النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الُرُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ٥٤-٥٥
تعالى وأن عليهم أن يحجوه، وطلب إبراهيم وإسماعيل من الله تعالى أن يريهما
المناسك التي ينسكانها. والآيات التي توضح ذلك: [البقرة ١٢٥/٢-١٢٩]،
[إبراهيم ٣٥/١٤-٣٧]، [الحج ٢٦/٢٢ -٣٧].
والكعبة: أول بيت وضع للناس لعبادة الله تعالى [آل عمران ٩٦/٣ -٩٧].
حياة إسماعيل وأولاده:
لإسماعيل اثنا عشر ولداً رؤساء قبائل، وعاش مئة وسبعاً وثلاثين سنة،
مات بمكة، ودفن بالْحِجْر بجوار البيت هو وأمه.
التفسير والبيان:
﴿ وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ إِسْمَعِيلٌ﴾ واذكر أيها الرسول في القرآن خبر وصفات
إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم،
وهي صفات أربع:
اً - ﴿إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ مشهوراً بالوفاء، مبالغاً بإنجاز ما وعد، فما
وعد وعداً مع الله أو مع الناس إلا وقّ به، فكان لا يخالف شيئاً مما يؤمر به
من طاعة ربه، وإذا وعد الناس بشيء أنجز وعده، وناهيك من صدق وعده أنه
وعد أباه أن يصبر على الذبح، فوّ بذلك، قائلاً: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢/٣٧].
وصدق الوعد من الصفات الحميدة في كل زمان ومكان، وخُلْفه من
الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
﴾ [الصف:
كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)
تَفْعَلُونَ
٢/٦١-٣]، وقال رسول الله وسلم فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن
أبي هريرة: ((آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
ائتمن خان))، وإذا كانت هذه صفات المنافقين فضدها صفات المؤمنين، ومما

٤٦٢
الزُ (١٦) - فَزَشير: ١٩ / ٥٤-٥٥
يؤسف له أن خلف الوعد شائع بين المسلمين، وبخاصة التجار والعمال
وأصحاب الحرف.
٢ - ﴿وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا﴾ جمع الله له بين الوصفين كأبيه وكموسى عليهم
السلام، فكان رسولاً إلى جُرْهم في مكة، لتبليغهم شريعة إبراهيم، وإخبارهم
بما أنزل الله تعالى، وهذا دليل على أنه لا يشترط إنزال كتاب مستقل على
· الرسول. وفي هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف
بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، وأخرج الترمذي أن رسول
الله الَّيُ قال: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل)).
◌َ - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ أي وكان يأمر أمته وعشيرته
وأهله بهاتين العبادتين الشرعيتين المهمتين جداً، فكان صابراً على طاعة ربه،
(وِيَ﴾ [الشعراء: ٢٦ /٢١٤]،
كما قال تعالى لرسوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
وقال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢/٢٠]، وقال
سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦/٦٦]:
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((رحم
الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء.
رحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في
وجهه الماء)). وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه - واللفظ له - عن أبي
سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي وَّ قال: ((إذا استيقظ الرجل من
الليل، وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً
والذاكرات)».
٤ - ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًا﴾ أي رضياً زاكياً صالحاً، مرضي العمل غير
مقصر في طاعة ربه، فعلى المؤمن الاقتداء به.

٤٦٣
المُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٥٤-٥٥
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مجموعة خصال أخرى لرسول نبي هو إسماعيل الذبيح أبو العرب ابن
إبراهيم الخليل عليهما السلام، والأظهر أن الذبيح هو وليس إسحاق كما
تقدم في سورة الصافات.
خصه الله تعالى بصدق الوعد، وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء
تشريفاً له وإكراماً، ولأنه كان مشهوراً بذلك مبالغاً في الوفاء بالوعد. وهو
كما تقدم صفة حميدة، قال # فيما رواه الطبراني في الأوسط عن علي وابن
مسعود، وهو ضعيف: ((العِدَة دين)).
وإيجاب الوفاء من محاسن المروءة وموجبات الديانة، لكن لا يلزم قضاءً،
فليس بواجب فرضاً؛ لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر بن عبد البر: أن
من وُعد بمال ما كان ليَضْرب به مع الغرماء، أي لا يقتسم مع الدائنين
العاديين الآخرين ما يوجد من أموال المدين؛ لأن ما وعد به لا يصبح ديناً.
لكن لا خلاف أن الوفاء بالدين يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى
الْخُلْف الذم، وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفّى بنذره.
ويرى الإمام مالك: أن الوعد ملزم إذا دخل الموعود في التزام ما، أو وُعد
بقضاء دين عنه، وشهد عليه اثنان، يلزمه ذلك قضاء (١). ويرى سائر الفقهاء
الآخرين: أن العِدَة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم تقبض في العارية، وفي
غير العارية: هي أشياء وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها.
وكان إسماعيل عليه السلام رسولاً إلى جُرْهم في مكة ونبياً صالحاً، وكان
يأمر أهله جرهم وولده بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضياً مقبولاً؛ وهذا
في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو الفائز بأعلى الدرجات.
(١) تفسير القرطبي: ١١٦/١١

