النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٢١-٢٩
وما هم عاملون في المستقبل، أي كما أن قولهم تابع لقول الله، فعملهم أيضاً
مبني على أمره، لا يعملون عملاً مالم يؤمروا به، وجميع ما يأتون ويذرون في
علم الله واطلاعه، وهو مجازيهم عليه، فلا يزالون يراقبونه في جميع أحوالهم،
ويضبطون أنفسهم عن أي مخالفة لأمره.
◌َّ - ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ أي لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن
ارتضاه الله، وأهّله للشفاعة، فلا تُعلقوا الآمال على شفاعتهم بغير رضا الله
تعالی.
٤ - ﴿وَهُم مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ أي إنهم مع هذا كله من خوف الله
ورهبته خائفون حذرون مراقبون ربهم.
وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده، ووصفهم بتلك
الأفعال السنية، فاجأ من أشرك منهم بالوعيد الشديد، وأنذرهم بعذاب
جهنم، فقال:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إَِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ﴾ أي ومن يدّعي
منهم على سبیل الافتراض أنه إله من دون الله، أي مع الله، کابلیس حيث
ادعى الألوهية، ودعا إلى عبادة نفسه، فجزاؤه جهنم على ما ادّعى. وأما
الملائكة فلم يقل أحد منهم: إني إله غير الله.
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء نجزي كل من ظلم نفسه،
وقال ذلك، وهم المشركون. قال ابن كثير: وهذا شرط، والشرط لا يلزم
وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
﴾ [الزخرف:
٨١/٤٣]. وقوله: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر:
٣٩/ ٦٥] .
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:

٤٢
لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
اً - الإنكار الشديد على من اتخذ آلهة أخرى مع الله، وتوبيخ المشركين على
اتخاذهم آلهة ليس لها خواص الألوهية، ومنها الإحياء بعد الإماتة وهو النشر.
أَ - إن تعدد الآلهة سبب مؤد لفساد نظام العالم والكون من السماوات
والأرض، وتخريبها وهلاك من فيهما بوقوع التنازع والاختلاف الواقع بين
الشركاء عادة، لذا نزَّه الله تعالى نفسه، وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له
شريك أو ولد.
وقد استدل الرازي بأدلة أخرى عقلية ونقلية على وحدانية الله تعالى، وهي
اثنان وعشرون دليلاً، أربعة عشر منها عقلية، وثمانية نقلية سمعية، وأقوى
الأدلة العقلية: أنه لو فرضنا وجود إلهين، لافتقر أحدهما إلى الآخر؛ لأنه
يصبح مركباً من ذاته ومما يشاركه به الآخر، وكل مركب هو مفتقر إلى جزئه،
وكل مفتقر إلى غيره ممكن، والإله واجب الوجود لذاته غير ممكن لذاته،
فإذن ليس واجب الوجود إلا الواحد، وكل ما عداه مفتقر إليه، وكل مفتقر
إلى غيره فهو محدث، فكل ما سوى الله تعالى محدث.
ومن الأدلة النقلية هذه الآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ﴾ وهو
كقوله: ﴿ وَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ [المؤمنون: ٩١/٢٣] وقد صرح الله تعالى
بكلمة: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن، وصرح
بالوحدانية في موضعين فقط، وهما قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [البقرة:
١٦٣/٢] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ [الإخلاص: ١/١١٢] (١).
◌َ - لا يُسْأَلُ عما يفعل وهم يُسْأَّلون، أي لا يسأله الخلق عن قضائه في
خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم؛ لأنهم عبيد. وهذا يدل على أن من يسأل
غداً عن أعماله، كالمسيح والملائكة لا يصلح للألوهية، وعلى كون المكلفين
مسؤولين عن أفعالهم.
(١) تفسير الرازي: ١٥٢/٢٢ - ١٥٤

