النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
لِلُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٥٦-٥٩
نُخْلِفُهُ﴾ لا نخلف ذلك الوقت في الاجتماع فيه، إذا جعل (موعد) هنا هو
الزمان، وإذا جعل مصدراً أي لا تخلف ذلك الموعد. ﴿سُوَّى﴾ أي وسطاً،
تستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين.
﴿قَالَ﴾ موسى. ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيد كان لهم، يتزينون فيه
ويجتمعون. ويوم: بضم الميم، وقرأ الحسن بالنصب، فمن رفع فعلى أنه خبر
المبتدأ، والمعنى: وقت موعدكم يوم الزينة، ومن نصب فعلى الظرف، معناه:
موعدكم يقع يوم الزينة. والسؤال وقع عن مكان الموعد، وطابقه من حيث
المعنى ذكر الزمان، وإن لم يطابق لفظاً؛ لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم
الزينة في مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم
المكان.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ يجمعون. ﴿ضُحَى﴾ وقت ارتفاع شمس النهار.
المناسبة:
بعد سؤال فرعون عن رب موسى، ذكر الله تعالى أنه بصره بالآيات الدالة
على توحيد الله، مثل ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقوله:
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ والدالة على نبوة موسى مثل العصا واليد
البيضاء، فكذب بكل هذا، واتهم موسى بالسحر، وطلب المبارزة مع
السحرة، وتحديد مكان اللقاء وموعد الاجتماع.
التفسير والبيان:
﴾ أي وتالله لقد بصرنا فرعون
﴿وَلَقَدْ أَرَبَِّهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَ
وعرفناه آياتنا الدالة على قدرتنا وتوحيدنا وعلى نبوة موسى، كالآيات التسع(١)
(١) وهي العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، ونتق
الجبل.
٥٨٢
لُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٥٦-٥٩
وغيرها من الحجج والبراهين، فعاين ذلك وأبصره، ولكنه كذب بها، وأبى
الاستجابة للإيمان والحق، كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَا﴾ [النمل: ١٤/٢٧] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ
أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.
[الإسراء: ١٧ / ١٠٢].
ثم ذكر الله تعالى شبهة فرعون وصفة تكذيبه، فقال:
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرَِكَ يَكُمُوسَى (9﴾﴾ أي قال فرعون
لموسى مستنكراً معجزة العصا واليد: هل جئت يا موسى من أرض مدين
لتخرجنا من أرضنا مصر بما أظهرته من السحر، وهو قلب العصا حية؟ توهم
الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، حتى تتوصل بذلك إلى أن تغلب على
أرضنا وتخرجنا منها. وإنما ذكر فرعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن
إجابة موسى، وحملهم على السخط على موسى والغضب منه، والعمل على
طرده وإخراجه من مصر.
فَلَنَأْنِيَتَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ أي لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر،
فإن عندنا سحراً مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه.
﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَانًا سُوَى﴾ أي حدد
لنا يوماً معلوماً ومكاناً معلوماً، نجتمع فيه نحن وأنت، فنعارض ما جئت به
بما عندنا من السحر، لا نخلف ذلك الوعد من قبل كل منا. وقد فوض
فرعون تعيين الموعد إلى موسى إظهاراً لكمال اقتداره.
وليكن المكان مكاناً مستوياً ظاهراً لا ارتفاع فيه ولا انخفاض، ليظهر فيه
الحق، أو مكاناً وسطاً بين الفريقين، حتى لا يكون عذر في التخلف.
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الْزِينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَّى
﴾ أى قال موسى عليه
٥٩
٥٨٣
الجُرُ (١٦) - ظ٢: ٢٠ /٥٦-٥٩
السلام: موعد الاجتماع يوم العيد (عيد النيروز) الذي يتزين فيه الناس، وفي
وقت الضحى، ليكون الاجتماع عاماً في يوم يفرغ فيه الناس من أعمالهم،
ويجتمعون جميعاً، ويتحدثون بنتيجة المبارزة، فتظهر الدعوة، وتعلو كلمة
الحق، ويزهق الباطل، وليكون الضوء غالباً، وفي نشاط أول النهار، فلا
يشكّوا في المعجزة، ويشاهدوا قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء،
وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية.
واختيار هذا الوعد دليل على الثقة بالنصر، وسبيل لإيضاح الحجة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - لم يبق عذر لفرعون في كفره، بعد إرسال موسى وهارون رسولین إلیه،
وتأييدهما بالمعجزات الدالة على نبوة موسى، وإبدائهما البراهين والدلائل
والحجج على وحدانية الله وقدرته، وهذا يدل على أنه كفر عناداً؛ لأنه رأى
الآيات عياناً لا خبراً، واقتنع بها في أعماق نفسه، كما قال سبحانه:
﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَا﴾ [النمل: ١٤/٢٧].