٤٦٤
لُعُ (١٦) - فَرَنيًا: ١٩ / ٥٦-٥٧
وإذا قرنت الزكاة بالصلاة أريد بها الصدقات الواجبة، فهي طاعة لله
لازمة، تتطلب الإخلاص في أدائها، كما أن الصلاة واجبة.
والأقرب - كما قال الرازي - في الأهل: أن المراد به من يلزمه أن يؤدي
إليه الشرع، فيدخل فيه كل أمته؛ لأنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله
خاصة.
قصة إدريس عليه السلام
﴿وَأَذْكُرُ فِي الْكِتَبِ إِذْرِسَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَِّيًّا
وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا
٥٦
١١٥٧
المفردات اللغوية:
﴿إِدَّرِسَ﴾ هو سبط شيث، وجد نوح لأبيه، واسمه (أخنوخ) لقب إدريس
بذلك لكثرة درسه؛ إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من
خط بالقلم، وخاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول
من نظر في علم النجوم والحساب، وأول من اتخذ الموازين والمكاييل
والأسلحة، فقاتل بني قابيل، وأول مرسل بعد آدم. ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا
٥٧
يعني شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى، وقيل: الجنة، وقيل: في السماء
الرابعة أو السادسة أو السابعة، والأول أصح.
المناسبة:
هذه قصة إدريس هي القصة السادسة من سورة مريم، ذكرت للعبرة؛ لأنه
دعا إلى دين الله والتوحيد وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب في
الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وحض على الزهد في الدنيا والعمل بالعدل،
وأمر بالصلاة وبصيام أيام من كل شهر، وحث على جهاد الأعداء، وأمر
بالزكاة معونة للضعفاء، وغلظ في الطهارة من الجنابة والكلب والحمار،
وحرم المسكر من كل شيء.

٤٦٥
لالُرُ (١٦) - فرين): ١٩ / ٥٦-٥٧
وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام. فهو من ذرية
آدم لقربه منه؛ لأنه جد أبي نوح، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح؛ لأنه من
ولد سام بن نوح. وجاء في صحيح مسلم في حديث الإسراء أن رسول الله وَله
مرَّ به في السماء الرابعة. وهذا هو الصحيح، وأما ما ذكر في البخاري من أنه
في السماء الثانية فهو معارض لرواية مسلم المشهورة.
ولد بمنف في مصر، وسموه (هرمس الهرامسة) وقيل: ولد يبابل، وأخذ في
أول عمره بعلم شيث بن آدم، وهو جد جد أبيه. وأقام بمصر يدعو الناس إلى
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الله عزّ وجلّ. وكان يُعلِّمهم كيفية
تخطيط المدن.
أقام في الأرض اثنتين وثمانين سنة، وكان على فص خاتمه: ((الصبر مع
الإيمان بالله يورث الظفر))، وعلى المنطقة التي يلبسها: ((الأعياد في حفظ
الفروض، والشريعة من تمام الدين، وتمام الدين من كمال المروءة))، وعلى
المنطقة التي يلبسها وقت الصلاة على الميت: ((السعيد من نظر لنفسه، وشفاعته
عند ربه أعماله الصالحة))، وكانت له مواعظ وآداب.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى إدريس جد نوح الذي هو أول من خط بالقلم، وخاط
الثياب، ولبس المخيط بصفات ثلاث هي:
اً - إنه كان صدِّيقاً، أي كثير الصدق، قوي التصديق بآيات الله تعالى.
اً - وكان رسولاً نبياً، أي موحى إليه بشرع، مأموراً بتبليغه إلى قومه،
وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذرّ.
◌َ - ورفعه الله مكاناً علياً، أي أعلى قدره، وشرفه بالنبوة، وجعله ذا
)) [الشرح: ٩٤ /٤]،
منزلة عالية، كما قال الله لنبيه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ

٤٦٦
الُرَءُ (١٦) - فَيَر: ١٩ / ٥٨
وروى مسلم في صحيحه: ((أن رسول الله {َ له مرَّ به في ليلة الإسراء، وهو في
السماء الرابعة)). وجرت العادة ألا يرفع إلى السماء إلا من كان عظيم القدر
والمنزلة.
والأولى في رأي الرازي أن المراد بالصفة الثالثة الرفعة في المكان إلى موضع
عال؛ لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان، لا في الدرجة.
والظاهر لي أن المراد الرفعة في الدرجة، إذ لا فرق في التعبير بين المكان
والمكانة، فيقال: فلان ذو مكان عال عند السلطان.
وسبب رفع مكانته: أنه كان كثير العبادة، يصوم النهار، ويتعبد في الليل.
قال وهب بن منِّه: كان يرفع لإدريس عليه السلام كل يوم من العبادة مثلما
يرفع لأهل الأرض في زمانه. وأصحاب هذه الخصال هم قدوة يقتدي بها
المؤمن، ويتحلى بها المخلص، وقد بدأ الله نبيه بالأمر بها والخطاب معه؛ لأنه
قدوة أمته، والمثل الأعلى للمؤمنين على الدوام، مشيراً إلى ذلك في الآية
التالية.
جملة صفات الأنبياء عليهم السلام
﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَّ اللَّهُ عَلَيِم مِّنَ النَّبِيْكِنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ
وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْزَهِيَمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَلَجْنَبَيْنَاْ إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ
سُجَّدًا وَبَكِنَا﴾
٥٨
القراءات:
﴿ النَّبِنَ﴾ :
وقرأ نافع (النبيئين).

٤٦٧
الُ (١٦) - فَرَنَا: ١٩ / ٥٨
﴿وَئِكِيًّا﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (وبِكِيّاً).
الإعراب:
﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ﴾ مبتدأ وخبر أو الذين: صفة، والخبر: ﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ،
وهو إشارة إلى من تقدم ذكره في هذه السورة من الأنبياء.
﴿خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾ منصوبان على الحال المقدرة، أي مقدّرين السجود
والبكاء. و﴿ وَئِكِيًا﴾ جمع باٍ.
﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الجملة الشرطية خبر، إذا جعلنا ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ﴾ صفة
لأولئك، وهي كلام مستأنف إن جعلنا ﴿ الَّذِينَ﴾ خبراً، لبيان خشيتهم من
الله، مع علو الدرجة وشرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله عز وجل.
البلاغة:
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ﴾ الإشارة بالبعيد لعلو الرتبة.
المفردات اللغوية:
﴿ أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس. ﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ
بأنواع النعم الدينية والدنيوية. ﴿مِّنَ النَِّنَ﴾ بيان للموصول؛ لأن
عَلَيْهِمْ﴾
جميع الأنبياء منعم عليهم . ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ﴾ من هنا للتبعيض، والمراد به هنا:
إدريس الذي هو من ذرية آدم عليه السلام، لقربه منه؛ لأنه جد نوح أي جد
أبيه .﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجِ﴾ في السفينة، أي إبراهيم بن سام بن نوح . ﴿وَمِن
ذُرِّيَّةِ إِنْزَهِيِمَ﴾ أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ﴿وَإِسْرَِّيلَ﴾ هو يعقوب عليه.
السلام، أي من ذريته وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى. ﴿وَمِمَّنْ
هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَا﴾ أي ومن جملتهم، و﴿وَأَجْنَبَيْنَا﴾ اصطفينا واخترنا للنبوة

