النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الجُزُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩ اً - إن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكاً واسعاً، ومنحه حكمة وهيبة وعلماً نافعاً، ونحن لا نقطع بمعرفته بالذات، ولا نؤمن إلا بالقدر الذي حكاه القرآن المجيد. روي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود وإسكندر، والكافران: نمروذ وتُخْتنَصَّر. قال ابن إسحاق: وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضاً إلا سُلِّط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. ◌َ - هيَّأ الله تعالى لذي القرنين الأسباب التي توصله إلى مراده، وأخبرنا عن وقائع ثلاث حدثت له في المغرب والمشرق والوسط. أما في مغرب الشمس فقد وجد قوماً كافرين، فخيَّره الله بين أمرين: إما التعذيب بالقتل والإبادة جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما الاستبقاء والإرشاد إلى الحق والهدى وتوحيد الله، فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة إلى الله، وأقام فيهم مدة ردع فيها الظالم، ونصر المظلوم، وأقام العدل، ودعا إلى الله تعالى. وأما في المشرق فوجد قوماً بدائيين يعيشون في بقعة رملية لا يستقر فيها بناء، ولا يستترون فيها بظل شجر أو سقف بيت، قال الحسن البصري: كانت أرض لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. وقال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها. والقولان يدلان على ألّا مدينة هناك، وربما يكون منهم من يدخل في الماء، ومنهم من يدخل في السّرْب، فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة. ٣٦٢ اِلُعُ (١٦) - الكَهْفْت: ١٨ / ٨٣-٩٩ وهذا تأريخ لحال جماعة بدائية تعيش على صيد الأسماك، دون ستر ولا مأوى، مما يستوجب على أهل المدينة شكر النعمة العظمى على العيش بأمان وارتياح تحت ظلال الأشجار وفي ردهات المنازل. وأما رحلة ذي القرنين إلى الشمال بين الشرق والغرب وبين السدين وهما جبلان بين أرمينية وأذربيجان، فكانت إنقاذاً لشعب مقهور مستضعف يتعرض لغارات القبائل المتوحشة، فيفسدون في الأرض، فبنى لهم سداً منيعاً حصيناً حماهم من تلك الموجات الغازية، وأعلمهم أن بقاءه مرهون بإرادة الله. وهذا مَثَلٌ فيه عبرةٌ للدول القوية التي يجب عليها المحافظة على الشعوب الضعيفة، والإبقاء على ثرواتها دون أخذ شيء منها، منعاً من الإسهام في إضعافها، وأخذاً بيدها نحو الأفضل، وإغاثتها وإنقاذها من التخلف والضياع، فإن ذا القرنين مَلِك الدنيا أبى أن يأخذ شيئاً من أموال أولئك الأقوام، بالرغم من بناء السد الحصين. ٣ - قال القرطبي: في هذه الآية (آية السد) دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضرباً ويحبسون، أو يُكْفَلون ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه (١). ٤ - إن أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله، دون انتظار مقابلٍ أو عوض دنيوي من الناس، فإن ذا القرنين الذي أيده الله قال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ﴾ أي ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، أي بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي أبني بها السد (الردم). وهذا بداية النجاح في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجاً، لم يُعِنْه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع. (١) تفسير القرطبي: ٥٩/١١ ٣٦٣ الُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩ ٥ - تدل الآية أيضاً: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِِّ خَيْرٌ﴾ على أن من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخَلْق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم، بشروط ثلاثة هي: الأول - ألا يستأثر عليهم بشيء. الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث - أن يسوِّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. فإذا احتاج الحاكم إلى دعم رعيته، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، ويؤخذ بقدر الحاجة من أموالهم، وتصرف بتدبير، فهذا ذو القرنين أبى أخذ شيء من أموال القوم، قائلاً: إن الأموال عندي والرجال عندكم، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمر: أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك المال جهراً لا سراً، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر(١). أَ - إن الحديد والنحاس من مرتكزات الصناعة الثقيلة قديماً وحديثاً، فقد كانا