النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
لِلُرُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
فهدمه ثم قعد يبنيه)) وهذا الحديث صحيح السند؛ جارٍ مجرى التفسير للقرآن.
وقال سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه، فقام. قال القرطبي: وهذا القول
هو الصحيح، وهو الأشبه بفعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل
والأولياء.
٥ - واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف
سقوطه، بل يسرع في المشي إذا كان مارّاً عليه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((إذا مرَّ أحدكم بطِرْبال(١) مائل، فليسرع المشي)) ذكره ابن الأثير في النهاية.
أ - كرامات الأولياء ثابتة، بدليل الأخبار الثابتة والآيات المتواترة، ولا
ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات: مثل ما أخبر الله تعالى
في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما
ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية،
ومثل ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام،
وإقامة الجدار، وهذا على رأي من قال: إنه ليس نبياً.
لاً - هل يجوز أن يُعْلَم الوليّ أنه وليّ أو لا؟ قولان للعلماء:
أحدهما - أنه لا يجوز، وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بحذر
وحيطة، لأنه لا يأمن أن يكون استدراجاً له، ولأنه لو علم أنه وليّ، لزال عنه
الخوف من الله، وحصل له الأمن من عذابه، ومن شرط الولي أن يستديم
الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال عز وجل: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ [فصلت: ٣٠/٤١] ولأن الولي: من كان
مختوماً له بالسعادة، والعواقب مستورة، ولا يدري أحد ما يختم له به؛ ولهذا
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الأصبهاني عن ابن عباس: ((وإنما
الأعمال بخواتيمها)) .
(١) الطربال: القطعة العالية من الجدار، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل.

٣٤٢
الُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
القول الثاني - أنه يجوز أن يعلم أنه ولي؛ إذ لا خلاف أنه يجوز لغيره أن
يعلم أنه وليّ الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك، وقد أخبر النبي وَّ عن حال
العشرة المبشرين بالجنة من أصحابه: أنهم من أهل الجنة، ولم يكن في ذلك
زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيماً لله تعالى، وأشد خوفاً وهيبة، فغيرهم
مثلهم.
٨ - لا ينكر أن يكون للولي مال وضَيْعة (عقارات) يصون بها وجهه
وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم، مع ولايتهم وفضلهم، وهم الحجة على
غيرهم.
وأما حديث الترمذي عن ابن مسعود: ((لا تتخذوا الضَّيْعة فتركنوا إلى
الدنيا)) فمحمول على من اتخذها مستكثراً أو متنعماً ومتمتعاً بزهرتها، وأما من
اتخذها معاشاً يصون بها دينه وعياله، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال،
وهي من أفضل الأموال؛ قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وابن منيع
عن عمرو بن العاص: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)).
ـة - ثَّ خرق السفينة وتعييبها لحفظها لأصحابها المساكين (المحتاجين
المتعيشين بها في البحر) من اغتصاب ملك ظالم عاتٍ لكل سفينة صالحة، وقد
احتج الشافعي بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال
المسكين؛ لأنه تعالى ستماهم مساكين، مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة.
٠ ١َ - حدث قتل الغلام بسبب كفره حتى لا يتأثر به أبواه، ويميلا إلى دينه،
بسبب محبتهما الفطرية له، وقد أبدلهما الله خيراً منه زكاة، أي ديناً وصلاحاً،
وأقرب رُحماً، أي أقرب رحمةً وعطفاً وشفقة عليهما.
١١ - إن صلاح الآباء يفيد الأبناء حتى الجيل السابع؛ لأن أب الغلامين
كان هو الأب السابع، كما قال جعفر بن محمد. وقد روي أن الله تعالى يحفظ
الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ الَّذِى
﴾ [الأعراف: ١٩٦/٧] .
١٩٦
نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ

٣٤٣
لُّعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
١٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ يقتضي أن الخضر نبي، وقال
جماعة: لم يكن نبياً، وهو الأصح. واسم الخضر: إيليا بن ملكان بن قالغ بن
شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكنيته أبو العباس، وكان أبوه ملِكاً. وأمه
كانت بنت فارس، واسمها ألمى، ولدته في مغارة.
وذهب الجمهور إلى أن الخضر مات؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة منها لا يَبْقى ممن هو اليوم على ظهر
الأرض أحد))(١). وقالت فرقة: إنه حي؛ لأنه شرب من عين الحياة، وإنه باقٍ
في الأرض، وإنه يحج البيت.
قيل: إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني، قال: كن
بسَّاماً ولا تكن ضخّاكاً، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تَعِب
على الخطّائين خطاياهم، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران.
١٣ - لا تثبت الأحكام الشرعية إلا بالوحي أو برؤيا الأنبياء، ولا يصح
القول بأن الأحكام تثبت للأولياء بالإلهام في قلوبهم، وما يغلب عليهم من
خواطر، لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم
الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام
الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر،
فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم،
واستدلوا بحديث رواه البخاري في التاريخ عن وابصة: ((استفت نفسك وإن
أفتاك المفتون)). قال أبو العباس المالكي: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله
ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع؛ فإن الله تعالى قد أجرى سنته،
(١) رواه مسلم عن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله ◌َ﴿ ذات ليلى صلاة العشاء في آخر
حياته، فلما سلَّم قام فقال: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن
هو على ظهر الأرض أحد».