٤٦٨
الُ (١٦) - فَنَا: ١٩ / ٥٨
والكرامة. ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد. ﴿وَيُكِيًّا﴾ جمع باكِ، روى ابن ماجه عن النبي
وَ له: ((اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)). والبكا: بالقصر مثل
الحزن، لا صوت معه.
المناسبة:
بعد أن أثنى الله على كل رسول من رسله العشرة بما يخصه، جمعهم آخراً
بصفة واحدة: هي الإنعام عليهم بالنبوة، والهداية إلى طريق الخير،
والاصطفاء من سائر خلقه. قال ابن كثير: ليس المراد المذكورين في هذه
السورة فقط، بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذكر الأشخاص
إلى الجنس(١).
التفسير والبيان:
﴿ أُوْلَكَ الَّذِيِنَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ﴾ أي أولئك المذكورون من أول
السورة إلى هنا، من لدن زكريا إلى إدريس، بل وجميع الأنبياء هم الذين أنعم
الله عليهم بنعمة النبوة والقرب منه، وعظم المنزلة لديه، واختارهم واجتباهم
من بين عباده، وهداهم وأرشدهم ليكونوا المثل الأعلى للبشرية، والأسوة
الحسنة للناس جميعاً في عبادة الله وطاعته والتأسي بطريقتهم ومنهجهم
وأخلاقهم.
﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ﴾ أبي البشر الأول عليه السلام.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أي ومن ذرية من حملنا في السفينة مع نوح أبي
البشر الثاني، وهم من عدا إدريس عليه السلام الذي كان سابقاً على نوح،
على ما ثبت في الأخبار، جمعهم الله في كونهم من ذرية آدم، ثم خص بعضهم
(١) تفسير ابن كثير: ١٢٦/٣

٤٦٩
اِلُ (١٦) - فَيَزَ: ١٩ / ٥٨
بأنه من ذرية المحمولين مع نوح، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل
مع نوح هو إدريس عليه السلام.
﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْزَهِيمَ﴾ وهم إسحاق ويعقوب وإسماعيل عليهم السلام.
﴿وَإِسْرَِّيلَ﴾ أي ومن ذرية إسرائيل، أي يعقوب، وهم موسى وهارون
وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم عليهم السلام.
﴿وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَا﴾ أي ومن جملة من هدينا إلى الإسلام الذي هو
الدين الحق المشترك بين جميع الأنبياء، ومن جملة من اخترنا للنبوة والكرامة
والاصطفاء.
﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾ أي كانوا إذا سمعوا آيات
الله المتضمنة حججه ودلائله وبراهينه وشرائعه المنزلة، سجدوا لربهم خضوعاً
لذاته واستكانة وانقياداً لأمره، وحمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم
العظيمة، وهم باكون خشية من الله ومن عذابه. والبكي: جمع باكٍ.
قال ابن كثير: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء: أنها كقوله
تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَاَ إِنَزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ
وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ
دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
كُلَّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ
وَزَّكَرِيَّا وَيَخْبَ وَعِيسَى
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِينَ (19)
وَإِسْمَئِعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًا
٨٥
وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِّنَ الصَّلِحِينَ
وَمِنْ ءَابَآَبِهِمْ وَذُرِيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِهِمٌ وَأَجْتَبَيْنَهُمْ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى
فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨) إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾
[٨٣-٩٠] وقال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨/٤٠] وفي صحيح البخاري عن مجاهد: أنه سأل
ابن عباس أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى

٤٧٠
الُرعُ (١٦) - فَنَ: ١٩ / ٥٩-٦٣
اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ أي فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم
يعني داود.
لهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم، واتباعاً
لمنوالهم (١). وعند ابن ماجه عن رسول الله وَلير: ((اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم
تبكوا فتباكَوْا)) وعن صالح المرّي قال: قرأت القرآن عن رسول الله وَله في
المنام، فقال لي: يا صالح، هذه القراءة، فأين البكاء؟ وعن ابن عباس رضي
الله عنهما: ((إذا قرأتم سجدة ﴿سُبْحَانَ﴾ فلا تَعْجَلوا بالسجود، حتى تبكوا،
فإن لم تبك عين أحدكم، فليبك قلبه))(٢).
والذي يستنبط من هذه الآية كما فُهم منها: أن جميع الأنبياء هم القدوة
الصالحة والأسوة الحسنة للبشرية في سلامة العقيدة، وكثرة العبادة، وصحة
الدين، ونقاوة الأصل، وطهارة النسب والمعدن. واستقامة المنهج والطريق،
ورفعة الشأن والخلُق.
صفات خلف الأنبياء وجزاؤهم
وصفات التائبين ومستحقي الجنة
◌َفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا
جَثَتِ عَدٍْ اُلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِّ ◌ِنَّهُ كَانَ وَعْدُمُ مَأْنًِّا ﴿ لَّا يَسْمَعُونَ
فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ
عِبَادِنَا مَن كَانَ يَقِيًّا
(١) المرجع السابق ١٢٧
(٢) تفسير الرازي: ٢٣٤/٢١

