النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
اِلُ (١٦) السورة (١٩) فَنَا
٥ - ثم أشارت إلى قصص إسماعيل الموصوف بصدق الوعد وإقامة الصلاة
وإيتاء الزكاة، وإدريس الصدِّيق النبي، وما أنعم الله به على أولئك الأنبياء من
ذرية آدم لإثبات وحدة الرسالة بدعوة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك الآيات
[٥٤-٥٨]. وما سبق كله يشمل حوالي ثلثي السورة.
أَ - قورن الخلف بالسلف، وبان الفرق بأن الخلف أضاعوا الصلوات
واتبعوا الشهوات، وجدد الوعد بجنات عدن لمن تاب وعمل صالحاً الآيات
[٥٩-٦٣].
لاً - ناسب ذلك الكلام عن الوحي، وأن جبريل لا ينزل بالوحي إلا بإذن
ربه، الآيات [٦٤-٦٥].
٨ - ناقش الله المشركين الذين أنكروا البعث، وأخبر بحشر الكافرين مع
الشياطين، وإحضارهم جئياً حول جهنم، وبأن جميع الخلق ترد على النار
الآيات [٦٦- ٧٢].
2 - أبان الله تعالى موقف المشركين حين سماع القرآن من المؤمنين بأنهم خير
منهم مجلساً ومجتمعاً. وهددهم بأنه أهلك كثيراً من الأمم السابقة بسبب
عتوهم واستكبارهم، وأنه يمدّ للظالمين ويمهلهم، ويزيد الهداية للمهتدين،
وأن معبودات المشركين ستكون أعداءً لهم [٧٣-٨٤] وذلك كله لتنزيه الله عن
الولد والشريك.
· اَ - التمييز بين حشر وفد المتقين إلى الجنان، وسوق المجرمين إلى النيران
[٨٥-٨٧].
١١ - التنديد بمن ادعى الولد لله، والرضا عن المؤمنين الصالحين، وأن
القرآن لتبشير المتقين وإنذار الكافرين المعاندين [٨٨-٩٨].
فضلها:
روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن

٣٨٢
لُ (١٦) - فَرَنَ: ١٩ /١-١١
ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب
رضي الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.
دعاء زكريا عليه السلام طالباً الولد وبشارته بيحيى
أكَهِيعَصَ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنََّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءً
خَفِيًا ﴿ قَالَ رَبِّ إِِّ وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِّى وَأَشْتَعَلَ الرَّْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ
بِدُ عَئِكَ رَبِّ شَفِيًّا ﴿ وَإِنِ خِفْتُ اٌلْمَوَاِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا
يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌّ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
٥
فَهَبْ لِ مِن لَّهُنكَ وَلِيًّا.
يَزَكَرِنَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمُ وَكَانَتِ امْرََّتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن
اُلْكِبَرِ عِنِيًّا
قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا
) قَالَ رَبِّ أُجْعَل لِّيّ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أََّ تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا
تَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ اُلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ
١٠
سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا
القراءات:
﴿مِن وَرَآءِى﴾:
وقرأ ابن كثير (من ورائيَ).
﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ﴾ :
وقرأ أبو عمرو، والكسائي (يرثْني ويرتْ).
﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا﴾:
قرئ:

٣٨٣
لُ (١٦) - فَرَينَ: ١٩ /١-١١
١- (يا زكريا إنا) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (يا زكرياءُ إنا) وهي قراءة الباقين.
﴿نُبَشِّرُكَ﴾:
وقرأ حمزة (نَبْشُرُك).
عِتِيًّا﴾:
قرئ:
١- (عِتِيَّاً) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (ُتِيَّاً) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (وقد خلقناك).
﴿لِّ ءَابَةٌ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (لي آية).
الإعراب:
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِّ ﴿﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ ﴿ذِكْرُ﴾ إما مبتدأ
محذوف الخبر، أي فيما يملى عليكم ذكر رحمة ربك، وإما خبر مبتدأ محذوف،
أي هذا ذكر رحمة ربك. و﴿ذِكْرُ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول وهو ﴿رَحْمَتِ﴾
ورحمة: مصدر مضاف إلى الفاعل، و﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول منصوب بالمصدر
المضاف وهو ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، و﴿ذَكَرِنََّ﴾ بدل من ﴿عَبْدَهُ﴾. و﴿إِذْ
نَادَى﴾ ﴿إِذْ﴾ منصوب على الظرف متعلق بذكر.

