النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
الُرُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
قومهم الذين كانوا في زمان (دقيانوس) يعبدون الأصنام: هلا يأتون بحجة بيِّنة
على صحة ما يفعلون من عبادة تلك الآلهة الباطلة المزعومة؟! وهلا أقاموا على
صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً؟!
وهذا يدل على أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة صحيحة
عقلاً ومنطقاً.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي لا أحد أشد ظلماً من افتراء
الكذب على الله، ونسبة الشريك إليه، فهم قوم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك.
وكان من لطف الله بهم أن ملكهم بعد أن هددهم وتوعدهم، أمهلهم
لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، فوجدوها
فرصة مواتية، وهربوا فراراً بدينهم من الفتنة.
قال ابن كثير: وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفرّ العبد
منهم خوفاً على دينه، كما جاء في حديث البخاري وأبي داود عن أبي سعيد
الخدري عن النبي وَّ ه قال: ((يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنماً يتبع بها
شَعَفَ الجبال، ومواقع القَطْر، يفرّ بدينه من الفتن)) ففي هذه الحال تشرع
العزلة عن الناس، ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات
والجُمَع.
العزلة بينهم وبين قومهم:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ واذكروا يا أهل الكهف ذلك
الخطاب الذي صدر من بعضكم لبعض حينما صممتم على الفرار بدينكم
فاعتزلتم قومكم وفارقتموهم عزلة مادية بالمفارقة بالأبدان والمقر والمقام،
وعزلة معنوية بمخالفتهم في دينكم واعتزالكم معبوديهم غير عبادة الله وحده.
وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ إما استثناء متصل أو منقطع كما ذكرنا، ويجوز أن
يكون كلاماً معترضاً، إخباراً من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله.
٢٤٢
الزرعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
وفارِقوا قومكم جسدياً، والجؤوا إلى الكهف (الغار الواسع في الجبل) بعد
فراقهم روحياً، وأخلصوا العبادة لله في مكان خال بعيد عن أهل الشرك، فإن
فعلتم ذلك يبسط الله عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ويسهل لكم من
أمركم مرفقاً، أي أمراً ترتفقون به وتنتفعون.
حالهم في الكهف وانحسار الشمس عنهم:
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ﴾ أي وترى يا محمد أو كل واحد يصلح
للخطاب الشمس حين طلوعها تميل عن كهفهم جهة اليمين، بأن تقلص
شعاعها بارتفاعها، حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان،
وتراها عند الغروب تبتعد عنهم وتتركهم لا تقربهم وتعدل عنهم جهة
الشمال، والحال أنهم في متسع من الكهف ووسطه، فيأتيهم الهواء بارداً
لطيفاً.
1
وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقاً، بل الإخبار بكون الكهف في
مكان لا تؤثر فيه الشمس أثناء طلوعها وغروبها، أي إنهم طوال نهارهم كله
لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح
معرَّض لإصابة الشمس، لولا أن الله يحجبها عنهم.
مكان الكهف:
ذكر المؤرخون أقوالاً في تعيين مكان الكهف، فقيل: هو واد قريب من أيلة
في العقبة جنوب فلسطين، وقيل: عند نينوى في الموصل شمال العراق، وقيل:
في جنوب تركيا من بلاد الروم سابقاً، وكلها أقوال يعوزها الدليل.
قدرة الله تعالى وعنايته ولطفه:
﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي إن بقاء هؤلاء الفتية في الكهف سنين عديدة،
وما صنعه الله بهم من تنحية الشمس عنهم عند الطلوع والغروب، بانعكاس
٢٤٣
لِلْزُرُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
أشعتها وتقليص وهجها عنهم، آية من آيات الله العجيبة الكثيرة الدالة على
كمال قدرته وسعة علمه، وعلى أنه تعالى يصون المخلصين من عباده، وأن
التوحيد دين الحق، وأن عبادة الأصنام والأوثان ضلال وشرك وزيغ، وأن
صون أهل الكهف بلطف من الله وعناية منه، لذا قال:
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِ﴾ أي من يوفقه الله تعالى للاهتداء بآياته
وحججه، ويدله دلالة مؤدية إلى الحق، ويوفقه إلى ما يحبه ويرضاه، كأهل
الكهف، فهو المهتدي إلى طريق الحق، الفائز بالحظ الأوفر في الدارين.
والمراد من ذلك إما الثناء على أصحاب الكهف والشهادة لهم بإصابة
المطلوب، أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن السعيد من وفقه
الله تعالى للتأمل بها والاستبصار بها والاهتداء بها(١).