٤٧١
لُ (١٦) - فَرَينَ: ١٩ / ٥٩-٦٣
القراءات:
﴿ يَدْخُلُونَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُدْخَلون).
الإعراب:
(جَتِ عَدْنٍ﴾ ﴿جَنَتِ﴾ بدل منصوب من قوله: ﴿ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي
يدخلون جنات عدن، وهو بدل الشيء من نفسه؛ لأن الألف واللام في الجنة
للجنس.
﴿إِلَّا سَمًا﴾ إما منصوب؛ لأنه استثناء منقطع، أو منصوب على البدل من
(لغو). ﴿بِالْغَيْبٍ﴾ حال.
﴿نُرِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ﴿نُرِثُ﴾ مضارع أورث، وهو يتعدى إلى مفعولين،
الأول منهما محذوف، وهو الهاء عائد الموصول، أي نورثها، والمفعول الثاني
﴿مَن كَانَ تَقِيًّا﴾. و﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ متعلق بنورث، أي تلك الجنة التي نورثها من
كان تقياً من عبادنا.
البلاغة:
﴿َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ﴾ جناس ناقص لتغير الحركات والشكل.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿خَلَفُ﴾ بسكون اللام: عقب السوء، وبفتح اللام: عقب الخير. ﴿أَضَاعُواْ
الصَّلَوةَ﴾ تركوها بتاتاً، أو أخروها عن وقتها. ﴿وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ﴾ انهمكوا في
المعاصي واللذات . ﴿غَيًّا﴾ أي شراً أو وادياً في جهنم، والمعنى: يقعون في نار

٤٧٢
الجُزُعُ (١٦) - فَرَمًا: ١٩ / ٥٩-٦٣
جهنم، ويلقون جزاءهم فيها. ﴿إِلَّا﴾ بمعنى لكن، وهو يدل على أن الآية في
الكفرة. ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ ينقصون. ﴿شَيْئًا﴾ من ثوابهم وجزاء أعمالهم.
﴿جَتِ عَدْنٍ﴾ جنات إقامة، وهذا وصف لها بالدوام ﴿يِلْغَيَبِّ﴾ أي وهي
غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها. ﴿إِنَُّ كَانَ وَعْدُهُ﴾ موعوده. ﴿مَأْنِيًّا﴾ بمعنى
آتياً لا محالة. أو أن موعوده الذي هو الجنة يأتيه أهله الذين وُعدوا به.
﴿ لَغْوَا﴾ فضولاً من الكلام لا يفيد. ﴿إِلَّا سَلَمَّاً﴾ أي لكن يسمعون سلاماً
من الله أو من الملائكة عليهم، أو من بعضهم على بعض . ﴿بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ على
عادة المتنعمين، والتوسط، وفي قدر وقتهما في الدنيا، علماً بأنه ليس في الجنة
نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبداً.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى أولئك الأنبياء وأتباعهم بصفات الثناء والمدح من
اتباع أوامر الدين وترك نواهيه، ترغيباً في التأسي بطريقتهم، ذكر صفات
الخلف الذين أتوا بعدهم ممن أضاعوا واجبات الدين، وانتهبوا اللذات
والشهوات، ثم ذكر ما ينالهم من العقاب في الآخرة، إلا من تاب، فإن الله
يقبل توبته، ويورثه جنات النعيم التي لا يرثها إلا الأتقياء.
قال الرازي: وظاهر الكلام. أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من
أولادهم.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق،
كما تراكب الأنعام، لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.
وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله وَله، وتلا هذه الآية، قال: ((يكون خلف من بعد
ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً، ثم يكون

٤٧٣
الُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٥٩-٦٣
خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق،
وفاجر)).
التفسير والبيان:
◌َفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُوْ اُلشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
٥٩
أي فجاء خلف سوء من بعد أولئك السعداء وهم الأنبياء عليهم
السلام وأتباعهم القائمون بحدود الله وأوامره، المؤدون فرائض الله، التاركون
الزواجره.
أولئك الخلف يدّعون الإيمان واتباع الأنبياء، ولكنهم مخالفون مقصرون
كاليهود والنصارى وفسّاق المسلمين الذين تركوا الصلاة المفروضة عليهم،
وآثروا شهواتهم من المحرَّمات على طاعة الله، فاقترفوا الزنى، وشربوا الخمور،
وشهدوا شهادة الزور، ولعبوا الميسر، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها،
فهؤلاء جزاؤهم أنهم سيلقون غياً، أي شراً وخيبة وخساراً يوم القيامة،
لارتكابهم المعاصي، وإهمال الواجبات.
والمراد بإضاعة الصلاة في الأظهر تركها بالكامل، وعدم فعلها أصلاً،
وجحود وجوبها. ويرى بعضهم كالشوكاني أن من أخر الصلاة عن وقتها، أو
ترك فرضاً من فروضها، أو شرطاً من شروطها، أو ركناً من أركانها، فقد
أضاعها.
لذا ذهب جماعة من السلف والخلف والأئمة، كما الذي رواه الجماعة إلا
البخاري والنسائي وهو المشهور عن الإمام أحمد وقول عن الشافعي إلى تكفير
تارك الصلاة؛ للحديث: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)) والحديث
الآخر الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن بريدة: ((العهد
الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)).