٣٨٤
الجُ (١٦) - فَشير: ١٩ / ١-١١
(شَيْبًا﴾ تمييز منصوب، أو منصوب لأنه مصدر، والأول أظهر.
﴿بِدُعَلَئِكَ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أي ولم أكن
بدعائي إياك.
﴿يَرِثُبِ﴾ إما مجزوم على جواب الأمر، وهو في الحقيقة جواب شرط مقدر،
أي هب لي إن تهب لي يرث، وإما مرفوع على أنه صفة لقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ أي
فهب لي من لدنك ولياً وارثاً. والوجهان هما في قوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾.
عِيًّا﴾ منصوب ببلغت، وهو مصدر ((عتا)).
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ الكاف خبر مبتدأ محذوف، أي قال الأمر كذلك
﴿سَوِيًّا﴾ حال من ضمير ﴿تُكَلِّمَ﴾.
﴿أَنْ سَبِّحُواْ﴾ إما مفسّرة بمعنى ((أي)) وإما مخففة من الثقيلة، أي أنه
سبِّحوا.
البلاغة:
﴿ وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِّ﴾ كناية عن ذهاب القوة وضعف الجسم.
﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة تبعية، شبه انتشار الشيب باشتعال النار
في الحطب، واستعير الاشتعال للانتشار، وهذا أحسن الاستعارة وأبدعها في
كلام العرب.
﴿نَادَى﴾ ﴿نِدَآءَ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
● حروف مقطعة قصد بها التنبيه كحروف التنبيه التي تقع
کھیعص
في أول الكلام مثل ألا ويا وغيرهما، كما قصد بها التحدي للعرب في الإتيان

٣٨٥
الُ (١٦) - فَرَشَكَ: ١٩ /١-١١
بمثل القرآن المكون من حروف اللغة العربية التي يتكلمون ويخطبون ويكتبون
بها.
﴿زَكَرِيَّ﴾ من ولد سليمان بن داود عليهم السلام، وكان نجاراً
﴿نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًا﴾ أي دعاه سراً في جوف الليل؛ لأنه أسرع
للإجابة، واختلف في سنه حينئذ فقيل ٦٠، أو ٧٠، أو ٧٥، أو ٨٥، أو ٩٩
أو ١٢٠ ﴿وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِِّ﴾ أي ضعف جميعه بسبب الكبر ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا﴾ أي صار الشيب منتشراً في شعره، كما تنتشر النار في الحطب ﴿وَلَمْ
أَكُنُ بِدُعَئِكَ﴾ أي وإني أريد أن أدعوك، ولم أكن بدعائي إياك ﴿شَقِيًّا﴾
خائباً غير مستجاب الدعوة فيما مضى، فلا تخيبني فيما يأتي.
﴿اَلْمَوَلِىَ﴾ هم عصبة الرجل، الذين يلونه في النسب، كبني العم . ﴿مِن
وَرَآءِى﴾ بعد موتي، وخوفي منهم على الدين أن يضيعوه، كما شاهدته في بني
إسرائيل من تبديل الدين ﴿ وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا﴾ أي لا تلد، يقال: رجل
عاقر وامرأة عاقر، أي عقيمان ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ من عندك ﴿وَلِيًّا﴾
ولداً من صلبي ﴿مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ جدي في العلم والنبوة، وهو يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم، وكان متزوجاً أخت مريم بنت عمران من ولد سليمان، .
وكان زكريا زوجاً لخالة مريم ﴿رَضِيًّا﴾ أي مرضياً عندك.
﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي مسمى بيحيى، فلم يسمَّ أحد بهذا
الاسم قبله ﴿أَنَى﴾ كيف ﴿عِيًّا﴾ من عتا: أي يبس، يبست مفاصله
وعظامه، قيل: كان عمره: مئة وعشرين سنة، وبلغت امرأته ثماني وتسعين
سنة، وقرئ: عُسِيّاً بمعنى عتياً ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كذلك من خلق
غلام منكما في هذه السن ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ أي لا أحتاج فيما أريد أن أفعله
إلى الأسباب ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ قبل خلقك، بل كنت معدوماً صرفاً. وفيه
دليل على أن المعدوم ليس بشيء.