٣٤٤
◌ِلُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بوساطة رسله السفراء بينه وبين
خَلْقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبيِّنون شرائعه وأحكامه، اختارهم
لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ
(٧٥ ) [الحج: ٧٥/٢٢] وقال
رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] وقال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣/٢]
إلى غير ذلك من الآيات.
وقال القرطبي: وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين
الضروري، وإجماع السلف والَخَلَف على أنه لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى
التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن
قال: إن هناك طريقاً آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغني عن
الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب. ثم
هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ الذي قد جعله الله خاتم
أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك: أن من قال: يأخذ عن
قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج
مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإن هذا نحو مما
قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إن روح القدس نَفَثَ في رُوعي))(١).
١٤ - لهذه القصة فوائد أدبية رفيعة مجملها: أن يكون المرء متواضعاً غير
معجب بعلمه، وأن يلتزم بعهده، فلا ينقضه ويعترض على ما لم يعرف سره،
وألا يتعجل النبي ◌َّل بطلب إنزال العقوبة بالمشركين الذين كذبوه وأنكروا
رسالته واستهزؤوا به وبكتابه، فهم معاقبون هالكون في الدنيا والآخرة.
(١) تفسير القرطبي: ٤٠/١١ - ٤١. والرُّوع: القلب أو العقل. والحديث رواه أبو نعيم في الحلية
عن أبي أمامة، وهو ضعيف.

٣٤٥
الُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٧٥-٨٢
وتتكرر حوادث القصة مع مرور الزمان، فلا يعترض الإنسان على موت
غلام صغير، فقد يكون موته خيراً له ولوالديه، كما أن وقائع الموت المتكررة
رحمة بالمجتمع، فلو لم يمت كبار السن وغيرهم لضاقت الأرض بالمواليد
المتجددة يومياً. وخرق السفينة يذكرنا بتسلط الظلمة على أموال الضعفاء،
وهدم الجدار وإقامته لون من ألوان توفير الثروة المنتظرة ليتيم أو ضعيف من
الإله الرحيم بعباده الضعفاء، وفيه مقابلة الإساءة بالإحسان، فإن أهل القرية
الذين أبوا الضيافة قابلهم الخضر بحسن الصنيع، وهذه سمة الأنبياء والأولياء
المقربين من ربهم.
وكل هذه الوقائع من فعل الله تعالى، وما الخضر وأمثاله إلا وسطاء بين
الناس لتنفيذ أمر الله تعالى.

٣٤٦
الُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿ إِنَّا مَكَّنَا لَهُ
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ
فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ﴿ فَأَنْعَ سَبَبًا (
وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِنَّةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَا قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَنْ
نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا ﴿٨ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ, ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا
وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَآءَ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُبْرًا
نكرًا
٨٩
ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا (
حَقٌَّ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّ نَجْعَل
٨٨
٩١
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرَ ﴿ ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا
٩٠
لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا
قَالُواْ
حَتٌَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ اُلسََّّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ فَوْلًا: (َ)
يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجَعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن ◌َّجْعَلَ
بَيْنَا وَبْنَهُمْ سَنَّا (﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرُ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا
ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيْدِ حَتَّىَ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنْفُخُواْ حَتَّىَ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا
90
قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴿﴿ فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا
٩٨
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّ جَعَلَهُ دَكَّهَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقّاً
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضِ وَنُفِخَ فِ اُلُّورِ لَعْنَهُمْ جَمْعًا
٩٩
القراءات:
﴿ فَأَنْبَعَ سَيَبًا
٨٥
وقرأ نافع، ابن كثير، وأبو عمرو (فاتَّبع سبباً).
﴿حَمَثَةٍ﴾ :
قرئ:

