النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ الُ (١٦) - ظئة: ٢٠ /١-٨ ٩ - إيراد قصة آدم عليه السلام مع إبليس في الجنة [١١٥- ١٢٢]. لاً - تأكيد بيان الجزاء في الدنيا والآخرة لمن أعرض عن القرآن، بالعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة عن الحجة المنقذة من العذاب [١٢٤ - ١٢٧]. ٨ - العظة والاعتبار بهلاك الأمم السابقة وتأخير عذاب المشركين إلى يوم القيامة [١٢٨-١٢٩]. ـة - توجيهات ربانية للنبي وَل وأمته في الصبر على الأذى، وتنزيه الله تعالى في الليل والنهار، وعدم الافتتان بزهرة الحياة الدنيا لدى الآخرين، وأمر الأهل بإقامة الصلاة ومتابعة التنفيذ [١٣٠- ١٣٢]. ٠ ٢ - طلب المشركين إنزال آيات مادية من الله، وإعذارهم بعد إرسال الرسول وإنزال القرآن، ثم وعيدهم بالعذاب المنتظر يوم القيامة [١٣٣- ١٣٥]. القرآن سبب السعادة ﴿َطِهِ ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىِّ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى ٣ تَنْزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعَلَىِ ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّىِ ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السَِّزَّ وَأَخْفَى ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ٨ القراءات: ﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران). ٥٢٢ الُ (١٦) - ظَنْزٌ: ٢٠ /١-٨ الإعراب: ) مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىِ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةً﴾ ما أنزلنا: إما ﴿طه جواب القسم؛ لأن قوله تعالى: ﴿طه ﴾﴾ جارٍ مجرى القسم، وإما أن يكون (طه ) بمعنى: يا رجل، أي يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن " لتشقى، ولام ﴿لِتَشْقَىَ﴾ لام النفي، أو لام الجحود. و﴿ نَذْكِرَةَ﴾ منصوب على الاستثناء المنقطع. ﴿تَنْزِيلًا﴾ منصوب على المصدر. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، أو مرفوع على المدح أي هو الرحمن. و﴿عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى﴾ خبران للمبتدأ. ﴿ يَعْلَمُ السّزَّ وَأَخْفَى﴾ أي وأخفى من السر، كقولهم: الله أكبر، أي أكبر من كل شيء. ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ﴾ ﴿اَللَّهُ﴾ مبتدأ مرفوع، أو بدل من ضمير ﴿يَعْلَمُ﴾ الْأَسْمَاءُ ﴿لَهُ وخبر المبتدأ : جملة : البلاغة: ﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ التفات من ضمير التكلم إلى الغيبة، تفنناً في الكلام، وتفخيماً للمنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به. المفردات اللغوية: ﴿طه ®) هذه الحروف المقطعة نزلت للتنبيه والتحدي بإعجاز القرآن البياني، ما دام مركباً من الحروف التي تتكون منها لغة العرب نفسها. أو هو اسم من أسماء النبي ټټ، أو معناه: یا رجل، کما روي عن ابن عباس وكبار جماعة التابعين. ٥٢٣ الُ (١٦) - ◌َّفْز: ٢٠ /١-٨ ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ يا محمد ﴿لِتَشْقَى﴾ لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل، أي خفف عن نفسك. ﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ﴾ لكن أنزلناه للتذكير والعظة ﴿لِّمَنْ يَخْشَى﴾ لمن يخاف الله. ﴿اَلْعُلَى﴾ جمع عليا، مؤنث الأعلى، كالكبرى مؤنث الأكبر. ﴿اَلْعَرْشِ﴾ في اللغة: سرير الملك، وهو هنا كناية عن الملك، أو هو مخلوق الله أعلم به، وهذا هو الأصح . ﴿ أُسْتَوَى﴾ استولى عليه، بدليل قول الشاعر: استوى بِشْر على العراق من غير سيف ودم مِهْراق والأصح أن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، كما قال الإمام مالك، فهو استواء يليق بجلال الله تعالى. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من المخلوقات. ﴿وَمَا تَّحْتَ الثََّى﴾ التراب الندي، وهنا يراد مطلق التراب، والمراد: الأرضون السبع؛ لأنها تحت التراب. ﴿وَإِن ◌َجْهَرْ بِالْقَوّلِ﴾ في ذكر أو دعاء، فالله غني عن الجهر به. ﴿ وَأَخْفَى﴾ من السر، وهو حديث النفس والخاطر الذي يدور في الذهن، دون التفوه به، فلا تجهد نفسك بالجهر . ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ﴾ الصفات والأسماء التسعة والتسعون الوارد بها الحديث. والحسنى: مؤنث الأحسن. والذي فُضِّلَت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن، كما قال الزمخشري. سبب النزول: قال مقاتل: قال أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، ومُطْعِم بن عديّ للنبي وَّهِ: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ◌َله: (بل بعثت رحمة للعالمين)) قالوا: بل أنت تشقى، فأنزل الله الآية رداً عليهم، وتعريفاً لمحمد سليم بأن دين الإسلام هو سبب كل سعادة، وما فيه المشركون هو الشقاء بعينه. ٥٢٤ لُ (١٦) - ظفر: ٢٠ /١-٨ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي ◌َّ كان أول ما أنزل الله عليه الوحي يقوم على صدور قدميه إذا صلى، فأنزل الله: ﴿طه ﴿ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى التفسير والبيان: ﴿طه ) هذه الحروف المقطعة التي يبتدأ بها في أوائل السورة لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن، ما دام مركباً من حروف اللغة التي ينطقون بها ويكتبون. وقيل: هو اسم للنبي وََّ، ومعناه: طأ الأرض يا محمد، قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي ◌َّ كان يتحمل مشقة الصلاة، حتى كادت قدماه تتورّمان، ويحتاج إلى التروّح، فقيل له: طأ الأرض، أي لا تتعب نفسك في الصلاة جدّاً، حتى تحتاج إلى المراوحة بین قدمیك. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىِ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ أي لم ننزل القرآن عليك لتتعب نفسك بسبب تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وفرط تحسرك على أن يؤمنوا، فإن إيمانهم ليس إليك، بل أنزلناه لتبلغ وتذكّر، فحسبك التبليغ والتذكير، ولا تلتفت بعدئذ الإعراض المعاندين، ولا ترهق نفسك وتتعبها بحملهم على قبول دعوتك. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا جَ﴾ [الكهف: ٦/١٨]. فقوله: ﴿لِتَشْقَى﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا. روى جويبر عن الضحاك قال، ومعه مقاتل: لما أنزل الله القرآن على رسوله ◌َ ◌ّ، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه ﴿ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل لِتَشْقَى ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى ٥٢٥ الجُزُ (١٦) - ظنزم: ٢٠ /١-٨ من آتاه الله العلم، فقد أراد به خيراً، كما ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله وَله: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وما أنزلناه إلا تذكرة لتذكِّرَ به من يخاف عذاب الله، وينتفع بما سمع من كتاب الله الذي جعلناه رحمة وٍنوراً ودليلاً إلى الجنة، وليسٍ عليك جبرهم على الإيمان، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ [الشورى: ٤٨/٤٢]، و﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ ٢٢ [الغاشية: ٢٢/٨٨]. وفي هذا إيناس للنبي وَّ على إعراض قومه عن دعوته، وضيق نفسه من تصميمهم على الكفر. روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله وَالله: ((يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي)». وكلمة ﴿إِلَّا﴾ في الآية: إما استثناء منقطع بمعنى: لكن، أو متصل والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة. وإنما خصَّ (من يخشى) بالتذكرة؛ لأنهم المنتفعون بها، وإن كان القرآن عاماً في الجميع، وهو كقوله: ﴿هُدَى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/٢]. ودليل العموم قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١/٢٥] . ووجه التذكير بالقرآن: أن النبي ◌َّ كان يعظهم به وببيانه. ﴿ تَنْزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى ﴾﴾ أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد نُزّل عليك تنزيلاً من خالق الأرض والسماوات العليا، والمراد بهما جهة السفل والعلو، الأرض بانخفاضها وكثافتها، والسماوات في ارتفاعها ولطافتها. ٥٢٦ الُُ (١٦) - طئة: ٢٠ /١-٨ والمراد بالآية: إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن، ليقدروا القرآن حق قدره. ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾ أي ومنزل القرآن هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو الذي علا وارتفع على العرش، ولا يعلم البشر كيف ذلك، بل نؤمن به على طريقة السلف الصالح الذين يؤمنون بالصفات من دون تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، فهو استواء يليق بجلال الله وعظمته، بلا كيف ولا انحصار، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠/٤٨] لأن الله تعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئاً من الحوادث، والعرش: شيء مخلوق، لا ندري حقيقته. ويرى الخلف تأويل الصفات، فيراد بالاستواء: الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل، والعرش: هو الملك، واليد: القدرة. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى ﴾﴾ أي إن الله منزل القرآن هو أيضاً مالك السماوات والأرض وما بينهما من الموجودات، ومالك كل شيء ومدبره، ومتصرف فيه، ومالك ما تحت التراب من شيء. فله الكون كله ملكاً وتدبيراً وتصرفاً. ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٣) أي إن تجهر بدعاء الله وذِكْره، فالله تعالى عالم بالجهر والسر، وما هو أخفى منه مما يخطر بالبال، أو يجري في حديث النفس، فالعلم بكل ذلك سواء بالنسبة إلى الله عز وجل. والمعنى: إن تجهر بذكر الله ودعائه، فاعلم أنه غني عن ذلك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر. وأما إجراء الأدعية والأذكار على اللسان، فلمساعدة القلب على ذلك، ولتصور المعنى، وشغل الحواس بالمطلوب وصرفها عن التفكر في غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ اُلْجَهْرِ مِنَ اٌلْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥/٧] . ٥٢٧ لُعُ (١٦) - ظئن: ٢٠ /١-٨ إن صفات الكمال ﴿ اَللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ المتقدمة هي الله المعبود الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وله أحسن الأسماء والصفات الدالة على كل الكمال والتقديس والتمجيد، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح، والتي تقدم ذكرها في سورة الأعراف [الآية: ١١٠] وله أيضاً الأفعال الصادرة عن كمال الحكمة والصواب. وبه يتبين أن هذه الآيات وصفت منزل القرآن على الرسول وَله بأنه خالق الأرض والسماء، وأنه الرحمن صاحب النعم، وأنه الذي استوى على العرش وصاحب التصريف في الكون، وأن له الكون كله ملكاً وتدبيراً وتصرفاً، وأنه العالم بكل شيء، سواء عنده السر والجهر، وأنه الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال السديدة. فهل بعد إيراد هذه الصفات من يدعي أن القرآن من عند غير الله، وهل يصح اتخاذ صنم من حجر أو خشب أو معدن شريكاً لله؟ لذلك كله بادر عمر بن الخطاب في جاهليته بعقل متفتح إلى الإسلام. والإيمان، لما قرأت عليه أخته هذه الآيات. وقد نزلت سورة طه قبل إسلام عمر رضي الله عنه. إسلام عمر: روى ابن إسحاق في سيرته: إن عمر قبل إسلامه كان شديد العداوة للإسلام، وقد خرج في يوم متوشحاً سيفه، يريد النبي وَ له، فلقيه نُعيم بن عبد الله. فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمداً هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر، أتَرى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمداً؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! ٥٢٨ الجُزُ (١٦) - ظننْ: ٢٠ / ١-٨ فقال: وأي أهل بيتي؟ قال: خَتَنك (زوج أختك) وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً علی دینه، فعلیك بهما. قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خبّاب بن الأرتّ، معه صحيفة فيها أول سورة (طه ) يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهما، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة (الكلام الخفي الذي لا يفهم) الذي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً، قال: بلى والله، لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه. وبطش بختَنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفَّه عن زوجها، فضربہا فشجّها. فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما صنع، ندم وارعوى، وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال لها: لا تخافي، وحلف لها بآلهته لَيَرُدّنها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها ﴿طه (4) فلما قرأ منها صدراً، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب خرج إليه، فقال له : يا عمر، والله، إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته ٥٢٩ الْخُرُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ١-٨ أمس، وهو يقول: ((اللهم أيِّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب)) فالله الله يا عمر، فقال عمر: دُلَّني يا خباب على محمد حتى آتيه. فأسلم ورضي الله عنه. هذا ما ذكره ابن إسحاق مطولاً، وروى القصة بإيجاز الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً بسيف؛ فقيل له: إن خَتَنك وأختك قد صَبَوَا (١)، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خَبَّاب، وكانوا يقرؤون ﴿طه ) فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه - وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب - فقالت له أخته: إنك رِجْس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ ﴿طه فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفوس وإضناء الأجسام، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم. وفي هذا رد على كفار قريش - كما تقدم في سبب النزول - الذين قالوا: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى ﴿طه ويوضح ذلك ما قاله الكلبي: لما نزل على النبي ◌َّ الوحي بمكة، اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زماناً حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه، فيصلِي وينام، فنسخت هذه الآيةُ قيامَ الليل، فكان بعد هذه الآية يصلّي وينام. (١) يقال: صبأ: خرج من دين إلى دين، وبابه ((خضع)). ٥٣٠ الجُرُ (١٦) - ظُفز: ٢٠ /١-٨ وهكذا لم يكن إنزال القرآن لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما القرآن كتاب يسر، وما بعث النبي ◌َّ إلا بالحنيفية السمحة. أَ - الله تعالى منزل القرآن هو خالق الأرض والسماوات العليا، وهو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها الذي اعتلى عرشه، فكان مطلق التصرف في الخلق والكون، وله جميع ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما من الموجودات وما تحت الأرض من معادن وذخائر وأموال وغير ذلك، والأرضون سبع والسماوات سبع أيضاً، وهو العالم بكل شيء، يستوي عنده السر والجهر وما هو أخفى من السر، قال ابن عباس: السر: ما حدَّث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه: ما أضمر في نفسه مما لم يحدِّث به غيره. وهو سبحانه الإله الوحيد في هذا الكون، لا إله غيره، ولا رب سواه، له الأسماء الحسنى التسع والتسعون، والصفات العليا، والأفعال الحميدة الحكيمة السديدة. وقد وَحَّد الله نفسه سبحانه؛ وذلك أن رسول الله وَل دعا المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده لاشريك له، فكبر ذلك عليهم، فلما سمعه أبو جهل يذكر الرحمن، قال الوليد بن المغيرة: محمد ينهانا أن ندعو مع الله إلهاً آخر، وهو يدعو الله والرحمن؛ فأنزل الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ٥ وأنزل: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. [الإسراء: ١١٠/١٧] وهو واحد وأسماؤه كثيرة؛ ثم قال ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ ٨ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ٥٣١ لُزُ (١٦) - ظفنٌ: ٢٠ / ٩-١٦ قصة موسى عليه السلام -١ - تكليم ربه إياه (أو مناجاة موسى) وابتداء الوحي إليه في الوادي المقدس ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴿ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنِّ ◌َانَسْتُ فَلَمَّا أَنَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ نَارًا لَّعَلّ ◌َائِيْكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ﴿ إِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوَّ ﴿ إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ١٤ إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿ فَلَا يَصُدَّنَكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى القراءات: ﴿لِأَهْلِهِ أَمْكُنُوَاْ. وقرأ حمزة (لأهلِهُ امكثوا). ﴿ إِنِّّ ءَانَسْتُ﴾. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إنيَ أنست). ﴿لَعَلِّ ءَانِيَكُمْ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (لعليَ آتيكم). ﴿إِّ أَنَا﴾ ٥٣٢ للدُعُ (١٦) - ظم: ٢٠ /٩-١٦ قرئ: ١- (إنيَ أنا) وهي قراءة نافع. ٢- (أنيَ أنا) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ٣- (إنيْ أنا) وهي قراءة الباقين. وُطُوَّى) : قرئ: ١- (طوَّى) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (طوَى) وهي قراءة الباقين. ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ﴾ : وقرأ حمزة (وأَنَّا اخترناك). ﴿إِنَّنِىّ أَنَا﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إننيَ أنا). ﴿ لِذِكْرِىّ ، إِنَّ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو (لذكريَ إن). الإعراب: ﴿إِنِّ أَنْ رَبُّكَ﴾ ﴿إِنِ﴾ بالكسر على الابتداء؛ لأن النداء في معنى القول، وإن: تُكْسَر بعد القول؛ لأنها في تقدير الابتداء. وتقرأ بالفتح (أني) لوقوع ﴿نُودِىَ﴾ عليها، أي نودي يا موسى بأني، فحذف الياء تخفيفاً. و﴿أَنَاْ﴾ تأكيد لياء المتكلم. ٥٣٣ الُهُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٩-١٦ ﴿ُطُوَّى﴾ من قرأ بتنوين، جعله منصرفاً اسماً للمكان غير معدول، كجُعَل وصُرَد، ومن لم ينون جعله ممنوعاً من الصرف إما للتأنيث والتعريف، أو للتعريف والعدل عن (طاوٍ) كعدول عمر عن عامر. وإعرابه: بدل من الوادي في كلا الوجهين. ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اللَّهُ﴾ بدل مما يوحى. ﴿لِذِكْرِىّ﴾ إما مضاف إلى المفعول، أي لتذكرني، وإما مضاف إلى الفاعل، أي لأذكرُك. ﴿أَكَدُ أُخْفِيهَا﴾ ﴿أُخْفِيهَا﴾ إما أن الهمزة فيه همزة السَّلْب، أي أريد إخفاءها، مثل: أشكيتُ الرجل، إذا أزلتُ شكايته، وإما أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف أظهرُها لكم. ولام ﴿لِتُجْزَى﴾ متعلقة بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾. ﴿فَتَرْدَى﴾ إما منصوب جواباً للنهي بالفاء، بتقدير (أن) مثل: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: ٨١/٢٠] وإما مرفوع على تقدير: فإذا أنت تردى، مثل ﴿ يَلَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ [النساء: ٧٣/٤]. البلاغة: (9)؟ للتشويق والحث على الإصغاء، وهو ﴿ وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى استفهام تقرير. ﴿لِتَشْقَى﴾ ﴿يَخْشَى﴾ ﴿وَأَخْفَى﴾ ﴿نَسْعَى﴾ سجع حسن. المفردات اللغوية: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ﴾ تشويق لسماع قصته بقصد التأسي به، والحديث: ما يبلغ الإنسان من الكلام، سواء بالسمع أو بالوحي. وهو استفهام تقرير. ٥٣٤ لِلُ (١٦) - ظئة: ٢٠ / ٩-١٦ ﴿إِذْ رَءَا﴾ ظرف للحديث؛ لأنه حدث، أو مفعول لفعل مقدر وهو اذكر. ﴿لِأَهْلِهِ﴾ لامرأته. ﴿أَمْكُثُواْ﴾ هنا، والمكث: الإقامة، قال ذلك في أثناء مسيره من مدين إلى مصر. ﴿ءَانَسْتُ﴾ أبصرت. ﴿ءَائِيكُمْ﴾ أجيئكم. ﴿بِقَبَسِ﴾ بشعلة من النار مقتبسة على رأس فتيلة أو عود وقال: ﴿لَّعَلِّ﴾ لعدم الجزم بوفاء الوعد . ﴿هُدِّى﴾ هادياً يدلني على الطريق، وكان أخطأها لظلمة الليل. ﴿فَلَمَّا أَنَنَهَا﴾ أتى النار، وجد ناراً بيضاء تتقد في شجرة خضراء . ﴿فَأُخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أي للتواضع والأدب. ﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر أو المبارك، وهو تعليل للأمر باحترام البقعة. ﴿أَخْتَرْتُكَ﴾ اصطفيتك للنبوة من قومك. ﴿لِمَا يُوحَىّ﴾ إليك مني، أو للوحي، واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين. ﴿أَنَا اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُنِ﴾ دال على أن الأمر مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. ﴿ وَأَقِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ لتكون ذاكراً لي، خصها بالذكر، لما فيها من تذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، وقيل: لذكر صلاتي، لما روي أنه وَ لّ قال فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس: ((من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها))، إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةٌ﴾ كائنة لا محالة. ﴿أَكَدُ أُخْفِيهَا﴾ أبالغ في إخفائها ولا أظهرها بأن أقول: إنها آتية، أو أريد إخفاء وقتها عن الناس، ويظهر لهم قربها بعلاماتها. ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا نَسْعَى﴾ أي لتجزى فيها كل نفس بما تسعى من خير أو شر. ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ لا يصرفنك عن الإيمان بها. ﴿هَوَنَهُ﴾ ما تهواه نفسه في إنكارها. ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلِك إن صددت عنها. المناسبة: لما عظّم الله تعالى حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه به من التبليغ، أتبع ذلك بما يقوّي قلب رسوله ◌َ له في الإبلاغ من ذكر أحوال الأنبياء عليهم ٥٣٥ الجُزُ (١٦) - طنة: ٢٠ /٩-١٦ السلام كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا تُشَيِّثُ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ [هود: ١٢٠/١١]. وبدأ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل، وكان موسى أشد الناس صبراً على تحمل مكاره قومه. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي وَّ لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة. التفسير والبيان: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾﴾ أي وهل بلغك خبر موسى وقصته مع فرعون وملئه، وكيف كان ابتداء الوحي إليه، وتكليمه إياه؟ وبدئ بالاستفهام لتثبيت الخبر، وتقريره في نفس المخاطب، فذلك أسلوب مؤثر في إلقاء الكلام العربي. قال المفسرون: استأذن موسى عليه السلام شُعَيْباً في الرجوع إلى والدته، فأذن له، فخرج، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد حاد عن الطريق، فقدح موسى عليه السلام النار، فلم تور المِقْدَحة شيئاً، فبينا هو يزاول ذلك، إذ نظر ناراً من بعيد عن يسار الطريق، فظن أنها نار من نيران الرعاة، من جانب جبل الطور الواقع عن يمينه(١)، كما قال تعالى: ﴿إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أُمْكُواْ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّيْ ءَانِيَكُمْ مِّنْهَا بِفَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى (٣)﴾ أي هل أتاك خبر موسى حين رأى ناراً، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافراً من مدين إلى مصر، والصحيح كما قال الرازي أنه رأى ناراً، لا تخيَّل ناراً، ليكون صادقاً في خبره؛ إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. (١) تفسير الرازي ٥١/٢١ ٥٣٦ اِلُهُ (١٦) - طفلٌ: ٢٠ / ٩-١٦ فقال لزوجه وولده وخادمه مبشراً لهم: أقيموا مكانكم، إني رأيت ناراً من بعيد، لعلني أوافيكم منها بشعلة مضيئة أو بشهاب، أو جذوة كما في آية أخرى، لعلكم تستدفئون (أو تصطلون) بها، مما يدل على وجود البرد، أو أجد عند النار من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها، كما قال تعالى: ﴿لَّعَلِّ ءَاتِيَكُمْ مِّنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٨] ٢٩] . والهدى: ما يهتدى به، وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجد على النار ما أهتدي به من دليل أو علامة. ومعنى الاستعلاء على النار: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، ولأن المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفین علیها. إِنِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ إِنَّكَ بِالْوَادِ ﴿فَلَمَّا أَنَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَى (4) اٌلْمُقَدَّسِ طُوَّى (13) أي فلما أتى النار التي آنسها، واقترب منها نودي من قبل الرب تبارك وتعالى، كما قال: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِىِ الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىّ إَِّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٢٨] ٣٠]. وقال هاهنا: ﴿إِنَّ أَنَا رَبُّكَ﴾ أي نودي: ياموسى، إن الذي يكلمك ويخاطبك هو ربّك، فاخلع حذاءك؛ لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم، وحسن التأدب، إنك بالوادي المطهر المسمى ﴿طُوَّى﴾ من أرض سيناء. ﴿ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (٣)﴾ أي وأنا الله الذي اخترتك للرسالة والنبوة، فاستمع سماع قبول واستعداد ووعي لما ينزل عليك من الوحي، كما قال تعالى: ﴿إِنِىِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤/٧] أي على جميع الناس الموجودين في زمانك. ثم ذكر الموحى به فقال تعالى: ﴿إِنَّبِىّ أَنَا اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ®﴾ أي إن ٥٣٧ الجُمَعُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٩-١٦ الذي يناديك هو الله، وهو تأكيد لما سبق، وهذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ووحدني وقم بعبادتي من غير شريك؛ لأن اختصاص الألوهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة، والمعنى: أنا الإله الحق الواحد، المستحق للعبادة دون سواي. وأدّ الصلاة المفروضة على النحو الذي آمرك به، مستكملة الأركان والشروط لتذكرني فيها وتدعوني دعاء خالصاً إلي. وخص الصلاة بالذكر، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة. أو المعنى: أقم الصلاة عند تذكرك بالواجب وذكرك لي؛ لما رواه الإمام أحمد عن أنس عن رسول الله وَالله قال: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾)) وفي الصحيحين عن أنس أيضاً قال: قال رسول الله وَله: ((من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)). وأخرج الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالقر: (من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)". واقتصر الحديث على حالتي النوم أو النسيان؛ لأن شأن المؤمن ألا يقصر في واجبه بأداء الصلاة، فإذا تركها عمداً كان قضاؤها ألزم وأوجب؛ إذ لا كفارة لها إلا أداؤها أو قضاؤها. ثم أخبر عن الساعة أو مجيء يوم القيامة ومصير الخلائق بعد توحيد الله وعبادته، باعتبارها مقر الحساب على الأعمال، فقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾﴾ أي إن الساعة قائمة لا محالة، وكائنة لابد منها، أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها غيري، فاعمل لها الخير من عبادة الله والصلاة، ولأن مجيء الساعة ٥٣٨ لِلُهُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٩-١٦ أمر حتم لازم لأجزي كل عامل بعمله، ولتجزى كل نفس بما تسعى فيه من أعمالها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦/٥٢] وقال ) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ٧ سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧/٩٩-٨]. والله أخفى الساعة أي القيامة، وأجل الإنسان، ليعمل الإنسان بجد ونشاط، ولا يؤخر التوبة، ويترقب الموت كل لحظة. وكلمة ﴿أَكَادُ﴾ أي أقارب، وهي زائدة، أي إن الساعة آتية أخفيها. ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَبَعَ هَوَنِهُ فَتَرْدَى (٣)﴾ أي فلا يصرفنك ياموسى عن الإيمان بالساعة (القيامة) والتصديق بها، والاستعداد لها من لا يصدق بها من الكَفَرة، واتَّبع أهواءه وتصوراته المغلوطة، بالانهماك في الملذات المحرمة الفانية، فإنك إن تفعل ذلك تهلك. والخطاب ليس مقصوراً على موسى الرسول عليه السلام، وإنما بدئ به لتعليم غيره، فهو شامل جميع الناس البالغين العقلاء. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات مايأتي: اً - ضرورة تعلم قصص الأنبياء والاطلاع عليها للعبرة والعظة، وقد حث القرآن على ذلك في مطلع الإخبار عن قصة موسى عليه السلام، بصيغة الاستفهام الذي هو استفهام إثبات وإيجاب. ولفظ الاستفهام ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ﴾ وإن كان لا يجوز على الله تعالى، لأنه ليس بحاجة إليه، لكن المقصود به كما تقدم تقرير الجواب في قلب النبي وَّة، وهذه الصيغة أبلغ في ذلك، كما يقول المرء لصاحبه على سبيل التشويق ولفت النظر والانتباه: هل بلغك خبر كذا؟ فيتطلع السامع إلى معرفة الخبر. ٥٣٩ الُ (١٦) - فن: ٢٠ /٩-١٦ اً - على الزوج واجب الإنفاق على الأهل (المرأة) من غذاء وكساء ومسكن ووسائل تدفئة وقت البرد، لذا بادر موسى عليه السلام إلى الذهاب في الليلة المظلمة الشاتية لإحضار شعلة نار أو جذوة (جمر من النار) للدفء، وللحاجة الشديدة إليه، وبخاصة حالة النفساء. ٣ - كان ذهاب موسى عليه السلام من أجل استحضار النار سبباً في تكليم الله له، وابتداء الوحي عليه، وإيتائه النبوة والرسالة. ٤ - اقتضى أدب الخطاب الإلهي تكليفه بخلع نعليه، ففعل فوراً. جاء في الخبر: إن موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. لذا وجب خلع النعال في أثناء الصلاة أو عند دخول المسجد إذا كان فيها نجاسة أو قذر، فإن كانت طاهرة جازت الصلاة فيها، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاة في النعلين أفضل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١/٧]. وكيفية تطهير النعلين من النجاسة على التفصيل الآتي: إن تحقق فيهما نجاسة تُجْمَعاً على تنجيسها كالدم والعذرة (الغائط) أو من بول بني آدم لم يطهّرها إلا الغسل بالماء عند مالك والشافعي وأكثر العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفاً فيها كبول الدواب وأروائها الرطبة، فيطهرها المسح بالتراب عند الأوزاعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة: يزيل النجاسة اليابسة الحكّ والفَرْك، ولا يزيل الرطبة إلا الغسل، أما البول فلا يجزئ فيه إلا الغسل. وعند المالكية قولان، أرجحهما أن المسح يطهر، وقال الشافعي: لا يطهّر شيئاً من ذلك كله إلا الماء. ٥ - حسن الاستماع واجب مطلوب في الأمور المهمة، وأهمها الوحي المنزل من عند الله. وقد مدح الله من يحسن استماع كلام الله، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟ أُوْلَنَِّكَ الَّذِينَ هَدَنهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر: ١٨/٣٩] ٥٤٠ الُ (١٦) - ظفر: ٢٠ /٩-١٦ وذم من يعرض عن الاستماع فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِةَ﴾ [الإسراء: ٤٧/١٧] فمدح المنصت لاستماع كلام الله مع حضور العقل، وأمر عباده بذلك أدباً لهم، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ ﴾ [الأعراف: ٢٠٤/٧] وقال هاهنا: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ لأن بذلك ينال الفهم عن الله تعالى. قال وَهْب بن مُنبِّه: من أدب الاستماع: سكون الجوارح وغضّ البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى، وهو أن يكفّ العبد جوارحه، ولا يشغلها، فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغضّ طرفه، فلايلهو قلبه بما يرى، ويحصر عقله، فلا يُحدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم. أَ - اشتمل أول الوحي على موسى على أصلين في العقيدة وهما الإقرار بتوحيد الله، والإيمان بالساعة (القيامة) وعلى أهم فريضة بعد الإيمان وهي الصلاة. وكان إخفاء الساعة للتهويل والتخويف، وترك المماطلة والتسويف في الإقبال على التوبة والعمل الصالح، فإن الإنسان إذا جهل وقت الساعة كان منها على حذر وخوف، وهذا أيضاً سبب إخفاء الله وقت الموت. وإقامة الصلاة واجب في الوقت المخصص لها، ويجب قضاؤها كما دلَّت الأحاديث النبوية المتقدمة في حالتي النوم والنسيان، وأما من ترك الصلاة متعمداً، فالجمهور أيضاً على وجوب القضاء عليه، وإن كان عاصياً آثماً بتأخيرها عن وقتها، فالمتعمد آثم، والناسي والنائم غير آثميْن. وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣/٢] ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعده، وهو أمر يقتضي الوجوب. وأيضاً فقد ثبت الأمر بقضاء النائم والناسي، مع أنهما غير آثمَيْن، فالعامد أولى. ثم إن النسيان هو الترك، قال الله