وكقولهم: مررت بزيد وصاحبك أي مررت
بزيد صاحبك، فدل هذا وغيره على أن الواو تدخل على الوصف إذا كان لفظاً
أو كان وصفاً في المعنى. وقرئ (ضياء) بغير واو على أنه حال من الفرقان.
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أو مدح لهم.
﴿ يِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْفُرْقَانَ﴾ التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهي أيضاً

٧٤
الجُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٤٨-٥٠
ضياء تنير طرق الهدى، والذكر، أي الموعظة التي يوعظ بها، لما فيها من عبرة.
﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ أي يخافون عذابه. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حال الخفاء عن الناس.
﴿وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ﴾ أي من أهوالها . ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ أي وهذا القرآن أيضاً ذكر أي تذكير وعظة. ﴿مُّبَارَكُ﴾ أي
كثير الخير غزير النفع .﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ أي أفتنكرونه، وهو في غاية الجلاء
والوضوح؟ والاستفهام فيه للتوبيخ.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله و لو أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُم
بِالْوَحْيَّ﴾ أتبعه ببيان أن هذه سنة الله تعالى في أنبيائه، فقد أنزل الوحي عليهم
ليكون ما تضمنه من الشريعة والأحكام سبباً لهداية البشر.
وبعد أن أبان تعالى أدلة التوحيد والنبوة والمعاد شرع في التذكير بقصص
الأنبياء عليهم السلام تسلية لرسوله و 8 فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على
أداء الرسالة والصبر عليها، وهذه هي القصة الأولى - قصة موسى وهارون
عليهما السلام.
التفسير والبيان:
كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الحديث عن موسى ومحمد عليهما الصلاة
والسلام وبين كتابيهما، ليبين امتداد صلة النبوة وصلة الوحي، وليشير إلى
وجود الشبه الكثير بين التوراة في أصلها الصحيح وبين القرآن الكريم في كمال
الشريعة الشاملة للدين والدنيا، والعقيدة والعبادة، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءَ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ ﴿َ﴾ أي
ووالله لقد أعطينا موسى وهارون كتاباً شاملاً لأحكام الشريعة، وهو التوراة
الذي هو كتاب فرق الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وهو

٧٥
(١٧) - الاتَبََّاءِ: ٢١ / ٤٨-٥٠
أيضاً منار يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة للتوصل إلى طريق الهداية
والنجاة، وهو كذلك عظة وتذكير يتعظ به المتقون ربهم وهم ذوو الأوصاف
التالية :
أ - خشية الله في السر:
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ أي الذين يخافون عذاب ربهم، فيأتمرون
بأمره، وينتهون بنهيه، في حال الخفاء والسر والخلوات حيث لا يطلع عليهم
أحد من الناس، قال الرازي: وهذا هو أقرب المعاني.
وقد تكرر في القرآن الكريم التركيز على هذا المعنى، كما في قوله تعالى:
[ق: ٣٣/٥٠] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
﴿مَنْ خَشِىَ اُلَّحْمَنَ بِلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ،
[الملك: ٦٧ / ١٢] .
يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
أَ - الخوف من يوم القيامة:
﴿وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي وهم من القيامة وأهوالها وسائر ما
يحدث فيها من الحساب والسؤال خائفون وَجِلُون. وفي تصدير الضمير وبناء
الحكم عليه مبالغة وتعريض.
وكما أن هذه خصائص التوراة، فكذلك خصائص القرآن مثلها فقال
تعالی:
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَُ﴾ أي وهذا القرآن العظيم المنزل عليك تذكير وعظة،
ومبارك فيه بكثرة منافعه وغزارة خيره.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ﴾؟ أي فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم
إنكاره؟ وكيف تنكرونه وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ وهو أيضاً معجز
لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البعيدة، والأدلة العقلية، وبيان