◌َ - حاول فرعون تأليب قومه وتحريضهم على معاداة موسى وطرده،
باتهامه بأنه بحسب عقلية الحاكم يريد إخراج الناس من مصر، والاستيلاء على
السلطة.
◌َّ - وحاول أيضاً إبطال المعجزات النبوية بالسحر، ظناً منه أن ما جاء به
موسى من الآيات سحر يوهم الناس به لاتباعه والإيمان به، فإذا عورض
السحر بمثله، تبين للناس أن ما أتى به موسى ليس من عند الله.
٤ - طلب فرعون من موسى تعيين يوم معلوم ومكان معروف لا يخلف فيه
أحد الطرفين الوعد، إيهاماً للناس بمدى الثقة به، وبكمال اقتداره، وإنهاء
دعاوى موسى في يوم مشهود للجميع.
٥٨٤
الُعُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٦٠-٦٤
وكان اقتراحه أن يكون المكان مكاناً سوى أي مكاناً مستوياً متوسطاً بين
الطرفين، حتى لا يكون عذر في التخلف.
٥ - اختار موسى يوم العيد (يوم الزينة) لتعلو كلمة الله، ويظهر دينه،
ويكبت الكفر، ويزهق الباطل، أمام الناس قاطبة في المجمع العام، ليشيع
الخبر، ويتناقل جميع أهل المدن والقرى والحضر والأعراب قصة الأمر
العجيب، ونبأ المعجزة الكبرى. ثم عين موسى عليه السلام من اليوم وقتاً معيناً
بقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ أي في ضحوة النهار بعد طلوع الشمس،
حيث تكون الرؤية واضحة، والنفوس مستعدة نشيطة، ولأنه أول النهار، فلو
امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متسع. وكان ذلك بالمصادفة مناسباً
للسحرة، لتسخين الحبال والأدوات المعبأة بالزئبق.
- ٨ -
جمع فرعون السحرة وتحذير موسى لهم
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَنَ ﴿ قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ
فَزَعُواْ أَمْرَهُم
عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ اُفْتَرَى
بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى ﴿ قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ
﴿ فَأَحْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْنُواْ صَفَّا
أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيِقَتِكُمُ الْمُعْلَى
١٦٤
وَقَدْ أَفْلَحَ اُلْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى
القراءات:
﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾:
قرئ:
١- (فَيُسحِتَكم) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٥٨٥
لِلُُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٠-٦٤
٢- (فَيَسحَتَكم) وهي قراءة الباقين.
﴿إِنْ هَذَانٍ﴾ :
قرئ:
١- (إِنْ هذانٌ) وهي قراءة ابن كثير.
٢- (إنَّ هذين) وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (إِنْ هذانٍ) وهي قراءة حفص.
٤- (إنَّ هذانٍ) وهي قراءة الباقين.
﴿فَأَحِمِعُواْ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (فأجَعُوا).
الإعراب:
﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ﴾ ﴿إِنْ﴾ إما مخففة من الثقيلة لم تعمل، وإما بمعنى
((ما)) واللام بمعنى ((إلا)) أي ماهذان إلا ساحران. وهذان الوجهان على
مذهب الكوفيين. ومن قرأ بالتشديد (إنَّ) أتى به على لغة بني الحارث بن
کعب، فإنهم يقولون: مررت برجلان، وقبض منه درهمان، وهي لغة من يأتي
في المثنى بالألف في أحواله الثلاث.
وقيل: إنَّ بمعنى ((نعم)) أي نعم هذان لساحران، لكن فيه ضعف، لدخول
اللام في الخبر، وهو قليل في كلامهم. وقرئ ((إنَّ هذين لساحران)). ﴿فَأَحِعُواْ
كَيْدَكُمْ﴾ قرئ: (أجمعوا) نينيني بقطع الهمزة ووصلها، ففي قراءة القطع
نصب ﴿كَيْدَكُمْ﴾ بـ (أجمعوا) على تقدير حذف حرف الجر، أي فأجمعوا على
كيدكم. فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به فنصبه، يقال: أجمع على كذا:
٥٨٦
لُ (١٦) - ظفز: ٢٠ /٦٠-٦٤
إذا عزم عليه، فحذف الجار من الآية، كما في آية: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ
النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥/٢] أي على عُقدة النكاح.
وعلى قراءة (فاجتمعوا) بوصلها، لم يفتقر إلى تقدير حذف حرف الجر؛ لأنه
یتعدی بنفسه.
﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا﴾ مصدر في موضع الحال، أي ائتوا مصطفين، أو مفعول
به، أي ائتوا إلى صف، والأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أدبر وانصرف عن المجلس. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي جمع
ذوي كيده من السحرة، والكيد: ما يكاد به من السحرة وأدواتهم . ﴿ثُمَّ أَ﴾
أي أتى بالموعد بهم . ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى﴾ وهم اثنان وسبعون مع كل واحد
حبل وعصا . ﴿ وَيْلَكُمْ﴾ أي هلاك لكم. ﴿لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ بأن
تدعوا آياته سحراً، وتشركوا أحداً مع الله. والافتراء: الاختلاق والكذب،
﴿فَيُسْحِنَّكُمْ﴾ يهلككم. ﴿بِعَذَابٍ﴾ شديد من عنده. ﴿ وَقَدْ خَابَ﴾ خسر. ﴿مَنِ
آَفْتَرَى﴾ كذب على الله، كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى المُلْك
معه، فلم ينفعه.
﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ فتفاوض السحرة وتشاوروا في أمر موسى،
حين سمعوا كلامه، ﴿وَأْسَرُواْ النَّجْوَى﴾ بالغوا في إخفاء الكلام بينهم . ﴿قَالُواْ﴾
لأنفسهم . ﴿ وَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ المثلى: مؤنث أمثل بمعنى أشرف، أي
يذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه وإعلاء دينه، لقوله
تعالى حكاية لقول فرعون: ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦/٤٠].
﴿فَأَحْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ بهمزة القطع من أجمع أي أحكموا کیدکم الذي يكاد
به، وبهمزة الوصل من جمعٍ، أي لَّ ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّا﴾ أي مصطفين؛ لأنه أهيب
في صدور الرائين. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ أُسْتَعْلَى﴾ فاز اليوم من غلب.
٥٨٧
الجُزُ (١٦) - طفلٌ: ٢٠ /٦٠-٦٤
المناسبة:
بعد اتفاق موسى وفرعون على موعد المبارزة وهو يوم عيد لهم، ذكر الله
تعالى ما قام به فرعون من تدبير أمره بجمع السحرة وآلاتهم، ثم ذكر ما حذَّرهم
به موسى من عذاب شديد إن أقدموا على إبطال آيات الله، فأوقع الخلاف
بينهم، وعقدوا المشاورات في خطتهم، فاتفقوا على وحدة الصف أمام موسى
وهارون اللذين يريدان الغلبة والتفوق على دينهم الذي هو في زعمهم أفضل
الأديان.
التفسير والبيان:
﴿فَتَوَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ﴾﴾ أي انصرف فرعون وشرع في جمع
السحرة من مدائن مملكته، فجمع ما يكيد به من سحره وحيله وآلاته
وأنصاره، وقد كان السحر شائعاً عندهم، ثم أقبل في الموعد المعين، وجلس
في مكان خاص به مع كبار أعوانه، كجناح العروض العسكرية المخصص اليوم
لرئيس الدولة، وجاء موسى مع أخيه هارون، وجاءت السحرة ووقفوا
صفوفاً، وبدأ فرعون يحرضهم ويستحثهم ويعدهم، فتجرؤوا أن يطلبوا منه
الأجر، كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ، قَالَ
[الشعراء: ٤١/٢٦-٤٢]، وعدهم فرعون
٤٣
نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
بالجزاء المادي والأدبي ليتفانوا في إجادة عملهم، ويتغلبوا على موسى عليه
السلام.
وشرع موسى في الإعلان عن رسالته، فقال:
﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ
؛ أي قال موسى لفرعون والسحرة: الهلاك والعذاب
خَابَ مَنِ افْتَرَى
لكم إن اختلقتم على الله كذباً وزوراً، بأن تزعموا أن الذي جئت به ليس
بحق، وأنه سحر، فيستأصلكم الله بعذاب شديد من عنده، وقد خسر وهلك
من افترى على الله أيَّ كذب كان.
٥٨٨
لُ (١٦) - ظفن: ٢٠ / ٦٠-٦٤
فأعرضوا عن قوله :
﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَىِ ﴾﴾ أي لما سمع السحرة كلام
موسى تناظروا وتشاوروا وتفاوضوا فيما بينهم في ذلك، وتناجوا فيما بينهم
سرّاً عن موسى وأخيه، وقرروا ما يأتي:
﴿قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيِدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا
بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (4) أي قالت السحرة: إن موسى وهارون لساحران
يريدان إخراجكم أيها المصريون من أرضكم بمصر بصناعة السحر، كما
يريدان التغلب للاستيلاء على جميع المناصب، ولتكون لهما الرياسة في كل
شيء، ومآل ذلك أن تنقضي سنتكم في الحياة، ويعصف بمنهجكم في العيش
الحر العزيز الكريم، وتسلب خيراتكم، ويزول مذهبكم الأمثل الحسن.
قالوا ذلك متأثرين بما قاله فرعون، ومرددين ما يشيعه، مستخدمين
أساليب ثلاثة للتنفير منهما، وهي تكذيب نبوتهما ووصفهما بالسحرة،
والكشف عن نواياهما البعيدة بطرد السكان الأصليين من أرضهم مصر،
والاستيلاء على جميع المناصب والرياسات.