والخلاصة: إن الله هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا قُرْشِدًا﴾ أي ومن يضلل الله بأن لم يوفقه
للاهتداء بآياته، لسوء اختياره واستعداده، وتوجيه رأيه إلى جادة الانحراف،
فلن تجد له أبداً حليفاً أو ناصراً معيناً يرشده ويهديه إلى الخير وطريق الصلاح
في الدنيا والآخرة، ولا هادي له، كأمثال الكفرة منكري البعث؛ لأن التوفيق
والخذلان بيد الله، يوفق من يشاء ويخذل من يشاء.
وتفويض الهداية والإضلال إلى الله تعالى يخفف من معاناة النبى
مع
صَلىالله
قومه، ويسرِّي عنه حزنه وألمه على إعراضهم عن قبول دعوته.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَنْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي وتظنهم إذا رأيتهم أيقاظاً لانفتاح
أعينهم وهم نيام، لئلا يسرع إليها البلى، كأنهم ينظرون إلى من يشاهدهم.
(١) تفسير الألوسي: ٢٢٣/١٥ - ٢٢٤
٢٤٤
لِلْجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
﴿ وَنُقَلُِّهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي ونقلبهم مرة في ناحية اليمين
ومرة في ناحية الشمال، حتى لا تؤثر الأرض في أجسادهم، ولكي تتعرض
جلودهم للهواء.
واختلفوا في مدى التقليب، فقيل: يقلّبون في العام مرتين، وقيل: مرة في
العام، ولا دليل لكل من القولين، ولا يرشد إليها العقل، ولم يشر إليها
القرآن، ولم يرد فيه خبر صحيح، فيبقى النص على إطلاقه. قال ابن عباس: لو
لم يقلّبوا لأكلتهم الأرض.
﴿وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ وكان كلبهم الذي تبعهم بإلهام الله
للحراسة باسطاً ذراعيه بفناء الكهف أو بباب الكهف يحرس عليهم الباب،
وهذا من سجيته وطبيعته، كأنه يحرسهم، وقد أصابه ما أصابهم من النوم على
تلك الحال، وهذه فائدة صحبة الأخيار.
؛
﴿لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي لو نظرت
عليهم لأدبرت عنهم فراراً وهرباً، ولملئت منهم رعباً وفزعاً؛ لأن الله تعالى
ألقى عليهم المهابة والوقار، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، إلى أن
انتهى أجل لبثهم راقدين، وتحققت فيهم الحكمة البالغة، والرحمة الواسعة،
وأقام الله فيهم الدليل المادي الحسي على قدرته على البعث والإعادة، وعلى أن
يوم القيامة آتٍ لا ريب فيه.
بعثتهم من نومهم صحاح الأبدان بعد ثلاث مئة سنة وتسع سنين:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ﴾ أي كما زدناهم هدى وأنمناهم،
وحفظنا أجسادهم من البلى والفناء، وأبقيناهم أحياء من غير أكل ولا شرب
مدة طويلة من الزمان، ونقلبهم، فكذلك بعثناهم، أي أحييناهم من تلك
النومة التي تشبه الموت، لنعرِّفهم مدى قدرتنا وعجيب فعلنا في الناس،
وليتبصروا في أمرهم وليتساءلوا بينهم، واللام هنا لام العاقبة أو الصيرورة:
٢٤٥
اِلُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
فقال قائل منهم: كم لبثتم، أي كم رقدتم في نومكم؟ لإحساسهم بطول
الرقاد. ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي أجاب بعضهم قائلاً: لبثنا في
تقديرنا يوماً كاملاً أو جزءاً من اليوم؛ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول
النهار، واستيقاظهم كان في آخر النهار، لذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾.
{قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾ أجاب بعض آخر: ربكم أعلم بأمركم،
وبمقدار لبثكم، وهذا استشعار منهم وتردد بكثرة نومهم، لما رأوا حالهم
متغيرة، أي فالله أعلم منكم، وأنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وهذا أدب الإيمان
اليقظ في الرد على جواب البعض الأول.
الوكالة في شراء الطعام:
ثم تذاكروا فيما بينهم وقرروا البحث في المهم من أمرهم وهو احتياجهم إلى
الطعام والشراب، فقالوا :
﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي فأرسلوا أحدكم
بدراهمكم أو فضتكم هذه التي استصحبوها معهم من منازلهم، لتغطية
حوائجهم، إلى المدينة وهي (طرسوس) أي مدينتكم التي خرجتم منها، كما
أكد الرازي(١).
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي فليبصر أي الأطعمة
أجود وأنفع وأطيب وأيسر سعراً، فليأتكم بمقدار مناسب منه.