أداة بناء السد المنيع على يد ذي القرنين، وهما الآن المادة الأساسية في الصناعات المختلفة الحربية والسلمية. (١) تفسير القرطبي: ٦٠/١١ ٣٣٦٤ لِلْزُرُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ جزاء الكفار الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَنْ ١٠٠ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَتَّمَ يَوَمَبِدٍ لِّلْكَفِرِينَ عَرْضًا ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِنْ الَّذِينَ ٠٣ دُونِيّ أَوْلِيَ إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَنَّمَ لِلَّكَفِّنَ نُ ﴿ قُلْ هَلْ نُنِّئُكُم بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿ أُوْلَِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ◌ِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ، فَخِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا ﴿َ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ ١٠٦ جَهَنَُّ بِمَا كَفَرُواْ وَتَخَذُوَاْ ءَايَتِى وَرُسُلِى هُزُوًّا القراءات: ﴿دُونِّ أَوْلِيَاءٌ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو (دونيَ أولياء). ﴿ يَحْسَبُونَ﴾ : قرئ: ١- (يُحسَبون) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة. ٢- (يحسبون) وهي قراءة الباقين. ﴿هُزُوًا﴾ قرئ: ١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص. ٢- (هُزْواً) وهي قراءة حمزة وصلاً، وخلف في الحالين. : ٣٦٥ اِلُعُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ ٣- (هُزُؤاً) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ﴾ بدل من (الكافرين). ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيّ أَوْلِيَءٍ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فاعل ﴿أَفَحَسِبَ﴾ و﴿أَن يَتَّخِذُواْ﴾ أن وصلتها في موضع نصب، سدت مسد مفعولي ﴿أَفَحَسِبَ﴾. و﴿عِبَادِى﴾ مفعول أول ليتخذوا، و﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثانٍ . . ﴿بِلْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا﴾ تمييز منصوب، وجمع التمييز ولم يفرد: إشارة إلى أنهم خسروا في أعمال متعددة، لا في عمل واحد. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ خبر لمحذوف، أو بدل، أو منصوب على الذم ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر. البلاغة: ﴿ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى﴾ استعارة تمثيلية، شبه إعراضهم عن الآيات الكونية وعدم النظر فيها، وبالتالي عدم الإيمان، بمن ألقى غطاء على عینیه، على سبيل التمثيل. ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع. ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ جناس ناقص أو جناس التصحيف لتغير الشكل وبعض الحروف. المفردات اللغوية: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَتَمَ﴾ أبرزناها وأظهرناها لهم ﴿فِي غِطَاءٍ﴾ أي غشاوة محيطة بها ٣٦٦ الْجُرُ (١٦) - الكَهْفَ: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ ﴿عَن ذِكْرِى﴾ أي القرآن، أو الآيات الموصلة إلى ذكري بتوحيدي وتمجيدي وتعظيمي ﴿وَكَنُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي لا يقدرون استماعاً لذكري وكلامي، بغضاً له، وصمماً عن الحق، فلا يؤمنوا به؛ إذ لا استطاعة بهم للسمع. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أظنوا، والاستفهام للإِنكار ﴿أَنْ يَّخِذُواْ عِبَادِى﴾ أي الملائكة والمسيح عيسى وعزير ﴿مِن دُونِيّ أَوْلِيَاءٌ﴾ أرباباً، المعنى: أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني، ولا أعاقبهم عليه؟ كلا ﴿أَعْنَدْنَا﴾ هيأنا ﴿الِلَّكَفِينَ﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿نْلًا﴾ ما يقام للنزيل، أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف. وفيه تهكم. (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ جمع التمييز وهو: ﴿أَعْمَلًا﴾ لتنوع أعمالهم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ بطل وضاع عملهم لكفرهم وعجبهم ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ يظنون ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ عملاً يجازون عليه، لعجبهم بأنفسهم واعتقادهم أنهم على الحق. كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ بالقرآن، أو بدلائله الدالة فيه على التوحيد والنبوة ﴿وَلِقَّآبِهِ،﴾ بالبعث والحساب، والثواب والعقاب، أو لقاء عذابه ﴿فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ بطلت بكفرهم، فلا يثابون عليها ﴿فَلَا نُقِيمُ لَمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ أي لا نجعل لهم قدراً، وإنما نزدرهم. ﴿ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَّمُ﴾ أي الأمر الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وغيره، هو جزاؤهم ﴿هُزُوًا﴾ هزؤاً، أي مهزوءاً بهما. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أنه بنفخ الصور يوم القيامة، يقوم الناس من قبورهم، ثم يجمعون في صعيد واحد للحساب، ذكر أنه حينئذ يُظهر النار للكافرين، وتخصيصه بالكافرين بشارة للمؤمنين، ويظن الكافرون أن اتخاذهم معبودات من دون الله ينجيهم من عذابه، ولكن حبطت أعمالهم وبطلت، وصارت عديمة النفع بسبب كفرهم. ٣٦٧ لُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ والحاصل: إن الله تعالى يخبر عما يفعله بالكفار يوم القيامة، من عرض جهنم عليهم، أي إبرازها وإظهارها لهم، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولهم، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم. ويخبر تعالى أيضاً أنه لا يقام لهم وزن أو قدر، وأن أعمالهم قد أحبطت وضاعت بسبب كفرهم. التفسير والبيان: ﴾ أي أظهرنا جهنم وأبرزناها ١١٠٠ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَتَّمَ يَؤْمَيِدٍ لِّلْكَفِرِينَ عَرْضًا إبرازاً واضحاً للكفار بالله بعد النفخة الثانية في الصور، حتى يشاهدوا أهوالها، يوم جمعنا لهم. وأوصاف الكفار هي: اَ - التعامي وإبعاد السمع عن الحق: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُمْ فِ غِطَآءٍ عَنْ ذِكْرِى وَكَانُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾﴾ أي إن عذاب جهنم لأولئك الذين تغافلوا وتعاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، ولم ينظروا في آيات الله ولم يتفكروا فيها، حتى يتوصلوا إلى توحيد الله وتمجيده، كما قال تعالى: ﴿وَمَن ﴾ [الزخرف: ٣٦/٤٣] يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( وكانوا لا يطيقون سماع ذكر الله الذي بيَّنْه لهم في كتابه، ولا يعقلون عن الله أمره ونهيه. والخلاصة: إنهم تعاموا عن مشاهدة آي الله بالأبصار، وأعرضوا عن الأدلة السمعية المذكورة في كتاب الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى اُلْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦/٢٢] وقال سبحانه: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيِّ ءَاذَانِنَا وَقَرٌ﴾ [فصلت: ٥/٤١]. أَ - عبادة معبودات من دون الله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيّ أَوْلِيَاءٌ﴾ أي أفظن أو اعتقد الذين كفروا بي، واتخذوا أولياء أي ٣٦٨ اِلُحُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ معبودات من دوني كالملائكة والمسيح والشياطين أن ذلك ينفعهم، أو يدفع عنهم العذاب؟ كلا، لا تنفعهم تلك المعبودات، وسيظهر لهم خطؤهم، كما قال تعالى: ﴿كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيَّهِمْ ضِدًا ( ﴾ [مريم: ٨٢/١٩] لذا أخبر تعالى عن عذابهم قائلاً: ﴿إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَنَمَ لِلْكَفِينَ لُلًا﴾ أي إنا أعددنا وهيأنا لهؤلاء الكافرين بالله جهنم يوم القيامة منزلاً ينزلون به، كما يعدُّ النزل للضيف، بسبب اتخاذهم أولياء (أي معبودين) من دوني، وهذا تهكم بهم، وتخطئة لحساباتهم. اُلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٣ - الجهل والغباء: ﴿قُلْ هَلْ نُنََُّّ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا لَـ اْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (3﴾﴾ أي قل لهم يا محمد: هل نخبركم أيها الناس بأشد الناس خسراناً لأعمالهم وخطأ في حسابهم؟ هم الذين ضلوا في الحياة، فعملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مرضية مقبولة، وأتعبوا أنفسهم فيما لا نفع فيه، فهلكوا وضيعوا ثمار أعمالهم، وهم قوم مخدوعون بما هم عليه، يظنون أنهم محسنون في ذلك العمل، منتفعون بآثاره، مقبولون محبوبون. والآية توبيخ شديد لهم، مفادها الموجز: قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غداً، فهم الأخسرون أعمالاً. وسبب خسارة أعمالهم هو ما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِ، فَخِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ أي إن أولئك الأخسرين أعمالاً هم الذين جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التكوينية والتنزيلية الدالة على توحيده، وكفروا