فيجب علينا الوقوف صفاً واحداً أمام هذا الخطر، فقالوا:
(®) أي
﴿فَأَخِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّا وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ أُسْتَعْلَى
فاعزموا على تقديم خبراتكم ومهاراتكم، ولا تتركوا أقصى ما تستطيعون عليه
من الكيد والحيلة، وقفوا صفاً واحداً، وألقوا ما لديكم دفعة واحدة، لتبهروا
الأبصار، وتعظم هيبتكم، وتغلبوا هذين الرجلين، فإنه قد فاز اليوم
بالمطلوب من غلب منا ومنهما.
وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض، بقصد التحريض وشد العزائم،
لبذل أقصى الجهود للفوز بالمطلوب.
٥٨٩
الجزء (١٦) - ظ٢: ٢٠ /٦٠-٦٤
فقد الحياة أو الأحكام:
دلَّت الآيات على ما يأتي:
اً - بدأت استعدادات فرعون في جمع السحرة، وإعداد الحيل كما هي
عادة التهيؤ للمبارزة، قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل
ساحر منهم حبال وعصي.
أَ - لما أتى فرعون وسحرته في الموعد المعين قال موسى لفرعون والسحرة:
الهلاك والعذاب لمن اختلق الكذب على الله، وأشرك به، ووصف المعجزات
بأنها سحر، فيستأصلكم الله بعذاب شديد من عنده، وقد خسر وهلك،
وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به. وهذا شعار
الأنبياء، وهو الصدق في الدعوة، وانتهاز الفرص المناسبة لإعلان دعوتهم.
٣٣ - تشاور السحرة سرّاً فيما بينهم، وقالوا: إن كان ما جاء به سحراً،
فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وهذا حق وصدق لا شيء فيه.
٤ - ثم أعلنوا قرارهم بأن موسى وأخاه هارون ساحران عظيمان، يريدان
إخراج الناس من مصر بسحرهما، وإفساد دينهم، وإزالة مذهبهم الحسن،
كما قال فرعون عن موسى: ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِى
اُلْأَرْضِ اُلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦/٤٠]. وهذا كله من دعاية فرعون وتحريضه.
٥ - ثم حرضوا بعضهم قائلين: اعزموا وجدّوا في تجميع أنواع الكيد
والحيلة، وأقصى فنون السحر، وأحكموا أمركم، وقفوا صفاً واحداً، ليكون
أشدَّ لهيبتكم، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتغلبوا
موسى وأخاه، وقد فاز اليوم من غلب. وهذا شأن كل من الفريقين
المتبارزين، يحرص كل منهما على الفوز والانتصار، ويتأثران بالتأييد الشعبي
وبحماس المتفرجين واللاعبين أنفسهم، كما هو معروف.
٥٩٠
الُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦
- ٩ -
المبارزة بين موسى والسحرة
وإعلان إيمانهم باللّه تعالى
﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (١٥) قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا
حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى ﴿ فَأَوْحَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى
قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى الَّ
٦٧
وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا
فَأُلْفِى السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ ءَامَنَّا
صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى الَّـ
بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى ﴿ قَالَ ءَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ
السّخْرِّ فَلَأُقَطِعَنَ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ
أَيَُّآَ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىِ ﴿٣) قَالُوْ لَنْ تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَّا
إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا
فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضِّ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً
إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا
VP
خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ
فَإِنَّ لَهُ جَهَمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴿﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ
جَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا
فَأُؤْلَتِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ الْعُلَى
٦/
وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَى
القراءات:
﴿ يُخَيَّلُ﴾:
وقرأ ابن ذكوان (تُخيل).
﴿ فَلْقَفْ﴾ :
قرئ:
٥٩١
الجُزءُ (١٦) - ظم: ٢٠ / ٦٥-٧٦
١- (تَلَقَّف) وهي قراءة ابن ذكوان.
٢- (تَلْقَفْ) وهي قراءة حفص.
٣- (تَلَقَّفْ) وهي قراءة الباقين.
﴿كَيْدُ سَحٍِّ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كيدُ سِحْر).
﴿ تُؤْثِرَكَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (نؤثرك).
﴿وَمَن يَأْتِهِ،﴾ :
وقرأ السوسي (من ياتِهْ).
الإعراب:
﴿﴿) ﴿قُوسَى﴾ فاعل أوجس، وهاء
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى
﴿نَفْسِهِ،﴾ تعود إلى موسى؛ لأنه في تقدير التقديم، و﴿نَفْسِهِ،﴾ في تقدير
التأخير .﴿خِيفَةً﴾ مفعول أوجس. وأصل ﴿خِيفَةً﴾ ((خِوْفة)) لأنها من
الخوف، فانقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
﴿فَلْقَفْ﴾ التاء إما لتأنيث ﴿مَا﴾ وهي العصا، حملاً على المعنى، كأنه قال:
ألق العصا تلقف ما صنعوا، وإما أن تكون التاء للمخاطب، أي تلقف أنت.