٣٤٧
الُعُ (١٦) - الكَهْفِظَ: ١٨ / ٨٣-٩٩
١- (حَمِئَّةٍ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (حاميةٍ) وهي قراءة الباقين.
﴿ تُكْرًا﴾:
قرئ:
١- (نُكُراً) وهي قراءة نافع، وابن ذكوان.
٢- (نُكْراً) وهي قراءة الباقين.
﴿جَزَآءَ اَلْحُسْنِىّ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (جزاءُ الحسنى).
(ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا
: @
٨٩
مثلها مثل (فأتبع سبباً).
﴿السَّدَّيْنِ﴾ :
قرئ:
١- (السَّدَّين) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (السُّدَّين) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ يَفْقَهُونَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُفْقِهُون).
﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ :
قرئ:

٣٤٨
الجزءُ (١٦) - الكَهْفَ: ١٨ / ٨٣-٩٩
١ - (يأجوج ومأجوج) وهي قراءة عاصم.
٢- (ياجوج وماجوج) وهي قراءة الباقين.
[خَرْجًا﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (خراجاً).
﴿سَذَّا﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر، (سُدَّاً).
﴿مَكَّتِ﴾:
وقرأ ابن كثير (مكَّنني).
﴿ اُلصَّدَقَيْنِ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (الصُّدْفَيْن).
﴿فَمَا أَسْطَعُواْ﴾:
وقرأ حمزة (فما اسْطَّاعوا).
دَكَاءَ
قرئ :
١- (دَكَّاء) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (دّاً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَكّنَا لَهُ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي كيف شاء، فحذف المفعول به.

٣٤٩
◌ِلُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمَثَةٍ﴾: ﴿تَغْرُبُ﴾ جملة فعلية، حال من هاء
﴿ وَجَدَهَا﴾ ووجدها: بمعنى أصابها. وليست هنا بمعنى علم، فلو كانت
كذلك، لكانت الجملة مفعولاً ثانياً لوجد؛ لأن (وجد) بمعنى (علم) تتعدى
إلى مفعولين .﴿إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَّخِذَ﴾ أن وصلتها: إما في موضع نصب
بفعل مقدر، كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ [محمد: ٤/٤٧] وإما على
تقدير مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إما العذاب واقع منك فيهم، وإما اتخاذ
أمر ذي حُسن واقع بهم، فحذف الخبر لطول الكلام بالصلة.
﴿فَلَهُ جَزَّآءً اٌلْحُسْنَى﴾ ﴿جَزَآءً﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال،
والعامل فيه: له، أي ثبتت الحسنى له جزاء. وقيل: تمييز منصوب، ومن قرأ
بالرفع: (جزاءٌ) جعله مبتدأ، وله: خبره، أي فله جزاء الخصال الحسنى،
فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. و﴿اَلْحُسْنَى﴾ مضاف إليه مجرور. ويجوز
جعله بدلاً مرفوعاً من ﴿جَزَّآءً﴾ والأصل فيه التنوين، وحذفه لالتقاء
الساكنين، كما حذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
[الإخلاص: ١/١١٢-٢] وقرئ: (جزاء)
بالنصب من غير تنوين.
أَحَدُ جَ اللهُ الصَّمَدُ
﴿لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قَوْلَا﴾ مفعول به. وقرئ (يُفْقِهُونَ) أي يفقهون
الناس قولاً، فحذف المفعول الأول، وبقي ﴿قَوْلًا﴾ المفعول الثاني، ويجوز
حذف أحد المفعولين؛ لأن هذا فعل متعدٍّ.
﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِظْرًا﴾ منصوب بأفرغ عند البصريين لا بـ ﴿ءَاتُونِّ﴾ لأن
﴿أُفْرِغْ﴾ أقرب من ﴿ءَاتُونِ﴾ فكان إعماله أولى؛ لأن القرب له أثره في قوة
العمل. وذهب الكوفيون إلى أن العامل فيه ﴿ءَانُونِيِّ﴾ ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَن
يَظْهَرُوهُ﴾ بمعنى استطاعوا.
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِى﴾ إنما قال: هذا، ولم يقل: هذه؛ لأن تاء تأنيث