﴿ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ أي وليكن لطيفاً رفيقاً في الطلب
وفي خروجه ودخوله المدينة، وفي شرائه، ولا يخبرن أو لا يعلمن أحداً من
أهل المدينة بمكانكم.
(١) تفسير الرازي: ١٠٣/٢١
٢٤٦
لزعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٩-٢٦
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾ أي إن
أصحاب دقيانوس الملك إن اطلعوا على مكانكم، يقتلوكم بالرجم بالحجارة،
أو يجبروكم ويكرهوكم على العودة إلى دينهم - دين الوثنية وعبادة الأصنام.
﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ أي وإن وافقتموهم على العود إلى ملتهم أو
دينهم، فلا فلاح لكم أبداً في الدنيا والآخرة.
اطلاع الناس عليهم:
﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي وكما أنمناهم ثم بعثناهم، أطلعنا الناس
عليهم وعلى أحوالهم، وهم أولئك الذين كان لديهم شك في قدرة الله على
إحياء الموتى، وفي البعث، وفي أمر القيامة، فبعث الله أهل الكهف حجة
ودلالة وآية على ذلك، وليدركوا ويعلموا أن وعد الله بالبعث حق وصدق
وثابت، وأن حدوث الساعة أي القيامة أمر لا شك فيه، فمن شاهد حال
أهل الكهف علم صحة الخبر وصدق وعد الله بالبعث؛ لأن حالهم في
نومتهم، وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث.
وسمى إعلام الناس بهم إعثاراً؛ لأن من غفل عن شيء ثم عثر به، نظر إليه
وعرفه، فكان الإعثار سبباً في العلم، والمعنى: أعثرنا عليهم حين يتنازعون
بینھم.
﴿إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان حين كان
بعضهم مع بعض في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، ومن مؤمن بها
وكافر، فجعل اطلاعهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم، وفرح الملك
وشعبه بآية الله على البعث، وزال أمر الخلاف في أمر القيامة.
آراء القوم في شأنهم بعد اطلاعهم عليهم:
﴿فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَنًا﴾ أي انقسم القوم في شأن أهل الكهف حين
٢٤٧
اِلُ (١٥) - الكَهْف: ١٨/ ٩-٢٦
توفاهم الله تعالى فريقين: فريق - قيل هم الكفار منهم قالوا : نسدُّ عليهم باب
كهفهم، ونتركهم على حالهم؛ فإنهم كانوا على ديننا، فنتخذ عليهم بنياناً، أي
على باب كهفهم، لئلا يدخل إليهم الناس، ضناً بتربتهم، ومحافظة عليها.
وقوله: ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ جملة معترضة، أي أعلم بشأنهم للرد على
المتنازعين في عقيدتهم وبيان أنسابهم وأسمائهم ومدة لبثهم.
وفريق آخر تغلبوا على الفريق الأول بالرأي وهم المسلمون وملكهم قالوا
- وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم -: لنتخذن على باب الكهف مسجداً يصلي
فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم.
عددهم :
﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةُ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي إن الناس بعدئذ اختلفوا في
عددهم، وهم من خاض في قصتهم في زمن رسول الله وَل و من أهل الكتاب
والمؤمنين، إنهم سألوا رسول الله وَله عنهم، فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه،
فنزلت الآية إخباراً ببيان عددهم وأن المصيب منهم من يقول: ﴿سَبْعَةٌ
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
بعضهم قال: هم ﴿ثَثَةُ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وآخرون قالوا: ﴿خَمْسَةٌ
سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وهم في هذا يقولون: ﴿رَحْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي قولاً بلا علم،
وإنما هو مجرد ظن وتخمين، لا دليل عليه، ولا يقين معه، بدليل اتباع القولين
الأولين بقوله: ﴿رَحْمَّا بِالْغَيْبِّ﴾.
وقال جماعة آخرون: إنهم ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، ولما حكى تعالى
هذا القول، وسكت عليه أو قرره، دلَّ على صحته، وأنه هو الواقع في الأمر.
نفسه.
قل يا محمد: ربي أعلم بعددهم، ما يعلمهم إلا قليل من الناس، وأكثر
٢٤٨
الجُزُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
أهل الكتاب الذين ذكروا أعدادهم على ظن وتخمين. وقوله: ﴿رَّبِّ أَعْلَمُ
بِعِذَتِهِم﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى؛ إذ
لا داعي إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم.
قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل، كانوا سبعة،
وكذا روى ابن جرير عن عطاء أنه كان يقول: عدتهم سبعة.
والمهم في الأمر ليس معرفة العدد، وإنما المهم الاعتبار بالقصة، والانتفاع
بما دلت عليه من إثبات قدرة الله تعالى على البعث والإعادة.