٤٧٤
لِلُعُ (١٦) - فَرِينَ: ١٩ / ٥٩-٦٣
ثم استثنى الله تعالى من الجزاء المتقدم التائبين، فقال:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَّكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا
﴾ أي لكن من تاب مما فرط منه من ترك الصلوات، واتباع الشهوات،
فرجع إلى طاعة الله وآمن به وعمل عملاً صالحاً، فأولئك يدخلهم ربهم الجنة،
ويغفر لهم ذنوبهم؛ لأن ((التوبة تجبُّ ما قبلها)» في حديث ذكره الفقهاء، وفي
الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن ابن مسعود: ((التائب من الذنب كمن
لا ذنب له)) وأولئك أيضاً لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان العمل
قليلاً؛ لأن أعمالهم السابقة ذهبت هدراً، وصارت منسية، تفضلاً ورحمة من
الله الكريم اللطيف الحليم.
وهذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن
تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٥َ﴾ [الفرقان: ٧٠/٢٥].
ثم وصف الله تعالى الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم وهي أوصاف
ثلاثة :
أَ - ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيَّبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْيًّاً
أي هي جنات إقامة دائمة، وعد الرحمن بها عباده الأبرار بظهر الغيب، فآمنوا
بها ولم يروها؛ لقوة إيمانهم، ولأن وعد الله آتٍ لا يُخْلَف، ومنها الجنة، يأتيها
أهلها لا محالة. وقوله: ﴿إِنَُّ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا﴾ أي آتياً: تأكيد لحصول ذلك
وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ
مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ٧٣/ ١٨] أي كائناً لا محالة.
أَ - ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاً﴾ أي لا يسمع الأبرار أهل الجنة فيها
كلاماً ساقطاً، أو تافهاً لا معنى له، أو هَذَراً لا طائل تحته، كما قد يوجد في

٤٧٥
◌ِلُ (١٦) - فَرَنَ: ١٩ / ٥٩-٦٣
الدنيا، ولكن يسمعون سلام بعضهم على بعض، أو سلام الملائكة عليهم،
بما يشعرهم بالأمان والطمأنينة، وهما منتهى الراحة
وقوله: ﴿إِلَّا سَلَمَا﴾ استثناء منقطع كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا
تَأْتِيمًا (٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا
﴾ [الواقعة: ٢٥/٥٦-٢٦].
◌َ - ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي يأتيهم ما يشتهون من الطعام
والشراب قدر وقت البكرة والعشي، أي وقت الغداء صباحاً، والعشاء
مساء؛ إذ ليس هناك ليل ولا نهار، وإنما بمقدار طرفي النهار في الدنيا، وفي
أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنهار، كما أخرج الإمام أحمد
والشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((أول زمرة
تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا
يتمخّطون فيها، ولا يتغوَّطُون، آنيتُهم وأمشاطُهم الذهبُ والفضةُ، ومجامرُهم
الأُلوَّة(١)، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من
وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب
رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً)). وهذا وقت طعام أهل الاعتدال،
أما النهم فيأكل متى شاء. وأسباب استحقاق الجنان هي:
﴿ِلْكَ اَلْجَنَّةُ الَّتِ نُرِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (٣)﴾ أي هذه الجنة التي
وصفناها بتلك الأوصاف الرائعة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم
المطيعون لله عز وجل في السرّاء والضّاء، أي نجعلها حقاً خالصاً لهم كملك
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
الميراث، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ
١٠
﴾ إلى أن قال: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
﴾ [المؤمنون: ١٠/٢٣-١١].
فِيهَا خَلِدُونَ
(١) الألوّة: بفتح الهمزة وضمها، عود يتبخر به، والمجامر جمع مجمرة: وهي الشيء الذي يوضع
فيه المر والبخور.