٤٣
الُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٢١-٢٩
روي عن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا
أن يُعصى؟ قال: أفيُعصى ربُّنا قهراً؟ قال - أي الرجل -: أرأيت إن منعني
الهدى، ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء،
وإن منعك فضله، فهو فضله يؤتيه من يشاء، ثم تلا: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ
وعن ابن عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه، وأنزل عليه
التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأُطِعتَ، ولو شئت
ألا تُعصى ما عُصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى، فكيف
هذا يا ربّ؟ فأوحى الله إليه: إني لا أُسْأَلُ عما أفعل، وهم يسألون.
٤ - أعاد الله تعالى في الآيات التعجب من اتخاذ الآلهة من دون الله، مبالغة
في التوبيخ، على وصفهم المتقدم في الإنشاء والإحياء، فتكون
ه بمعنى
هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من دون الله؟ فليأتوا بالبرهان على
ذلك.
وقيل: إن التعجب الأول: ﴿أَمِ اُتَّخَذُوَأْ ءَالِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
(4) احتجاج من حيث المعقول؛ لأنه قال: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي يحيون
الموتى. والثاني ﴿أَمِ اَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: ◌َاِهَةٌ﴾ احتجاج بالمنقول، أي هاتوا
برهانكم من الكتب السماوية، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن، أم في
الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟!
٥ - إن الجهل هو المصدر الأصيل في فساد عقائد المشركين: ﴿بَلّ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾.
٩ - جميع الرسل والأنبياء أوحى الله إليهم أنه لا إله إلا الله، فأدلة العقل
شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول
وإما منقول. قال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة

٤٤
الُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد. أي إن دعوة الرسل
جميعاً جاءت لبيان التوحيد.
لاً - ردّ الله تعالى على بعض العرب الذين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله
بتنزيه نفسه عن اتخاذ الولد، قيل: نزلت آية ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأَ
سُبْحَنَهُ﴾ في خزاعة، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعاً
في شفاعتهم لهم.
وبعد التنزيه ذكر الله خمس صفات للملائكة تدل على العبودية ونفي الولادة
وهي :
أ - المبالغة في طاعة الله، فهم لا يقولون قولاً ولا يفعلون فعلاً إلا بأمر
الله، وهذه صفات العبيد، لا صفات الأولاد.
ب - إن الله تعالى يعلم أسرارهم، وهم لا يعلمون أسراره، فهو المستحق
للعبادة، لا هم.
جـ - إنهم لا يشفعون إلا بإذن الله ورضاه، ومن كان إلهاً لا يحتاج لإذن
أحد.
د - إنهم أشد الخلق خوفاً من الله، وذلك من صفات العبيد.
هـ - الملائكة وإن أكرموا بالعصمة، فهم كسائر المكلفين مسؤولون موجه
لهم الوعد والوعيد، فلا يتصور كونهم آلهة. وهذه الآية تدل على كون الملائكة
مكلفين، وعلى أنهم معصومون، وعلى أنهم مُتَوََّّدون.
٨ - كما يجزي الله تعالى بالنار كل من ادعى الشركة مع الله، ودعا إلى
عبادة نفسه كإبليس، فكذلك يجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في
غير موضعهما.

٤٥
الُعُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
توبيخ آخر للمشركين على عدم تدبر آيات الكون
الدالة على وجود الإله الواحد
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَّ وَجَعَلْنَا"
) وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ.
وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَاً
وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
وَهُمْ عَنْ عَتِهَا مُعْرِضُونَ
وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمِّرْ كُلٌّ
٣٢
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
القراءات:
﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ :
وقرأ ابن كثير (أَلَمْ ير).
الإعراب:
﴿ رَتْقًا﴾ قال ذلك، ولم يقل: رتقين؛ لأنه مصدر، وتقديره: كانتا ذواتي
رَتْق.
{سُبُلًا﴾ بدل.
﴿ يَسْبَحُونَ﴾ أتى بالواو والنون، وهي إنما تكون لمن يعقل؛ لأنه أخبر عنها
بفعل من يعقل، فأجراها مجرى من يعقل، كقوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ و﴿كُلَّ﴾: مبتدأ، وجملة: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ :
خبره، والجملة منهما حال من ﴿ وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَّرَ﴾.
البلاغة:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوْ﴾ استفهام معناه التعجب والإنكار.