وتساءل صاحب الكشاف: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة
﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولَمَ دخلت عليها دون الجملتين الأوليين؟ ثم
أجاب: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، وفائدتها تأكيد
اتصال الصفة بالموصوف، والدلالة على اتصافه بها أمر ثابت مستقر، أي إن
الذين قالوا: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قالوه عن ثبات وعلم، ولم يرجموا
بالظن كما فعل غيرهم.
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِّءَ ظَاهِرًا﴾ أي فلا تجادل أهل الكتاب في شأن
أصحاب الكهف إلا جدلاً ظاهراً غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما
أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف في الرد
عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦]
وقال: ﴿ وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦/٢٩].
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم
سؤال متعنت؛ لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المدارة والمجاملة، ولا سؤال
مسترشد؛ لأن الله قد أرشدك، بأن أوحى إليك قصتهم.
وهذا يدل على عدم جواز الرجوع إلى أهل الكتاب في شيء من العلم.
٢٤٩
الُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
إرشاد للنبي {4* ولأمته بتعليق الخبر بمشيئة الله:
﴾ أي لا تقولن أيها الرسول
﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا
لأجل شيء عزمت على فعله في المستقبل: إني سأفعل ذلك غداً إلا بأن تقرنه
بمشيئة الله عز وجل، فتقول: إن شاء الله، كما ثبت في الصحيحين عن أبي
هريرة عن رسول الله وَلي أنه قال: ((قال سليمان بن داود عليهما السلام:
لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية مئة امرأة - تلد كل امرأة منهن
غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له - وفي رواية قال له الملَك -: قل: إن شاء
الله، فلم يقل، فطاف بهنَّ، فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان،
فقال رسول الله وَله: والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لم يحنث،
وكان دركاً لحاجته)). وفي رواية: ((ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)).
وقد عرفنا سبب نزول هذه الآية في قول النبي وَالر لما سئل عن قصة
أصحاب الكهف: ((غداً أجيبكم)) فتأخر الوحي خمسة عشر يوماً.
﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ أي واذكر مشيئة ربك، وقل: إن شاء الله إذا
فرط منك نسيان لذلك، والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء، ثم تنبهت،
فتداركها بالذكر، سواء طال الفصل أو قصر، عن ابن عباس رضي الله
عنهما: ولو بعد سنة ما لم تحنث. والاستثناء بالمشيئة عند عامة الفقهاء لا أثر له
في الأحكام ما لم يكن موصولاً. وأوضح ابن جرير معنى قول ابن عباس:
وهو أنه إذا نسي أن يقول في كلامه أو في حلفه: إن شاء الله، وتذکر ولو بعد
سنة، فالسُّنَّةُ له أن يقول ذلك، ليكون آتياً بسنة الاستثناء، حتى ولو كان بعد
الحنث. لا أن يكون رافعاً لحنث اليمين ومسقطاً للكفارة.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍِّ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي وقل يا محمد: عسى أن
يوفقني ربي لشيء آخر بدل المنسي أو أقرب خيراً ومنفعة، فإذا سئلت عن شيء
لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في
ذلك.
٢٥٠
لُ (١٥) - الكَهْفْت: ١٨ / ٩-٢٦
مدة لبثهم في الكهف:
أخبر الله تعالى رسوله ول عن مقدار لبث أهل الكهف في كهفهم، منذ
أرقدهم إلى أن بعثهم الله، فقال:
﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِْتَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا ﴾﴾ أي إنهم
أقاموا في الكهف مقدار ثلاث مئة سنة وتسع سنوات هلالية، وهي ثلاث مئة
سنة شمسية، فإن تفاوت ما بين كل مئة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين،
فلهذا قال بعد الثلاث مئة: ﴿وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾. وأكد ذلك الإخبار بقوله:
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ أي إذا سئلت عن مدة لبثهم، وليس عندك علم
في ذلك من الله تعالى، فقل في مثل هذا: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوْ لَهُمُ غَيْبُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، فلا
تتعجل بالأخبار ما لم يكن عندك دليل عليها، والحق ما أخبرك به، لا ما
يقولونه؛ إذ له غيب السماوات والأرض، وهو العالم بكل شيء، وأعلم من
الذين اختلفوا في مقدار مدة لبثهم.
وبما أن الله أخبر عن مدة لبثهم، فهو الحق الذي لا شك فيه. وفائدة تأخير
إيراد هذه الجملة الدلالة على أنهم تنازعوا في مدة اللبث، كما تنازعوا في
عددهم، وجاء هذا التذييل هنا كالتذييل المتقدم في حكاية عددهم: ﴿قُل ◌َِّ
أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾.