٤٧٦
لُعُ (١٦) - فرين): ١٩ / ٥٩-٦٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - جاء بعد الأنبياء وأتباعهم الأتقياء خلف سوء وأولاد شر.
أ - تركوا أداء الصلوات المفروضة، وهذا دليل على أن إضاعة الصلاة من
الكبائر التي يعذب بها صاحبها. روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم
الضَّبِّي أنه أتى المدينة، فلقي أبا هريرة، فقال له: يا فتى، ألا أحدثك حديثاً لعل
الله تعالى أن ينفعك به؛ قلت: بلى، قال: ((إن أول ما يحاسب به الناس يوم
القيامة من أعمالهم الصلاة، فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته - وهو أعلم -:
انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نَقَصَها، فإن كانت تامة، كتبت له تامة، وإن
كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع
قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك)).
وأخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إن أول
ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن
فسدت فقد خاب وخسر .. )) الحديث.
ب - واتبعوا شهواتهم وهي عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا
يتقيه. جاء في الصحيح: الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس ((حُفَّت
الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات)).
أَ - إن جزاء خلف السوء الغي، أي الهلاك والضلال في جهنم، أو أن
الغي: واد في جهنم أبعدها قعراً، وأشدها حراً، فيه بئر يسمى البهيم، كلما
خبت فتح الله تعالى تلك البئر، فتُسعَّر بها جهنم. قال ابن عباس: ((غيّ: واد
في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعد الله تعالى ذلك الوادي
للزاني المصرّ على الزنى، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا

٤٧٧
الُ (١٦) - فَمَ: ١٩ / ٥٩-٦٣
ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولداً
لیس منه» أي کانت زانية به.
◌َّ - يقبل الله توبة من تاب من عباده، من تضييع الصلوات واتباع
الشهوات، فرجع إلى طاعة الله، وآمن به، وعمل صالح الأعمال، فهؤلاء
يدخلون الجنة مع الأبرار، ولا ينقص من أعمالهم الصالحة شيء بسبب
تقصيرهم الماضي، لكن يكتب لهم بكل حسنة عشر إلى سبع مئة.
٤ - تلك هي جنات عدن، أي إقامة دائمة، وهي التي وعد بها الرحمن
عباده، فآمنوا بها غيبياً، وإن لم يشاهدوها، ووعد الله آتٍ لا ريب فيه، وإن
الله لا يخلف الميعاد.
٥ - خصائص الجنة وأوصافها: هي:
أولاً - أن الوعد بها آت لا محالة، كما ذكر.
وثانياً - لا لغو فيها: وهو المنكر من القول، والباطل من الكلام،
والفَحِش منه، والفضول الساقط الذي لا ينتفع به: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيَهَا لَغِيَّةً
[الغاشية: ١١/٨٨] .
وثالثاً - لكن يسمعون فيها سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة
عليهم، والسلام: اسم جامع للخير، والمعنى: أنهم لا يسمعون فيها إلا ما
يحبون.
ورابعاً - لهم ما يشتهون فيها من المطاعم والمشارب بكرة وعشياً، أي قدر
هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثم ولا عشياً.
وخامساً - هذه الجنة حق خالص يرثه ويتملكه العباد الأتقياء، وهم من
اتقى الله وعمل بطاعته، فقام بالأوامر، واجتنب النواهي.

٤٧٨
الزرعُ (١٦) - فَرشي: ١٩ / ٦٤-٦٥
تنزل الوحي بأمر الله تعالى
﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا
كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (﴿ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَيِّهُِ هَلَ
تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
٦٥
الإعراب:
﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ﴾ على حذف: قل، أي قل: ما نتنزل إلا بأمر
ربك، فحذف قل، والخطاب لجبريل، وحذف القول كثير في كلام العرب وفي
القرآن. و﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ دليل على أن الأزمنة
ثلاثة: ماضٍ وحاضر ومستقبل. وعطف كلام غير الله ﴿وَمَا نَنَزَّلُ﴾ على كلام
الله ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ﴾ من غير فصل أمر جائز إذا كانت القرينة ظاهرة،
مثل: ﴿وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧/٢ وآل عمران ٣/
٤٧] الذي هو كلام الله، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦/١٩] الذي هو
كلام غير الله.
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ﴾ إما مرفوع
بدل من ﴿رَبُّكَ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾، أو خبر مبتدأ مقدر، أي هو ربُّ السماوات،
أو مبتدأ، وخبره ﴿فَأَعْبُدْهُ﴾ عند أبي الحسن الأخفش؛ لأنه يجوز أن تزاد الفاء
في خبر المبتدأ، وإن لم يكن المبتدأ اسماً موصولاً، أو نكرة موصوفة، مثل:
((زيد فمنطلق)) والأكثرون على أن الفاء عاطفة، لا زائدة، أي هذا زيد فهو
منطلق، فكل واحد منهما خبر مبتدأ محذوف.
البلاغة:
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ بينهما طباق.