٧٦
لُُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٤٨-٥٠
الشرائع، فكيف تنكرون إنزاله من عند الله، وأنتم خير من يقدّر روعة الكلام
وفصاحة اللسان وإحكام البيان؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
اقتصر البيان في قصة موسى وهارون عليهما السلام على كتاب التوراة
ليقرن الكلام عنه مع الكلام عن القرآن الكريم.
وقد تبين من الآيات أن التوراة فرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام
والغي والرشاد، وضياء يستضاء بها لسلوك طريق الهداية والنجاة، مثل قوله
عنها في آية أخرى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدِّى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤/٥] وعظة
وتذكير للمتقين.
وهي أيضاً أوصاف القرآن في آيات أخرى، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ
وَالْإِنِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ اُلْقُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣/٣-٤]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى
[الفرقان: ١/٢٥]. وقال
نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِيرٌ﴾ [المائدة: ١٥/٥]
﴿ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧/٧]. وقال جل جلاله:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤/١٦]. ﴿وَإِنَُّ
(٤٤)﴾ [الزخرف: ٤٤/٤٣] وقال تعالى هنا :
لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ
﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ﴾.
فإن رأى العرب تمسك اليهود بفرقان موسى، فهم أجدر بالتمسك بكتابهم
ـيد.
فرقان محمد
أما أوصاف المتقين فهي واحدة قديماً وحديثاً، ذكر تعالى منها هنا وصفين:
خشية الله تعالى في السر أي وفي العلن، والخوف من يوم القيامة وأهوالها، وما
يجري فيها من الحساب والسؤال قبل التوبة.

٧٧
الجُزْعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨
وختمت الآيات ببيان الهدف الجوهري منها: وهو التعجب من إنكار
العرب للقرآن، وهو كلام الله تعالى، بدليل أنه معجز لا يقدرون على الإتيان
بمثله، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
القصة الثانية - قصة إبراهيم عليه السلام
- ١ -
إنكار عبادة الأصنام والدعوة إلى توحيد الله تعالى
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِيَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا لَهَا عَبِدِينَ
٥٣
وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ الْتَّمَائِلُ الَّيِّ أَنْتُمْ لَهَا عَلَكِّفُونَ
قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ
٥٤
قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
٥٣
مِنَ الَّعِبِينَ ﴿ قَالَ بَل رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُرِيَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ
٥٦
مِّنَ الشَِّهِدِينَ
ـه فَجَعَلَهُمْ
وَثَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّأْ مُدْبِرِينَ
جُنَادًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
٥٨
القراءات:
﴿أَجِئْتَنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أجيتنا).
﴿هُذَاذَا﴾ :
وقرأ الكسائي (جِذَاذاً).
الإعراب:
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ،﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف في موضع نصب يتعلق بـ ﴿ءَانَيْنَا
وتقديره: آتينا إبراهيم رشده في وقت قال لأبيه.

٧٨
لُرُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨
﴿عَلَى ذَلِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف مقدر، يدل عليه ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ ويفسره.
ولا يجوز تعلقه به؛ لأنه لا يجوز تقديم الصلة ومعمولها على الموصول.
المفردات اللغوية:
﴿رُشْدَهُ﴾ الرشد: الاهتداء لوجوه الخير والصلاح في الدين والدنيا، قال
الله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَقْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦/٤] وقرئ
أيضاً ﴿رُشْدَهُ﴾.
ومعنى إضافة الرشد لإبراهيم: أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن . ﴿مِن
قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون عليهما السلام. ﴿وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾ أي
علمنا منه أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال.
وفيه إشارة إلى أن فعله تعالى باختيار وحكمة، وأنه عالم بالجزئيات.
﴿ التَّمَائِلُ﴾ الأصنام، جمع تمثال: وهو الصنم، والتمثال: اسم للشيء
المصنوع المضاهي خلق الله تعالى، كإنسان أو حيوان أو شجر، سمى الأصنام
بالتماثيل تحقيراً لشأنها وتصغيراً لها، مع علم إبراهيم بتعظيمهم وإجلالهم لها.
وفرق بعضهم بين الصنم والوثن بأن الصنم: المصنوع من المعدن القابل
للتمدد بالنار، والوثن: المصنوع من الخشب أو غيره.
﴿عَكِفُونَ﴾ مقيمون على عبادتها. ﴿ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَمَا عَبِدِينَ﴾ فاقتدينا
بهم. ﴿ كَنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمْ﴾ بعبادتها . ﴿ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ بيِّن.
﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ﴾ أي بالشيء الثابت في الواقع. ﴿اٌلَّعِبِينَ﴾ الهازلين. ﴿بَل
رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ربكم المستحق للعبادة هو مالك السماوات
، والأرض. ﴿فَطَرَهُنَ﴾ خلقهن وأبدعهن على غير مثال سبق. ﴿وَأَنَاْ عَلَى
ذَلِكُ﴾ الذي قلته. ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ به المتحققين صحته، والمبرهنین علیه،
فإن الشاهد: من تحقق الشيء وحققه.