٣٨٦
الزرعُ (١٦) - فَرَين: ١٩ /١-١١
﴿ءَايَةً﴾ علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به ﴿تَلَثَ لَيَالٍ﴾ أي بأيامها،
ج
بدليل ذكر الأيام في سورة آل عمران: ﴿ثَثَةَ أَيَّامٍ﴾. ﴿سَوِيًّا﴾ أي سوي
الخلق سليم الجوارح بلا علة، ما بك من خَرَس ولا بكم ﴿اٌلْمِحْرَابِ﴾ المصَلَّ
وكانوا ينتظرون فتحه، ليصلوا فيه بأمره على العادة ﴿فَأَوْحَىّ﴾ أشار، أو أومأ
﴿سَبِّحُواْ﴾ صلّوا أو نزّهوا ربكم، والمتفق عليه أنه أراد بالتسبيح الصلاة
﴿بَّكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طرفي النهار، أوائل النهار وأواخره على العادة، أي صلاة
الفجر وصلاة العصر، فعلم من امتناعه من الكلام حمل زوجته بيحيى.
قصة زكريا عليه السلام:
ذكر زكريا في القرآن ثماني مرات، في الآيتين [٣٧، ٣٨] من آل عمران،
وفي الأنعام الآية [٨٥]، وفي مريم الآيتان [٢، ٧]، وفي الأنبياء الآية [٨٩].
وكان لزكريا أبي يحيى شركة في خدمة الهيكل، فهو (لاوي) وكانت مريم
التي نذرتها والدتها لخدمة الهيكل من نصيب زكريا ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾. وكان
زكريا زوجاً لخالة مريم أو لأختها. ولما رأى زكريا إكرام الله تعالى لمريم ورزقها
من حيث لا تحتسب، دعا أن يرزقه الله تعالى الولد: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِنَّا رَبَّهُ
قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (﴾ [آل عمران: ٣/
٣٨] ، فاستجاب الله دعاءه، وبشرته الملائكة بيحيى، وقد كان في سن
الشيخوخة وامرأته عاقر: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ
٣٩
يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
[آل عمران: ٣٩/٣] فتعجب زكريا من البشرى قائلاً: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ
عُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَافِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
٤٠
وفي سورة مريم: ﴿قَالَ رَبٍّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمُ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ
بَلَغْتُ مِنَ اُلْكِبَرِ عِنِيًّا ﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ
﴾ [٨-٩].
خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا

٣٨٧
لِلُ (١٦) - فَيَا: ١٩ /١-١١
ووالده اسمه (برخيا) ويلاحظ أنه يوجد شخص آخر اسمه (زكريا بن برخيا)
له كتاب قانوني عند النصارى، وكان في زمن (داريوس) قبل زمن المسيح عليه
السلام بما يقرب من ثلاثة قرون(١).
التفسير والبيان:
كَهِيعَصّ (4) تقرأ هكذا: كاف، ها، يا، عاين، صاد بإدغام نون
عاين في الصاد، ويتعين في الكاف والصاد منها المدّ المطول ست حركات
بثلاث ألِفات، ويتعين في الهاء والياء المد الطبيعي حركة واحدة بألف واحدة،
ويجوز في العين المد المطول وقصره بحركتين بمقدار أَلِفين.
والمراد بهذه الحروف المقطعة التنبيه في أول الكلام على ما يأتي بعدها،
وتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه، ما دام الكلام القرآني
مركباً من حروف الهجاء العربية التي يتركب منها الكلام العربي نثراً وخطابةً
وشعراً. ولا يصح القول بأن هذه الأحرف مبهمات أو تشير إلى أسرار معينة
أو أنها عَلَم (اسم) أو وصف؛ لأنه كما قال الرازي: لا يجوز من الله تعالى أن
يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة، لا بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأنا إن جوزنا ذلك
فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطناً، واللغة لا تدل على ما ذكروه،
فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر
من أسماء الرسول وي ليه أو الملائكة أو الجنة أو النار، فيكون حملها على بعضها
دون بعض تحكماً لا تدل عليه اللغة أصلاً(٢).
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنََّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًا
٣
أي هذا المتلو ذِكْر رحمة ربك الذي نقصه عليك عبده زكريا، الذي كان نبياً
(١) قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار ٣٦٨
(٢) تفسير الرازي: ١٧٩/٢١