والخلاصة: إن الخبر اليقين في بيان عدد أهل الكهف ومدة لبثهم هو من
عند الله تعالى؛ لأنه أعلم بالأشياء وبالحقائق، وأما أقوال الناس فهي ظنون
لا دليل عليها، وتستند إلى الشائعات، ولله وحده علم ما غاب في شؤون
السماوات والأرض، وخفي من أحوال أهلها.
﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ هذا من صيغ التعجب والمبالغة، أي إن الله تعالى
٢٥١
لُ (١٥) - الكَهْفَ: ١٨/ ٩-٢٦
لبصير بهم، وذلك في معنى المبالغة في المدح والتعجب، كأنه قيل: ما أبصره
وأسمعه، أي ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه
من ذلك شيء. قال قتادة في هذه الصيغة: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع.
﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ﴾ أي ما للناس من دون الله متولِّ يلي
أمورهم، ولیس له وزیر ولا نصير.
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ- أَحَدًا﴾ أي إن الله تعالى له الخلق والأمر، لا معقِّب
لحكمه، ولا يشاركه في قضائه أحد من الناس، وليس له شريك ولا مشير.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من بيان قصة أصحاب الكهف ما يأتي:
اً - ليس حال هذه القصة هي الآية العجاب من آيات الله فقط، وإنما خلق
السماوات والأرض وما فيهما أشد عجباً وأعظم روعة، وأدل على قدرة الله
عز وجل، فلا يعظم ذلك أيها النبي بحسب ما عظمه عليك السائلون من
الكفرة.
اً- كان إيواء الفتية المؤمنين إلى الكهف من بناء أشراف مدينة (دقيانوس)
الملك كافراً فراراً بدينهم من فتنة الكافرين عبدة الأصنام. وهذا دليل صريح
في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان
والأموال، خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة. وقد خرج النبي ◌َّ فارّاً
بدينه، وكذلك أصحابه، كما نص الله تعالى في سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾. إنهم هجروا
أوطانهم، وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم،
رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين.
وهذه الحالة المستثناة لجواز العزلة عن الناس باتفاق العلماء مقصورة على
حال خشية الفتنة في الدين. وأما ما عدا ذلك فالمخالطة أفضل من العزلة،
٢٥٢
لُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
روى البغوي وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي وَلّ قال:
((المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا
يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم)) .
◌َّ- لما فرَّ أصحاب الكهف ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء، ولجؤوا إلى الله
تعالى قائلين: ﴿رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي آتنا
مغفرةً ورزقاً، وهيِّئ لنا توفيقاً للرشاد والسداد والصواب.
وقد اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف في مكانهم، أما الزمان الذي
كانوا فيه: فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام، وإن موسى ذكرهم في
التوراة، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم، وقيل: إنهم دخلوا الكهف
قبل المسيح ثم بعثوا بعد عيسى وقبل محمد، وقيل: إنهم دخلوا الكهف بعد
المسيح. وأما مكان هذا الكهف فلا يعرف على وجه اليقين، ويقال: إنه في
بلاد الروم أي في جنوب تركيا اليوم في طرسوس، وهو الظاهر.
٤- كان من تدبير الله تعالى لأهل الكهف للمكث فيه راقدين (٣٠٩)
سنوات إلقاء النوم عليهم ومنعهم من السماع؛ لأن النائم إذا سمع انتبه، ثم
بعثتهم من بعد نومهم، ثم اطلاع الناس على شأنهم.
وكان إيقاظهم من أجل اختبار الناس لمعرفة مقدار مدة لبثهم، وقوله:
﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الْخِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ معناه: لنعلم ذلك موجوداً، وإلا فقد كان الله تعالى
علم أي الفريقين أحصى الأمد. والفريقان أو الحزبان: الفتية الذين ظنوا لبثهم
قليلاً، وأهل المدينة الذين بُعث الفتية على عهدهم، حين كان عندهم التاريخ
لأمر الفتية.
٥- إن صفات هؤلاء الفتية أو الجماعة من الشبان: أنهم آمنوا بالله، وألهم
الله قلوبهم الصبر والثبات، وزاد الله في إيمانهم بالتيسير للعمل الصالح؛ من
الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا.
٢٥٣
اِلُعُ (١٥) - الكَهْفَ: ١٨/ ٩-٢٦
وكان من أثر شدة عزيمتهم وقوة صبرهم التي أعطاها الله لهم أنهم أعلنوا
أمام الكفار: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَا
إِذَا شَطَطًا﴾.