وكذبوا بالبعث والحساب ولقاء الله وما بعده من أمور الآخرة، فحبطت وبطلت أعمالهم التي عملوها مما يظنونه حسناً، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ ﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥] فلا يقام وزن لأعمالهم ولا يكون لهم ٢٣ هَبَآءُ مَّنثُورًا عندنا قدر، ولا نعبأ بهم، ولا ثواب على تلك الأعمال؛ لأنها خالية من الخير. ٠ ٣٦٩ الْمُعْ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ وحينئذ يكون جزاؤهم العادل على كفرهم ومعاصيهم جهنم؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَتَّخَذُوْ ءَيَنِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٣) أي إن ذلك الوعيد والجزاء على أعمالهم الباطلة في نار جهنم إنما هو بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله، وسخريتهم من رسل الله ومن معجزاتهم، فإنهم استهزؤوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب. والهزء: الاستخفاف والسخرية. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يلي: اً - إثبات البعث والحشر، بجمع الجن والإنس في ساحات القيامة بالنفخة الثانية في الصور. أَ - إبراز جهنم إبرازاً ظاهراً واضحاً للكفار بعد الحشر بسبب عدم النظر في دلائل الله تعالى على وجوده ووحدانيته، وعدم إطاقتهم سماع كلام الله تعالى، فهم بمنزلة العُمْي والصّ. وفي هذا نوع من العقاب النفساني المؤلم بسبب ما ينتابهم حينئذ من الغم والكرب العظيم. لَّ - يخطئ الكفار حين يظنون أن اتخاذهم معبودین من دون الله، کعيسى وعزير والملائكة ينفعهم يوم القيامة، وأن الله لا يعاقبهم على ذلك، كلا، فإن الله أعد لهم جهنم منزلاً ومأوى. ٤ - إن أشد الناس خسارة يوم القيامة هم الذين ضل سعيهم في الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً في عبادة من سوى الله، فهم الأخسرون أعمالاً، روى البخاري عن مصعب قال: سألت أبي، يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنِّئُكُم بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا (®﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمداً وَلجر، وأما النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية (أي الخوارج) ٣٧٠ الجُزُرُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٠-١٠٦ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين(١). والحقيقة أن الآية تشمل جميع أهل الضلال سواء من أهل الكتاب أو من المشركين. ٥ - في هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُ﴾ دلالة على أن من الناس من يعمل العمل، وهو يظن أنه محسن، وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي: إما فساد الاعتقاد أو المراءاة. ٩ - إن سبب خسارة أعمال أهل الضلال هو الكفر بآيات الله وبالبعث، وهذا يشمل مشركي مكة عبدة الأوثان، وأهل الكتاب أيضاً؛ لأن إيمان هؤلاء بالبعث مشوّه غير صحيح. لاً - إن عقاب هؤلاء الضالين على أعمالهم الباطلة ثلاثة أنواع: إحباط الأعمال، وإهدار الكرامة والاعتبار، والعذاب في نار جهنم، فلا ثواب على أعمالهم ولا نفع فيها، ولا يقيم الله عز وجل لهم وزناً، ويصلون جهنم، قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن عند الله جناح بعوضة. وهذا في حكم المرفوع، وقد ثبت معناه في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله وَال ول أنه قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾)). والمعنى: أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار. ٨ - كرر الله تعالى ذكر سبب العذاب لهؤلاء الكفار للتأكيد، فأخبر بأن جزاءهم جهنم بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله وتكذيبهم رسل الله، وإنكارهم معجزات الأنبياء. (١) تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٧ ٣٧١ الزُعُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٧ -١١٠ جزاء المؤمنين وسعة معلومات الله وتوحيده خَالِدِينَ فِيَهَا ٠٧ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُزْلًا ﴿ قُل لَّوْ كَانَ أُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفْدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ حِثْنَا ◌ِمِثْلِهِ، مَدَدًّا ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِنَّهُكُمْ إِلَهٌ وَعِدٌّ فَمَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَيٍِِّ أحدًا القراءات: ﴿أَنْ نَفَدَ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (أن ينفد). ﴿جِثْنَا﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جينا). الإعراب: خَلِينَ فِيَهَا﴾ حال. ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ﴿حِوَلًا﴾ مفعول ﴿يَبْغُونَ﴾ أي لا يطلبون ولا يتمنون عنها متحولاً. ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ ﴿ مَدَدًا﴾ تمييز. ﴿أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ أن: المكفوفة بما: باقية على مصدريتها، والمعنى: يوحى إلي وحدانية الإله. ٣٧٢ الُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٧ - ١١٠ المفردات اللغوية: ﴿ كَانَتْ لَمُمْ﴾ فيما سبق من علم الله وحكمه ووعده ﴿اَلْفِرْدَوْسِ﴾ أعلى درجات الجنان وأوسطها، والإضافة إليه للبيان، وأصله: البستان الذي يجمع ﴿نُزْلً﴾ منزلاً ﴿لَا يَبْغُونَ﴾ لا يطلبون ﴿حَوَلًا﴾ تحولاً إلى أشجار الفاكهة غيرها؛ إذ لا يجدون أطيب منها، حتى تنازعهم إليه أنفسهم ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ أي لو كان ماء البحر ما يكتب به من الحبر، وأصله: ما يمدُّ به الشيء، كالحبر للدواة ﴿لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ لكلمات علمه وحكمته ومعلوماته غير المتناهية، بأن تكتب به ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ في كتابتها ﴿نَنَفَدَ﴾ تفرغ ﴿وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ،﴾ أي بمثل البحر ﴿مَدَدًا﴾ زيادة فيه، لنفد، ولم تفرغ هي. ﴿أَنَاْ بَشَرٌ﴾ آدمي ﴿يَرَجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يأمل ويطمع حسن لقائه بالبعث والجزاء. والرجاء: تأمل شيء سارّ في المستقبل، و﴿لِقَّءَ رَبِّهِ،﴾ هو البعث وتوابعه. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يرتضيه الله ﴿ وَلَا يُتْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ أي بأن يرائي في عبادته، أو يطلب منه أجراً. سبب النزول: نزول الآية (١٠٩): ﴿قُل لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾: أخرج الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحَّ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ اَلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. وقالت اليهود: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن ٢٨٥ أوتي التوراة، فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَِ﴾ الآية. نزول الآية (١١٠): ﴿فَنْ كَانَ يَرَجُواْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص ٣٧٣ الجُزْءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٧-١١٠ عن طاوس قال: قال رجل يا رسول الله، إني أقف أريد وجه الله، وأحب أن يُرى موطني، فلم يرد عليه شيئاً، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ أَحَدًا﴾ خبر مرسل، وأخرجه الحاكم في المستدرك موصولاً عن طاوس عن ابن عباس، وصححه على شرط الشيخين (البخاري ومسلم). وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان رجل من المسلمين يقاتل، وهو يحب أن يُرى مكانه، فأنزل الله: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَيِّهِ﴾ الآية. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: قال جندب ابن زهير: إذا صلى الرجل، أو صام، أو تصدق، فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس له، فنزلت في ذلك: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ،﴾ الآية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين، ذكر ما أعد للمؤمنين، ثم ختم السورة ببيان سعة علم الله واتساع معلوماته وأنها غير متناهية، والإعلام ببشرية النبي ومماثلته لبقية الناس في ذلك، وأن علمه مستمد من الوحي الإلهي، والتنبيه على الوحدانية، والحض على ما فيه النجاة في الآخرة. قال البيضاوي: والآية جامعة لخلاصة العلم والعمل، وهما التوحيد والإخلاص في الطاعة، بالبعد عن الرياء وهو الشرك الأصغر أو الخفي. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن أضداد صفات الكافرين الذين ذكروا قبل المؤمنين، فيقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُوْلًا ([®)﴾ أي إن السعداء هم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، ٣٧٤ الزُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٧-١١٠ وعملوا صالح الأعمال من إقامة الفرائض والتطوعات، ابتغاء رضوان الله، لهم جنات الفردوس (وهي أعلى الجنة وأوسعها وأفضلها) منزلاً معدّاً لهم، مبالغة في إكرامهم. والفردوس في كلام العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وفي اللغة الرومية: البستان. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له : (إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة)). أي مقيمين ساكنين فيها على ﴿خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنَّهَا حِوَلًا لَـ الدوام، لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، ولا يريدون تحولاً عنها. أخرج أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت أن النبي وَّ قال: ((إن في الجنة مئة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس)). ثم يخبر الله تعالى عن عظمة شأن القرآن وسعة علم الله، فيقول: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنفَدَ كَلِمَتُ رَبٍِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا (٣) أي قل أيها الرسول لهم: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وكان ماء البحر حبراً للقلم الذي يكتب به، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك، ولو جيء بمثل البحر آخر وآخر وهكذا لنفد أيضاً، ولم تنفد كلمات الله. وهذا دليل على كثرة كلمات الله، وسعة علم الله وحكمته وأسراره، بحيث لا تضبطها الأقلام والكتب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَهُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: ٢٧/٣١] . ٣٧ ٣٧٥ الْجُزْءُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٧ -١١٠ وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله تعالى كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ الآية، يقول: لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها. وروي أن حُيَيّ بن أخْطَب اليهودي قال: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩/٢] ثم تقرؤون: ﴿وَمَّ أُوِيِّتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥/١٧] أي إنه يعترض بوجود التناقض، فنزلت هذه الآية، يعني أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. وبعد بيان كمال كلام الله، أمر تعالى محمداً وَلّ بالتواضع فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَمَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ﴾ أي قل يا محمد لهم: ما أنا إلا بشر مثلكم في البشرية، ليس لي صفة الملكية أو الألوهية، ولا علم لي إلا ما علمني الله، إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، فلا شريك له في ألوهيته، فمعبودكم الذي يجب أن تعبدوه هو معبود واحد لا شريك له. ﴿فَنْ كَانَ يَرَّجُوْ لِقَآءَ رَيْهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبٍِِّ أَحَدًا﴾ أي فمن آمن بلقاء الله، وطمع في ثواب الله على طاعته، فليتقرب إليه بصالح الأعمال، وليخلص له العبادة، وليجتنب الشرك بعبادة الله، أحداً من مخلوقاته، سواء أكان شركاً ظاهراً كعبادة الأوثان، أم شركاً خفياً كفعل شيء رياء أو سمعة وشهرة، والرياء: هو الشرك الأصغر، كما في حديث أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لَبيد أن رسول الله وَ له قال: ((إن أخوف ما أخاف ٣٧٦ لُعُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ١٠٧ - ١١٠ عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟)). وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ فيما يرويه عن ربه قال: «أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو الذي أُشْرِك)) . قال الرازي: أورد تعالى في آخر هذه السورة ما يدلّ على حصول رؤية الله في ثلاث آيات : أولها - قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ،﴾. وثانيها - قوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾. وثالثها - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ ولا بيان أقوى من ذلك(١). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - للمؤمنين بالله ورسله الذين يعملون صالح الأعمال جنات الفردوس التي هي أعلى الجنان، وهم خالدون دائمون فيها، لا يطلبون تحويلاً عنها إلى غيرها. أَ - لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يحصر كلمات الله تعالى وعلمه وحكمته وأسراره، ولو كانت البحار والمحيطات وأمثالها دون تحديد حبراً يكتب به. قال ابن عباس: قالت اليهود، لما قال لهم النبي وَلّ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم (١) تفسير الرازي: ١٧٧/٢١ ٣٧٧ الُعْ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٧ - ١١٠ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قالوا: وكيف، وقد أُوتينا التوراة، ومن أُوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ الآية. ◌َّ - أمر الله رسوله بالتواضع، وبإعلان صفة البشرية وأنه لا امتياز له على غيره بشيء من الصفات، وأنه لا يعلم إلا ما علَّمه الله تعالى، وعلم الله لا يحصى، إلا أن الله تعالى أمره بأن يبلِّغ غيره بأن لا إله إلا الله. ٤ - دلت الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ على مطلوبين: الأول - أن كلمة ﴿أَمَا﴾ تفيد الحصر، وهي قوله: ﴿أَنَّ إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَكِلٌّ﴾. والثاني - أن كون الإله تعالى إلهاً واحداً يمكن إثباته بالأدلة السمعية. ٥ - إن المؤمن بربه الذي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه يجب عليه أن يعمل العمل الصالح المرضي لله، وألا يشرك بالله أحداً في عبادته. قال ابن عباس: نزلت في جُنْدُب بن زهير العامري، قال: يا رسول الله، إني أعمل العمل لله تعالى، وأُريد به وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرَّني؛ فقال النبي ◌َّه: ((إن الله طيِّب، ولا يقبل إلا الطيِّب، ولا يقبل ما شُورِك فيه)) فنزلت الآية. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طیباً .. )). والآية عامة في جميع الأعمال من عبادة وجهاد وصدقة وغيرها، وموضوعها إخلاص العمل لله عزَّ وجلَّ. سئل الحسن البصري عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحب أن تُكْتَم حسناتُك، ولا تحب أن تُكْتَم سيئاتُك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول: هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتَذَكَّرْ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَيِِّةٍ أَحَدًا﴾، وقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ ٣٧٨ لِلُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ١٠٧-١١٠ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ﴾ [المؤمنون: ٦٠/٢٣]، يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم. وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا؛ قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله والدار الآخرة، فهو ریاء. ٣٧٩ المُعُ (١٦) السورة (١٩) فرنسا ـةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحـ سُورَةٌ فَرَشَرَ مڪية وهي ثمانٍ وتسعون آية تسميتها: سميت (سورة مريم) لاشتمالها على قصة حمل السيدة مريم، وولادتها عيسى عليه السلام، من غير أب، وأصداء ذلك الحمل، وما تبعه ورافق ولادة عيسى من أحداث عجيبة، من أهمها كلامه وهو طفل في المهد. مناسبتها لما قبلها: اشتملت السورتان على قصص عجيبة، فسورة الكهف اشتملت على قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة، بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من المثيرات، وقصة ذي القرنين. وسورة مريم فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا عليه السلام حال كبر الوالد وعقم الوالدة أي بين شيخ فانٍ وعجوز عاقر، وقصة ولادة عيسى عليه السلام من غير أب. ما اشتملت عليه السورة: موضوع السورة كسائر السور المكية هو إثبات وجود الله ووحدانيته، ٣٨٠ الُ (١٦) السورة (١٩) فرنسا وإثبات البعث والجزاء من خلال إيراد قصص جماعة من الأنبياء، على النحو التالي : اً - افتتحت السورة بقصة ولادة يحيى بن زكريا عليهما السلام، من أب شيخ كبير وأم عاقر لا تلد، ولكن بقدرة الله القادر على كل شيء، خلافاً المعتاد، وإجابة لدعاء الوالد الصالح، وأعقبه الخبر بإيتاء يحيى النبوة في حال الصبا، الآيات [١- ١٥]. أَ - أردف ذلك قصة ولادة عيسى من مريم العذراء، من غير أب، لتكون دليلاً آخر على القدرة الربانية. وقد أثار ذلك موجة من النقد واللوم والتعنيف، خفف منها كلام عيسى وهو طفل في المهد، تبرئة لأمه، ووصف نفسه بصفات النبوة والكمال. واقترن المخاض بحدثين غريبين: هما نداء عيسى أمه حين الولادة بألا تحزن، فقد جعل الله عندها نهراً، وأمرها بهز النخل أخذاً بالأسباب لإسقاط الرطب، الآيات [١٦- ٣٦]. وأحدثت هذه الولادة اختلافاً بين النصارى في شأن عيسى، الآيات [٣٧ - ٤٠]. ◌ّ - انتقلت الآيات بعدئذ إلى بيان جانب من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام، ومناقشته أباه في عبادة الأصنام، وإكرام الله له بهبته - وهو كبير، وامرأته سارة عاقر - ولداً هو إسحاق ومن بعده ابنه يعقوب وجعلهما نبيين، كما حدث فعلاً من ولادة إسماعيل قبل ذلك، وإبراهيم شيخ كبير بعد دخوله على زوجته هاجر، الآيات [٤١ - ٥٠]. ٤ - ثم تحدثت السورة عن قصة موسى ومناجاته ربه في الطور، وجعل أخيه هارون نبياً، الآيات [٥١ - ٥٣].