النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ الجزء (١٦) - فرين): ١٩ / ١٦-٢٢ قصة مريم - ١ - حملها بعيسى عليه السلام ﴿ وَأَذَكُرْ فِى الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ اُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿ فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًّا ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيَّا ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ﴿ قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ يَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّاً وَكَانَ أَمْرًّا ٢٢ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا ٢١ مَّقْضِيًّا القراءات: ﴿ إِنّ أَعُوذُ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أعوذ). ﴿لِأَهَبَ﴾: وقرأ ورش، وأبو عمرو (ليهب). الإعراب: إِذِ آَنْتَبَذَتْ﴾ بدل من مريم بدل اشتمال. ﴿مَكَنَا شَرْقِيًّاً﴾ ﴿مَكَانًا﴾ إما ظرف مكان منصوب، وعامله ﴿اُنَبَذَتْ﴾ وإما مفعول به، وعامله مقدر، أي وقصدت مكاناً قصياً. و﴿شَرْفِيًّا﴾ صفة له. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ الواو: إما واو عطف على قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ وإما زائدة. ٤٠٢ الجُرُ (١٦) - فَرت: ١٩ / ١٦-٢٢ البلاغة: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ كناية عن المعاشرة الزوجية بالجماع. ﴿شَرْفِيًّا﴾ ﴿سَوِيًّا﴾ ﴿تَقِيًّا﴾ ﴿يَغِيًّا﴾ ﴿مَّقْضِيًّا﴾ ﴿قَصِيًّا﴾ ﴿سَرِيًا﴾ ﴿َنِيًّا﴾ .. إلخ سجع لطيف. المفردات اللغوية: ﴿ وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِنَبِ مَرْيَ﴾ واذكر في القرآن خبر مريم. ﴿إِذِ أَنتَبَذَتْ﴾ حين اعتزلت. ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار. ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أرسلت ستراً تستتر به للاغتسال من الحيض، وكانت في العادة تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت، وتعود إليه إذا طهرت، فبينا هي في مغتسلها أتاها جبريل متمثلاً بصورة شاب أمرد، سوي الخلق، لتستأنس بكلامه . ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ جبريل. ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾ بعد لبسها ثيابها. ﴿بَشَرًّا سَوِيًا﴾ تام الخلق. ﴿قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنَ﴾ من غاية عفافها. ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ تتقي الله، وتحتفل بالاستعاذة، فتنتهي عني بتعوذي. وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله، أي فإني عائذة منك، أو فاتعظ بتعويذي، أو فلا تتعرض لي. ويجوز أن يكون للمبالغة، أي إن كنت تقياً متورعاً، فإني أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك. ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الذي استعذتِ به. ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في القميص (الدرع). و﴿زَكِيًّا﴾ طاهراً من الذنوب، أو نامياً على الخير والصلاح. ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ ولم يباشرني رجل بالحلال من طريق الزواج . ﴿يَغِيًّا﴾ زانية. ﴿قَالَ كَذَلِكٍ﴾ أي الأمر هكذا من خلق غلام منك من غير أب، أو كذلك الأمر حكم ربّك، بمجيء الغلام منك، وإن لم يكن لك زوج . ﴿هُوَ ٤٠٣ الُزُ (١٦) - فَير: ١٩ / ١٦-٢٢ عَلَىَّ هَيِّنٌّ﴾ أي فإن الأمر على الله يسير سهل. ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ على قدرتنا، وهذا معطوف على جملة ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنُ﴾ التي هي في معنى العلة. ﴿ وَرَحْمَةً مِنَّاً﴾ أي ورحمة لهم ببعثته نبياً يهتدون بإرشاده، لمن آمن به. ﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ أي وكان خلقه أمراً مقضياً به في الأزل وفي علم الله، فنفخ جبريل في جيب قميصها، فأحست بالحمل في بطنها مصوراً، إذ دخلت النفخة في جوفها، وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل: ثمانية، أو تسعة، وقيل: ساعة، كما حملته نبذته، وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشر سنين، وقد حاضت حيضتين، والأولى أن يكون حملها في المدة المعتادة وهي تسعة أشهر، إذ لا دليل على تلك الأقوال. ﴿فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَا قَصِيًّا﴾ اعتزلت، وهو في بطنها، مكاناً بعيداً من أهلها وراء الجبل. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولداً زكياً طاهراً مباركاً، أردفه بذكر قصة مريم في إنجاب ولدها عيسى عليه السلام من غير أب، وبين القصتين تناسب وتشابه واضح ظاهر، ولذا ذكرا معاً في آل عمران وهنا وفي الأنبياء، لتقاربهما في المعنى، ليدل تعالى على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر. وعملاً بمبدأ الانتقال في البيان والتعليم من الأسهل إلى الأصعب، بدأ تعالى بقصة يحيى عليه السلام؛ لأن خلقه من أبوين كبيرين أقرب إلى العادة والتصديق من خلق الولد بلا أب، ثم ذكر قصة عيسى؛ لأنها أغرب من تلك. التفسير والبيان: ﴿وَأَذَكُرْ فِ اُلْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ اٌنَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنًا شَرْفِيًّا ﴾﴾﴾ أي ٤٠٤ اِلُحُ (١٦) - فَزين: ١٩ / ١٦-٢٢ واذكر يا محمد الرسول للناس في هذه السورة قصة مريم البتول بنت عمران من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، حين تنخَّت، واعتزلت من أهلها، وتباعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس أو المسجد المقدس؛ لتنقطع إلى العبادة. روى ابن جرير عن ابن عباس قال: إني لأُعْلِمُ خَلْق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ أُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة. ﴿ فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا أي استترت منهم وتوارت بساتر أو حاجز يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة، فأرسلنا إليها جبريل عليه السلام، متمثلاً بصورة إنسان تام كامل، لتأنس بكلامه، ولئلا تنفر من محاورته في صورته الملكية، فظنت أنه يريدها بسوء. وقوله: ﴿رُوحَنَا﴾ هو جبريل، كما جاء في آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ [الشعراء: ٢٦ /١٩٣-١٩٤]. (١٩٤) اُلْأَمِينُ (﴿َ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ فكان موقفها منه كما قال تعالى: ﴿ قَالَتْ إِنّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا ﴾﴾ أي قالت السيدة مريم العذراء البتول: إني أستعيذ (أو أستجير) بالرحمن منك أن تنالني بسوء إن كنت تخاف الله، فاخرج من وراء الحجاب. وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولاً بالله عز وجل، والاستعاذة والتخويف لا يؤثران إلا في التقي، وهو كقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَّوْاْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٧٨] أي إن الإيمان يقتضي ذلك ويوجبه، لا إن الله تعالى يخشى في حال دون حال، وهذا دليل عفتها وورعها. ٤٠٥ لُرُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ١٦-٢٢ فأجابها جبريل عليه السلام: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا (٣)﴾ أي قال الملَك جبريل مهدئاً رَوْعها ومزيلاً خوفها: لست أريد بك سوءاً، ولكن أنا رسول إليك من ربك الذي استعذتِ به، ولست ممن يتوقع منه السوء أو مما تظنين، بعثني الله إليك لأهب لك غلاماً طاهراً من الذنوب، ينمو على النزاهة والعفة. وقد نسب الهبة لنفسه لجريانها على يده بأمر الله تعالى. فتعجبت مريم مما سمعت، وقالت: ﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (®﴾ أي قالت لجبريل: كيف يكون لي غلام؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، أو لم يقربني زوج، ولا يتصور مني الفجور، فلم أك يوماً بغياً، أي زانية، تبغي الرجال بالأجر. وجوابها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة الله، وإنما عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور، وإن حدث خلاف هذا في القدرة الإلهية، فإنها عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر من غير أب ولا أم، فهل سيكون هذا الولد مخلوقاً بخلق الله ابتداء كآدم، أم عن طريق زوج تتزوجه في المستقبل؟ فأجابها بقوله : ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأَ وَكَانَ أَمْرًّا مَّقْضِيًّا ﴾﴾ أي فقال لها الملَك مجيباً لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيُوجِد منك غلاماً، وإن لم يكن لك زوج (بعل) ولا من طريق الفاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، وليجعل خلقه برهاناً للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى فقط، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى. ٤٠٦ لُحُ (١٦) - فَرير: ١٩ / ١٦-٢٢ ويجعل هذا الغلام أيضاً رحمة من الله لعباده، يبعثه نبياً من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، وكل هذا الأمر مقدراً قد قدره الله في سابق علمه، وجف به القلم، فلا يغير ولا يبدّل. ونظير آخر الآية: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧/٣]. ونظير القسم السابق له وهو: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّأَ﴾ قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِى ٤٥ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرِّينَ اُلْمَهْدِ وَكَهْلَا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥/٣-٤٦]. ونظير قوله: ﴿وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا﴾ قوله سبحانه: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ اَلَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢/٦٦]. وحدث مراد الله تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا (®﴾ أي لما قال جبريل لها عن الله تعالى ما قال، استسلمت لقضاء الله تعالى، فنفخ جبريل في جيب دِرْعها (فتحة قميصها) فنزلت النفخة في جوفها، حتى ولجت فرجها، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فاعتزلت إلى مكان بعيد. والفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقیب کل شيء بحسبه. ولم يعيِّن القرآن الكريم مدة الحمل، إذ لا حاجة لمعرفتها، لذا نرى أن حملها كان بحسب المعتاد بين النساء، وهو تسعة أشهر قمرية. وإنما اتخذت المكان البعيد لا من أجل الوضع، وإنما حياء من قومها، وبعداً عن اتهامها بالريبة. فقه الحياة أو الأحكام: هذه بداية قصة السيدة مريم العذراء، حكى فيها الحق سبحانه كيفية حملها بعيسى عليه السلام، مبيناً مقدمات ضرورية لإبراز عفتها وصونها. ٤٠٧ الجزء (١٦) - فرين: ١٩ / ١٦-٢٢ فهي قد اعتزلت أهلها شرقي البيت المقدس للانقطاع للعبادة وللخلوة مع الله ومناجاة ربها، فأرسل الله إليها جبريل عليه السلام بصورة بشر تام الخِلْقة؛ لأنها لم تكن لتطيق أن تنظر جبريل في صورته الحقيقية الملكية، ولما رأت رجلاً حسن الصورة في صورة البشر، قد خرق عليها الحجاب، ظنت أنه يريدها بسوء، فتعوذت بالله منه إن كان ممن يتقي الله. فأخبرها جبريل بأنه رسول من عند الله بعثه إليها ليهبها غلاماً طاهراً نقياً من الذنوب والمعاصي، وجعل الهبة من قبله؛ لأنه الواسطة ورسول الإعلام بالهبة من قِبَله. روي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جیب درعها وُمِّها. فتساءلت مريم عن وسيلة إيجاد الغلام، لا استبعاداً لقدرة الله تعالى، ولكن أرادت معرفة كيفية تكوُّن هذا الولد، من قبل الزوج الذي تتزوجه في المستقبل، أم يخلقه الله ابتداء؟ وهي الآن ليست ذات زوج، ولم تكن في أي وقت زانية، وذكرت هذا تأكيداً؛ لأن قولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ يشمل الحلال والحرام. فأجابها جبريل: هذا أمر قدره الله وقضى به من الأزل، فهو في سابق علمه الأزلي القديم، وهو أمر هيِّن يسير على قدرة الله، فهو القادر على كل شيء، وقد خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، ليكون ذلك دليلاً وعلامة على قدرته العجيبة في تنوع الخلق والإبداع، ویکون عيسى بنبوته رحمة لمن آمن به، وكان أمراً مقدراً في اللوح مسطوراً. فاستسلمت مريم لقضاء الله وقدره، واعتزلت بالحمل إلى مكان بعيد، حياء من قومها، وبعداً