٤٦
الزُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ /٣٠-٣٣
﴿ رَتْقَا فَفَتَقْنَهُمَا﴾ بين الرتق والفتق طباق.
يَهْتَدُونَ﴾، ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بينهما سجع لطيف.
﴿كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ التنكير للتعميم.
﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَيَّلَ وَالنَّهَارَ﴾ التفات من المتكلم إلى الغائب بعد قوله:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ﴾ للفت النظر إلى النعم الجليلة والاعتناء بها.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أو لم يعلموا. ﴿رَتْقًا﴾ الرتق: السد والضم
والالتحام، والمراد: ذات رتق، أي ملتزقتين. والمعنى: كانتا شيئاً واحداً، أو
حقيقة متحدة. ﴿فَفَتَقْنَهُمَّا﴾ أي فصلناهما بالتنويع والتمييز، فجعلنا السماء
سبعاً والأرض سبعاً. والفتق: الفصل بين الشيئين الملتصقين. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ
الْمَآءِ﴾ أي وخلقنا من الماء كل حيوان سواء النازل من السماء والنابع من
الأرض . ﴿كُلَّ شَىْءٍ خَيٍّ﴾ أي صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء، لا يحيى
دونه، سواء النبات وغيره، فالماء سبب لحياته . ﴿أَفْلَا يُؤْمِنُونَ﴾ بتوحيدي، مع
ظهور الآيات.
﴿ وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ أي جبالاً ثوابت. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي لئلا
تتحرك بهم، أو كراهة أن تميل بهم وتضطرب. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي في
الرواسي. ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ أي مسالك وطرقاً نافذة واسعة. ﴿لَّعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ﴾ أي ليهتدوا بها إلى مصالحهم ومقاصدهم في الأسفار والزراعة.
﴿سَقْفًا تَحْفُوظَا﴾ أي سقفاً للأرض، مثل سقف البيت، محفوظاً من
الوقوع بقدرته، أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته . ﴿وَهُمْ
عَنْ عَنِهَا﴾ أي عن أحوالها الدالة على وجود الله ووحدته وكمال قدرته
وروعة حكمته، بما اشتملت عليه من الشمس والقمر والنجوم . ﴿ مُعْرِضُونَ﴾
لا يتفكرون فيها، فیعلمون أن خالقها لا شريك له.

٤٧
اِلُُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّتْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ﴾ بيان لبعض تلك الآيات.
﴿ كُلُّ فِ فَلَكٍ﴾ أي كل واحد منهما له مدار مستدير، والتنوين: بدل من
المضاف إليه، أي كل من الشمس والقمر وتابعهما وهو النجوم. والمراد
بالفلك: الجنس، وهو مدار الشمس والقمر والنجوم. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون
على سطح الفلك بسرعة، كالسابح في الماء، وللتشبيه به، وإنما جمع الفعل
باعتبار جنس الطوالع المتكاثرة كل يوم وليلة، وهو سبب جمعهما بالشموس
والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد. وعوملوا معاملة العقلاء
للوصف بفعلهم وهو السباحة.
المناسبة:
بعد أن وبخ الله تعالى المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى، والذين
قالوا: اتخذ الله ولداً من الملائكة، وبخهم على عدم تدبر الآيات الكونية الدالة
على وجود الله، وعلى التوحيد وتنزيهه من الشرك، وأنه لا يصح لعاقل عبادة
الأصنام والأوثان لعجزها وعدم الجدوى من عبادتها.
التفسير والبيان:
أورد الله تعالى في هذه الآيات ستة أدلة تدل على وجود الإله الواحد القادر
ذي القدرة التامة والسلطان العظيم في خلق الأشياء وقهر جميع المخلوقات،
وهي ما يلي:
١ - فتق السماوات عن الأرض:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا﴾ أي أو
لم يعلم الجاحدون الألوهية الله، العابدون معه غيره أن الله هو المستقل بالخلق،
المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه، ألم
يعلموا أن السماوات والأرض كانتا متصلتين ببعضهما، تلاصقت