٣٨٨
لُ (١٦) - فَيَرَ: ١٩ /١-١١
عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وزوجته خالة عيسى عليه السلام، وأنه - كما
في صحيح البخاري - كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة، حين دعا ربه
دعاءً خفياً مستتراً، إخلاصاً وبعداً عن الرياء، ولئلا ينسب في طلب الولد -
وهو عجوز كبير - إلى الرعونة، ويكون محل اللوم والتهكم من قومه.
والمراد بذكر الرحمة: بلوغها وإصابتها وإجابة الله دعاء زكريا وهو: ﴿قَالَ
رَبِّ إِّى وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنَّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَفِيًّا
وَ إِنِّىِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا﴾ أي قال زكريا :
يا ربّ، لقد صرت فاتر العظام، ضعيف القوى، هرماً كثير الشيب جداً، ولم
أعهد منك إلا إجابة الدعاء، ولم تردّني قط فيما سألتك، فما كنت خائباً، بل
كلما دعوتك استجبت لي، وإني خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم
إهمال أمر الدين وتضييعه بعد موتي، فطلبت ولداً نبياً من بعدي يحرس بنبوته
شأن الدين والوحي، وكانت امرأتي (وهي أخت ◌َمنة أم مريم) عاقراً لا تلد.
واسم امرأته: إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، أخت حمنة بنت فاقوذا، وعلى هذا
يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة.
ويلاحظ أنه ذكر مسوغات ثلاثة لدعائه، تستدعي العطف والرحمة
والشفقة، وهي:
اً - ضعف البدن باطناً وظاهراً، أي ضعف العظام وظهور الشيب.
ا - كونه مستجاب الدعاء، فلم يكن في وقت من الأوقات خائباً، بل
کان کلما دعا ربه أجابه.
٣۴ - خوفه من ورثته من ضیاع الدین وما يوحى إليه بعد موته، ولم یکن
خوفه من إرث المال، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من الإشفاق على
ماله، ولأنه لم يكن ذا مال، وإنما كان نجاراً يأكل من كسب يده، ولأنه كما
ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﴿ ﴿ه قال: ((لا نُورث، ما تَرَكْنا صَدَقَةً)) وفي

٣٨٩
الُزُ (١٦) - فَرَنَ): ١٩ /١-١١
رواية الترمذي: ((نحن معشرَ الأنبياء لا نُورث))، ويكون ميراث الأنبياء هو
وراثة النبوة أو العلم والمحافظة على الدين والدعوة إليه.
﴿فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيَّا ، يَرِثُنِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَاجْعَلْهُ رَبِّ
رَضِيًّا (3) أي فامنحني وأعطني من جنابك وواسع فضلك ولياً يلي أمر
الدين، يكون ولداً من صلبي يرثني النبوة، وهذا ما أراده وإن لم يصرح به،
ويرث ميراث آل يعقوب وهي وراثة العلم والنبوة على الراجح لا وراثة المال،
كما تقدم، فيرث ما عندهم من العلم، ويقوم برعاية أمورهم في الدين،
واجعله يا رب برّاً تقياً مرضياً عندك في أخلاقه وأفعاله، ترضاه وتحبه أنت
ويرضاه عبادك ويحبونه، ليكون أهلاً لحمل رسالة الدين وتعليمه وتبليغه
وإقامة شعائره.
ونظير الآية: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً
طَيِّبَّةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (﴿َ﴾ [آل عمران: ٣٨/٣]، ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ
رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِنَ ﴾﴾ [الأنبياء: ٨٩/٢١]. ويعقوب:
هو إسرائيل، وكان زكريا متزوجاً بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى
يعقوب؛ لأنها من ولد سليمان بن داود، وهو من ولد يهوذا بن يعقوب،
وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن
يعقوب، وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق.
فأجاب الله دعاءه، كما قال تعالى:
يَزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
﴾ أي فاستجاب الله دعاءه وناداه من جهة الملائكة: يا زكريا إنا نبشرك
بمنحتنا لك غلاماً اسمه يحيى (معرَّب يوحنا، وهو يوحنا المعمدان الذي كان
يعمِّد الناس) لم يُسَمَّ أحد قبله بهذا الاسم. وقال مجاهد: لم يجعل له شبيهاً ولا
مثيلاً ولا نظيراً، أخذه من معنى قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ١٩/

٣٩٠
الُ (١٦) - فَرَمَ: ١٩ / ١-١١
٦٥]، أي شبيهاً. وقال ابن عباس: ((لم تلد العواقر قبله مثله)). وهذا دليل على
أن زكريا وامرأته عاقران لا يولد لهما، بخلاف إبراهيم وسارة عليهما
السلام، فإنهما تعجبا من البشارة بإسحاق، لكبرهما، لا لعقرهما، فقد ولد
لإبراهيم قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة.
فتعجب زكريا من هذه البشارة سائلاً:
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
اُلْكِبَرِ عِبًّا ﴾﴾ تعجب زكريا عليه السلام حين أجيب دعاؤه، وفرح
فرحاً شديداً، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن
امرأته كانت عاقراً لم تلد في أول عمرها مع كبرها وكبره، فتساءل متأثراً
بالأحوال المعتادة لا مستبعداً قدرة الله تعالى: كيف يكون لي ولد، وامرأتي
عاقر لا تحبل ولا تلد، وقد كبرت وضعفت؟ فقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
اُلْكِبَرِ عِنِيًّا﴾ معناه: انتهى سنه وكبر ونحل عظمه وفقد القدرة على جماع
النساء.
فأجابه الله تعالى بقوله :
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ
شَيْئًا (ج) أي قال الله تعالى من جهة الملَك مجيباً زكريا عما تعجب منه:
الأمر كما قلت، سنهب لك ولداً بالرغم من العقم والهرم، هو علي سهل
ميسور، إذا أردت شيئاً قلت له: كن فيكون، وقد خلقتك ابتداء وأوجدتك
من العدم المحض، ولم تك شيئاً قبل ذلك، فإيجاد الولد بطريق التوالد المعتاد
أهون من ذلك وأسهل منه.
وهذا دليل على القدرة الإلهية الفائقة، فإنه تعالى يسهل عليه كل شيء، وقد
قرر هنا أن الأمر سهل يسير عليه، وذكر ما هو أعجب مما سأل عنه زکریا،
بحسب تقدير الناس، والحقيقة أن الأمرين على قدرة الله سواء، فسيان خَلْق