عن اتهامها بالريبة وتعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج، قال ابن عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال. وقال ابن عباس أيضاً: ما هو إلا أن حملت فوضعت في ٤٠٨ الُعُ (١٦) - فرشير: ١٩ / ١٦-٢٢ الحال. قال القرطبي: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل(١). وقال آخرون: كان الحمل بحسب المعتاد بين النساء؛ لأن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴿٣ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿َ ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا اٌلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٢/٢٣-١٤]. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوماً، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣/٢٢] قال ابن كثير: فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولا دهن(٢). وقال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قُلَّتها، ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب (المرض والضعف) والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبَها يوسف النجار (وهو رجل صالح من قراباتها، كان معها في المسجد يخدم معها بيت المقدس) ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه. ويحسن أن تذكر مقطعاً من حوار بين يوسف النجار ومريم، ذكره الثعلبي في العرائس عن وهب، قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر، وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، وهذا البذر إنما حصل من (١) تفسير القرطبي: ٩٢/١١ - ٩٣ (٢) تفسير ابن كثير: ١١٦/٣ ٤٠٩ المُرُ (١٦) - فَرفر: ١٩ / ٢٣-٢٦ الزرع الذي أنبتته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث، وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر، بعدما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول: إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها؟ فقال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، فيقول له: کن فیکون. فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ (١). فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه - ٢ - ولادة عيسى وما اقترن بها ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَبِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿ فَكُلِى وَأَشْرَبِ وَقَرِى عَيْنَاً فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ ٢٦٦ إِنسِيًّا القراءات: (مِتُ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مُتُّ). (١) تفسير الرازي: ٢٠١/٢١ - ٢٠٢ ٤١٠ لُعُ (١٦) - فَزهير): ١٩ / ٢٣-٢٦ ﴿نَسْيًا﴾: قرئ: ١- (نَسياً) وهي قراءة حفص، وحمزة. ٢- (نِسياً) وهي قراءة الباقين. ﴿ مِن تَحْنِهَا﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مَنْ تحتها). ﴿ ◌ُقِطْ﴾ : قرئ: ١- (تُسَاقِط) وهي قراءة حفص. ٢- (تَسَاقط) وهي قراءة حمزة. ٣- (تَسَّاقط) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿يَجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ﴾ الباء: زائدة، أي وهزي إليك جذع النخلة. و﴿نُسَقِطْ﴾ جواب الأمر، و﴿رُطَبًا جَنِيًا﴾ مفعول ﴿َُقِطْ﴾ أي تساقط النخلة رطباً. وقرئ (تَسَاقَط) وأصله: تتساقط، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، وقرئ (تسَّاقط) وأصله: تتساقط أيضاً، فأبدل من إحدى التاءين سيناً، وأدغم السين في السين. و﴿ رُطَبًا﴾ في هاتين القراءتين: تمييز أو حال، ويجوز النصب بهزِّي، أي وهزي إليك رطباً جنياً متمسكة بجذع النخلة، والباء في موضع الحال، لا زائدة، وقرئ (يُسَّاقط) و﴿رُطَبًا﴾ مفعول به، أي يُسَّاقط جذع النخلة رطباً. ٤١١ الُرُ (١٦) - فَرتي): ١٩ / ٢٣-٢٦ ﴿ وَقَرِى عَيْنًا﴾ تمييز أي من عين، مثل: طاب به نفساً، أي من نفس. ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ﴾ أصله (تَرَأْبين) فحذفت الهمزة منه، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فبقي ﴿تَرَيِّنَ﴾ وحذفت النون لأنها نون إعراب، لطروء البناء بدخول نون التوكيد الثقيلة (المشددة) وكسرت الياء لسكونها وسكون النون المشددة أي لالتقاء الساكنين. وإما: أدغمت فيه نون إنْ الشرطية في ما الزائدة. المفردات اللغوية: ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ جاء بها وألجأها واضطرها. ﴿اُلْمَخَاضُ﴾ وجع الولادة والطّلْق حين تحرك الولد للخروج من البطن . ﴿إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، فولدت ﴿يَلَيْتَنِ﴾ للتنبيه. ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الأمر، استحياء من الناس ومخافة لومهم. ﴿نَسْيًا﴾ ما من شأنه أن يُنسى ولا يُطلب، ككل شيء حقير من وتد وحبل .﴿مَّنسِيًّا﴾ منسي الذكر، وهو ما لا يخطر بالبال لتفاهته، والمراد من الكلمتين: شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر. ﴿فَنَادَنهَا مِن تَحِهَا﴾ أي عيسى، وقيل: جبريل وكان أسفل منها أي من مكانها. وقيل: ضمير ﴿تَحْنِهَا﴾ عائد للنخلة. ﴿أَلَّا تَحْزَنِ﴾ أي لا تحزني أو بألا تحزني.﴿سَرِيًّا﴾ جدولاً أو نهر ماء، هكذا روي مرفوعاً، وقيل: السري: السيد الشريف، أي سيداً شريفاً وهو عيسى . ﴿وَهُزِّىّ﴾ الهز: تحريك الشيء بعنف أو بدونه، أو أميليه إليك أو افعلي الهز والإمالة به . ﴿ يحذّع﴾ الباء مزيدة للتأكيد. ﴿َُقِطْ﴾ تسقط. ﴿رُطَبًا﴾ تمراً طازجاً ناضجاً. ﴿حَنِيًا﴾ صالحاً للاجتناء. ﴿فَكُلِى﴾ من الرطب. ﴿وَأَشْرَبِ﴾ من السري - النهر. ﴿وَقَرِى عَيْنًا﴾ أي لتقر عينك به، أي تسكن، فلا تطمح إلى غيره. ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي إن تريْ آدمياً، فيسألك عن الولد . ﴿فَقُولِّ﴾ أشيري إليهم، قال الفراء: العرب تسمي كل ما أفهم الإنسان شيئاً كلاماً بأي طريق كان. ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ ٤١٢ الفُرُ (١٦) - غزيرًا: ١٩ / ٢٣-٢٦ صَوْمًا﴾ أي صمتاً أو إمساكاً عن الكلام في شأنه وشأن غيره من الناس، بدليل ﴿فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًا﴾ أي أحداً من الناس بعد ذلك، أي بعد أن أخبرتکم عن نذري. التفسير والبيان: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِى مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (®﴾ أي فاضطرها وألجأها وجع الولادة وألم الطَّلْق إلى الاستناد إلى جذع النخلة والتعلق به، لتسهيل الولادة، فتمنت الموت قبل ذلك الحال، استحياء من الناس، وخوفاً أن يظن بها السوء في دينها، أو أن تكون شيئاً لا يُبالَى به، ولا يعتد به أحد من الناس كالوتد والحَبْل، أو لم تُخْلَق ولم تك شيئاً. قال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية. قال الزمخشري: أجاء منقول من جاء إلى معنى الإجاء. ﴿فَنَادَتِهَا مِنْ تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا (®﴾ أي فناداها جبريل من تحت الأكمة أو من تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى، وقد أنطقه الله بعد وضعه تطبيباً لقلبها وإيناساً لها، قائلاً: لا تحزني، فقد جعل ربك تحتك جدولاً أو نهراً صغيراً، أجراه الله لها لتشرب منه. وقيل: المراد بالسريّ هنا عيسى، والسريّ: السيد العظيم الخصال من الرجال، قال ابن عباس: المراد بـ ﴿مِنْ تَّحْنِهَا﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم، وهذا هو الأصح. ﴿ وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (19﴾ أي حرِّكي جذع ٤١٣ الُرُءُ (١٦) - فَتَنَا: ١٩ / ٢٣-٢٦ النخلة، تسقط عليك رطباً طرياً طيباً، صالحاً للاجتناء والأكل من غير حاجة إلى تخمير وصناعة. وهذه آية أخرى، قال الزمخشري: كان جذع نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء. وقيل: كانت النخلة مثمرة. والمهم في الأمر: وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرزق، والاعتقاد بأن الفاعل الحقيقي في تيسير الرزق هو الله تعالى، وأنه على كل شيء قدير. وأما التفاصيل فلا يجب علينا أن نعتقد إلا بما أخبر به القرآن صراحة، وأما الروايات فتحتاج إلى تثبت ودليل وسند صحيح. وما أحسن قول الشاعر: ألم تر أن الله أوحى لمريم وهزي إليك الجذع يسّاقط الرطب ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه إليها ولكن كل شيء له سبب ﴿فَكُلِى وَأَشْرِبٍ وَقَرِى عَيْنًا﴾ أي فكلي من ذلك الرطب، واشربي ذلك الماء، وطيبي نفساً ولا تحزني وقرّي عيناً برؤية الولد النبي، فإن الله قدير على صون سمعتك، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَ لجر: ((أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يلقّح غيرها)) . ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ أي إن رأيت إنساناً يسألك عن أمرك وأمر ولدك، فأشيري له بأنك نذرت لله صوماً عن الكلام، بألا أكلم أحداً من الإنس، بل أكلم الملائكة، وأناجي الخالق. والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم، يحرم عليهم الطعام والكلام، قال ابن زيد والسدّي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الكلام. ٤١٤ الجزء (١٦) - فریتیر: ١٩ / ٢٣-٢٦ وليس الصوم عن الكلام مشروعاً في الإسلام، روى ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان، فسلم أحدهما، ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلِّم الناسَ، وسلِّمْ عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام، ليكون عذراً لها إذا سئلت. فقه الحياة أو الأحكام: دلَّت الآيات على ما يأتي: اً - إن ألم المخاض ووجع الطلق أمر معتاد في أثناء الولادة، أشبه بالموت، فتحتاج المرأة حينئذ إلى عون ورعاية، ولم تجد السيدة مريم معيناً لها غير جذع النخلة، فاستندت إليه وتعلقت به، كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق. ◌َ - يكون تمني الموت جائزاً في مثل حال السيدة مريم، فإنها تمنت الموت من جهة الدِّین لسببين : أحدهما - أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتُعيَّر، فيفتنها ذلك. الثاني - لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وذلك مهلك. فخافت صوناً لسمعتها الدينية، وحماية لتدين الآخرين حتى لا يقعوا في الذنب. ٣ - تظاهرت الروايات بأن السيدة مريم ولدت عيسى عليه السلام الثمانية أشهر، وقد عاش، وتلك خاصة له، وقيل: ولدته لتسعة، أو لستة. ويرى ابن عباس كما تقدم أنها حملت فوضعت في الحال؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل. . .. ٤١٥ لُرُ (١٦) - فَرت: ١٩ / ٢٣-٢٦ ٤ - لقد اقترنت ولادة السيدة مريم بأنواع من الألطاف الإلهية، فقد ناداها جبريل عليه السلام بأن الله جعل من تحتها نهراً صغيراً لتشرب منه، فأسقط لها رطب النخلة، ويقال: إنها أثمرت لها، وصار رطبها قابلاً للأكل والاجتناء بقدرة الله، وطيب الله نفسها وأقر عينها، فأزال عن قلبها الكآبة والحزن، وأمرها على لسان جبريل بالإمساك عن كلام البشر حتى لا تتعب نفسها بالحوار والنقاش وردّ التُّهَم، وأحالت الأمر على ابنها الذي أنطقه الله في المهد مدافعاً عنها، ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآية، فيظهر عذرها. وكل هذه آيات خارقة للعادة أظهرها الله بمناسبة ميلاد عيسى عليه السلام. ه - استدل العلماء بهذه الآية على أن الرزق، وإن كان محتوماً، فإن الله تعالى ربطه بالسعي، ووكل ابن آدم إلى سعي ما فيه؛ لأنه سبحانه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية ألا تهتز النخلة؛ لأن جذعها صلب قوي ثخين . یصعب تحرکه. ٩ - الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يتعارض مع التوكل على الله، فإن التوكل على الله يكون بعد اتخاذ الأسباب. وقد كانت مريم قبل الولادة يأتيها رزقها من غير تكسب، تكريماً خاصاً لها، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣/ ٣٧] فلما ولدت أمرت بهز الجذع؛ لأن قلبها قبل الولادة كان مشغولاً بالعبادة متفرغاً لها، فلم تُشْغل أعضاؤها بتعب التكسب، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، أمرت بالكسب، وردت إلى العادة بالتعلق بالأسباب، كسائر العباد. لاً - الرطب خير شيء للنفساء، وكذلك التحنيك به للمولود، فإذا عسرت الولادة لم يكن للمرأة خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. ٤١٦ لُ (١٦) - فَرَت: ١٩ / ٢٣-٢٦ ٨ - في أمر مريم بالسكوت عن الكلام دليل على أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذلّ الناس سفيه لم يجد مسافهاً. ـا - من التزم بالنذر بألا يكلم أحداً من الآدميين، أو نذر الصمت، فذلك كان مشروعاً في شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، وليس في شريعتنا، فلا يجوز نذر الصمت في شرعنا؛ لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في الشمس ونحوه، مما لم يجزه النبي ◌َّ، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام، كما تقدم. وهذا هو الصحيح لحديث أبي إسرائيل الذي نذر الصوم في الشمس، فأمره النبي وَّر بأن يتكلم ويتم صومه في الظل، والحديث خرَّجه البخاري عن ابن عباس. قال ابن زيد والسدّي كما تقدم: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام. ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح، قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا كان أحدكم. صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم)) وقال أيضاً فيما رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)). ٤١٧ اِلُ (١٦) - فَرشي: ١٩ / ٢٧-٣٣ - ٣ - نبوة عيسى ونطقه وهو طفل في المهد يَأُخْتَ ﴿فَأَنَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُمُ قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا هَرُونَ مَا كَانَ أَبُكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿ قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمْنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَنِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ٣٠ ٣١ وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا (9َ) وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ ٣٣ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا القراءات: جِئْتِ وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيت). ﴿ءَاتَنِىَ اُلْكِنَبَ﴾: وقرأ حمزة (آتاني الكتاب) . ﴿نَبِيًّا﴾ : وقرأ نافع (نبيئاً). الإعراب: ﴿ تَحْمِلُهُ﴾ جملة حالية ﴿يَأُخْتَ﴾ التاء هنا بدل عن واو، وليست للتأنيث؛ لأنها تكتب بالتاء لا بالهاء نحو قائمة وذاهبة، مثل تاء: بنت. ٤١٨ الجُرُ (١٦) - فَرَنَ: ١٩ / ٢٧-٣٣ ﴿بَغِيًّا﴾ على وزن فعول لا فعيل؛ لأنه هنا بمعنى فاعل، وأتى بغير تاء. وهو صفة للمؤنث، كقولهم: امرأة صبور وشكور. وقد يأتي فعول بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، مثل ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢/٣٦]. ﴿مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ﴾ كان: إما بمعنى (حدث ووقع) فيكون ﴿صَبِيًّا﴾ حال من ضمير ﴿ كَانَ﴾. وإما بمعنى (صار) فيكون ﴿صَبِيًّا﴾ خبر (صار) وإما ﴿كَانَ﴾ زائدة، و﴿صَبِيًّا﴾ حال، وعامله ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. ولا يجوز جعل ﴿ كَانَ﴾ هنا ناقصة؛ لأنه لا اختصاص لعيسى بكونه في المهد، فهذا وصف لكل صبي، وإنما تعجبوا من كلام من صار في حال الصبا في المهد. ﴿مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ ﴿مَا﴾ مصدرية ظرفية زمانية، أي مدة دوامي حياً، و﴿حَيًّا﴾ خبر ﴿مَا دُمْتُ﴾، والجملة منصوبة على الظرف، وعامله ﴿ وَأَوْصَنِى﴾. ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ﴾ معطوف على قوله ﴿مُبَارَكً﴾ و﴿مُبَارَكًا﴾ مفعول ثانٍ لجعل. ومن قرأ (وبِرِّ) عطفه على (الصلاة) أي أوصاني بالصلاة وببرِّ بوالدتي. المفردات اللغوية: صِلے ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ أتت مع ولدها قومها راجعة إليهم بعدما طهرت من النفاس حاملة إياه . ﴿فَرِيًا﴾ عظيماً منكراً خارقاً للعادة، حيث أتت بولدها من غير أب. ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ هو أخو موسى عليه السلام، وكان بينهما ألف سنة، أو رجل صالح من بني إسرائيل، أي يا شبيهته في العفة، وشبهوها به تهكماً . ﴿آمْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي زانياً. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ يَغِيًّا﴾ أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟! وفيه تنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه ليجيبكم. ﴿قَالُواْ كَيْفَ : ٤١٩ لِجُزْءُ (١٦) - فَرَينَ): ١٩ / ٢٧-٣٣ تُكَلِّمُ مَنْ كَانَ﴾ أي وجد ﴿فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي لم نعهد صبياً في المهد كلمه عاقل. و﴿اَلْمَهْدِ﴾ فراش الصبي الرضيع الموظّأ له، جمع مهود. ﴿ءَتَنِىَ الْكِتَبَ﴾ أي الإنجيل ﴿مُبَارَكًا﴾ نفَّاعاً للناس، معلماً للخير. والتعبير بالماضي: إما باعتبار ما سبق في قضاء الله، فهو إخبار ما كتب له، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع. ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ أمرني بهما أو كلفني . ﴿جَارًا﴾ متعاظماً لا يرى لأحد حقاً عليه. (شَقِيًّا﴾ عاصياً لربه. ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَ﴾ أي والأمان علي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث حياً، كما هو على يحيى عليه السلام، والتعريف هنا في السلام على الأظهر للجنس. التفسير والبيان: لما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات، وسلمت لأمر الله عز وجل، واستسلمت لقضائه أتت بعيسى تحمله إلى أهل بيتها، كما قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَبَّاً ﴿4﴾ أي لما برئت مريم من نفاسها، جاءت به قومها تحمله من المكان القصي، فلما رأوا الولد معها، حزنوا وأعظموا الأمر واستنكروه جداً، وقالوا منكرين: يا مريم، لقد فعلت أمراً عجيباً عظيماً خارجاً عن المألوف وهو الولادة بلا أب، ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىْ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ وكانوا أهل بيت صالحين: ذُرِيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِّ﴾ [آل عمران: ٣/ ٣٣ عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ يَغِيًّا (﴿4﴾ أي يا شبيهة هارون في العبادة، أو يا من أنت من نسل هارون أخي موسى، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت، أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة، فكيف تأتين بمثل هذا؟ ما كان أبوك بالفاجر، وما كانت أمك بالزانية البغي، فمن أين يأتيك السوء، ومن أين لك هذا الولد؟ !! ٤٢٠ فريش: ١٩ /٢٧-٣٣ لُعُ (١٦) - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: ((بعثني رسول الله وَ له إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت، فذكرت ذلك لرسول الله وَله، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)) . وهذا يرشد إلى أن هارون هو رجل صالح في زمان مريم وعيسى عليهما السلام. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اُلْمَهْدِ صَبِيًّا (®َا﴾ أي فأشارت مريم إلى عيسى أن يكلمهم، وقد اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق؛ لأنها نذرت للرحمن صوماً عن الكلام، فقالوا لها متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتهزأ: كيف نكلم طفلاً ما يزال في المهد، أي فراش الرضيع؟ وهنا ظهرت المعجزة الكبرى بنطق الرضيع ووصف نفسه بتسع صفات هي : اَ - ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ﴾ قال عيسى: إني عبد تام العبودية لله الكامل الصفات، الذي لا أعبد غيره، فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية له، وتبرئته عن الولد، تنبيهاً للنصارى على خطئهم فيما ادعوه له من الربوبية. أَ - ﴿ءَاتَنْنِىَ الْكِتَبَ﴾ سينزل عليَّ الإنجيل، وقدَّر لي وحكم في الأزل أن أكون نبياً ذا كتاب، وقضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وإن لم يكن الكتاب منزَّلاً في الحال. ◌َّ - ﴿وَجَعَلَنِ نَبِيًّا﴾ أي قَدَّر لي أن أكون نبياً، وفي هذا تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة؛ لأن الله تعالى لا يجعل الأنبياء أولاد زنى، وإنما هم نخبة عالية من الطهر وصفاء السلالة والمعدن. ٤ - ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أي صَيَّرني الله نقَّاعاً للعباد، معلماً