٤٨
الجُزُ (١٧) - الانْنَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
أجزاؤهما، وتراكم بعضها فوق بعض، ثم فصلناهما، وجعلنا بين السماء
الدنيا والأرض طبقة من الهواء؟!
وهذه هي نظرية السديم عند علماء الفلك الذين يثبتون أن الشمس
والكواكب والأرض كانت قطعة واحدة، وأن الشمس كانت كرة نارية، وفي
أثناء سيرها السريع انفصلت عنها أرضنا والكواكب السيارة الأخرى، وهي
تسعة مرتبة بحسب قربها من الشمس: عُطارد، والزُّهَرة، والأرض، والمرِيخ،
واْمُشْتَرِي، وزُحَل، وأُورانوس، ونبتون، وبلوتوه. ولكل منها مدار بحسب
تأثير الجاذبية، وهي تجري في الفلك، وهي تسعة أفلاك دون السماوات
المطبقة التي يعيش فيها الملائكة. والفلك: استدارة في السماء تدور بالنجوم مع
· ثبوت السماء، أو هو مجراها وسرعة سيرها.
وهذا السبق العلمي الذي أعلنه القرآن دليل واضح قاطع على أن القرآن
كلام الله ووحيه المنزل على عبده محمد ◌ّ له النبي الأمي الذي يستحيل أن يكون
عالماً بمثل ذلك لولا الوحي الإلهي.
٣ - جعل الماء أساس الحياة:
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ أي وخلقنا من الماء كل حيوان، أي فيه
حياة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور: ٤٥/٢٤] فکل حيوان
من النطفة التي هي ماء، ولا ينبت النبات إلا بالماء.
وهذا موافق لما يراه بعض العلماء: أن كل حيوان خلق أولاً في البحر، ثم
انتقل بعض الحيوان إلى البر، وتطبع بطباع البر مع مرور الزمن.
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ألا يتدبرون هذه الأدلة، وهم يشاهدون عياناً حدوث
المخلوقات شيئاً فشيئاً، فيؤمنون بالخالق، ويتركون منهج الشرك؟!
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

٤٩
اِلُحُ (١٧) - الاثْبِيَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
٣ - جعل الجبال رواسي الأرض:
(وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي وخلقنا في الأرض جبالاً
لإرساء الأرض بها وتثبيتها، لئلا تضطرب بالناس وتتحرك، فلا يحصل لهم
قرار عليها، والرواسي: الجبال، والراسي: هو الداخل في الأرض.
والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، وقد أثبت العلماء أن الأرض
كانت ناراً ملتهبة، ثم بردت قشرتها، وصارت صوَّانية صلبة، وذلك منذ
حوالي ثلاث مئة مليون سنة بل حوالي خمسة مليارات سنة كما يرى
المعاصرون. ويؤكد ذلك وجود مُمم النيران التي تخرجها البراكين. ونسبة الجبال
إلى الأرض هي بنسبة ملليمتر ونصف من المتر.
وهذا دليل ثالث على أن القرآن وحي من عند الله، لا من عند بشر.
٤ - إيجاد الطرق مسالك بين الجبال:
﴿ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وخلقنا في الأرض بين
الجبال طرقاً واسعة نافذة، يسلكها الناس بسهولة من مكان إلى آخر، أو من
قطر أو إقليم إلى آخر، ليهتدوا بها إلى مقاصدهم ومصالحهم المعيشية في
البلاد، وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال. والفج: الطريق
الواسع، والسبيل: الطريق السالك. وقدمت الفجاج وهي صفة على السبل،
﴾ [نوح: ٢٠/٧١]
ولم تؤخر، كما في قوله تعالى: ﴿لِنَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُّلَا فِجَاجًا
لتجعل حالاً، والفرق من جهة المعنى أن قوله: ﴿سُبُّلًا فِجَاجًا﴾ إعلام بأنه
جعل فيها طرقاً واسعة، وأما قوله: ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ فهو إعلام بأنه حين
خلقها خلقها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى.
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ معناه: لكي يهتدوا؛ إذ الشك لا يجوز على الله
تعالی.

٥٠
الُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
والضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ عائد إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي
رواسي فجاجاً سبلاً، أي طرقاً واسعة، وقيل: إنه عائد إلى الأرض، أي
وجعلنا في الأرض فجاجاً وهي المسالك والطرق.
ة - جعل السماء سقفاً للأرض:
﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَا﴾ أي وجعلنا السماء كالسقف على
الأرض وكالقبة عليها، وذلك السقف محفوظ من الوقوع والاضطراب، ومن
الشياطين التي تسترق السمع، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى
اُلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾ [الحج: ٦٥/٢٢] وقال: ﴿وَمِنْ ءَايَلِهِ: أَنْ تَقُوَمَ السَّمَآءُ
وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥/٣٠] وقال: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ
تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١/٣٥] . وحفظها من الشياطين إما بالملائكة وإما بالنجوم.
﴿وَهُمْ عَنْ ءَيَئِهَا مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يتفكر المشركون وغيرهم فيما خلق الله
في السماوات من الأدلة والعبر الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، من
الشمس والقمر وسائر الكواكب الثابتة والسيارة، ليتعاقب الليل والنهار،
وتظهر المنافع بالحر والبرد، وللإرشاد إلى الحساب القويم والترتيب العجيب
الدال على الحكمة البالغة. وذلك كقوله تعالى ﴿وَكَأَيِنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِىِ السَّمَوَتِ
[يوسف: ١٢ / ١٠٥] .
١٠٥
وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
٦ - خلق الليل والنهار والشمس والقمر:
﴿وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمِّرَ كُلُّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ
(٣٣)
أي والله خلق الليل والنهار، نعمة منه، ودليلاً على عظمة سلطانه، بواسطة
دوران الأرض حول نفسها، لتتحقق الفائدة المرجوة من كليهما بالظلام
والسكون، والضياء والأنس، والتفاوت في الطول والقصر أو التساوي بينهما
في مدار السنة، وخلق أيضاً الشمس والقمر، للإضاءة وإمداد الأحياء بحرارة

