النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ لُعُ (١٦) - فرشير: ١٩ /٦٤-٦٥ عطف الله هذه الآية التي هي كلام غير الله على آية: كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿تِلَّكَ اَلْجَنَّةُ﴾ التي هي كلام الله من غير فصل، وهو جائز إذا كانت القرينة ظاهرة، مثل عطف آية ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبِّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦/١٩] التي هي كلام غير الله، على قوله: ﴿وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة ١١٧/٢ وآل عمران ٤٧/٣] الذي هو كلام الله. ومعنى الآية: بعد أن استبطأ رسول الله ورسله نزول جبريل عليه، أمر الله جبريل أن يقول: وما نتنزل نحن الملائكة بالوحي على الأنبياء والرسل إلا بأمر الله بالتنزيل على وفق الحكمة والمصلحة وخير العباد في الدنيا والآخرة. إن الله تعالى التدبير والتصرف وأمر الدنيا والآخرة وما بين ذلك من الجهات والأماكن والأزمنة الماضية والحاضرة والمستقبلة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه. وقوله: ﴿وَمَا نَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول. والتنزل هنا: النزول على مهل، أي إن نزول الملائكة وقتاً بعد وقت لا يكون إلا بأمر الله تعالى. وما نسيك ربك يا محمد، وإن تأخر عنك الوحي، ولا ينسى شيئاً، ولا يغفل عن شيء، وإنما يقدّم ويؤخّر لما يراه من الحكمة، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى ﴿ وَاُلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا فَلَى [الضحى: ١/٩٣-٣]. روى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء مرفوعاً قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً)) ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. والدليل على ذلك قوله سبحانه: ٤٨٢ لُعُ (١٦) - فَرَين: ١٩ / ٦٤-٦٥ ٦٥ ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيِرْ لِعِبَدَتِىُّ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي إن الله خالق السماوات والأرض ومالكهما وما بينهما، وهو المدبر والحاكم والمتصرف الذي لا معقب لحكمه، فاثبت على عبادة ربك، واصطبر على العبادة والطاعة وما فيها من المتاعب والشدائد، ولا تنصرف عنها بسبب إبطاء الوحي، هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً، يكون أهلاً للعبادة؟ فهو الخالق والمدبر والرازق والمنعم بأصول النعم وفروعها من خلق الأجسام والحياة والعقل وما يحتاجه الإنسان وغيره، فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه. والمراد بنفي العلم نفي الشريك على أي وجه، والاستفهام للإنكار، وهل بمعنى لا ، أي لا تعلم. قال ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى وتقدس اسمه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيتان على أمرين: الأول - إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله مدبر الكائنات في كل زمان ومكان، والذي لا يغفل عن شيء ولا ينساه، إذا شاء أن يرسل الملَك أرسله. الثاني - إن الله عز وجل هو رب السماوات والأرض وخالقهما وخالق ما بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان، كذلك إليه تدبير الأعيان، وبما أنه المالك على الإطلاق فهو الذي وجبت عبادته، ولا يستحقها أحد سوى المالك المعبود، الذي ليس له ولد ولا نظير أو مثيل أو شبيه يستحق مثل اسمه الذي هو الله وهو الرحمن. والعبادة: الطاعة بغاية الخضوع لله تعالى، وما على الرسول وغيره من المؤمنين إلا الاشتغال بما أمر به والاستمرار عليه، دون استبطاء شيء آخر. ٤٨٣ الُرُ (١٦) - فَريفر: ١٩ / ٦٦-٧٢ شبهة المشركين في إنكار البعث ﴿وَيَقُولُ آلْإِنِسَنُ أَِذَا مَا مِثُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا ،فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ ٦٧ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴿٨َ ثُمَّ لَنَزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيَّاً ٦٩ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِلَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ﴿ وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ ٧٣ جَ ثُمَّ تَُّجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّاً حَتْمَا مَّقْضِيًّا القراءات: ﴿مِتُ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مُتُّ). ﴿ يَذْكُرُ﴾: قرئ: ١- (يَذْكُر) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم. ٢- (يذَّكَّر) وهي قراءة الباقين. جِثِيًّا﴾ : قرئ: ١- (جِثياً) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي. ٢- (جُثياً) وهي قراءة الباقين. ﴿عِنْيَاً﴾، ﴿صِلِيًّا﴾: ٤٨٤ الجُزُرُ (١٦) - فَرتي: ١٩ / ٦٦-٧٢ قرئ: ١- (عِتّيّاً، صِلياً) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي. ٢- (ُنِيّاً، صُلياً) وهي قراءة الباقين. نجى ﴾ : وقرأ الكسائي (نُنْجِي). الإعراب: (جِثِيًّاً﴾ حال إن كان جمع (جاث)، ومنصوب على المصدر إن كان مصدراً، لا جمعاً، أي (جُثُواً) وأصله (جُثُوو) فأبدلوا منعاً للاستثقال من الضمة كسرة، وقلبوا الواو الأخيرة ياء. ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ بالرفع، على رأي أكثر البصريين: في موضع نصب بـ ﴿لَنَفْزِعَنَ﴾ والضمة ضمة بناء. وعلى رأي الكوفيين: مبتدأ مرفوع، و﴿أَشَدُّ﴾ خبره، والضمة ضمة إعراب، و﴿لَنَنْزِعَنَ﴾ ملغى لم يعمل. ومن قرأ بالنصب (أيَّهم) نصبها بـ ﴿لَنَنْزِعَنَ﴾ وجعلها معربة، وهي لغة بعض العرب. ج ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: إن: بمعنى (ما) أي ما أحد منكم، وأحد: مبتدأ، و﴿مِّنَكُمْ﴾ صفته، و﴿وَارِدُهَا﴾ خبره. ولا يجوز إعمال (إن) هنا لدخول حرف الاستثناء الذي يبطل عمل (ما). البلاغة: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنِسَنُ﴾ أي الكافر؛ لأنه المنكر للبعث، فهو عام أريد به الخاص. (مِتُ﴾ و﴿حَيًّا﴾ بينهما طباق. ٤٨٥ الجُ (١٦) - فَرنين: ١٩ / ٦٦-٧٢ ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنِسَنُ﴾ الاستفهام للإنكار والتوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿ وَيَقُولُ اُلْإِنِسَنُ﴾ المنكر للبعث: أُبي بن خلَف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية، فإن الأول أخذ عظاماً بالية، ففتّها، وقال: يزعم محمد أنّا نبعث بعد الموت. أو المراد بالإنسان: بعض الناس المعهود وهم الكفرة، أو المراد به الجنس، فإن المقول مقول فيما بينهم، وإن لم يقل كلهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلاناً، والقاتل واحد منهم. ﴿ أَِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ من الأرض، أو من حال الموت. وتقديم الظرف؛ لأن الْمُنكِر وقت الحياة لأمر بعد الموت، وهو منصوب بفعل دل عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ لا به، فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، والاستفهام بمعنى النفي، أي لا أحيا بعد الموت. و﴿مَا﴾ زائدة للتأكيد، وكذا اللام في ﴿لَسَوْفَ﴾ للتأكيد. ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ﴾ عطف على (يقول) وهو رد على مقاله السابق. و﴿يَذْكُرُ﴾ أصله: يتذكر أي يتفكر ﴿أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فيستدل بابتداء الخلق على الإعادة. فَوَرَبِّكَ﴾ قسم باسمه تعالى مضاف إلى نبيه، تحقيقاً للأمر، وتفخيماً لشأن رسول الله وَلَه ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لنجمعنهم أي الكفار المنكرين للبعث ﴿وَالشَّيَطِينَ﴾ عطف أو مفعول معه، لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، كل مع شيطانه في سلسلة. وهذا وإن كان مخصوصاً بالكفار، ساغ نسبته إلى الجنس البشري بأسره، فإنهم إذا حشروا، وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين، فقد حشروا جميعاً معهم ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ من خارجها ﴿جِئِيًّا﴾ على الركب، جمع جاثٍ: وهو البارك على ركبتيه. ٤٨٦ الُعُ (١٦) - فَرَبي: ١٩ / ٦٦-٧٢ ﴿شِيعَةٍ﴾ أمة أو جماعة أو فرقة منهم شايعت ديناً وتعاونت على الباطل ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيَاً﴾ أي تكبراً وجرأة وعصياناً ومجاوزة للحد، أي من كان أعصى وأعتى منهم، فنطرحهم في جهنم. وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو عن كثير من أهل العصيان. ولو خص ذلك بالكفرة، فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم، ويطرحهم في النار، على الترتيب، أو يدخل كلاً طبقتها التي تليق بهم. ﴿ أَوْلَى بِهَا﴾ أحق بجهنم، الأشد وغيره منهم ﴿صِلِيًّا﴾ أي أحق بالصلي، وهو الدخول فيها والاحتراق، من صَلي بالنارِ: إذا قاس حرها . ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾ وما منكم أحد، التفات إلى الإنسان ﴿وَارِدُهَا﴾ مارٌّ بها وهي خامدة، على الصراط الممدود عليها. وأما قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١/٢١] اي عن عذابها ﴿حَتْمًا﴾ واجباً ﴿مَّقْضِيًّا﴾ قضي بوقوعه، فلا ينقض وعده مطلقاً. سبب النزول: نزول: وَيَقُول الإنسَانُ : قال الكلبي: نزلت في أُبَيْ بن خلف حين أخذ عظاماً بالية، يفتّها بيده، ويقول: زعم لكم محمد أنّا نبعث بعدما نموت. وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. المناسبة: بعد أن أمر سبحانه بالعبادة والمصابرة عليها، ذكر أنها تنجيهم يوم الحشر الذي لا ريب فيه، فإن إعادة الإنسان أهون من بدء خلقه. وكذلك لما كان هدف السورة إثبات قدرة الله على الإحياء والإماتة، وإثبات يوم القيامة، ذكر هنا بعض شبهات الكفار المكذبين للبعث، ورد عليها بالأدلة القاطعة. ٤٨٧ الُرءُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٦٦-٧٢ وذكر أيضاً ما يلقاه الكفار من الذل والعذاب، وأردف ذلك ببيان أن جميع البشر يردون على النار، فلا ينجو منها إلا من آمن واتقى وعمل صالحاً. التفسير والبيان: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَعِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (4) أي ويقول الكافر المشرك منكر البعث متعجباً مستبعداً إعادته بعد موته: هل إذا مت وأصبحت تراباً، سوف أخرج حياً من القبر، وأبعث للحساب؟! وأسند الكلام لكل مشرك كافر، وإن لم يقله إلا بعضهم، لرضاهم بمقالته. ونظير الآية: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبُ قَوْهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَبًا أَهِّنَا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥/١٣] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِيِّ أَشَأَهَا أَوَلَ مَتَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ [يس: ٧٧/٣٦ -٧٩] . (٧٩) @ والدليل على إمكان الإعادة: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴿1﴾ أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه، فقد خلقناه من العدم، دون أن يكون شيئاً موجوداً، فيستدل بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة. والمعنى: أنه تعالى قد خلق الإنسان، ولم يكن شيئاً قبل خلقه، بل كان معدوماً بالكلية، أفلا يعيده، وقد صار شيئاً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَبْدَؤُأ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠]. وجاء في الحديث الصحيح: ((يقول الله تعالى: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول ٤٨٨ لُحُ (١٦) - فَرَشر: ١٩ / ٦٦-٧٢ الخلق بأهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفواً أحد)». ثم هدد تعالى منكري البعث تهديداً من وجوه قائلاً: ١ - ◌َ: ﴿فَوَرَبِكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَتُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِنِيًّاً أي أقسم الرب تبارك وتعالى بذاته الكريمة أنه لابد أن يحشرهم جميعاً وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، بأن يخرجهم من قبورهم أحياء ويجمعهم إلى المحشر مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم. ثم ليحضرنهم حول جهنم بعد طول الوقوف، جائين قاعدين على ركبهم، لما يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَائِيَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٨/٤٥] . وهذا الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم، ويكون على أذل صورة لقوله: ﴿جِثِيًّا﴾. ◌َّ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَرَجَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيََّ (®َ﴾ أي لننتزعن ونأخذن من كل فرقة دينية أو طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم وأكثرهم تكبراً وتجاوزاً لحدود الله، وهم قادتهم ورؤساؤهم في الشر. فهذه وجوه التهديد: أولها - الحشر مع الشياطين، وثانيها - الإحضار قعوداً حول جهنم في صورة الذليل العاجز، وثالثها - تمييز البعض من البعض، فمن كان أشدهم تمرداً في كفره، خص بعذاب أعظم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا [النحل: ٨٨/١٦] وقال: ﴿وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَاِهِمْ﴾ كَانُواْ يُفْسِدُونَ [العنكبوت: ١٣/٢٩]. ﴿أُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (®﴾ أي إنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى نار جهنم، ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧]. ٤٨٩ لُرُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٦٦-٧٢ ثم أخبر تعالى عن ورود الناس جميعاً نار جهنم، فقال: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (®﴾ أي ما منكم من أحد من الناس إلا سوف يرد إلى النار، والورود: هو المرور على الصراط، كان ذلك المرور أمراً محتوماً، قد قضى سبحانه أنه لابد من وقوعه لا محالة. وقيل: الورود: الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها، وهو موضع المحاسبة، وقيل: الورود: الدخول، لحديث: ((الورود الدخول، لا يبقى بَرّ ولا فاجر، إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم)). والأصح أن الورود: المرور، للحديث التالي: روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: يرد الناس جميعاً الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعَدْو الرجل، حتى إن آخرهم مراً رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفّأ به الصراط، والصراط دَحْضٌ مزلّة(١)، عليه حَسَك كحسك القتاد (٢)، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس. وهذا المروي عن ابن مسعود سمعه عن النبي ◌َلآ. وروى ابن جرير عن ابن مسعود أيضاً قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلّمْ سلِّمْ. ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَا جِئْيَّاً (®َ﴾ أي بعد أن مر (١) دحض مزلة: بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر. (٢) أي عليه شوك كشوك نبات بنجد يقال له: السعدان. ٤٩٠ لُعُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٦٦-٧٢ الخلائق كلهم على الصراط والنار، ننجي الذين اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر بالله ومعاصيه، ننجيهم من الوقوع في النار، فيمرون على الصراط بإيمانهم وأعمالهم. ونبقي الكافرين والعصاة في النار، جاثين على ركبهم، لا يستطيعون الخروج، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، أما العصاة من المؤمنين فيخرجون بعد العذاب على معاصيهم، فيخرج الله من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيراً قط. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الكريمات ما يأتي: اً - يتعجب الكافر منكر البعث ويستبعد إعادته بعد موته، ولكن لا داعي لتعجبه، فإن الله قادر على كل شيء، ولو تأمل قليلاً لأدرك أن من خلق الإنسان من العدم، قادر على إعادته مرة أخرى، والإعادة أهون من ابتداء الخلق في ميزان عقل الإنسان، أما بالنسبة لله فهما سواء عليه. اً - الحشر وجمع الخلائق للحساب أمر ثابت أيضاً بعد البعث من القبور، ويحشر كل كافر مقروناً مع شيطان في سلسلة. ◌َّ - يحضر الله الكفار جائين على ركبهم حول جهنم، فهم لشدة ماهم فيه من الأهوال لا يقدرون على القيام. ٤ - يستخرج الله من كل أمة وأهل دين باطل أعتى الناس وأعصاهم، وهم القادة والرؤساء، لمضاعفة العذاب عليهم. ٥ - الله تعالى أعلم بمن هو أحق بدخول النار، من الإنس والجن، وبمن يخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب. ٩ - إن ورود جميع الخلائق على النار، أي المرور على الصراط، لا الدخول ٤٩١ الْجُزْءُ (١٦) - فَرشير: ١٩ /٦٦-٧٢ في النار، أمر واقع لا محالة. وقد فسر ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار والسُّدِّي والحسن البصري الورود بالمرور على الصراط. قال الحسن: ليس الورود الدخول، إنما تقول: وردت البصرة ولم أدخلها، فالورود: أن يمروا على الصراط؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا ﴾ [الأنبياء: ١٠١/٢١] قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن ١٠١ مُبْعَدُ يبعده منها. وقوله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها، وقوله عز وجل: ﴿وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَيِدٍ عَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩/٢٧]. وقال ◌َله فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((لا