وهو مجزوم بجواب الأمر، بتقدير حذف حرف الشرط. ومن قرأ بالرفع، كان
حالاً من ﴿مَا﴾ أو من ضمير ﴿فِي يَمِينِكَ﴾. وما في قوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ
سَحِرٍّ﴾ إما اسم موصول بمعنى الذين اسم إن، والعائد محذوف، أي إن الذي
صنعوه، و﴿كَيْدُ﴾ خبر إن، وإما أن تكون (ما) كافة، و(كيد) عند من قرأ
٥٩٢
لُعُ (١٦) - ظم: ٢٠ / ٦٥-٧٦
بالنصب منصوب بـ ﴿صَنَعُواْ﴾. ومن قرأ (كيْدَ سِحر) أي كيد ذي سحر،
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ((من خلاف)) حال.
﴿ وَلَّذِىِ فَطَرَنَا﴾: إما مجرور بالعطف على ﴿مَا جَآءَنَا﴾ أي ((على الذي جاءنا
وعلى الذي فطرنا)) وإما مجرور بالقسم، وجوابه محذوف، لدلالة ما تقدم عليه.
وما في ﴿إِنَّمَا نَقْضِى﴾ إما بمعنى الذي في موضع نصب اسم ((إن)) والعائد
محذوف، أي: إن الذي تقضيه. وهذه: خبر ((إن)). وإما أن تكون ((ما)) كافة،
وهذه: في موضع نصب على الظرف، أي إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا.
والحياة الدنيا صفة ﴿هَذِهِ﴾ في كلا الوجهين.
﴿ وَمَّآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ﴾ (ما) إما في موضع نصب بالعطف على
خَطَيَنَا﴾ وإما مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، تقديره: ما أكرهتنا عليه
مغفور لنا. و﴿مِنَ السّحْرُ﴾ متعلق بـ ﴿أَكْرَهْتَنَا﴾.
﴿فَأُوْلَِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ الْعُلَى، جَنَّتُ﴾ ﴿الدَّرَحَتُ﴾ مرفوع بالظرف؛ لأنه
جرى خبراً عن المبتدأ، وهو أولئك، و﴿جَنَّتُ﴾ بدل مرفوع من ﴿اُلذَّرَجَتُ﴾
أي أولئك لهم جنات عدن. و﴿خَلِينَ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَمُ﴾
والعامل فيه: اللام، أي الاستقرار، أو معنى الإشارة.
البلاغة:
﴿بَلَ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي فألقوا فإذا حبالهم. ﴿ وَأَلِّ
مَا فِى يَمِينِكَ﴾ ثم قال: ﴿فَأُلْفِى السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فيه إيجاز بالحذف، وهو: فألقى
موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا من السحر، فألقي السحرة سجداً. وحسن
الحذف في الموضعين لدلالة المعنى عليه.
﴿يَمُوتُ﴾ و﴿ يَحْيَى﴾ بينهما طباق.
٥٩٣
الُزُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦
﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا﴾ و﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ بينهما
مقابلة: وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ فيه مؤكدات هي: إن، وأنت، وتعريف الخبر:
{الْأَعْلَى﴾ ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل ﴿الْأَعْلَى﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِمَّ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قال السحرة ذلك مراعاة للأدب،
بين أن يلقي عصاه أو يلقوا عصيهم. وأن وما بعده: منصوب بفعل مضمر،
أو مرفوع بخبر محذوف، أي اختر إلقاءك أولاً أو إلقاءنا، أو الأمر إلقاؤك، أو
إلقاءنا. ﴿قَالَ بَلْ أَلَّقُواْ﴾ مقابلة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم،
وليستنفدوا أقصى وسعهم، ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل
فیدمغه.
﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ أي فألقوا، وكلمة ﴿فَإِذَا﴾ التحقيق أنها ظرفية
متعلقة بفعل المفاجأة، والجملة ابتدائية، والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى وقت
تخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق، فلما
ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك. و﴿ أَنَّا تَسْعَى﴾ بدل
اشتمال، أي إنها حيات تسعى على بطونها.
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً﴾ أحس بشيء من الخوف، من جهة أن سحرهم
من جنس معجزته، أن يلتبس أمره على الناس، فلا يؤمنوا به.
قُلْنَا لَ
أُنْتَ
إنّكَ
﴾ قلنا له: لا تخف ما توهمت فإنك
٦٨
الْأعْلَى
تُخَفْ
أنت الأعلى عليهم بالغلبة، وهذا الأخير تعليل للنهي وتقرير لغلبته، مؤكداً
بالاستئناف وحرف التحقيق: ((إن)) وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو
الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل.