٥١
اِلُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
الشمس، وإفادة بعض المزروعات والثمار بضوء القمر، وكل من الشمس
والقمر والنجوم والأرض يدور في فلكه، دوران المغزل في الفلكة، فلا يدور
المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك الشمس والقمر والنجوم
لا تدور إلا بالفلك، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ
اُلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (﴿1﴾ [الأنعام:
٩٦/٦]. وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بالجمع يشمل النجوم، فهي وإن لم تكن مذكورة
نصاً فهي مذكورة ضمناً.
ودوران الشمس والقمر والأرض في الفضاء اللانهائي يثبته أيضاً العلم
الحديث، مما يدل على أن هذا القرآن معجز للأبد، دال على كونه وحياً
صادراً منه، وأنه النعمة الكبرى لبني الإنسان.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات كما لاحظنا تتضمن أدلة كافية على وجود الإله الصانع الواحد
الأحد، المنزه عن الشريك والولد، وهي أدلة تثير الإعجاب، وتوحي
باتصاف الموجد الخالق بالقدرة التامة، والسلطان العظيم.
وقد عرفنا أنها أدلة ستة هي:
أولاً - فتق السماوات عن الأرض، وجعل طبيعة خاصة لكل منهما،
فالأرض بهوائها ومائها تتناسب مع وجود الحياة الإنسانية والحيوانية
والنباتية، ومع ما يتطلبه الاستقرار والثبات عليها، والسماوات تتلاءم مع
وجود المجرَّات والكواكب والنجوم والشمس والقمر، لنشر الحرارة، وإلقاء
الضوء، والسماوات سبع، وكذا الأرض سبع.
وثانياً - جعل الماء سبباً للحياة، فالله تعالى خلق كل شيء من الماء، وحفظ
حياة كل شيء بالماء، وأوجد الإنسان من ماء الصلب. روى أبو حاتم البستي

٥٢
الُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ /٣٠-٣٣
في المسند الصحيح له عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إذا رأيتُك
طابت نفسي، وقرَّت عيني، أنبئني عن كل شيء؛ قال: ((كل شيء خلق من
الماء)». وما أروع لفت النظر بعد هذه الآية حين قال تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي
أفلا يصدقون بما یشاهدون، وأن ذلك لم یکن بنفسه، بل لمكوّن کوَّنه، ومدبر
أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكوِّن مُحْدَثاً، بل لا بدّ من أن يكون أزلياً
قديماً؛ لأن صفة الألوهية تقتضي عقلاً عدم المشابهة للحوادث.
وثالثاً - خلق الله الجبال رواسي أي جبالاً ثوابت، لتكون مثبتة للأرض،
حتى لا تتحرك بمن عليها، وليتم القرار والاطمئنان عليها، أو كراهية أن
تميد، والميد: التحرك والدوران.
ورابعاً - أوجد الله في الأرض وبين هامات الجبال مسالك وطرقاً واسعة،
لتكون منافذ يسهل على الناس اختراقها وتجاوزها من مكان لآخر، ومن قطر
إلى قطر أو إقليم إلى إقليم. والفجاج جمع فجّ: وهو الطريق الواسع بين
الجبلين، ثم فسر تلك الفجاج بالسبل، أي الطرق النافذة السالكة؛ لأن الفج
قد يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً، وقد لا يكون، ووجود الطرقات للاهتداء بها
إلى السير في الأرض نعمة عظمى، وندرك هذه النعمة إذا لاحظنا ما تنفقه
الدولة الحديثة من النفقات الباهظة على تعبيد الطرق وشقها، لربط الأقاليم
والأمصار وأجزاء البلاد بشبكة من الطرق، تسهل الانتقال بينها والاتصال
معها.
وخامساً - جعل السماء سقفاً للأرض، محفوظاً من الوقوع والسقوط على
الأرض، فلا تمكن الحياة في الأرض بدون هذا السقف، كما لا يمكن العيش
في بيت أو دار بدون سقف، ولأن حفظ طبقة الهواء بهذا السقف أمر ضروري
محتم لحياة الإنسان، كما أن الحفاظ على هذا السقف من التداعي والسقوط
على الأرض أمر أساسي لصون الحياة الإنسانية، ومنع الضرر عن الناس، فإذا