٣٥٠
لُحُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ٨٣-٩٩
الرحمة غير حقيقي، والتأنيث غير الحقيقي يجوز فيه التذكير، ولأن الرحمة
بمعنى الغفران، فذكَّره حملاً على المعنى، والتذكير بالحمل على المعنى كثير في
كلام العرب.
البلاغة:
﴿مَطْلِعَ﴾ و﴿مَغْرِبَ﴾ بينهما طباق.
﴿ حَتَّىَ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ تشبيه بليغ، أي كالنار في الحرارة وشدة الاحمرار،
حذفت أداة الشبه ووجه التشبيه.
﴿يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ استعارة تبعية في الفعل ﴿يَمُوجُ﴾ شبههم لكثرتهم وتداخل
بعضهم في بعض، بموج البحر المتلاطم.
﴿أَمَّا مَن ظَلَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَآءَ الْحُسْنِىّ﴾
بينهما مقابلة.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ أي اليهود أو مشركو مكة. ﴿عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ هو الإسكندر
بن فيلبوس اليوناني، وقيل: الرومي، مَلَك فارس والروم، وقيل: ملَك
المشرق والمغرب، لكن الإسكندر كافر، والأصح أنه رجل صالح حكم الدنيا
غير الإسكندر، ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها
وغربها، وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان، وقيل: كان لتاجه قرنان،
ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته، ومع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، لم يكن
على الأصح نبياً. ﴿سَأَتْلُواْ﴾ سأقص. ﴿عَلَيْكُمْ مِنْهُ﴾ من حاله . ﴿ذِكْرًا﴾
خبراً مذكوراً، وهو القرآن. قيل: ملك الدنيا مؤمنان: سليمان وذو القرنين،
وكافران: نمرود وبختنصر.

٣٥١
لُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
﴿إِنَّا مَكَنَا لَهُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ سهلنا له السير فيها وجعلناه قادراً على التصرف
فيها كيف شاء. ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ يحتاج إليه. ﴿سَبَبًا﴾ طريقاً يوصله إلى مراده من
طريقاً نحو الغرب، أي فأراد بلوغ
١٨٥
علم أو قدرة أو إرادة . ﴿فَأَنْعَ سَبَبًا
المغرب، فاتبع سبباً يوصله إليه . ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ موضع غروبها .﴿فِ عَيْنٍ
◌َمِثَةٍ﴾ أي ذات حمأة، وهي الطين الأسود، وغروبها في العين الحمئة هو في
مجرد رأي العين، وإلا فهي أعظم من الدنيا وأكبر، كما هو معروف. ﴿وَوَجَدَ
عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين الحمئة . ﴿قَوْمًا﴾ كافرين.
﴿ قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ﴾ أي ألهمناه بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإيمان. ﴿إِمََّ
أَنْ تُعَذِّبَ﴾ القوم بالقتل على كفرهم . ﴿وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَ فِيِهِمْ حُسْنًا﴾ أي أمراً
حسن بالإرشاد وتعليم الشرائع، وقيل: خُيِّر بين القتل والأسر.
﴿قَالَ﴾ أي ذو القرنين مختاراً الدعوة. ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ بالشرك والإصرار
على الكفر. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ نقتله. ﴿ثُكْرًا﴾ أي منكراً فظيعاً، أو شديداً في
النار. ﴿فَلَهُ﴾ في الدارين ﴿اٌلْحُسْنَى﴾ أي الجنة، أو المثوبة وهو مبتدأ، خبره
﴿فَلَهُ﴾ وجزاءً: حال أي مجزياً بها، ومن قرأ: فله جزاءُ الحسنى، فالإضافة
للبيان أي المثوبة الحسنى. ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ اليسر: السهل الميسر غير
(@) نحو المشرق. ﴿مَطَلِعَ
الشاق، أي نأمره بما يسهل عليه . ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَيِّبًا
الشَّمْسِ﴾ موضع طلوعها. ﴿نَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ هم الزنج. ﴿مِّن دُونِهَا﴾ من دون
الشمس. ﴿سِتْرًا﴾ من اللباس أو البناء أو السقف؛ لأن أرضهم لا تتحمل
الأبنية، ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس، ويظهرون عند
ارتفاعها.
كَذَلِكَ﴾ أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا من بلوغه المشرق والمغرب.
﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أي وقد اطلعنا على ما عند ذي القرنين من الآلات
والجند وغيرهما، مما يتعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت

٣٥٢
الُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ٨٣-٩٩
طريقاً ثالثاً
٨٩
مبلغاً لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا
معترضاً بين المشرق والمغرب، آخذاً من الجنوب إلى الشمال. ﴿بَيْنَ اُلسَّدَّيْنِ﴾
بين الجبلين المبني بينهما سده، وهما جبلا أرمينية وأذربيجان، وقيل: جبلان
منيفان في أواخر الشمال في منقطع بلاد الترك، من ورائهما يأجوج ومأجوج.
﴿مِن دُونِهِمَا﴾ أمامهما. ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يفهمون قولاً إلا بعد بطء، أي لا
يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم.
﴿قَالُواْ﴾ أي مترجموهم. ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قال بعض العلماء (كالألوسي
٣٨/١٦ وما بعدها) هما اسمان أعجميان لقبيلتين، فهما ممنوعان من
الصرف، وهما قبيلتان من ولد يافث بن نوح. يأجوج: هم التتر، ومأجوج:
هم المغول، وأصلهما من أب واحد يسمى (ترك) وكانون يسكنون الجزء
الشمالي من آسية، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد
الشمالي، وتنتهي غرباً ببلاد التركستان.
﴿مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ أي في أرضنا بالنهب والبغي والقتل والتخريب عند
خروجهم إلينا، قيل: كانوا يخرجون في الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه،
ولا يابساً إلا احتملوه. وقيل: كانوا يأكلون الناس .﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾
جُعْلاً من المال نتبرع به من أموالنا، وقرئ: (خراجاً) والخراج: ما لزم أداؤه.
﴿سَذًّا﴾ حاجزاً، فلا يصلون إلينا .﴿مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّ﴾ من المال وغيره.
﴿خَيْرٌ﴾ من الخرج الذي تجعلونه لي، فلا حاجة بي إليه، وأجعل لكم السد
تبرعاً ﴿فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ﴾ أي بما يتقوى به على المقصود من الآلات والناس التي
أطلبها منكم ﴿رَدْمًا﴾ أي حاجزاً حصيناً، وهو أكبر من السد وأوثق.
﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قِطعه، جمع زُبْرة كغرفة، وهي القطعة العظيمة أو الكبيرة
التي يبنى بها، فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم ﴿حَتَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ﴾ أي حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في

٣٥٣
المُرُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
العلو، والصدفان: واحدها صدف وهو جانب الجبل . ﴿قَالَ﴾ للعمال.
﴿اَنْفُخُواْ﴾ بالكيران في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين، فنفخوا. ﴿حَقّ
إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي الحديد. ﴿نَارًا﴾ كالنار اشتعالاً وتوهجاً. ﴿قَالَ ءَاتُونِيِّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ
قِطْرًا﴾ نحاساً مذاباً، أي صبَّ النحاس المذاب على الحديد المحمي، فالتصق
بعضه ببعض، وسد فجوات الحديد، وصار جبلاً صلداً وشيئاً واحداً.
﴿فَمَا اُسْطَعُوا﴾ أي يأجوج ومأجوج. ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أن يعلوه بالصعود
لارتفاعه وملاسته . ﴿وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ خرقاً لصلابته وشْكه. ﴿قَالَ
هَذَا﴾ قال ذو القرنين: هذا السد، أي بناؤه وتسويته . ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ﴾ أي أثر
رحمة أو نعمة على عباده؛ لأنه مانع من خروجهم. ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِ﴾ وقت
وعده بقيام الساعة، أو وقت خروج يأجوج ومأجوج من وراء السد . ﴿جَعَلَهُ
دَكَّةَ﴾ أو دكاً مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض. أطلق المصدر وأُريد اسم
المفعول، ودكه: بهدمه منهم أو من غيرهم. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ أي وكان
وعد ربي بخروجهم وغيره كائناً لا محالة.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ الضمير عائد إلى يأجوج ومأجوج. ﴿يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾
أي وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد، يموجون،
بعضهم في بعض، ويختلطون مع بعضهم لكثرتهم، مزدحمين في البلاد. ﴿وَنُفِخَ
فِي الصُورِ﴾ أي القرن لقيام الساعة أو البعث. ﴿فَبَعْنَهُمْ جَمْعًا﴾ أي جمعنا
الخلائق في مكان واحد يوم القيامة للحساب والجزاء.
المناسبة:
سبق لدينا عند بيان سبب نزول قصة أصحاب الكهف، أن اليهود أمروا
المشركين أن يسألوا رسول الله وَالله عن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي
القرنين، وعن الروح، والمشهور أن السائلين قريش. وذو القرنين: هو
الإسكندر اليوناني، كما ذكر ابن إسحاق، وقال وهب: هو رومي، وهو
خطأ.