٥٩٤
الجُزُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦
﴿ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ﴾ وهي العصا، ولم يقل: عصاك، تحقيراً لها، أي لا
تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، أو تعظيماً لها، أي لا تحتفل بكثرة هذه الأشياء
وعظمها، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثراً، فألقه. ﴿نَلْقَفْ﴾ تبتلع بقوة
وسرعة وبقدرة الله تعالى، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ﴾
إن الذي زوَّروا وافتعلوا ﴿كَيْدُ سَحِرٍّ﴾ أي كيد سحري لا حقيقة له، أي ذي
سحر، أو إضافة قصد بها البيان مثل: علم فقه، وإنما وحد الساحر؛ لأن
المراد به الجنس المطلق. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ أي هذا الجنس: ﴿حَيْثُ أَنَى﴾
بسحره، أي أينما كان، وأينما أقبل.
﴿ فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ خرّوا ساجدين لله تعالى، أي فألقى فتلقفت، فتحقق
عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله، ومعجزة من معجزاته،
فألقاهم ذلك على وجوههم سجداً لله، توبة عما صنعوا وتعظيماً لما رأوا
﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَذُرُونَ وَمُوسَى﴾ قدم هارون لكبر سنه، أو لروي الآية، روي أنهم
رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها . ﴿قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُمْ﴾ قالٍ فرعون: آمنتم
لموسى. واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع. ﴿قَبْلَ أَنّ ◌َاذَنَ لَكُمْ﴾ أنا في الإيمان
له . ﴿إِنَُّ لَكَبِرُّكُمْ﴾ إن موسى لمعلمكم أو لأستاذكم الذي علمكم السحر،
وأنتم تواطأتم على ما فعلتم . ﴿مِّنْ خِلَفٍ﴾ في موضع النصب على الحال أي
لأقطعنها من حال مختلفة: اليد اليمنى والرجل اليسرى. ومن: ابتدائية.
﴿ وَلَأُصَلِيَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي عليها، شبه تمكن المصلوب بالجذوع بتمكن
المظروف بالظرف، وهو أول من صلب . ﴿ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ يريد نفسه ورب
موسى لقوله: ﴿ءَامَنْتُمْ لَهُ﴾. ﴿أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ أي أدوم عذاباً. وهل نفذ
فیهم تهدیده؟
الآيات لم تذكر ذلك، لكن ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده، فقطع
أيديهم وأرجلهم وصلبهم، فماتوا على الإيمان، فقال ابن عباس: كانوا في
أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.
٥٩٥
لُ (١٦) - طان: ٢٠ / ٦٥-٧٦
﴿قَالُوْ لَن تُؤْثِرَكَ﴾ قال السحرة: لن نختارك. ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبِيِنَتِ﴾
على ما جاءنا موسى به من المعجزات الواضحات الدالة على صدقه . ﴿ وَاُلَّذِى
فَطَرَنَا﴾ خلقنا وأوجدنا من العدم. وهذا عطف على ما جاءنا، أو قسم
﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾ اصنع ما أنت قاضيه، أي صانعه، أو ما قلته أو
احكم . ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما
تراه في هذه الدنيا، فالنصب على الاتساع، أي فيها، ثم تجزى عليه في
الآخرة، والآخرة خير وأبقى، فهو كالتعليل لما قبله، والتمهيد لما بعده.
﴿ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيْنَا﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ﴾
تعلماً وعملاً في معارضة موسى والمعجزة. ﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ منك ثواباً إذا أطيع.
﴿ وَأَبْقَى﴾ وأشد منك عذاباً إذا عُصي.
﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ إن الأمر من يأت ربَّه كافراً، بأن يموت على
كفره وعصيانه . ﴿لَا يَمُوتُ فِيَهَا﴾ فيستريح. ﴿وَلَا يَحْنَى﴾ حياة هنيئة فتنفعه.
﴿فَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ الفرائض والنوافل. ﴿لَهُمُ اُلذَّرَحَتُ اُلْعُلَى﴾ المنازل
الرفيعة، جمع علياء مؤنث أعلى.
﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ أي جنات أعدت للإقامة. ﴿مِن تَحِهَا﴾ من تحت غرفها
﴿جَزَآءُ مَن تَزَكَى﴾ تطهر من الذنوب والكفر.
قال البيضاوي: والآيات الثلاث - أي الأخيرة - يحتمل أن تكون من
كلام السحرة، وأن تكون ابتداء كلام الله.