وكانوا يتذاكرون شأن إيمانهم، فقال بعضهم: هؤلاء أهل عصرنا وبلدنا،
عبدوا الأصنام تقليداً من غير حجة، فهلا يأتون بحجة على عبادتهم الصنم؟!
أَ- لقد قال الله لهم أو قالوا لبعضهم: إذ اعتزلتم قومكم، فأووا إلى
الکهف تغمرکم رحمة الله، ويهيئ الله لكم ما ترتفقون وتنتفعون به من شؤون
الحياة.
لاً- كان من رحمة الله بهم ولطفه بهم بعد الرقاد أن الشمس تتنحى عنهم
وتميل جهة اليمين وجهة الشمال، أي عن يمين الكهف وعن شماله، فلا
تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار، وكان الرائي يحسبهم أيقاظاً؛ لأن
أعينهم كانت مفتوحة وهم نائمون، وأن كلبهم باسط ذراعيه في باب الكهف
لحراستهم، وهو نائم مثلهم. ومن لطفه تعالى بهم أيضاً تقليبهم ناحية اليمين
وناحية الشمال لئلا تأكل الأرض لحومهم، وكان التقليب من فعل الله،
ويجوز أن يكون من مَلَك بأمر الله، فينسب إلى الله تعالى.
٨- يجوز اتخاذ الكلاب للحاجة والصيد والحراسة، ورد في صحيح مسلم
عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: ((من اقتنى كلباً إلا كلبَ صيد أو ماشية،
نقص من أجره كل يوم قيراطان)) .
وكلب الماشية المباح اتخاذه عند الإمام مالك: هو الذي يسرح معها، لا
الذي يحفظها في الدار من السرّاق. وكلب الزرع: هو الذي يحفظها من
الوحوش بالليل أو بالنهار، لا من الشرّاق. وقد أجاز غير مالك اتخاذ
الكلاب لسرّاق الماشية والزرع.
٢٥٤
الْجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
٤- ينتفع الإنسان بصحبة الأخيار ومخالطة الصلحاء والأولياء، بدليل
جعل كلب أهل الكهف مثلهم، إنه كلب أحب قوماً، فذكر الله معهم. روی
مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: بينا أنا ورسول الله وصله خارجان
من المسجد، فلقينا رجل عند سِدَّة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟
قال رسول الله وَله: ما أعددتَ لها؟ قال: فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا
رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله
ورسوله، قال: ((فأنت مع من أحببت)) .
وأكثر المفسرين: على أنه كلب حقيقة، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه، أو
غنمه، واسمه (قطمير) كلب أنمر، والصحيح أنه زُبيري.
٠ ١ - ألقى الله عليهم الهيبة أو المهابة والوقار، فلو شاهدهم إنسان أشرف
على الهرب منهم، وامتلأ قلبه خوفاً ورعباً منهم. قال ابن عطية: والصحيح في
أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها، لتكون لهم ولغيرهم
فيهم آية، فلم يُبْلَ لهم ثوب ولم تغير صفة، ولم يُنكر الناهض إلى المدينة إلا
معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهمّ.
١١- بعد الرقاد والتقليب أيقظهم الله من نومهم على ما كانوا عليه من
هيئاتهم في ثيابهم وأحوالهم، وليصيروا إلى التساؤل فيما بينهم عن مدة
نومهم، فقال بعضهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوٍْ﴾ وقال آخرون: ﴿رَبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمُ﴾.
١٢ - دلَّ قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ
فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ الآية على مشروعية الوكالة، وعلى حسن السياسة
والتلطف في دخول المدينة وخروجها وشراء الطعام من أهلها، حتى لا يعلم
أهل المدينة بهم، فيقتلوهم بالحجارة، وهو أخبث القتل.
والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام، وقد وكل النبي وَله بعض الصحابة
٠.
..
٢٥٥
اِلُ (١٥) - الكَهْف: ٩/١٨-٢٦
في تزويجه من بعض النسوة، ووكل عروة البارقي في شراء أضحية، ووكل علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه أخاه عقيلاً عند عثمان رضي الله عنهما.
والوكالة عقد نيابة أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه، وقيام المصلحة في
ذلك؛ إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره، أو بترقُّه،
فيستنيب من يُريحه. ودلَّ القرآن في غير هذه الآية على جواز الوكالة، مثل قوله
تعالى: ﴿ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠/٩] وقوله: ﴿أَذْهَبُواْ بِفَمِيصِى هَذَا﴾
[يوسف: ٩٣/١٢] .