يموتُ لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، تمسّه النار إلا ◌َجِّة القسم)) أي لكن تحلة القسم لابد منها في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وهو الجواز على الصراط أو الرؤية أو الدخول دخول سلامة، فلا یکون في ذلك شيء من مسیس النار. لاً - ينجي الله المتقين، ويخلصهم من نار جهنم، ويترك الكافرين فيها قعوداً مخلدين على الدوام. والمذهب المقبول: أن صاحب الكبيرة وإن دخلها، فإنه يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو. وقالت المرجئة: لا يدخل، وقالت الخوارج: يخلد. والقائلون بأن الورود الدخول، احتجوا بهذه الآية: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ لأنه لم يقل: وندخل الظالمين، وإنما قال: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾. قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا نرد النار؟ فيقال: لقد وردتموها فألفيتموها رماداً. وعقب القرطبي عليه قائلاً: وهذا القول يجمع شتات الأقوال، فإن من وردها ولم تؤذه بلهبها وحرها، فقد أبعد عنها، ونُجّي منها. نجانا الله تعالى منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها، فدخلها سالماً، وخرج منها غائماً(١). (١) تفسير القرطبي: ١٣٩/١١. ٤٩٢ الُرُ (١٦) - فَرَين: ١٩ / ٧٣-٧٦ شبهة أخرى للمشركين بحسن الحال في الدنيا ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْذٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِعْيًّا ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّا حَتَّىَ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٣٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرٍّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا القراءات: ﴿مَّقَامًا﴾: وقرأ ابن كثير (مُقاماً). ﴿ وَرِعْيَا﴾ : وقرأ قالون، وابن ذكوان (ورِيّاً). الإعراب: ﴿بَيْنَتٍ﴾ حال. ﴿وَلََّ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِعْيًّا (﴿1﴾ (كم) منصوب بأهلكنا، أي وكم قرن أهلكنا، فحذف ﴿قَرْدٍ﴾ لدلالة الكلام عليه. ﴿ وَرِعْيًا﴾ يقرأ بالهمز وترك الهمز، ويقرأ: (وَرِيئاً) على وزن ((وريعاً)) بتقديم الياء على الهمزة. فمن قرأ بالهمز أتى به على الأصل لأنه من ((رأيت)) ومن قرأ (وَرِيّاً) بغير همز، أبدل من الهمزة ياء؛ لانكسار ماقبلها، وجاز انقلاب كل همزة ساكنة ياء إذا كان قبلها كسرة. ومن قرأ (وَرِيئاً) قلب اللام إلى موضع العين، ٤٩٣ الُ (١٦) - فَرتي: ١٩ / ٧٣-٧٦ واللام ياء، والعين همزة، كقولهم: فَسيّ. وقرئ: وزِياً، والزي معروف، وأصله: زِوْيٌ، إلا أنه قلبت منه الواو ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها. ﴿فَلَيَمْدُدْ﴾ لفظه الأمر، ومعناه الخبر، كما يأتي لفظ الخبر ومعناه الأمر، مثل ﴿وَأْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي ليُرْضعن. وجواب ﴿حَتَّىَ إِذَا رَأَوْأ) قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ و﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ انتصب كل منهما على البدل من (ما) في قوله تعالى: ﴿رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ﴾. البلاغة: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ لف ونشر مرتب، حيث رجع الأول إلى ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ والثاني إلى ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ و﴿شَرٌ مَكَانًا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي على المؤمنين والكافرين ﴿ءَايَتُنَا﴾ من القرآن ﴿بَيِّنَتٍ﴾ واضحات المعاني والإعجاز ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ نحن وأنتم ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ مكاناً ومنزلاً ﴿نَدِيًّا﴾ أي نادياً، أي مجتمعاً ومجلساً وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه، ومنه دار الندوة التشاور المشركين. وهم يعنون: نحن، فنكون خيراً منكم. والمعنى: أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال بذلك على فضلهم وحسن مكانهم عند الله، لقصور نظرهم على الحال، وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا. ﴿وَكَّرْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ﴾ أي كثيراً ما أهلكنا من القرون أي الأمم