المناسبة:
بعد ذكر الموعد وهو يوم الزينة وذكر مجيئهم صفاً، حدثت المبارزة بين
السحرة وموسى، فخيروه بين بدئه بالإلقاء، وبدئهم به، وكان ذلك أدباً منهم
وتواضعاً، رزقوا الإيمان ببركته، فقابلهم موسى أدباً بأدب، وقدمهم في
٥٩٦
لُزُ (١٦) - ظَنْز: ٢٠ / ٦٥-٧٦
الإلقاء؛ لأنه الطريق إلى إزالة الشبهة، فما كان منهم إلا الإيمان، لمعرفتهم بأن
فعل موسى معجزة وليس سحراً، وصمدوا على إيمانهم هازئين بتهديد فرعون
بالتقطيع والصلب.
التفسير والبيان:
لما بدأت المبارزة، والتقى الفريقان، قالت السحرة لموسى:
﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (49)﴾ أي قالت
السحرة لموسى حين تقابلوا معه: اختر أحد الأمرين: إما أن تلقي أنت أولاً
ما تريد، وإما أن نُلقي نحن ما معنا من العصي والحبال على الأرض. وهذا
التخيير مع تقديمه في الكلام أدب وحسن تواضع له، ألهمهم الله به، ورزقوا
الإيمان ببركته، فقابل موسى عليه السلام أدبهم بأدب، فقال:
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾ قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً، لنرى سحركم وتظهر
حقيقة أمركم، ولتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم، ثم إذا ألقى
عصاه فتبتلع ما ألقوه كله، وليظهر عدم المبالاة بسحرهم.
﴿فَإِذَا حِبَالْهُمْ وَعِصِتُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى﴾ أي فألقوا ما معهم
من الحبال والعصي، فتوهم موسى ومن رآهم من الناس أنها تتحرك بسرعة
كالأفاعي. ففي بدء الكلام حذف، أي فألقوا، وقوله: ﴿فَإِذَا﴾ في رأي
الزمخشري أنها إذا المفاجأة، وتعقبه الرازي فقال: والتحقيق فيها أنها إذا
الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها.
وجاء في آية أخرى أنهم لما ألقوا ﴿ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ﴾
[الشعراء: ٤٤/٢٦] ونظير الآية هنا: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦/٧] . وذلك أنهم حشوها
بالزئبق الذي يتأثر بحرارة الشمس، أو بمادة أخرى تتأثر بالحرارة، فيخيل
للناظر أنها تسعى باختيارها، وكأن الوادي امتلأ حيات يركب بعضها بعضاً.
٥٩٧
لِلُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦
أي أحسَّ موسى بالخوف من أن
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى (®]
يُغْلَب، تأثّراً بالطبيعة البشرية، وابتهج فرعون وقومه، وظنوا أنهم قد نجحوا،
وأن السحرة فازوا على موسى وهارون.
· أي قال الله لموسى: فإنك أنت
٦٨
﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
المستعلي عليهم بالظفر والغلبة.
﴿ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُوَّ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
حَيْثُ أَنَى (6) أي وألق يا موسى العصا التي في يمينك، تبتلع بعد أن تصير
حية جمع ما صنعوه من الحبال والعصي، وسحروا بها أعين الناس، إن الذي
صنعوه ليس إلا سحراً خيالاً لا حقيقة له ولا بقاء، ولا يفوز الساحر حيث
أتى من الأرض، أو حيث احتال، وأنه لا يحصل مقصوده بالسحر، خيراً كان
أو شراً. وإنما أبهم العصا تهويلاً لأمرها، وأنها ليست من جنس العصيّ
المعروفة.
فقامت المعجزة: واتضح البرهان، وظهر الحق، وبطل السحر، ودهش
الناس الذين ينظرون، وأدرك السحرة أن السحر لا يفعل هذا أبداً، وأن هذا
خارج عن طاقة البشر، وأنه من فعل الإله خالق الكون، فآمنوا كما قال
تعالی:
﴿فَأُلْفِى السَّخَرَةُ سُجَّدًا قَالْوَاْ ءَمَنَا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى ﴾﴾ أي فلما ألقى موسى
عصاه، وابتلعت عصيهم وحبالهم، علموا أن فعل موسى ليس من قبيل
السحر والحيل، بل هو عن أمر الله القادر على كل شيء، فسجدوا لله وآمنوا
برسالة موسى، قائلين: آمنا بربِّ العالمين، ربِّ هارون وموسى، مفضلين
الآخرة على الدنيا، والحق على الباطل. قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا
أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وروی عكرمة عن ابن عباس
٥٩٨
الجُزُ (١٦) - طفز: ٢٠ / ٦٥-٧٦
أيضاً أنه قال: كانت السحرة سبعين رجلاً، أصبحوا سحرة، وأمْسَوْا شهداء.
قال الأوزاعي: لما خرَّ السحرةُ سجَّداً، رفعت لهم الجنة، حتى نظروا إليها.