٣٩١
الُرُ (١٦) - فَنَا: ١٩ / ١-١١
الإنسان من العدم أو من طريق التوالد، ومن قدر على خلق الذات، فهو قادر
على تبديل الصفات، فيعيد الله إليه وإلى زوجته القدرة على الإنجاب، كما
قال: ﴿فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:
٩٠/٢١] .
ثم أخبر الله تعالى عن طلب آخر لزكريا هو تعرف وقت طلوع المبشر به،
فقال :
ج
﴿قَالَ رَبِّ أُجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ أي قال زكريا: يا رب اجعل لي علامةً
ودليلاً على وقت وجود الأمر المبشر به وهو حمل امرأتي، لتستقر نفسي،
ويطمئن قلبي بما وعدتني، إذ الحمل خفي في مبدئه، ولا سيما ممن انقطع
حيضها في الكبر.
فأجابه الله مرة أخرى إلى مطلبه قائلاً :
﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي قال الله بواسطة
الملَك: علامتك على وقوع المسؤول وحصول البشرى من الله سبحانه بحمل
امرأتك بابنها يحيى أن يعتقل لسانك، ويحبس عن الكلام، فلا تقدر على
تكليم الناس ومحاورتهم مدة ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي الْخَلْق، ليس
بك آفة أو مرض أو علة تمنعك من الكلام.
ونظير الآية: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةً
أَيَّامِ إِلَّا رَمْزًّا﴾ [آل عمران: ٤١/٣].
فقوله تعالى: ﴿سَوِيًّا﴾ صحيح الْخَلْق سوياً من غير مرض ولا علة، وقيل:
متتابعات، والقول الأول عن الجمهور أصح.
وهذا دليل على أنه لم يكن يكلِّم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها إلا
رمزاً أي إشارة، ولهذا قال تعالى هنا :

٣٩٢
لُرعُ (١٦) - فَمَ: ١٩ /١-١١
١١
﴿ ◌َجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوْ بَكْرَةً وَعَشِيًّا
أي فخرج زكريا على قومه من المحراب وهو مصلاه الذي بشر فيه بالولد (وهو
المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح: وهو مقصورة في مقدَّم المعبد يصعد إليها
بدرج بحيث يصبح المتعبد فيها محجوباً عمن في المعبد) وقد كان الناس ينتظرونه
للصلاة في الغداة والعشي، فأشار إليهم إشارة خفية سريعة، ولم يستطع أن
يكلِّمهم بذلك، أن يقولوا: سبحان الله (أي تنزيهاً لله عن الشريك والولد
وعن كل نقص) في الصباح والمساء في صلاتي الفجر والعصر، شكراً لله على
ما أولاه، وقد كان أخبرهم بما بُشِّر به قبل ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن الله تعالى قصَّ على نبيه قصة زكريا وما بشر به من الولد، في سن
الكبر والشيخوخة وحال عقم امرأته منذ بداية عمرها، ليكون ذلك آية على
قدرة الله العجيبة التي تستدعي الإيمان به إيماناً مطلقاً.
أَ - الجهر والإخفاء في الدعاء عند الإنسان سيان؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ
﴾ [الأعراف: ٥٥/٧]، ولكن
٥٥
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
زكريا عليه السلام ناجى ربه ودعاه في محرابه في حال الخفاء وهو أولى؛ لأنه
أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، ولئلا يلام على طلب الولد في زمان
الشيخوخة.
◌َّ - قدَّم زكريا عليه السلام على السؤال أموراً ثلاثة مثل حيثيات الحكم
القضائي: أحدهما - كونه ضعيفاً، والثاني - أن الله تعالى ما ردَّ دعاءه مطلقاً،
والثالث - كون المطلوب بالدعاء سبباً في المنفعة الدينية.
٤ - قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نِعَم الله تعالى عليه،