الماضية، والقرن: أهل كل عصر، وهذا رد مع التهديد ﴿أَثَثًا﴾ هو متاع البيت من الفُرْش والثياب وغيرها. ﴿ وَرِهْيًا﴾ منظراً، والمراد نضارة وحسناً، مشتق من الرؤية، والمعنى: فكما أهلكناهم لكفرهم، نهلك هؤلاء. ٤٩٤ لِلُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ٧٣-٧٦ فَلَمْدُدْ﴾ معناه الإخبار، أي يمد، أي يمهله بطول العمر والتمتع به، والتمكن من التصرف في الحياة، وهو جواب شرط: ﴿مَنْ كَانَ﴾. ﴿مَدًّا﴾ أي يستدرجه في الدنيا. ﴿حَقََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُؤْعَدُونَ﴾ هو غاية المد ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ تفصيل للموعود، فإنه إما العذاب في الدنيا كالقتل والأسر وغلبة المسلمين عليهم، وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال ودخول جهنم ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌ مَكَانًا﴾ من الفريقين، بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدّروه وهو جواب الشرط ﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ أنصاراً أو أعواناً، أهم وجندهم الشياطين أم المؤمنون وجندهم الملائكة؟. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّىٌّ﴾ يزيد المهتدين بالإيمان بما ينزل عليهم من الآيات. وهي عطف على الجملة الشرطية المحكية بعد القول: ﴿قُلْ مَنْ كَانَّ﴾ كأنه لما بَيَّن أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبيّن أن قصور حظ المؤمن منها، ليس لنقصه، بل لأن الله عز وجل أراد به ماهو خير، وعوضه منه. ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ الطاعات التي تبقى آثارها، ومنها الصلوات الخمس، وقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ﴿خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ فائدة مما متّع به الكفرة من النعم الفانية التي يفتخرون بها ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ مرجعاً وعاقبة، بخلاف أعمال الكفار. والخيرية هنا في مقابلة قولهم: أي الفريقين خير مقاماً. المناسبة: بعد أن أقام الله تعالى الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث، أتبعه مع الوعيد والتهديد بذكر شبهة أخرى لهم: هي أنهم قالوا: لو كنتم أنتم على الحق، ونحن على الباطل، لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا؛ لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل، وأعداءه ٤٩٥ الجُزءُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٧٣-٧٦ المعرضين عن طاعته في العز والراحة، ولما كان الأمر بالعكس، فإنا نحن المتمتعين بالنعمة ورفاهية العيش على الحق، وأنتم الواقعون في الخوف والذل والفقر على الباطل !! فرد الله عليهم بأن الكفار السابقين كانوا أحسن منكم حالاً، وأكثر مالاً، وقد أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، فليس نعيم الدنيا قرينة على محبة الله، ولا سوء الدنيا علامة على غضب الله. ثم رد عليهم رداً ثانياً بقوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ﴾ ومضمونه: لا بد أن يأتيهم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وحينئذ سيعلمون أن نعم الدنيا لا تنقذهم من ذلك العذاب. روي أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث وأشباهه من قريش، حينما رأوا أصحاب النبي ◌َّ في خشونة عيش ورثاثة ثياب، وهم في غضارة العيش ورفعة الثياب. التفسير والبيان: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّا (٣)﴾ إذا تليت على الكفار آيات الله القرآنية واضحات الدلالة والبرهان، مبينات المقاصد، صدوا عن ذلك وأعرضوا وقالوا مفتخرين على المؤمنين ومحتجين على صحة ماهم عليه من الدين الباطل: أي الفريقين (المؤمنين والكافرين) خير منزلاً ومسكناً، وأكبر جاهاً، وأكثر أنصاراً؟ والندي: النادي والمجلس، وهو مجتمع الرجال للحديث ومجلسهم، والعرب تسمي المجلس النادي، فكيف نكون على الباطل، وأولئك الضعفاء الفقراء المختفون المستترون في دار الأرقم على الحق؟ كما أخبر تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١/٤٦]. وهذا اغترار بظاهر الحال في الدنيا، متوهمين أن من كان غنياً ثرياً كان على الحق والصواب، ومن كان فقيراً كان على الباطل. ٤٩٦ الُ (١٦) - فَرنين: ١٩ / ٧٣ -٧٦ فرد الله تعالى عليهم شبهتهم بقوله : هذا هو الجواب @ LIVE ﴿وَلَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَنَتَّا وَرِْيًا الأول عن شبهتهم، أي وكثيراً ما أهلكنا قبلهم من الأمم السابقة المكذبين رسلهم بكفرهم، وكانوا أحسن من هؤلاء متاعاً ومنظراً. والأثاث: المال أجمع، من الإبل والغنم والبقر والمتاع، أو متاع البيت خاصة من الفرش واللباس والستائر والبسط والأرائك والسرر (الأسرّة). والرئي: المنظر في تقدير الناس من جهة حسن اللباس أو حسن الأبدان وتنعمها. والمعنى: أن مظاهر الثراء والنفوذ والكرامة لا تدل على حسن الحال عند الله، فقد أهلك الله المترفين، ونجى الفقراء الصالحين. وهذا تهديد ووعيد لكل من يتوهم من العوام وجهلة الأغنياء من المسلمين أن حسن حالهم في الدنيا دليل على رضا الله عنهم وحسن حالهم في الآخرة. ثم أكد الله تعالى التهديد والوعيد وبالغ فيه، فقال: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِىِ الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَذَّا﴾ وهذا هو الجواب الثاني عن شبهة الكفار، أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل: من كان في الضلالة منّا ومنكم، ومن كان يخبط في الدنيا على هواه، فإن الله تعالى جعل جزاءه أن يتركه في ضلالته، ويدعه في طغيانه، ويمهله فيما هو، ويُمّه ويستدرجه ليزداد إثماً، حتى يلقى ربه، وينقضي أجله. وهذه سنة الله في استدراج الظالمين والعصاة، يتركهم الله في ضلالهم، بل ويزيدهم من نعم الدنيا وملذات الحياة، إمعاناً في إبقائهم على سوء حالهم الذي اتخذوه منهجاً لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨/٣] وقال سبحانه: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَلِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١١٠] . ٤٩٧ الْجُزْءُ (١٦) - فَرنين: ١٩ / ٧٣-٧٦ ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ أي حتى إذا شاهدوا رأي العين ما يوعدون به، إما العذاب في الدنيا الذي يصيبهم بالقتل والأسر، كما حصل يوم بدر، وإما مجيء يوم القيامة بغتة وما يشتمل عليه من العذاب الأخروي، فحينئذ يعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنوداً، على عكس ما كانوا يظنون في الدنيا من خيرية المقام وحسن الندي (المجلس)، ويتبين لهم حقيقة الأمر، أنهم هم شر مكاناً، لا خير مكاناً، وأضعف جنداً، لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين. وهذا رد على قولهم السابق: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ونظير الآية: ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِتَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْنَصِرًا ﴿4﴾ [الكهف: ٤٣/١٨]. ولما ذكر الله تعالى إمداد أهل الضلالة في ضلالهم، أخبر عن زيادة الهدى للمهتدين، فقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَىٌّ وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَبًاً وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٣) أي إن الله يزيد المهتدين إلى الإيمان توفيقاً وهدى للخير؛ لأن الخير يدعو إلى الخير. وهذه مقابلة أو مقارنة واضحة بين المؤمنين والكافرين، فالله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقيناً، كما يجعل جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِحٍ وَأَمَّا الَّذِينَ فِى ١٢٤ إِيمَنَّا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قُلُوبِهِم مَّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ ١٢٥ [التوبة: ١٢٤/٩-١٢٥]. وإن الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية، لا الأموال والأمتعة والأندية، خير جزاء، وخير مرجعاً وعاقبة، وأجدى نفعاً لصاحبها. ٤٩٨ لُرُ (١٦) - فَرَفر: ١٩ / ٧٣-٧٦ فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: اً - إن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام من الكفار والعصاة، فهؤلاء يرون أن الغنى وحسن الحال وكثرة أهل المجلس أو النادي دليل على خيريتهم وأفضليتهم على المؤمنين. وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله فهو المحق في دينه، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيراً ولا في المسلمين غنياً، ولم يعلموا أن الله تعالى نحّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا، وفرط الميل إليها. ◌َ - لقد أهلك الله تعالى كثيراً من الأمم والجماعات هم أكثر متاعاً وأموالاً، وأحسن منظراً لحسن لباسهم وظهور آثار النعمة على وجوههم وأجسامهم. ◌َّ - من كان والغاً في الضلالة، متأصلاً في الكفر، يتركه الله في طغيان جهله وكفره، حتى يطول اغتراره، فيكون ذلك أشد لعقابه، فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر، فمصيره إلى الموت والعقاب، وهذا غاية في التهديد والوعيد. ٤ - ستتكشف الحقائق والأحوال يوم القيامة، فيظهر أن الكفار شر مكاناً وأسوأ منزلاً، وأضعف جنداً من المؤمنين، وهذا رد لقولهم الذي حكاه القرآن: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ٥ - يثبّت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقاً ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم. أَ - الباقيات الصالحات أي أعمال الخير والطاعة المالية والبدنية أفضل عند الله ثواباً وجزاء وأكثر منفعة لأهلها، وخير مرجعاً، فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله. ٤٩٩ الُ (١٦) - فَتَنَ: ١٩ / ٧٧ - ٨٠ مقالة المشركين في البعث والحشر استهزاء وطعناً ﴿أَفَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيَّ مَالًا وَوَلَدًا (٤ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ كَلََّّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذًّا ٧٨ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ٨٠ وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا فَرْدًا ٧٩ القراءات: ﴿أَفَرَيْتَ﴾: قرئ: ١- (أفريت) وهي قراءة الكسائي، بحذف الهمزة الثانية. ٢- (أفرأيت) بتسهيل الهمزة الثانية، قرأ نافع. وقرأ الباقون بتحقيقها. ﴿ وَوَلَدًا﴾: وقرأ حمزة، والكسائي (ووُلداً). الإعراب: ﴿أَفَرَغَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ﴾ رأيت هنا بمعنى علمت، يتعدى إلى مفعولين، والذي مع صلته: في موضع المفعول الأول. ﴿أَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (®﴾ في موضع المفعول الثاني. ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي نرث منه ما يقول، فحذف حرف الجر، فصار (نرثه). البلاغة: ﴿ِسَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ﴾ مجاز عقلي من إسناد الشيء إلى سببه، أي نأمر الملائكة بالكتابة. ٥٠٠ لُجُزْءُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ٧٧ - ٨٠ ﴿عَهْدًا﴾ ﴿مَذَا﴾ ﴿فَرْدًا﴾ (ضِدَّا﴾ ﴿عَدَّا﴾ ﴿وَفْدًا﴾ ﴿وَلَدًا﴾ ﴿إِذَا سجع رصين. المفردات اللغوية: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَئِنَا﴾ أي أخبر عن العاص بن وائل، والفاء جاءت لإفادة معناها وهو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب حديث أولئك الذي قال فيه لخباب بن الأرت: لأوتين .. حينما قال له: تبعث بعد الموت، في أثناء مطالبته له بمال ﴿لَّأُوْتَيَنَّ مَالًا وَلَدًا﴾ أي فإذا بُعِثْتَ جئتني فأعطيك أو أقضيك مالاً وولداً ﴿أَطَلَعَ الْغَيْبَ﴾ أي أعَلِمَه وأن يؤتى ما قاله، واستغني بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل، فحذفت. من قولهم: اطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه، والمعنى: أظهر له علم الغيب ﴿أَمِ أَخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بأن يؤتى ما قاله، وقيل: عهداً: عملاً صالحاً، فإن وعد الله بالثواب عليه كالعهد عليه. والمعنى: أن ما ادَّعى أن يؤتاه وتألى عليه، لا يتوصل إليه بأحد هذين الطريقين: إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟ ﴿كَلَّأَّ﴾ كلمة زجر أو ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما تصوَّره لنفسه، أي لا يؤتى ذلك ﴿سَنَكْنُبُ﴾ نأمر بكتب، أو سنُظهر له أنا كتبنا قوله. ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَا﴾ سنطيل له العذاب الذي يستحقه، أو نزيد عذابه ونضاعفه له، لكفره وافترائه واستهزائه على الله، ولذلك أكده بالمصدر ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ نرث منه ما يقول من المال والولد، أي نسلبه منه بموته، ونأخذه أخذ الوارث، والمراد بما يقول: مدلوله ومصداقه: وهو ما أوتيه من المال والولد ﴿ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا﴾ ويأتينا يوم القيامة لا يصحبه مال ولا ولد، كان له في الدنيا، فضلاً عن أن يؤتى.