٣٥٤
مِلُ (١٦) - الكَهْفْتُ: ١٨ / ٨٣-٩٩
وهذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وردت بعد
قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحبي الجنة، وقصة أمر الملائكة بالسجود
لآدم وإباء إبليس.
التفسير والبيان:
(ج﴾ أي
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا
ويسألك اليهود وقريش يا محمد عن خبر ذي القرنين، سؤال اختبار وتعنت،
فقل لهم: سأخبركم عنه خبراً مذكوراً في القرآن بطريق الوحي المتلو المنزَّل علي
من ربي.
وقد تقدم أن كفار مكة بعثوا إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به
النبي ◌َّة، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدرى ما
صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف.
وذو القرنين: قيل: هو إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني(١) الذي ملك
الدنيا بأسرها قبل الميلاد بنحو ٣٢٠ سنة باني الإسكندرية، وتلميذ أرسطو
الفيلسوف المعلّم الأول، حارب الفرس، واستولى على ملك دارا وتزوج
ابنته، ثم سافر إلى الهند وحارب هناك، ثم حكم مصر، وإنما سمي ذا القرنين؛
لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، فغلب على أكثر البلاد شرقاً وغرباً، قال
الشوكاني: ((وهذا مشكل؛ لأنه كان كافراً وتلميذ أرسطو)) والظاهر أنه عبد
صالح أعطاه الله ملكاً واسعاً (٢)، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
مَكَتَّا لَهُ فِ اٌلْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيَبًا ﴾﴾ أي إنا أعطيناه ملكاً عظيماً،
(١) والظاهر أنه أبو كرب الحميري، واسمه أبو بكر بن إفْريقش، من الدولة الحميرية (من سنة
١١٥ ق.م - ٥٥٢ ب.م) التي يسمى ملوكها بالتبابعة جمع تُبَّع.
(٢) وهذا هو الصحيح المروي عن ابن عباس (انظر مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ٢١٦/٨).

٣٥٥
الُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
ومكَّناه فيه من جميع ما يؤتى الملوك من السلطة المطلقة المدعمة بالجنود وآلات
الحرب والعلم، وأقدرناه على التصرف بحيث يصل إلى جميع أنحاء المملكة،
ومهَّدنا له من الأسباب والوسائل التي تمكّنه من السيطرة وبسط النفوذ أين شاء
وكيف شاء، فملك مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له البلاد، وخضعت له
ملوك العرب والعجم. فقوله: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيَبًا﴾ معناه أعطيناه من كل
ما يتعلق بمطلوبه طريقاً يتوصل بها إلى ما يريده، وهذه الطرق هي:
حَتَّ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمثَةٍ﴾
١٨٥
٢ - ﴿فَأَنْعَ سَبَبًا
أي فاتَّبع طريقاً من الطرق التي تؤديه إلى مراده، حتى إذا وصل نهاية الأرض
من جهة المغرب التي ليس بعدها إلا البحر المحيط، وهو بحر الظلمات أو
المحيط الأطلسي، سائراً في بلاد المغرب: تونس والجزائر ومُرَّاكُش، فوجد
الشمس تغرب في عين كثيرة الحمأة، أي الطين الأسود، وهذا ما يلاحظ من
غياب قرص الشمس على ساحل المحيط المختلط بالرمال والطينة السوداء.
قال الرازي: إنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها، ولا
شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا﴾ ومعلوم
أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض
بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا،
فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أن ذا القرنين لما بلغ
موضعها في المغرب، ولم يبق بعده شيء من العمارات، وجد الشمس كأنها
تغرب في عين وَهْدَة مظلمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب
البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر، إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة
تغيب وراء البحر، وهذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره(١).
ثم ذكر تأويلات أخرى بعيدة القبول.
(١) تفسير الرازي: ١٦٦/٢١

٣٥٦
الُرُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَّأْ قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ أي
وجد في أقصى المغرب عند تلك العين الحمئة قوماً كفّاراً وأمة عظيمة من بني
آدم، فقلنا له بالإلهام: أنت مخير فيهم بين أمرين: إما أن تعذبهم بالقتل إن
أصروا على الكفر، وإما أن تحسن إليهم وتصبر عليهم، بدعوتهم إلى الحق
والهدى والرشاد، وتعليمهم الشرائع والأحكام.
﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ, ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا تُكْرًا ﴿4﴾﴾ أي
قال ذو القرنين لبعض حاشيته: أما من ظلم نفسه بالإصرار على الشرك، ولم
يقبل دعوتي، فسنعذبه بالقتل في الدنيا، ثم يرجع إلى ربه في الآخرة، فيعذبه
عذاباً منكراً شنيعاً في نار جهنم.
﴿ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَهُ جَزَآءَ الْحُسْنَّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا
٨٨
أي وأما من آمن بالله ووحدانيته وصدَّق دعوتي، وعمل عملاً صالحاً مما
يقتضيه الإيمان، فجزاؤه الجنة، وسنطلب منه أمراً ذا يسر غير صعب ولا
شاقّ، ليرغب في دين الله، ويحب فعل أوامر الله من صلاة وصيام وزكاة
وخراج ونحوها، فلا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل الميسر.
حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُحُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ
٨٩
◌َ - ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًا
· أي ثم سلك طريقاً آخر متجهاً من مغرب
نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ل®َّـ
الشمس إلى مشرقها، حتى إذا وصل الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من
معمور الأرض، وجدها تطلع على قوم حفاة عراة، لا شيء يسترهم من حر
الشمس، لا من اللباس، ولا من البيوت والمباني والأشجار، وإنما يعيشون في
مفازة لا مأوى فيها، ولا شجر، وأكثر معيشتهم من السمك.
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً ﴾﴾ أي إن أمر ذي القرنين كما وصفنا
من قبل من اتباع الأسباب، حتى بلغ المشرق والمغرب، وقد علمنا حين
ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به، ونحن مطلعون على