والوكالة جائزة عند الجمهور لمن له عذر ومن لا عذر له، وقال أبو حنيفة
وسُخْنون: لا تجوز لمن لا عذر له. ودليل الجمهور حديث البخاري عن أبي
هريرة المتضمن توكيل النبي ◌َّ إعطاء بعض أنواع الإبل وفاء لدينه، وقال:
((إن خيرَكم أحسنكم قضاء)).
١٣ - تضمنت هذه الآية: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أيضاً جواز
الشركة؛ لأن الورق كان لجميعهم، كما تضمنت جواز الوكالة؛ لأنهم بعثوا
من وَّلوه بالشراء، وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معاً، وإن
كان بعضهم أكثر أكلاً من الآخر، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠/٢].
١٤ - أطلع الله تعالى الناس على أهل الكهف للعبرة والعظة والاسترشاد
وإقامة الحجة على قدرة الله على الحشر وبعث الأجساد من القبور، والحساب.
١٥- إن اتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها، والبناء عليها، غير
جائز في شرعنا، لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: ((لعن رسول
الله (َ﴾ زوّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والشُرُج)).
ويجوز الدفن في التابوت، لا سيما إذا كانت الأرض رخوة، وقد دفن
٢٥٦
لالُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٩-٢٦
دانيال ويوسف عليهما السلام في تابوت، وكان تابوت دانيال من حجر،
وتابوت يوسف من زجاج. لكن يكره في شرعنا.
تنبيه على أن هذا العدد هو
٦ ١ - قوله تعالى: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ حـ
الحق؛ لسكوت النص على التعقيب عليه، خلافاً لما قال تعالى في الجملتين
المتقدمتين: ﴿رَحْمًا بِالْغَيْبِّ﴾.
وقوله سبحانه: ﴿قُل رَّبِّ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم﴾ أمر دال على أن يردَّ النبي ◌َّ علم
عدَّتهم إلى الله عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل.
وقوله: ﴿فَلَ تُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءَ ظَاهِرًا﴾ دليل على أن الله تعالى لم يبين
لأحد عددهم، فلهذا قال: ﴿إِلَّا مِرَّءَ ظَاهِرًا﴾ أي ذاهباً، ودليل على أنه لم يبح
له في هذه الآية المراء والجدال إلا بالتي هي أحسن، كما جاء في آية أخرى.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ دليل على منع
المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم.
١٧ - السُّنة والأدب الشرعيان يقتضيان تعليق الأمور المستقبلية بمشيئة الله
تعالى؛ للآية ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّىِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾. والآية ليست في الأيمان، وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين، بأن
يقول: إن شاء الله.
ويؤمر الإنسان بالذكر بعد النسيان، أي بذكر مشيئة الله عند التذكر ولو
بعد حين، سنة أو أقل، أو أكثر.
١٨ - أخبر تعالى في قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ﴾ عن مدة لبث أهل
الكهف، وهي ثلاث مئة وتسع سنوات، كانوا في هذه المدة نياماً، لا أمواتاً.
وأمر الله تعالى برد العلم بمدتهم إلى الله عز وجل، كما أمر بذلك في معرفة
عددهم؛ لأن الله تعالى أعلم بكل شيء، وأعلم بغيب السماوات والأرض
٢٥٧
الُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
وما فيها من أحوال المخلوقات، ولا شريك له ولا مشير، ولا نصير ولا معين
ولا وزير.
والظاهر: إن أهل الكهف ماتوا موتاً حقيقياً، وإن كان لا مانع شرعاً من
بقاء أجسادهم محفوظة، لم يطرأ عليها البلى والفناء؛ لأن أجساد الأنبياء
والشهداء والعلماء الصالحين لا تفنى ولا تبلى.
١٩- العبرة من القصة: دلت هذه القصة على أن الله قادر على البعث
والقيامة؛ لأن إثبات البعث والقيامة يدور على أصول ثلاثة: أحدها - أنه
تعالى قادر على كل الممكنات، والثاني - أنه تعالى عالم بجميع المعلومات
الكليات والجزئيات، والثالث - أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض
الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات.
وهذه القصة تدل على أن الله تعالى عالم قادر على كل شيء، فثبت القول
بإمكان البعث والقيامة.
٢٥٨
الْجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٢٧-٣١
توجيهات للنّبي وعَظَلّ وللمؤمنين
وسام
تلاوة القرآن والصبر على مجالسة الفقراء
وإظهار كون الحق من عند الله
﴿وَأَتْلُ مَّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن
دُونِهِ، مُلْتَحَدًّاً ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ
قَلْبُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا
فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَِّمِينَ نَارَّا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاَ وَإِن
يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا (9َ
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
٣٠
أُوْلِكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُندُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَكِنَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكِّ نِعْمَ التَّوَابُ
٣١
وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
القراءات:
﴿ بِالْغَدَوَةِ﴾:
وقرأ ابن عامر (بالغُدْوة).