الله أكبر! ففعل الله أعجب وأدهش، والإيمان البسيط سبب للمجد
العظيم، والفضل الكبير، والنعم الخالدة في جنان الله. وليس المراد بقوله:
﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ أنهم أجبروا على السجود، وإلا لما كانوا محمودين، بل
إنهم من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا، قال صاحب الكشاف: ما أعجب
أمرهم، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد
ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين !!
وإنما قالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ولم يقولوا برب العالمين فقط: لأن
فرعون ادعى الربوبية في قوله: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤/٧٩] وادعى
الألوهية في قوله: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨/٢٨] فلو
أنهم قالوا: آمنا بربِّ العالمين فحسب، لقال فرعون: إنهم آمنوا بي، لا
بغيري، فاختاروا هذه العبارة لإبطال قوله، والدليل عليه: أنهم قدموا ذكر
هارون على موسى؛ لأن فرعون كان يدعي ربوبيته لموسى؛ لأنه ربّاه في صغره
كما حكى تعالى عنه: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨/٢٦].
ثم إن فرعون لما شاهد السجود والإقرار بالله تعالى، خاف متابعة الناس لهم
واقتداءهم بهم في الإيمان بالله وبرسوله، فألقى شبهة أخرى في النبي ونبوته،
فقال :
﴿قَالَ ءَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنّ ◌َذَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحُرِّ﴾ أي قال
فرعون الذي أصر على كفره وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى
المعجزة الباهرة، وإيمان من استنصر بهم من السحرة، وهزيمته الساحقة: هل
صدقتموه أو صدقتم قوله واتبعتموه على دينه من غير إذن مني لكم بذلك؟ فلم
تؤمنوا عن بصيرة وتفكير، إنما أنتم أخذتم السحر عن موسى، فهو معلمكم
٥٩٩
لُ (١٦) - ظف٢: ٢٠ / ٦٥-٧٦
وأستاذكم، وأنتم تلاميذه، واتفقتم وتواطأتم وإياه عليّ وعلى رعيَّتي لتظهروه
وتروجوا لدعوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ
مِنْهَا أَهْلَهَّا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣/٧].
أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس، حتى لا يؤمنوا، وإلا
فإنه قد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيساً لهم، ولا بينه وبينهم
صلة أو مواصلة.
ثم لجأ فرعون إلى التهديد والتنفير عن الإيمان قائلاً:
{فَلَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَأُصَلِبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ أي أقسم إني لأُمثّلَن بكم، فأقطعن أيديكم وأرجلكم
من خلاف، أي بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو عكسه. قال ابن عباس :
فكان أول من فعل ذلك، وهذا تعطيل للمنفعة، وأيضاً لأصلبنكم على جذوع
النخل، زيادة في الإيلام والتشهير، وإنما اختارها لخشونتها وأذاها، ولتعلمن
هل أنا أشد عذاباً لكم أو ربّ موسى؟
وفي هذا تحدٍّ لقدرة الله، وتحقير لشأن موسى، وإيماء إلى ماله من سلطة وقهر
واقتدار.
ولما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل:
﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا﴾ أي لن نختارك
على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحة من عند الله تعالى، والمعجزات
الظاهرة كاليد والعصا، وعلى ما حصل لنا من الهدى واليقين، ولن نختارك
على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، فهو المستحق للعبادة والخضوع،
لا أنت.
﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌِ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي فافعل ما شئت،
٦٠٠
الجُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٦٥-٧٦
واصنع ما أنت صانع، إنما لك تسلط ونفوذ في هذه الدنيا التي هي دار
الزوال، بما تريد من أنواع القتل، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، ونحن قد
رغبنا في دار القرار.
- ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَى (®﴾ أي إننا صدقنا بالله ربنا المحسن إلينا، ليتجاوز ويستر ويعفو عن
سيئاتنا وآثامنا وذنوبنا، خصوصاً ما أجبرتنا عليه من عمل السحر، لنعارض
به آية الله تعالى ومعجزة نبيه، والله خير لنا منك جزاء وأدوم ثواباً، مما كنت
وعدتنا، وأبقى منك عقاباً.
ذكر أن رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والباقي من
بني إسرائيل، فقالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً، فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه،
فقالوا: ما هذا بساحر، الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه.
ولم تدل الآيات على تنفيذ فرعون ما هدد به السحرة، ولكن الظاهر أنه نفَّذ
ذلك، لقول ابن عباس المتقدم: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء بررة.
وتابع السحرة وعظ فرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم،
ويرَغِّبونه في ثوابه الأبدي الخالد، فقالوا :
﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهََّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى
أی إن
(VE
من يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، فعذابه في جهنم، لا يموت فيها ميتة
مريحة، ولا يحيا حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي. وهذا من قول السحرة لما
آمنوا، وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ
عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦/٣٥] وقوله سبحانه: ﴿وَيَنَجَنَّبُها
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْنَى
١٣
اُلْأَشْقَى ﴿ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبرى
(١٣)