٣٩٣
لِلُزُ (١٦) - فَرَمَ: ١٩ / ١-١١
وما يليق بالخضوع؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنَّ﴾ إظهار للخضوع.
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُّ ◌ِدُعَائِكَ رَبِّ شَفِيًّا﴾ إظهار لعادات تفضله في إجابته
أدعيته، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، وعوَّدتني الإجابة فيما مضى.
وقوله: ﴿وَإِ خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ﴾ حرص على مصلحة الدين، فإن أقاربه كانوا
مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب ولياً يقوم بالدين من
بعده، لا أنه سأل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تورث؛ للحديث المتقدم في
الصحيحين: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) ، وفي سنن أبي
داود: ((إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً،
وَرَّثوا العلم)) فتكون الوراثة على لسان زكريا هي وراثة الدين، وتكون
مستعارة.
وقد ورث يحيى من آل يعقوب النبوة والحكمة والعلم والدين، كما أن
سليمان ورث من داود الحكمة والعلم، ولم يرث منه مالاً خلّفه له بعده.
٥ - قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ سؤال ودعاء، ولم يصرح
بولد، لشيخوخته وعقم امرأته، قال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع
وسبعين سنة. وقال مقاتل: خمس وتسعين سنة، قال القرطبي: وهو أشبه، فقد
كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره؛ ولذلك قال: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
اُلْكِبَرِ عِنًا﴾.
أَ - يجوز الدعاء بالولد، ويجوز التضرع إلى الله في هداية الولد، اقتداء
بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء، وقد دعا النبي ◌َّ لأنس خادمه
فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته))، فدعا له بالبركة تحرزاً
مما يؤدي إليه الإكثار من الهلكة. وكان دعاء زكريا أن يجعل الولي الوارث له
مرضياً في أخلاقه وأفعاله.
لاً - دعاء زكريا عليه السلام لم يكن بالواسطة، وإنما كان يخاطب ربه

٣٩٤
اِلُعُ (١٦) - فَرَمَ: ١٩ / ١-١١
مباشرة قائلاً: ﴿رَبِّ إِ وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِّى﴾، ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَئِكَ رَبِّ
شَقِيًّا﴾، ﴿فَهَبْ لِ﴾، ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ)
كذلك قوله تعالى: ﴿يَزَكَرِنَّ إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ نداء من الله تعالى، وإلا لفسد
النظم. ويرى جماعة أن هذا نداء الْمَلَك؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَادَتَّهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ
قَائِمٌ يُصَلّى فِ اُلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى﴾ [آل عمران: ٣٩/٣]، وقوله
سبحانه: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ وهذا لا يجوز أن يكون
كلام الله تعالى، فوجب أن يكون كلام الملَك. وأجاب الرازي عن آية ﴿فَنَادَتْهُ
اٌلْمَلَئِكَةُ﴾ بأنه يحتمل حصول النداءين: نداء الله ونداء الملائكة، وعن آية:
﴿قَالَ رَبُّكَ﴾ بأنه يمكن أن يكون كلام الله تعالى(١).
٨ - قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ دليل وشاهد على أن
الأسامي السُّنُع (الجميلة) جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في
التسمية، لكونها أنبه، وأنزه عن النَّبز.
١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ﴾؟ ليس شكاً في قدرة الله
تعالى على ذلك، وإلا كان كفراً، وهو غير جائز على الأنبياء عليهم السلام،
وليس إنكاراً لما أخبر الله تعالى به، بل على سبيل التعجب والانبهار من قدرة
الله تعالى أن يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير.
· اَ - قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
دليل على قدرة الله الباهرة، سواء في تغيير الصفات أو إبداع الذوات، فكما
أن الله خلق الإنسان من العدم، ولم يك شيئاً موجوداً، فهو القادر على خلق
يحيى وإيجاده.
(أَ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَقَدْ
ج
(١) تفسير الرازي: ١٨٦/٢١