﴿ِتس﴾:
. وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (بيس).
الإعراب:
﴿اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾: ﴿اَلْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، و﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾ حال.
﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ صفة ثانية لماء أو حال من المهل.
٢٥٩
الُزُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٢٧-٣١
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ وصلته: اسم ﴿إِنَّ﴾، وخبرها إما
﴿أُوْلَبِّكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ وإما ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ أي لا
نضيع أجرهم، فأقيم المظهر مقام المضمر، وإما أن خبرها مقدر، أي إن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات يجازيهم الله بأعمالهم، بدليل ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ
أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
البلاغة:
﴿ بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ و﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ بينهما طباق.
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ و﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مقابلة
بین النار والجنة.
﴿بِمَآءٍ كَأَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ تشبيه مرسل مفصل لذكر أداة الشبه ووجه
التشبيه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَيِّكْ﴾ من القرآن، ولا تسمع لقولهم:
﴿أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَّهُ﴾ [يونس: ١٥/١٠] . ﴿لَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ،﴾
لا مغير لأحكامه، فلا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ ملجأ
تعدل إليه إذا هممت به. ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ احبسها وثبّتها مع الفقراء.
﴿ بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾ أي في طرفي النهار، وخصا بالبيان لغفلة الناس واشتغالهم
بدنياهم حينئذٍ. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يريدون بعبادتهم رضا الله وطاعته، لا شيئاً
من أعراض الدنيا. ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم،
والمراد لا تهمل شأنهم وتهتم بالأغنياء، وعبر بقوله تعالى: ﴿عَيْنَاكَ﴾ عن
صاحبهما . ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيا﴾ أي تقصد مجالسة الأغنياء وأصحاب
النفوذ والثروة . ﴿﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ جعلناه غافلاً وهو حينئذٍ
٢٦٠
الُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٢٧-٣١
عُيَيْنَة بن حصن وأصحابه مثل أُمية بن خلَف. ﴿عَن ذِكْرِنَا﴾ أي القرآن. ﴿ وَأَتَّبَعَ
هَوَنُهُ﴾ في الشرك. ﴿فُرْطًا﴾ أي تجاوزاً حد الاعتدال، وتقدماً على الحق، ونبذاً
له. وكانوا قد دعوا النبي وَله إلى طرد الفقراء عن مجلسه لصناديد قريش. وفيه
تنبيه إلى أن الداعي لهذا الاستدعاء غفلة القلب عن المعقولات، والانهماك في
المحسوسات حتى خفي عليهم أن الشرف بحلية النفس، لا بزينة الجسد.
﴿وَقُلِ﴾ خطاب للنبي ولأصحابه . ﴿الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الحق ومنه القرآن:
ما يكون من جهة الله تعالى، لا ما يقتضيه الهوى. ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلْيَكْفُرْ﴾ تهديد لهم ووعيد، قال البيضاوي: وهو لا يقتضي استقلال العبد
بفعله، فإنه وإن كان بمشيئته، فمشيئته ليست إلا بمشيئة الله تعالى. ﴿أَعْنَدْنَا﴾
أعددنا وهيأنا. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿سُرَادِقُهَا﴾ هو الفسطاط، وهو لفظ
فارسي مُعَرَّب، شبَّه به ما يحيط بهم من لهب النار. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ كعكر الزيت،
أو كالشيء المذاب من المعادن كالنحاس والرصاص. ﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ من
حره إذا قُدِّم أو قُرِّب منها للشرب. ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ الْمُهْل هو. ﴿وَسَآءَتْ
مُرْتَفَقًا﴾ أي وساءت النار متكأ، وهو لمقابلة قوله تعالى الآتي: ﴿وَحَسُنَتْ
مُرْتَفَقًا﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار. و﴿مُرْتَفَقًا﴾: تمييز منقول عن الفاعل،
أي قبح مرتفقها.
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ وفيها إقامة
الظاهر مقام المضمر، أي لا نضيع أجرهم، أي نثبتهم بما تضمنه. ويجوز أن
يكون الخبر ﴿أُوْلَِّكَ لَهُمْ جَنَتُ عَدْنٍ﴾ وما بينهما اعتراض. وهذا على الوجه
الأول استئناف لبيان الأجر، أو خبر ثانٍ. ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ إقامة واستقرار.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثانية للبيان، صفة
الأساور، وهي جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار، أي فهي جمع الجمع.
وتنكير لفظها لتعظيم حسنها عن الإحاطة به.