٤٧٩
الُ (١٦) - فَرَبِيرًا: ١٩ / ٦٤-٦٥
المفردات اللغوية:
﴿نَزَّلُ﴾ التنزل: النزول على مهل وقتاً بعد وقت، وهو حكاية قول
جبريل حين استبطأه رسول الله وَليه لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي
القرنين والروحِ، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة
عشر يوماً ﴿إِلَّا بِأَمْرِ رَيِّكَ﴾ المعنى: وما ننزل وقتاً بعد وقت إلا بأمر الله
ومشيئته على ما يقتضيه حكمته. وقرئ: وما يتنزل، والضمير للوحي ﴿لَهُ مَا
بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ له ما أمامنا في الزمان المستقبل، وما
وراءنا من الزمان الماضي، وما بينهما من الزمان الحاضر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ
نَسِيًّا﴾ أي ناسياً تاركاً لك، بتأخير الوحي عنك، والمعنى: ماكان عدم النزول
إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت
الكفرة، وإنما كان لحكمة رآها فيه.
﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بيان لامتناع النسيان عليه ﴿فَأَعْبُدْهُ
وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَتُِ﴾ خطاب للرسول ◌َّه مرتب على ما سبق، أي لما عرفت ربّك
بأنه لا ينبغي له أن ينساك، فأقبل على عبادته واصطبر عليها، أي اصبر على
مشاقها وشدائدها، ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة. وإنما عدّي
باللامِ ﴿ِعِبَدَتِهُ﴾ لتضمنه معنى الثبات للعبادة، كما تقول للمحارب: اصطبر
لقِرْنك، أي اثبت له في حملاته ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُمْ سَمِيًّا﴾ أي مِثْلاً ونظيراً مسمى
بذلك، أي الله؟ فإن المشركين لم يسموا الصنم الإله: (الله) قط. وإذا صح ألا
أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره، لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال
بعبادته والاصطبار على مشاقها.
سبب النزول:
أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله لجبريل:
((ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت: ﴿ وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.))

٤٨٠
الُعُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ٦٤-٦٥
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يوماً،
فذكر نحوه.
وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس: أن قريشاً لما سألوه عن أصحاب
الكهف، مكث خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله له في ذلك وحياً، فلما نزل
جبريل، قال له: أبطأت، فذكره.
وروي عن ابن عباس: ((إن جبريل عليه السلام احتبس عنه وَليل أياماً،
حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يَدْر عليه
الصلاة والسلام كيف يجيب؟ فحزن واشتد عليه ذلك، وقال المشركون: إن
ربّه ودّعه وقلاه، فلما نزل، قال له عليه الصلاة والسلام: يا جبريل،
احتبست عني، حتى ساء ظني، واشتقت إليك، فقال: إني إليك لأشوق،
ولكني عبد مأمور، إذا بُعثت نزلت، وإذا حُبِسْتُ احتبست، وأنزل الله هذه
الآية))(١). ولا مانع من تعدد الوقائع وأسباب النزول.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصص الأنبياء كزكريا وإبراهيم وموسى وإسماعيل.
وإدريس، تثبيتاً للنبي وَّ، وذكر ما أنعم الله عليهم وما أحدثه الخلْف
بعدهم، وجزاء الفريقين، ذكر الله سبب تأخر الوحي على النبي وَلّه، تنبيهاً
على قصة قريش واليهود، من أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا
الشهوات، وختماً لقصص أولئك المنعم عليهم بمخاطبة أشرفهم محمد وائل
الذي هو من ذرية إبراهيم.
التفسير والبيان:
﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا
(١) تفسير الرازي: ٢٣٩/٢١
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — pages 461-480 | ScribeTools Library