٥٣
المُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٣٠-٣٣
سقط على الناس بعض الكتل النارية أو الأجرام السماوية، كان الدمار
والهلاك الجزئي، فكيف إذا سقطت السماء كلها؟!
ومما يدعو إلى الأسف والعجب أن الكفار معرضون عن آيات السماء من
الشمس والقمر والنجوم وغيرها. وقد أضاف الله تعالى الآيات في قوله:
﴿وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا﴾ إلى السماء؛ لأنها مجعولة فيها، وفي مواضع أخرى أضاف
تعالى الآيات إلى نفسه؛ لأنه الفاعل لها.
وهذا دليل على أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها، من
ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من
قدرة الله تعالى؛ إذ لو نظروا واعتبروا، لعلموا أن لها صانعاً قادراً واحداً،
فیستحیل أن يكون له شريك.
وسادساً - خلق الليل والنهار، وهذا تذكير بنعمة أخرى على الناس، فالله
جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه وينطلقوا لمعايشهم، وجعل
الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب،
وكل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار يجرون ويسيرون
بسرعة في فلك خاص، كالسابح في الماء.

٥٤
الزُُ (١٧) - الاثْبيَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
موت جميع الخلائق
ومجيء القيامة أو عذاب النار بغتة
كُلُّ نَفْسٍ
٣٤
﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ أَفَإِيْنِ مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ
ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيِّرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ (٢٥) وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ
كَفَرُوْاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم
خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُؤْرِيكُمْ ءَايَتِ فَلَا
بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ (®
تَسْتَعْجِلُونِ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ لَوْ يَعْلَمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا
بَلْ تَأْتِيِهِم بَغْتَةً فَتَبْهَمُهُمْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَ هُمْ
هُمْ يُنْصَرُونَ
يُنْظَرُونَ
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
٤١
كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ
القراءات:
﴿مِّتَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مُتُّ).
﴿هُزُوًّا﴾ :
قرأ حفص (هُزُواً).
وقرأ حمزة (هُزْءاً) وصلاً، و(هُزْواً) وقفاً.
وقرأ الباقون (هُزُؤاً).
﴿ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾: قرئ:

٥٥
الجُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
١- (وجوههم النار) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (وجوههُمُ النار) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (وجوههِمُ النار) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ﴾: قرئ:
١- (ولقَدِ استُهزئ) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (ولقَدُ استُهزئ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَفَإِيْنِ مِّتَ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ حقُّ همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف
الشرط كما هنا: أن تكون رتبتها قبل جواب الشرط. وفي هذه الآية دليل على
أنَّ (إِن) إذا دخلت عليها همزة الاستفهام، لا تبطل عملها، كقولك: إن تأتني
آتك؛ لدخول الفاء في ﴿فَهُمُ﴾ وفاء ﴿فَهُمُ﴾ لتعلق الشرط بما قبله، والهمزة
لإنكاره، بعدما تقرر ذلك.
﴿فِتْنَةً﴾ مفعول لأجله.
الذى
فيه محذوف تقديره: قائلين: أهذا
ءَالهَةَ
يَذْكُرُ
أَهَذَا
الذي يذكر آلهتكم، وهو في موضع الحال، وحذف القول كثير في كلامهم.
﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزواً،
وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية، وهي الكفر بالله تعالى.
البلاغة:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ﴾ التنكير للتعميم.