٧٩
الُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨
﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُ﴾ لأجتهدن في كسرها. والكيد في الأصل: الاحتيال
في الإضرار، والمراد هنا: المبالغة في إلحاق الأذى بها . ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ بعد
ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم. ﴿جُذَاذَا﴾ قطعاً أو فتاتاً، من الجذ، أي
القطع. ﴿إِلَّ كَبِيرَاً لَهُمْ﴾ للأصنام، كسر غيره، واستبقاه، وجعل الفأس
على عنقه . ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الكبير. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيروا ما فعل بغيره.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية من قصص الأنبياء في هذه السورة تسلية للرسول
وَلهم، ليتأسى بهم في الصبر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الدين الحق
ومعاداة المشركين.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنََّهِيَمَ رُشِّدَهُ﴾ أي والله لقد آتينا إبراهيم رشده، أي هديناه إلى
ما فيه الخير والصلاح، من قبل موسى وهارون أو من قبل النبوة، ووفقناه إلى
توحيد الله، ومعاداة عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا
تبصر، وما هي إلا حجر أو معدن أو خشب صنعها أبوه أمامه بالقدوم، وكنا
عالمين بأنه أهل للنبوة، وجامع لمحاسن الأخلاق. والرشد: إما النبوة وإما
الأهلية للخير والصلاح في الدين والدنيا.
قال القرطبي: وعلى الأول أكثر أهل التفسير.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ﴾ ﴿إِذْ﴾: إما أن يتعلق بآياتنا أو
برشده، أو بمحذوف، أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت. أي آتيناه
الرشد حين أنكر على قومه عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: ما
هذه التماثيل أي الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟
وفي هذا القول تنبيه إلى ضرورة التأمل في شأنها، وأنها لا تغني عنهم شيئاً،
لكنهم لم يفعلوا، وأصروا على تقلید الأسلاف دون برهان، فقالوا:

٨٠
الجُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٥١-٥٨
﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ ﴾﴾ أي لا حجة لنا سوى تقليد الآباء
واتباع الأسلاف، وكفى بذلك ضعفاً وسذاجة، فوبخهم إبراهيم عليه السلام
على ما يفعلون:
﴿قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمْ فِ ضَلِ تُّبِينٍ (@) أي قال إبراهيم لأبيه
وقومه: لا فرق بينكم وبين آبائكم، فأنتم وهم في ضلال بيِّن واضح، على
غير منهج الحق والطريق المستقيم. وهذا تنبيه إلى أن سوء الرأي لا يغيره تقادم
الزمن، ومضي الأيام.
فتعجبوا من قوله وسألوه:
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّعِينَ ﴾﴾ أي ما هذا الكلام الصادر
عنك، أتقوله لاعباً هازلاً مازحاً أم محقاً جادّاً فيه، فإنا لم نسمع به قبلك؟
فأجابهم إبراهيم بعد إنكاره عبادة الأصنام بما يبين الحق، ويرشد إلى الإله
المستحق للعبادة:
﴿قَالَ بَل رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَ﴾ أي قال إبراهيم: إني
أتكلم بالجد والحق، لا بالهزل واللعب، فإن الرب المستحق للعبادة هو مالك
السماوات والأرض الذي خلقها وكونها وأنشأها من العدم، على غير مثال
سابق، وهو الخالق لجميع الأشياء، وهو الرب الذي لا إله غيره.
﴿وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب
سواه. والخلاصة: أنه أظهر لهم أنه مجدٍّ في إظهار الحق الذي هو التوحيد
بالقول أولاً وهو ما قاله، ثم بالفعل ثانياً. لذا أقسم إبراهيم الخليل قسماً
أسمعه بعض قومه:
﴿ وَتَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدُبِينَ (69﴾ أي ووالله لأجتهدن
في كسر أصنامكم، وفي إلحاق الأذى بها، بعد أن تذهبوا إلى عيدكم، وكان
لهم مجمع عيد يخرجون إليه كل سنة، ثم يعودون، فيسجدون للأصنام.