٣٩٥
لُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ١٢-١٥
خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ زيادة طمأنينة، كما طلب إبراهيم عليه
السلام آية تدل على كيفية الخلق وإحياء الموتى، والمراد: تمم النعمة بأن تجعل لي
آية وعلامة أتعرف بها وجود الحمل، بعد بشارة الملائكة إياه.
١٢ - قوله تعالى: ﴿لَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ وهو أرفع المواضع،
وأشرف المجالس، دليل على أن ارتفاع الإمام على المأمومين كان مشروعاً
عندهم، وقد أجاز ذلك الإمام أحمد وغيره متمسكاً بقصة المنبر. ومنع الإمام
مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، خوفاً من الكِبر على الإمام،
وعملاً بما رواه أبو داود عن ثلاثة من الصحابة (حُذَيفة وأبو مسعود وعمار)
من نهي النبي ◌ََّ عن ذلك: ((إذا أمَّ الرجلُ القومَ، فلا يقم في مكان أرفعَ من
مقامهم)) .
١٣ - قوله سبحانه: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًا﴾ دليل على
جواز العمل بالإشارة المفهمة. واتفق مالك والشافعي والكوفيون على أن
الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه.
إيتاء يحيى عليه السلام النبوة والحكم صبياً
وَحَنَانًا مِن لَّدُنَا
﴿يَحْبَى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا ﴿ وَبَّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴿ وَسَلَمُ عَلَيْهِ
١٥
يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
الإعراب:
﴿خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةِ﴾ الباء في موضع الحال، أي خذ الكتاب مجدّاً مجتهداً.
﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿اَلْحُكْمَ﴾ مفعول ثان لآتيناه، و﴿صَبِبًا﴾ حال
من هاء ﴿وَءَاتَيْنَهُ﴾ الذي هو المفعول الأول.

٣٩٦
لُرُ (١٦) - فَرشير: ١٩ /١٢-١٥
﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا﴾ معطوف منصوب على ﴿اُلْحُكْمَ﴾
المفردات اللغوية:
﴿يَيَحْيَى﴾ على تقدير القول، ويحيى هو ابن خالة عيسى عليهما السلام.
﴿خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ بجدّ واجتهاد. ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي أعطيناه
النبوة، أو الحكمة وفهم التوراة، أو الفقه في الدين، وذلك في حال الصبا،
قيل: كان ابن ثلاث سنين، وعن ابن عباس في حديث مرفوع: ابن سبع
سنین.
﴿وَحَنَانَا مِّن لَّدُنَا﴾ ورحمة وعطفاً على الناس من عندنا. ﴿وَزَكَوَةَ﴾ تطهيراً
من الذنوب والآثام. ﴿ وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مطيعاً لما أمر به، متجنباً المعاصي وكل ما
نهي عنه، فلم يفعل خطيئة ولا همَّ بها . ﴿وَبَرَّ بِوَلِدَيْهِ﴾ أي كثير البِرّ
والإحسان إليهما. (جَبَّارًا﴾ متكبراً متعالياً عن الحق. ﴿عَصِيًّا﴾ عاصياً أمر
ربه. ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ﴾ أي أمان من الله عليه. ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ
حَيًّا﴾ أي إنه آمن في هذه الأيام المخوفة من عذاب النار وهول القيامة
ومكدرات الحياة الدنيوية، فهو آمن حين الولادة من مؤثرات الشيطان، وحين
الموت من عذاب القبر، وفي القيامة من عذاب جهنم.
قصة يحيى عليه السلام:
ذكر يحيى خمس مرات في القرآن الكريم، في آل عمران [٣٩]، وفي الأنعام
[٨٥]، وفي مريم [٧، ١٢]، وفي الأنبياء [٩٠]، وكان يحيى تقياً صالحاً منذ
صباه، وكان عالماً بارعاً في الشريعة الموسوية ومرجعاً في أحكامها، وصار نبياً
وهو صبي: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وكان يدعو الناس إلى التوبة من
الذنوب، وكان يعمِّدهم أي يغسلهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا، وقد
أخذ النصارى طريقته، ويسمونه (يوحنا المعمدان).

٣٩٧
لُءُ (١٦) - فَريفر: ١٩ / ١٢- ١٥
وكان لأحد حكام فلسطين (هيرودس) بنت أخ تسمى (هيروديا) بارعة
الجمال، أراد عمها أن يتزوجها، وكانت البنت وأمها تريدان ذلك، فلم
يوافق يحيى عليه السلام على هذا الزواج؛ لأنه محرم؛ فرقصت الفتاة أمام
عمها فأعجب بها، وطلب إليها ما تتمناه ليعمله لها، فطلبت منه بمؤامرة أمها
رأس يحيى بن زكريا، ففعل وقتل يحيى. ولما بلغ المسيح أن يحيى قتل، جهر
بدعوته، وقام في الناس واعظاً(١).
التفسير والبيان:
﴿يَيَحْبِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةِ﴾ في الكلام محذوف تقديره: أنه ولد لزكريا
المولود، ووجد الغلام المبشر به، وهو يحيى عليه السلام، فخاطبه الله تعالى
بعد أن بلغ المبلغ الذي يخاطب به، فقال له: يا يحيى خذ التوراة المتدارسة
والتي يحكم بها النبيون، والتي هي نعمة على بني إسرائيل، بجد واجتهاد وعزيمة
وحرص على العمل بها.
ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال ذاكراً صفاته:
اَ - ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ أي وأعطيناه الحكم والفهم للكتاب والفقه
في الدين والإقبال على الخير، وهو صغير حَدَث دون سبع سنين. وقيل:
الحكمة: النبوة؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام، وهما
صبيان، قال الرازي: والأقرب حمله على النبوة لوجهين:
الأول - أن الله تعالى وصفه بصفات شريفة، والنبوة أشرف صفات
الإنسان، فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها.
(١) قصص القرآن: المرجع السابق ٣٦٩