٥٦
لُُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ يوجد طباق بين الشر والخير.
﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مبالغة في وصف الإنسان، جعل لفرط استعجاله،
كأنه مخلوق من العجل نفسه، كقول العرب لمن لازم اللعب: هو من لعب.
اٌلْخَلِدُونَ﴾ ﴿كَفِرُونَ﴾ ﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿يُنصَرُونَ﴾ ﴿يُنْظَرُونَ﴾
﴿ يَسْنَهْزِءُونَ﴾ بينها سجع لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿ الْخُلْدَ﴾ الخلود والبقاء في الدنيا. ﴿فَهُمُ الْخَلِّدُونَ﴾ في الدنيا؟ لا، وهذه
الجملة محل الاستفهام الإنكاري.﴿ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في الدنيا، والذوق هنا:
الإدراك، والمراد من الموت: مقدماته من الآلام الشديدة، والمدرٍك: هي
النفس المفارقة للبدن. وجملة ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ﴾ برهان على ما أنكره
من الخلود للنفوس في الدنيا . ﴿ وَنَبْلُوكُمْ﴾ مختبركم أي نعاملكم معاملة المختبر.
﴿ بِالشَّرِّ وَالْخَيِّرِ﴾ بالبلايا والنعم، أو المحبوب والمكروه، كفقر وغنى، وسقم
وصحة، وذلّ وعزّ . ﴿فِتْنَةً﴾ أي ابتلاء، وهو مصدر من غير لفظ الفعل
المتقدم، أي لننظر: أتصبرون وتشكرون أم لا؟ ﴿وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ﴾ فنجازيكم
حسبما يوجد منكم من الصبر والشكر. وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة
الابتلاء.
﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً به، مسخوراً
منه . ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ أي يقولون: أهذا الذي يعيب
آلهتكم؟ ﴿وَهُم بِذِكْرِ الَّحْمَنِ﴾ أي إذا ذكر الإله الرحمن الواحد . ﴿هُمْ﴾
الثانية تأكيد كفرهم. ﴿كَفِرُونَ﴾ به، إذ قالوا: ما نعرفه، أي لا يصدقون به
أصلاً، فهم أحق منك بأن يتخذوا هُزُواً، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل :
معنى بذكر الرحمن: قولهم ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. وقيل: بذكر الرحمن:
معناه بما أنزل عليك من القرآن.

٥٧
الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ /٣٤-٤١
{خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي أنه لكثرة عجله في أحواله، كأنه خلق منه،
ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر .﴿ سَأُوْرِكُمْ ءَايَتِ﴾ أي مواعيدي بالعذاب، في
الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار.﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فيه أو بالإتيان
به.
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي بالقيامة. (صَدِقِينَ﴾ فيه، يعنون النبي وَّـ
وأصحابه .﴿لَا يَكُفُونَ﴾ يدفعون. ﴿ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون منها في
القيامة. وجواب ﴿لَوْ﴾: ما قالوا ذلك. ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ القيامة أو النار.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿فَتَبْهَمُهُمْ﴾ أي تحيرهم، أو تغلبهم. ﴿ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾
يمهلون لتوبة أو معذرة.
﴿ وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسلية لرسول الله وَّهِ. ﴿فَحَاقَ﴾ نزل.
أو أحاط. ﴿﴿بِالَّذِيِنَ سَخِرُواْ مِنْهُم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾ أي العذاب، وهو
وعد للنبي وَلقر بأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما
فعلوا أي جزاءه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ﴾ نزلت هذه الآية، لما قال الكفار: إن محمداً سيموت،
قائلين: ﴿نَثْرَبَّصُ بِهِ، رَيِّبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠/٥٢]. وأخرج ابن المنذر عن ابن
جريج قال: نُعي إلى النبي ◌َّر نفسه، فقال: يا رب، فمن لأمتي؟ فنزلت:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية.
نزول الآية (٣٦):
﴿ وَإِذَا رَءَلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: مَرَّ
النبي ◌َّ على أبي جهل وأبي سفيان، وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل

٥٨
الُعُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
ضحك، وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو سفيان،
وقال: أتنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي؟ فسمعها النبي ◌ََّ، فرجع إلى
أبي جهل، فوقع به، وخوَّفه، وقال: ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب
عمك الوليد بن المغيرة، وقال لأبي سفيان: أما إنك لم تقل ما قلت إلا حميَّة،
فنزلت الآية: ﴿وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾.
نزول الآية (٣٧):
﴿خُلِقَ الْإِفْسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ نزلت هذه الآية في استعجالهم العذاب، روي
أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وهو القائل: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا
هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨].
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى أدلة ستة على وجود الخالق المتصف بالوحدانية، أبان
أن مصير الدنيا إلى فناء وزوال، وأنها خلقت للابتلاء والامتحان، ولتكون
جسراً إلى الآخرة دار الخلود، وأن مصير الخلائق جميعاً إلى الله تعالى للحساب
والجزاء، ثم ذكر أن مجيء القيامة أو العذاب بالنار آتٍ بغتة لا محالة، فلا
يَغْتَرَّنَّ أحد بطول البقاء في الدنيا، ولا يَسْخَرَنَّ برسول من عند الله، فإنه
سيلقى جزاء سخريته واستهزائه، وهذا زجر واضح شديد التأثير.
التفسير والبيان:
ينفي الحق تعالى الخلود في الدنيا لأحد من المخلوقات، فيقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ أي قضى الله تعالى ألا يخلد في الدنيا بشراً، فلا أنت يا
محمد ولا أحد ممن سبقك أو عصاك أو يأتي بعدك إلا عرضة للموت، وقد
قدِّر لك أن تموت كسائر الرسل المتقدمين قبلك.

٥٩
المُرُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
﴿أَفَإِيْنِ مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ أي هل إذا متّ أنت أيبقى هؤلاء المشركون
بربهم؟ لا، بل الكل ميتون، فلا يؤملون أن يعيشوا بعدك.
وهذا رد على المشركين الذين كانوا يتمنون موت رسول الله بَطهور، وكانوا
يقدرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا.
وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
(ث﴾ [الرحمن: ٢٦/٥٥-٢٧].
وَالْإِكْرَامِ
أخرج البيهقي وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر على
النبي ◌َّ، وقد مات، فقبّله وقال: وانبياه، واخليلاه، واصفيَّاه، ثم تلا:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدِّ﴾ الآية.
واستدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام
مات، وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان ولياً أو نبياً أو رسولاً.
وتأكيداً لبيان موت جميع البشر، قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِّ﴾ أي كل مخلوق إلى الفناء، وكل نفس ذائقة
مرارة الموت قبل مفارقتها الجسد، جاء في الحديث: ((إن للموتِ لَسَكَراتٍ)) (١)
فلا یفرح أحد بموت أحد، ولا يشمت أو یتشفی لوفاته، فالكل متجرع كأس
المنون. والذوق هنا: مجاز عن الإدراك. والمراد بالموت هنا: مقدماته من الآلام
العظيمة.
﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ أي نبتليكم ونختبركم بالبلايا والنعم، أو
بالمحبوب والمكروه، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر،
والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، اختباراً وامتحاناً،
(١) روى ابن ماجه في معناه: ((اللهم أعني على سكرات الموت)).

٦٠
المُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٣٤-٤١
لنعلم أتصبرون وتشكرون أم لا؟ وقوله ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد لنبلوكم من
غير لفظه.
والمراد من ذلك: أنا نعاملكم معاملة من يختبركم، لنعرف الصابر في
الشدائد، والشاكر في الرخاء.
﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي ومرجعكم ومصيركم في النهاية إلينا، أي إلى حكمنا
ومحاسبتنا ومجازاتنا، فنجازيكم بأعمالكم. وفي هذا وعد بالثواب، ووعيد
بالعقاب.
والابتلاء لا يكون إلا بعد التكليف، والتكليف لا يكون إلا بعد البلوغ
والعقل، فالآية دالة على حصول التكليف، والتكليف لا يقتصر بالمكلف على
ما أُمر به ونهي عنه، بل ابتلاه بأمرين :
أحدهما - ما سماه خيراً: وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور.
والثاني - ما سماه شراً: وهو المضارّ الدنيوية من الفقر والآلام وسائر
الشدائد النازلة بالمكلفين.
وإنما سمي ذلك ابتلاء، والله عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل
وجودهم؛ لأنه في صورة الاختبار.
﴿وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي وإذا رآك كفار
قريش كأبي جهل وأشباهه، ما كان همهم إلا السخرية منك، وما يتخذونك
إلا مهزوءاً به، فيستهزئون بك وينتقصونك، وكان جديراً بهم التفكير في
سلوكك وأخلاقك، وفيما ينزل عليك من وحي فيه عظة وذكرى للعقلاء،
وهم الذين حمى الله نبيهم منهم بقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
(٩٥) ﴾ [الحجر:
٩٥/١٥] .