٣٥٧
الْجُزْعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
جميع أحواله، لا يخفى علينا منها شيء، كما في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى
﴾ [آل عمران: ٥/٣] أي فهو كما وُصف،
٥
عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ (
مما لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة.
◌َّ - ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًّا ﴿٨) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ اُلسََّّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لََّ
يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (13)﴾ أي ثم سلك طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب
متجهاً من الشرق إلى الشمال، حتى إذا وصل بين الجبلين بين أرمينية
وأذربيجان، وجد من ورائهما قوماً من الناس لا يكادون يفهمون كلام
غيرهم، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ونباهتهم.
هؤلاء القوم من الصقالبة (السلاف) الذي يسكنون شرقي البحر الأسود،
في سد منيع بين جبلين قرب مدينة ((باب الأبواب)) أو ((دربت)» بجبل قوقاف،
اكتشفه السياح في القرن الحاضر.
﴿ قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ أي قال سكان السد
بين الجبلين، وقد فهم كلامهم ذو القرنين بتيسير الله الأسباب التي أعطاها
له: أو بواسطة الترجمان: إن يأجوج ومأجوج - وهما قبيلتان من الناس -
يفسدون في أرضنا بالقتل والتخريب والظلم والغشم وسائر وجوه الإفساد.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبْنَهُمْ سَذَّا﴾ أي فهل توافق على أن
نعطيك جُعْلاً أو ضريبة من أموالنا، على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزاً منيعاً
يمنعهم من الوصول إلينا؟
ويرى بعضهم كالشيخ المراغي في تفسيره أن يأجوج: هم التتر، ومأجوج:
هم المغول، وأصلهما من أب واحد يسمى (ترك) وكانوا يسكنون شمال آسية،
وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وغرباً إلى
الباكستان. وهذا الرأي غیر صحیح، فهم قوم بدائیون مجهولون.

٣٥٨
لُعُ (١٦) - الكهف: ١٨ / ٨٣-٩٩
ومنهم الداهية الرحالة ((تموجين)) الذي لقب نفسه ((جنكيز خان أي ملك
العالم)» الذي ظهر في أوائل القرن السابع الهجري في آسية الوسطى، فأخضع
الصين الشمالية، ثم أخضع بجبروته قطب الدين بن أرميلان من السلاجقة
ملك خُوَارزْم، ثم خلفه ابنه ((أقطاي)) وأغار ابن أخيه ((باتو)) على بلاد الروس
سنة ٧٢٣ هـ ودمر بولونيا والمجر، ثم قام مقامه ((جالوك)) فحارب الروم، ثم
خلفه ابن أخيه ((منجو)) فقام أخوه ((كيلاي)) بالاستيلاء على الصين، وأخوه
(هولاكو)) بالاستيلاء على البلاد الإسلامية وإسقاط بغداد مقر الخلافة
العباسية في عهد الخليفة المستعصم بالله، أواسط القرن السابع الهجري
٦٥٦ هـ
وأما السد الذي أقامه ذو القرنين، وشاهده بعض المؤرخين في أوائل القرن
الخامس عشر الميلادي: فهو وراء جيحون في عمالة ((بلخ)) واسمه ((باب
الحديد)) قرب ((ترْمِذ)) وقد اجتازه تيمورلنك، ومر به ((شاه روخ)) مع العالم
الألماني (سيلد برجر) ووصفه المؤرخ الإسباني (كلافيجو) في رحلته سنة ١٤٠٣
م الذي كان رسولاً من ملك ((قشتالة)) بالأندلس إلى تيمورلنك، وقال: إن سد
(باب الحديد) على الطريق الموصل بين سمرقند والهند(١).
رفيقً﴾ قال
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا
ذو القرنين: ما مكنني فيه ربي، وآتاني من سعة الملك والقدرة ووفرة المال،
خير من خرجكم ومما تجمعون، كما قال سليمان عليه السلام: ﴿أَتُعِدُونَنِ
بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [النمل: ٣٦/٢٧].
ولكن ساعدوني بقوة، أي بعمل الرجال وآلات البناء، أجعل بينكم
وبينهم سدّاً منيعاً وحاجزاً حصيناً، ثم أوضح المراد من القوة بقوله:
(١) تفسير المراغي: ١٣/١٦ - ١٥