٣٩٨
الُرُ (١٦) - فَرَنَ: ١٩ / ١٢-١٥
الثاني - أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره، ولغيره على
الإطلاق، وذلك لا يكون إلا بالنبوة.
قال عبد الله بن المبارك: قال مَعْمَر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب
بنا نلعب، فقال: ما للَّعِب خُلِقْنا، فلهذا أنزل الله: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
أَ - ﴿وَحَنَانًا مِّن لَُّنَا﴾ أي رحمناه رحمة من عندنا. والحنان: الرحمة
والشفقة والعطف والمحبة. قال ابن كثير: والظاهر من السياق أن قوله:
﴿وَحَنَانَا﴾ معطوف على قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي وآتيناه الحكم
وحناناً وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان: هو المحبة في شفقة
وميل(١).
◌َ - : ﴿وَزَكَوَةً وَكَانَ تَقِيًّا، وَبَّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي وجعلناه مباركاً للناس،
يهديهم إلى الخير، مطهراً من الدنس والرجس والآثام والذنوب، وكان تقياً،
أي متجنباً لمعاصي الله، مطيعاً له، وكثير البر والطاعة لوالديه، متجنباً
عقوقهما قولاً وفعلاً، أمراً ونهياً، فهو مطيع لله ولأبويه.
٩ - لا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ أي لم يكن متكبراً على الناس، بل كان
متواضعاً لهم، ولم يكن مخالفاً عاصياً ما أمر به ربه، روى عبد الرزاق عن
سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله وَله: ((ما من أحد يلقى الله يوم القيامة
إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا)).
وبعد ذكر هذه الأوصاف الجميلة ليحيى ذكر الله تعالى جزاءه على ذلك،
فقال: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (3)﴾ أي له الأمان
من الله في هذه الثلاثة الأحوال: أمان عليه من الله يوم الولادة، فقد أمن أن
(١) تفسير ابن كثير: ١١٣/٣

٣٩٩
الجُرُ (١٦) - فَت: ١٩ / ١٢-١٥
یناله الشيطان في ذلك اليوم کما ینال سائر بني آدم، ويوم يموت، فيأمن عذاب
القبر، ويوم البعث يأمن هول يوم القيامة وعذابه.
قال سفيان بن عُيَيْنة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد،
فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت، فيرى قوماً لم يكن عاینهم،
ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم، فأكرم الله يحيى بن زكريا، فخصه
بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات تسع صفات ليحيى بن زكريا عليهما السلام
وهي:
أَ - الجد والصبر على القيام بأمر النبوة، فليس المراد من قوله: ﴿خُذٍ
اُلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ القدرة على الأخذ؛ لأن ذلك معلوم لكل أحد، فيجب حمله
على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على النبوة.
أَ - إيتاؤه النبوة وهو صبي؛ لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما
السلام وهما صبيان، لا كما بَعَثَ موسى ومحمداً عليهما السلام، وقد بلغا
الأشد وهو أربعون سنة.
◌َّ - جعله ذا حنان، أي محبة ورحمة وشفقة على الناس، كصفة النبي وَالـ
بأنه الرؤوف الرحيم.
٤ - جعله ذا بركة ونفع ونماء بتقديم الخير للناس وهدايتهم، كما وصف
عيسى عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١/١٩].
٥ - كونه تقياً: يتقي نهي الله فيجتنبه، ويتقي أمر الله فلا يهمله، ولهذا لم
يعمل خطيئة ولم يُلمَّ بها.

٤٠٠
الُعُ (١٦) - فَرَكَ: ١٩ / ١٢-١٥
أَ - باراً بوالديه: فلا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين،
والله تعالى جعل طاعة الوالدين بعد طاعته مباشرة، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧].
لاً - لم يكن جباراً متكبراً: بل كان ليِّن الجانب متواضعاً، وذلك من
صفات المؤمنين، وقد أمر الله نبيه وهم بذلك فقال: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨/١٥] وقال: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَ نَفَضُواْ مِنْ
حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣].
٨ - لم يكن عصياً لربه ولا لوالديه.
٩ - سلام وأمان من الله عليه يوم مولده ويوم وفاته ويوم بعثه. وقال ابن
عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه من الأمان؛
لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في
أن سلم الله تعالى عليه، وحياه في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية
الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.