٣٥٩
الجُزءُ (١٦) - الكَهْفِ: ١٨ / ٨٣-٩٩
ءَاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنْفُخُوْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا
قَالَ ءَانُونِ اُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (@) ﴾ أي قدّموا لي قطع الحديد، فلما جاؤوا بها،
أخذ يبني بها بين الجبلين، فيضع بعضها على بعض من الأساس، حتى إذا
حاذى بالبنيان رؤوس الجبلين طولاً وعرضاً، قال للعمال المساعدين: انفخوا
على هذه الزُّبَر (القطع) بالكيران، حتى صار كله ناراً مشتعلة متوهجة، ثم
صبَّ النحاس المذاب على الحديد المحمّى، فصار كله كتلة متلاصقة وجبلاً
صلداً، وانسدت فجوات الحدید.
﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا ﴾﴾ أي ما قدر يأجوج
ومأجوج أن يصعدوا فوق السد، لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا نقبه من
أسفله، وشدَّته، لصلابته وشدَّته. وأراح الله منهم الشعوب المجاورة لفسادهم
وسوئهم.
وقال ذو القرنين بعد إقامة السد المنيع الحصين :
﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّ جَعَلَهُ دَكََّ وَكَانَ وَعْدُ رَبِ حَقَّا ﴿َ﴾ أي
قال ذو القرنين لأهل تلك الديار: هذا السد نعمة وأثر من آثار رحمة ربي
بهؤلاء القوم أو بالناس؛ لحيلولته بين يأجوج ومأجوج وبين الفساد في
الأرض، فإذا حلَّ أجل ربي بخروجهم من وراء السد، جعله ربي مدكوكاً
منهدماً، مستوياً ملصقاً بالأرض، وكان وعد ربي بخرابه وخروج يأجوج
ومأجوج وبكل ما وعد به حقاً ثابتاً لا يتخلف، كائناً لا محالة.
وتَّ فعلاً خروج جنكيز خان وسلالته، فعاثوا في الأرض فساداً في الشرق
والغرب، ودمروا معالم الحضارة الإسلامية، وأسقطوا الخلافة العباسية سنة
٦٥٦ هـ.
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن زينب بنت جحش زوج النبي وَ الآن
قالت: استيقظ النبي ◌ُّ﴾ من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول: ((لا إله إلا

٣٦٠
الُعُ (١٦) - الكَهْفَ: ١٨ / ٨٣-٩٩
الله، ويل للعرب من شرِّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ
هذا، وحَلَّق، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثُر
الخبث)) .
وقد اتسعت الحلقة حتى كبرت في منتصف القرن السابع الهجري، بخروج
التتر والمغول، واجتياح البلاد الإسلامية، وتدمير صرح الخلافة الإسلامية
وإسقاطها في بغداد سنة ٦٥٦ هـ، كما حكى القرآن في قوله تعالى:
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُورِ تَعْنَهُمْ جَمْعَا (﴾﴾ أي
وتركنا بعض الناس يوم خروج يأجوج ومأجوج يضطرب ويختلط مع بعض
آخر، فيَكثر القتل، وتُفسد الزروع، وتُتلف الأموال، كما أخبر تعالى في آية
أخرى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَدٍ يَنْسِلُونَ
[الأنبياء: ٩٦/٢١]. وذلك كله قبل قيام القيامة وقبل النفخ في الصور
بزمن غير معلوم لنا. ويرى مفسرون آخرون أن معنى الآية: أنهم يضطربون
ويختلطون كموج البحر يوم القيامة، في أول أيامها. ورجح القرطبي القول بأنه
تركنا يأجوج ومأجوج وقت كمال السديموج بعضهم في بعض.
وإذا اقترب موعد القيامة نفخ في الصور، وهي النفخة الثانية، وجمعنا
الناس جمعاً بأن أحييناهم بعد تلاشي أبدانهم وصيرورتها تراباً، وأحضرناهم
إلى المحشر والحساب جميعاً، كما في الآيات الأخرى، منها: ﴿قُلْ إِنَ الْأَوَّلِينَ
٥٠) ﴾ [الواقعة: ٤٩/٥٦ - ٥٠] ومنها :
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَّعْلُومٍ
وَالْآَخِرِينَ الَ
﴿ وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧/١٨]. والصور كما جاء في
الحديث الثابت: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي: