النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
◌ِلُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ١-٨
عوج عند الفحص والاختبار. وقيل: معناه: قيماً على سائر الكتب، مصدقاً
لها، شاهداً بصحتها، وقيل: قيماً بمصالح العباد، وما لا بد لهم منه من
الشرائع.
{لِيُنْذِرَ﴾ أي ليخوف الذين كفروا بالكتاب عذاباً شديداً، وعقوبة عاجلة
في الدنيا وهو النكال، وآجلة في الآخرة وهو نار جهنم، وقوله: ﴿مِّن لَُّنْهُ﴾
أي صادراً من عند الله تعالى.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بهذا القرآن، الذين دعموا إيمانهم بالعمل الصالح، أن
لهم مثوبة جميلة عند الله، وهي الجنة دار المتقين الأبرار، ودار الخلود أبداً
للمحسنين الأخيار، فالأجر الحسن: الجنة.
﴿مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) أي مستقرين في ثوابهم عند الله وهو الجنة إلى
الأبد، وخالدین فيه دائماً، لا زوال له ولا انقضاء.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ﴾ أي ويحذر الكفار الذين زعموا أن الله ولداً، وهم
مشركو العرب الذين قالوا: نحن نعبد الملائكة بنات الله، واليهود الذين
اتخذوا عزيراً ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله.
وإنما خصَّ هؤلاء مع دخولهم في الإنذار العام المتقدم للكافرين، للدلالة
على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى.
﴿َّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍّ وَلَا لِّبَابِهِمْ﴾ أي ما لهم ولا لآبائهم أي أسلافهم
علم ثابت بهذا القول الذي افتروه وهو اتخاذ الولد لله أو الوالد، وإنما هو
صادر عن جهل مفرط وتقليد للآباء، ومن تسويل الشيطان. وانتفاء العلم
بالشيء: إما للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يصلح
محلاً للعلم به.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي عظمت تلك الكلمة التي ينطقون
٢٢٢
إِلُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ١-٨
بها، ويخرجونها من أفواههم متجرئين على النطق بها، وهي كلمة الكفر،
فليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا
قال: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ أي ما يقولون إلا قولاً مجرد كذب وزور، ولا
حقيقة له أصلاً.
ثم سرّى الله تعالى عن رسوله عليه الصلاة والسلام وواساه في حزنه على
المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه بقوله:
﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ﴾ أي فلعلك قاتل نفسك ومهلكها لأن
لم يؤمنوا بهذا القرآن، أسفاً وحسرة عليهم، ولعل هنا للاستفهام الإنكاري
المتضمن معنى النهي، أي لا تهلك نفسك أسفاً لعدم إيمانهم، ولا تقتلها غضباً
وجزعاً وحزناً عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلَّ
فإنما يضلُّ عليها. والآثار جمع أثر أي على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وللآية نظائر كثيرة منها : ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨/٣٥]
:[الشعراء: ٣/٢٦] ومنها :
ومنها: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (ج))
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْقِ مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧/١٦] .
ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية زائلة، وأنها دار اختبار لا دار
قرار، فقال:
﴿إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لََّا﴾ أي إنا جعلنا ما على الأرض من
زخارف الدنيا من إنسان وحيوان ونبات ومعادن ومنازل ومباهج ومفاتن زينة
زائلة لها ولأهلها، لنعاملهم معاملة المختَبَرين، ليعرف المحسن عمله من
الفاسد، فنجازي المحسن بالثواب، والمسيء بالعقاب. وحسن العمل: الزهد
في الدنيا، وترك الاغترار بها، وجعلها وسيلةً وجسراً للآخرة. أخرج مسلم
عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَليل أنه قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة،
وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون)) .
٢٢٣
اِلُرُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ١-٨
ثم ذكر الله تعالى سبب التوجيه بالإعراض عن الكفار، فقال:
﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًّا (ج) أي وإنا لنصير الأرض وما
عليها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فقوله: ﴿صَعِيدًا جُزًا﴾ يعني كالأرض
البيضاء التي لا نبات فيها ولا ينتفع بها، بعد أن كانت خضراء معشبة. وذلك
لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا
مثل قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا فَاعًا صَفْصَفًا
﴾ [طه: ١٠٦/٢٠-١٠٧]. والصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا
نبات. والجُرُز في اللغة: اليابسة التي لا تنبت، أو الأرض التي لا نبات فيها.
والمقصود من الآية تسلية الرسول وصله والقول له: لا تحزن فإنا سنهلكهم
ونبیدهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أن أعظم نعمة من الله على عباده إنزال القرآن الكريم،
الدواء الناجع لمشكلات البشرية، والمنقذ من الظلمات إلى النور، والحق
العدل المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء.
ومهمته أيضاً إنذار الكافرين وتخويفهم بالعذاب الشديد في نار جهنم
والنكال في الدنيا، وخصوصاً المشركين الذين اتخذوا الله ولداً وهم كفار
العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله،
والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله. ولا دليل لهم ولا لأسلافهم على ما
يقولون، وتلك كلمة كبيرة الإثم، شديدة الشناعة، عظيمة الجرم.
وللقرآن مهمة أخرى هي تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات من
التصديق بما جاء به النبي ◌َّر، والتزام الأوامر واجتناب النواهي بالأجر
الحسن، وهو الجنة التي يخلد فيها أهلها، فهي دار الخلد التي لا يموتون فيها.
ولا يغترن أحد بالدنيا وما فيها من زينة وزخارف ومباهج، فتلك للاختبار
٢٢٤
الزُعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
والامتحان، ليعرف الصالحون الأبرار من المفسدين الفجار، ثم مآلها إلى الفناء
والزوال والدمار والخراب، والرجوع إلى الملك الإله الدَّيَّان، ليجزي كل
إنسان بعمله.
وإذا كان هذا هو المصير المحتوم، فلا تأس ولا تحزن أيها الرسول على ما
ترى وتسمع في الدنيا، ولا حاجة لإتعاب نفسك وإهلاكها وقتلها بسبب
توليهم وإعراضهم عنك، وعدم إيمانهم بالقرآن، وأسفاً أي حزناً وغضباً على
کفرهم.
قصة أصحاب الكهف
إِذْ
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالَرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا عَجَبًا
أَوَى الْفِتْبَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا
رَشَدًا ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ
لِنَعْلَ أَىُّ الْخِزْيَنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا ﴿٣ ◌َّحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ
١٣
فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى
١٤
رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَاً إِذَا شَطَطًا
هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، ءَالِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيْنٍّ فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا ﴿ وَإِذِ أَعْنَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأَوُاْ
إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرُ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُهَِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ
ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اُللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِ
وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِنَّا قُرْشِدًا ﴿ وَتَحْسَبُّهُمْ أَيْفَاظًا وَهُمْ زُقُودٌ
وَنُقِلِبُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِّ وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ الطَّلَعْتَ
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ
عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
٢٢٥
الْجُزْءُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمَّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ
رَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ
أَيُّ أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًا
إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا
١٩
أَبَدًا ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا
رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمِّ فَقَالُوْ آبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَنًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ
قَالَ الَّذِينَ غَوُاْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا
رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْبِّ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ فَلاَ تُمَارٍ فِهِمْ إِلَّا
مِّآءَ ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ وَقُلْ عَسَى أَنْ
يَهْدِيَنِ رَبِى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًّا ﴿ وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ
وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا (٥َ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ،
وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِّ وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ. أَحَدًا
٢٦٦
القراءات:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (فاووا).
﴿ مِرْفَقًا﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (مَرْفِقَاً).
﴿تَّزَوَرُ﴾ : قرئ:
١- (ت: وَرُّ) وهي قراءة ابن عامر.
٢٢٦
الجُزُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
٢- (تزاوَر) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (تزَّاور) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَتَحْسَبُهُمْ﴾: قرئ:
١- (وتحسَبهم) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (وتحسِبهم) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَلَمُلِئْتَ﴾: قرئ:
١- (وَمُلِّئْت) وهي قراءة نافع، وابن كثير.
٢- (وَلُليت) وهي قراءة السوسي، ووقفاً حمزة.
٣- (وَلُلِئْتَ) وهي قراءة الباقين.
رُعْبًا﴾ :
وقرأ ابن عامر، والكسائي (رُعُباً).
﴿ بِوَرِقِكُمْ﴾ :
وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وخلف (بَورْقِكُم).
﴿َِّّ أَعْلَمُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ أعلم).
﴿ثَلَثَ مِائَةٍ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلُف (ثلاثَ مئةٍ).
﴿ وَلَا يُثْرِكُ﴾ :
وقرأ ابن عامر (ولا تشرك).
٢٢٧
الْجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
الإعراب:
﴿مِنْ ءَايَئِنَا ◌َجَبًا﴾ (٩) ﴿مِنْ ءَايَتِنَا﴾ حال، و﴿َجَبًا﴾: خبر كان، وهو
وصف بالمصدر، أو على ذات عجب.
﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١١) ﴿سِنِينَ﴾: ظرف منصوب، و﴿عَدَدًا﴾:
وصف لسنين منصوب، على معنى: ذات عدد، أو منصوب على المصدر.
﴿ أَّ الْخِزْبَنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا﴾ (١٢): أي: مبتدأ مرفوع، ﴿أَحْصَى﴾:
فعل ماضٍ خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر سدت مسدّ مفعولي (نعلم)
و﴿ أَمَدًا﴾: ظرف زمان منصوب، وعامله: ﴿أَحْصَى﴾، وهو الأوجه،
وقيل: ﴿لَبِثُواْ﴾. و﴿لِمَا لَبِثُواْ﴾: حال من ﴿أَمَدًا﴾ أو مفعول لأجله.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا﴾ (١٤): ﴿شَطَطًا﴾: صفة مصدر محذوف، فهو
منصوب على المصدر، أي قولاً شططاً، أو منصوب بقلنا، مثل: قلنا شعراً.
﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم﴾ (١٥): أي هلا يأتون على دعواهم بأنها آلهة،
فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وهؤلاء: مبتدأ، و﴿قَوْمُنَا﴾:
عطف بيان، وجملة ﴿اَّخَذُواْ﴾: خبر.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ﴾ (١٦): ﴿وَإِذٍ﴾: تتعلق بفعل
مقدر، أي واذكر إذ اعتزلتموهم. و﴿ما﴾: إما مصدرية (أي وإذ اعتزلتموهم
وعبادتهم إلا عبادة الله، فحذف المضاف) وإما اسماً موصولاً (أي وإذ
اعتزلتموهم والذي يعبدونه) وإما نافية (أي وإذ اعتزلتموهم غير عابدين إلا
الله، فتكون الواو واو الحال) و﴿ما﴾: في الوجهين الأولين: في موضع نصب
بالعطف على الهاء والميم في ﴿آعْتَزَ لْتُمُوهُمْ﴾ وفي الوجه الثالث: في موضع نصب
على الحال. وقوله: ﴿إِلَّ اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون استثاء متصلاً: لأنهم كانوا
كأهل مكة يقرون بالخالق ويشركون معه، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.
٢٢٨
الجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ (١٧): ﴿الشَّمْسَ﴾:
مفعول ﴿ترى﴾، و﴿إِذَا طَلَعَت﴾ و﴿ وَإِذَا غَرَبَت﴾: ظرفان يتعلقان بترى،
و﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: يتعلق بترى. و﴿تَّزَوَرُ﴾: جملة فعلية حال من
﴿ الشَّمْسَ﴾. و﴿وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: يتعلق بتقرضهم. ﴿وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهٌ﴾ :
جملة اسمية حال.
﴿بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِّ لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ
رُعْبًا﴾ (١٨): ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾: منصوب بباسط، وإنما أعمل اسم الفاعل، وإن
كان للماضي؛ لأنه أراد به حكاية الحال، مثل الإشارة للحاضر في قوله
تعالى: ﴿هَذَا مِن شِيَعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥/٢٨] ولم يكن المشار
إليهما حاضرين حين قص القصة على النبي ◌ََّ، وإنما حكى تلك الحال.
و﴿فِرَارًا﴾ و﴿رُعْبًا﴾: منصوبان على المصدر.
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ (١٩): ﴿كَمْ﴾: هنا ظرفية في موضع نصب
ب﴿ لَبِثْتُمْ﴾، أي كم يوماً لبثتم، ويوماً المحذوف: تمييز، ودليل التقدير: كم
يوماً: أنه قال في الجواب: ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ (١٩) ﴿أَيُّهَ﴾: مبتدأ، و﴿أَزْكَى﴾: خبر
المبتدأ، و﴿طَعَامًا﴾: تمييز، والجملة مفعول ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾.
﴿إِذْ يَتَنَزَعُونَ﴾ (٢١): ﴿إِذ﴾ ظرف زمان في موضع نصب: وعامله
{لِيَعْلَمُواْ﴾.
سَيَقُولُونَ ثَثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢٢): ﴿ثَلَاثَةُ﴾: خبر مبتدأ أي هم
ثلاثة. و﴿رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: جملة اسمية صفة ﴿ثَلَاثَةُ﴾. وكذلك التقدير في
وقوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْيُهُمْ﴾. وإنما
قوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ
جاء بالواو في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم يجئ به على الصفة
كالعدد قبله؛ لأن السبعة: أصل المبالغة في العدد، كما كانت السبعين كذلك
٢٢٩
الجُرُ (١٥) - الكَهْف: ١٨/ ٩-٢٦
[التوبة: ٩ /٨٠]
في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَّمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
ولو جاء بالواو في ﴿ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لكان جائزاً و﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِّ﴾
مفعول لأجله.
﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ (٢٤): في موضع نصب (بفاعل) بتقدیر حذف حرف
الجر، أي: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا بأن يشاء الله، وأن
وصلتها في تأويل المصدر، وتقديره: لمشيئة الله، إلا أنه حذف حرف الجر من
فاتصل الفعل به.
﴿ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (٢٥): بالتنوين تكون ﴿سِنِينَ﴾ منصوباً على
البدل من ﴿ثَثَ﴾ أو عُطف بيان على ﴿ثَلَثَ﴾ أو تكون بدلاً مجروراً
﴿مِائَةٍ﴾ لأن المئة في معنى ﴿سِنِينَ﴾. ومن لم ينون: أضاف ﴿مِائَةٍ﴾ إلى
[سِنِينَ﴾ تنبيهاً على الأصل الذي كان يجب استعماله. و﴿تِسْعًا﴾: مفعول
به، مثل: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥/١٢] وليس بظرف، أي وازدادوا
لبث تسع سنين، فحذف المضاف.
﴿ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ (٢٦): أي ما أسمعه وأبصره، وتقديره: أسمع به،
إلا أنه حذف اكتفاء بالأول عنه. وموضع ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ الرفع لإرادة
التعجب.
البلاغة:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ﴾ استئناف مبني على سؤال من قبل المخاطب، وفيه
التفات من التكلم إلى الغيبة.
﴿َهْدِ﴾ و﴿يُضْلِلْ﴾، ﴿أَنْقَاظًا﴾ و﴿رُقُودٌ﴾ ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ و﴿ذَاتَ
اُلِشِّمَالِ﴾ بین کلِّ طباق.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَىَ ءَاذَانِهِمْ﴾ .. ﴿ثُمَّ بَعَتْنَهُمْ﴾ بينهما طباق معنوي؛ لأن معنى
الأول: أنمناهم والثاني أيقظناهم.
٢٣٠
لُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ صيغة تعجب.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ استعارة تبعية، شبهت الإنامة الثقيلة بضرب
الحجاب على الآذان، كما تضرب الخيمة على السكان.
﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استعارة تبعية أيضاً؛ لأن الربط هو الشد، والمراد
شددنا على قلوبهم كما تشد الأوعية بالأوكية.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ظننت، و﴿أَمْ﴾: للانتقال من كلام إلى آخر، بمعنى: بل
وهمزة الاستفهام، أي بل أحسبت، والخطاب في الظاهر للنبي ◌ّ، والمراد به
كل مخاطب ﴿اُلْكَهْفِ﴾ الغار أو النقب المتسع في الجبل ﴿ وَالَرَّفِيِ﴾ لوح
حجري كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقيل: اسم الجبل أو الوادي الذي فيه
كهفهم ﴿كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا﴾ كانوا في قصتهم من جملة آياتنا محل تعجب،
أي كانوا عجباً دون باقي الآيات، أو أعجبها.
﴿أَوَى﴾ اتخذه مأوى ﴿اَلْفِتْيَةُ﴾ جمع فتى، وهو الشاب الكامل، وهم فتية
من الأشراف أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف، خائفين
على إيمانهم من قومهم الكفار ﴿مِن لَُّنكَ﴾ من قبلك ﴿رَحْمَةً﴾ توجب لنا المغفرة
والرزق والأمن من العدو ﴿وَهَيِّئْ﴾ يسر، وأصل التهيئة: إحداث هيئة الشيء
﴿رَشَدًا﴾ هداية إلى الطريق الموصل للمطلوب، والمعنى: هيِّئ لنا من الأمر
الذي نحن عليه من مفارقة الكفار طريقاً نصير به راشدين مهتدين، أو اجعل
أمرنا كله رشداً. ﴿قَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ أنمناهم نوماً ثقيلاً بحيث
لا يسمعون، وأصله: ضربنا على آذانهم حجاباً يمنع السماع ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾
معدودة.
A
٢٣١
اِلُرُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ﴾ أيقظناهم ﴿لِنَعَلَمَ﴾ علم مشاهدة ﴿أَىُّ الْخِزْبَنِ﴾ الفريقين
المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم وهما الحزب القائل: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ
بَعْضَ يَوْمٍ﴾، والحزب القائل: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾. ﴿أَحْصَى﴾ فعل
ماض، أو أفعل بمعنى أضبط ﴿لِمَا لَبِثُواْ﴾ للبثهم ﴿أَمَدًا﴾ غاية ومدة لها حد
﴿أَّحْنُ نَقُصُ﴾ نخبرك ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿فِتْيَةٌ﴾ شبان جمع فتى ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ﴾ قويناهم على قول الحق، والصبر على هجر الوطن والأهل والمال
﴿إِذْ قَامُواْ﴾ بين يدي ملكهم: دقيانوس الجبار، وقد أمرهم بالسجود
للأصنام ﴿مِن دُونِهِ﴾ من غيره ﴿شَطَطًا﴾ أي قولاً ذا شطط، أي إفراط في
الكفر إن دعونا إلهاً غير الله على سبيل الفرض لقول الشطط: هو الخارج
عن المعقول المفرط في الظلم ﴿هَنَؤُلَاءِ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ﴾ إخبار في معنى
الإنكار ﴿لَّوْلًا﴾ هلا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِم﴾ على عبادتهم ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنِّ﴾ بحجة
ظاهرة أو ببرهان ظاهر، فإن الدين لا يؤخذ إلا به، وفيه دليل على أن ما لا
دليل عليه من الديانات مردود، وإن التقليد فيه غير جائز ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا
أحد أظلم ﴿مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشريك إليه تعالى.
﴿وَإِذِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خاطب بعض الفتية بعضهم الآخر بذلك ﴿وَمَا
يَعْبُدُونَ﴾ عطف على الضمير المنصوب في الفعل المتقدم، أي ولأجل أنكم
اعتزلتم القوم ومعبودهم إلا الله، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام
كسائر المشركين ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ يبسط الرزق لكم، ويوسع عليكم من
رحمته في الدارين ﴿وَيُّهَبِئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا﴾ ما ترتفقون به أي تنتفعون،
من غداء وعشاء. وقد جزموا بذلك لقوة ثقتهم بفضل الله تعالى.
﴿تَزَوَرُ﴾ بتخفيف الزاي والتشديد أي تميل عنه، ولا يقع شعاعها عليهم،
فيؤذيهم؛ لأن الكهف كان جنوبياً، أو لأن الله تعالى زورها عنه ﴿ذَاتَ
اَلْيَمِينِ﴾ جهة اليمين ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم وتتجاوز عنهم، فلا تصيبهم ألبته
﴿فَجْوَةِ﴾ متسع من الكهف أي في وسطه، ينالهم برد الريح ونسيمها ﴿ذَلِكَ﴾
٢٣٢
الجزءُ (١٥) - الگھف»: ١٨ / ٩-٢٦
المذكور وهو شأنهم أو تحول الشمس عنهم ﴿مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ دلائل قدرته
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ أي من يهد
الله بالتوفيق، فهو المهتدي الذي أصاب الفلاح، والمراد به إما الثناء عليهم،
أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله تعالى
للتأمل فيها والاستبصار بها ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ ومن يخذله، فلن تجد له من يليه
ويرشده.
وبعبارة أخرى: من اهتدى بآيات الله واختار الإيمان بالدليل، فقد هداه
الله ووفقه لاختياره، ومن لم يأخذ بأسباب الهدى فقد ضل وانحرف، ولن تجد
له من یرشده ویہدیه.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ لو رأيتهم ﴿أَيْفَاظًا﴾ أي منتبهين؛ لأن أعينهم منفتحة
ج
﴿رُقُوٌ﴾ نيام، جمع راقد ﴿وَتُقَلِيُهُمْ ذَاتَ اُلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ لئلا تأكل
الأرض لحومهم ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ﴾ يديه واسم كلبهم: قطمير
﴿بِالْوَصِيدِ﴾ بفناء الكهف، وقيل: بباب الكهف، وكان يتقلب في النوم
واليقظة مثلهم ﴿لَوِ ◌ٌطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فنظرت إليهم ﴿مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ منعهم الله
بالرعب من دخول أحد عليهم. والرعب: الخوف الذي يملأ الصدر. عن
معاوية رضي الله عنه: أنه غزا الروم، فمرَّ بالكهف، فقال: لو كشف لنا عن
هؤلاء، فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك، وقد
منع الله تعالى من هو خير منك، فقال: ﴿لَوِ أُطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
فِرَارًا﴾ فلم يسمع، وبعث ناساً، فلما دخلوا، جاءت ريح، فأحرقتهم.
﴿ وَكَذَلِكَ﴾ كما فعلنا بهم ما ذكرنا ﴿بَعَتْنَهُمْ﴾ أيقظناهم ﴿لِيَتَسَاءَ لُواْ
بَيْنَهُمْ﴾ عن حالهم ومدة لبئهم ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنهم دخلو
عند طلوع الشمس، وبعثوا عند غروبها، فظنوا أنه غروب يوم الدخول،
فقولهم مبني على غالب ظنهم؛ لأن النائم لا يحصي مدة لبثه، لذا أحالوا العلم
٢٣٣
الجزءُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
إلى الله تعالى، فقالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَمِثْتُمْ﴾ ويجوز أن يكون ذلك قول
بعضهم، وهذا إنكار الآخرين عليهم. ولما علموا أن الأمر ملتبس مجهول
عليهم اتجهوا إلى ما يهمهم وقالوا: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ بفضتكم،
الورق: الفضة، مضروبة كانت أو غيرها ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ هي طرسوس أو
أفسوس ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ فلينظر أيّ أطعمة المدينة أحل وأطيب،
وأكثر وأرخص ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن أو في
التخفي حتى لا يعرف ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ولا يفعلن ما يؤدي إلى
الشعور.
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ إن يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم، والضمير
لأهل المدينة ﴿يَرْجُمُوَكُمْ﴾ يقتلوكم بالرجم ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾
يصيروكم إليها كرهاً، من العود بمعنى الصيرورة ﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ إن
عدتم في ملتهم.
{ وَكَذَلِكَ﴾ كما بعثناهم ﴿أَعْثَرَنَا﴾ أطلعنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قومهم والمؤمنين
( لِيَعْلَمُواْ﴾ أي قومهم ﴿أَنَ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ﴾ ثابت؛ لأن نومهم
وانتباههم كحال من يموت، ثم يبعث، والقادر على إنامتهم المدة الطويلة،
وإيقائهم على حالهم بلا غذاء، قادر على إحياء الموتى ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ﴾
لا شك فيها ﴿إِذْ﴾ معمول لأعثرنا أي أعثرنا عليهم حين يتنازعون
(يَتَزَعُونَ﴾ أي المؤمنون والكفار، والتنازع: التخاصم ﴿أَمْرَهُمّ﴾ أمر
الفتية، في البناء حولهم ﴿فَقَالُواْ﴾ أي الكفار ﴿أَبْنُواْ عَلَيْهِم﴾ أي حولهم
﴿بُنْيَئًا﴾ يسترهم. ﴿رَّتُهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ جملة معترضة إما من الله ردّ على
المتنازعين في زمانهم، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول وَل9، أو من
المتنازعين للرد إلى الله، بعدما تذكروا أمرهم.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ هم رؤساء البلد أهل الرأي وهم المؤمنون
٢٣٤
لُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
حين أماتهم الله ثانياً بالموت ﴿لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِمْ﴾ حولهم ﴿مَسْجِدًا﴾ معبداً
يصلى فيه، وكانوا نصارى على المشهور، وفعل ذلك على باب الكهف.
(سَيَقُولُونَ﴾ أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي وَّ، أي يقول
بعضهم: ﴿ثَلَاثَةُ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي هم ثلاثة ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يقول بعضهم
﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ والقولان لنصارى نجران ﴿رَحْمًا بِالْغَيْبِّ﴾ أي ظناً
ورمياً بالخبر الخفي الذي لا اطلاع لهم عليه، والرجم: القول بالظن،
والغيب: ما غاب عن الإنسان، والمراد هنا: القول بالظن والتخمين ﴿مَّا
يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال ابن عباس: أنا من القليل، وذكرهم سبعة.
﴿فَلَا تُمَارِ﴾ تجادل ﴿إِلَّا مِرَآءَ﴾ المراء: المحاجة فيما فيه مِرْية وشك وتردد
﴿ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ لا تطلب الفتيا من أحد من أهل الكتاب:
اليهود، أو لا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال مسترشد، فإن فيما أوحي
إليك لمندوحة عن غيره، مع أنه لا علم لهم بها، بل ولا سؤال متعنت، تريد
افتضاح وتزييف ما عنده، فإنه مخلّ بمكارم الأخلاق.
﴿ وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (﴿6﴾ لا تقل لأجل شيء:
سأفعله غداً أو فيما يستقبل من الزمان ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي إلا متلبساً
بمشيئة الله تعالى بأن تقول: إن شاء الله. وهذا نهي تأديب من الله تعالى لنبيه،
حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين،
فسألوه، فقال: ائتوني غداً أخبركم، ولم يقل: إن شاء الله، فأبطأ عليه الوحي
بضعة عشر يوماً، حتى شقَّ عليه، وكذبته قريش، فنزلت الآية.
﴿ وَأَذْكُرُ زَبَّكَ﴾ أي مشيئته، معلقاً الأمر بها ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ التعليق بها،
ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول، ما دام في المجلس، كما قال
الحسن وغيره، وعن ابن عباس: ولو بعد سنة ما لم يحنث ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا﴾
من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوتي ﴿رَشَدًا﴾ هداية، وقد تم المراد،
٢٣٥
الزُعُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٩-٢٦
وهداه الله لأعظم من ذلك، كقصص الأنبياء الغابرين، والإخبار عن
المغيبات في المستقبل إلى قيام الساعة.
﴿ ثَثَ مِاْتَةٍ سِنِينَ﴾ هي عند أهل الكتاب شمسية، وتزيد القمرية عليها
عند العرب تسع سنين، فقال: ﴿وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾ أي تسع سنين، فالثلاث مئة
الشمسية: ثلاث مئة وتسع قمرية ﴿أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ ممن اختلفوا فيه ﴿لَهُ
غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي علمه ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ بالله، وهي صيغة تعجب
﴿ وَأَسْمِعْ﴾ كذلك، بمعنى: ما أبصره وما أسمعه، وهما على جهة المجاز،
والمراد: أنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء ﴿مَا لَهُم﴾ لأهل السماوات
والأرض ﴿وَلٍِ﴾ ناصر ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ، أَحَدًا﴾ ولا يشرك في قضائه
أحداً منهم، ولا يجعل له فيه مدخلاً؛ لأنه غني عن الشريك.
سبب النزول:
سبق ذكر سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ
عَنِ الزُّوجَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى﴾ [الإسراء: ٨٥/١٧]. وذكر محمد بن إسحاق
سبب نزول هذه القصة مفصلاً موضحاً، فقال: كان النضر بن الحارث من
شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله وَ له، وينصب له العداوة، وكان قد
قدم الحيرة، وتعلَّم أحاديث رستم واسفنديار، وكان رسول الله وَل﴿ إذا جلس
مجلساً ذكر فيه الله، وحدَّث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان
النضر يخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً
منه، فهلموا، فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس.
ثم إن قريشاً بعثوه، وبعثوا معه عتبة بن أبي مُعَيْط إلى أحبار اليهود بالمدينة،
وقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب
الأول، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما
إلى المدينة، فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد، فقال أحبار اليهود:
٢٣٦
لُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإن
حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان
نبؤه، وسلوه عن الروح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي، وإلا فهو متقوِّل،
فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد،
وأخبروا بما قاله اليهود، فجاؤوا رسول الله وَله وسألوه، فقال رسول الله
وَ الر: أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن - لم يقل: إن شاء الله-
فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله وَل ير - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة،
حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة،
فشقَّ عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف، وفيها
معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرجل
الطوَّاف(١).
نزول الآية (٢٤): ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ﴾
أخرج ابن جرير عن الضحاك، وابن مردويه عن ابن عباس قال: حلَف
النبيِ نَّل على يمين، فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ﴾
الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه جعل الزينة على ظهر الأرض، وفي ذلك من
العجائب والإبداع ما يفوق القصص وغرائبها، وأبان أن قصة أهل الكهف
ليست بالعجب وحدها من بين آياتنا، وأنها أقل عجباً من تزيين الأرض
بالنبات، والحيوان والبشر، والشجر والأنهار وغير ذلك.
(١) تفسير الرازي: ٨٣/٢١، تفسير الألوسي: ٢١٦/١٥
٢٣٧
الُعُ (١٥) - الكَهْفَ: ١٨/ ٩-٢٦
التفسير والبيان:
إجمال القصة:
هذا هو الخبر اليقين عن قصة أصحاب الكهف الذين أبقوا أحياء ثلاث
مئة وتسع سنوات في حال سبات (نوم) وهي من العجائب التي أشارت إليها
الكتب السالفة.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ تعجب القوم من قصة أصحاب
- الكهف، وسألوا عنها الرسول وَله على سبيل الامتحان، فقال تعالى: أم
حسبت أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط، فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها
عجب، فليست قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة أعجب من
حال الدنيا، فإن زينة الأرض وعجائبها أعظم وأبدع من هذه القصة، فإن من
قدر على تزيين الأرض ثم جعلها تراباً، وعلى خلق السماوات والأرض، قادر
على كل شيء، ومن قدرته أن يحفظ طائفة من الناس دون طعام وشراب زماناً
معلوماً.
وبعبارة أخرى موجزة: لا تحسب أن قصة أصحاب الكهف والرقيم وهو
اسم كلبهم أو واديهم أو كتاب بنيانهم كانوا آيةً عجباً من آياتنا، لا تظن ذلك
فآياتنا كلها عجيبة وغريبة. والرقيم في الظاهر من الآية كما رجح ابن جرير
وابن كثير: الكتاب.
﴿إِذْ أَوَى اُلْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ اذكر أيها الرسول حين لجأ أولئك الفتية
الذين فروا بدينهم من قومهم، لئلا يفتنوهم عنه، إلى غار في جبل ليختفوا عن
قومهم عبدة الأصنام، فقالوا حين دخلوا سائلين الله تعالى الرحمة واللطف
بهم: ﴿رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَُّنَكَ رَحْمَةً﴾ أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها،
وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي اجعل عاقبتنا رشداً، بأن
توفر المصلحة لنا، وتجعلنا راشدين غير ضالين، مهتدين غير حائرين، أو
اجعل أمرنا رشداً كله.
٢٣٨
الجُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٩-٢٦
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (٣)﴾ أي ألقينا النوم
الثقيل عليهم حين دخلوا إلى الكهف، فلم يعودوا يسمعون أي صوت،
وناموا سنين كثيرة معدودة.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَمِّ الْحِبَنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا ﴿1﴾ أي ثم بعثناهم من
رقدتهم تلك، وأيقظناهم من نومتهم ليظهر للناس معلومه سبحانه، أي
الطائفتين المتنازعتين فيهم أحصى مدة لبثهم وغاية بقائهم نياماً، فيظهر لهم
عجزهم، ويعرفوا ما صنع الله بهم، فيتيقنوا من كمال قدرة الله على البعث
وغيره.
تفصيل القصة:
﴿َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ أي نحن نخبرك خبرهم على وجه الصدق،
وهذا يعني أن الأخبار المتداولة عنهم بين العرب لم تكن صحيحة.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ﴾ أي إنهم شباب صدقوا بتوحيد ربهم،
وشهدوا أن لا إله إلا هو، وزدناهم توفيقاً للهداية بالإصرار على العقيدة
والإقبال على الله وإيثار العمل الصالح.
وفي هذا إيماء إلى أن الشباب أقبل للحق وأهدى للسبل من الشيوخ الذين
عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا - كما ذكر ابن كثير - كان أكثر
المستجيبين الله تعالى ولرسوله ول#ر شباباً، وأما المشايخ من قريش فبقوا على
دينهم، ولم يؤمن منهم إلا القليل. أخرج الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس
قال: ما بعث الله نبياً إلا وهو شاب، وقرأ: ﴿قَالُوْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ
﴾ [الأنبياء: ٦٠/٢١] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ [الكهف: ١٨/
لَهُ: إِبْرَهِيمُ
٦٠] ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾.
واستدل بهذه الآية: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ على زيادة الإيمان وتفاضله بين
٢٣٩
الُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٩-٢٦
الناس، وأنه يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال تعالى:
﴾ [محمد: ١٧/٤٧] وقال
١٧
﴿ وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَهُمْ تَّقْوَنَّهُمْ
سبحانه: ﴿فَمَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤/٩]
وقال عز وجل: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَانًا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤/٤٨].
زمنهم أو عصرهم:
ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، ورجح ابن كثير أنهم كانوا
قبل النصرانية، بدليل أن أحبار اليهود كانوا يحفظون أخبارهم، ويُعنون بها،
كما تقدم في سبب النزول، وبدليل ما أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي
حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من
الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك
المدينة، فجمعهم الله تعالى على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين
تريدون؟ أين تذهبون؟ فجعل بعضهم يخفي عن بعض؛ لأنه لا يدري هذا
علام خرج هذا، ولا يدري هذا علام خرج هذا، فأخذوا العهود والمواثيق
أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء، وإلا كتم بعضهم بعضاً،
فاجتمعوا على كلمة واحدة، فقالوا: ﴿رَبُنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله:
مِرْفَقًا﴾.
ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف، فضرب الله تعالى على آذانهم، فناموا
وفُقدوا في أهلهم، فجعلوا يطلبونهم، فلم يظفروا بهم، فرفع أمرهم إلى
الملك، فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين
ذهبوا في غير جناية ولا شيء يعرف، فدعا بلوح من رصاص، فكتب فيه
أسماءهم، ثم طرح في خزانته، ثم كان من شأن قصتهم ما قصه الله سبحانه
وتعالى(١).
(١) تفسير الألوسي: ٢١٧/١٥
٢٤٠
الُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٩-٢٦
إصرارهم على توحيد الله:
﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا﴾ أي صبرناهم على مخالفة قومهم،
وثبتناهم على عقيدتهم، وألهمناهم قوة العزيمة، حتى تركوا ما كان عليه قومهم
من العيش الرغيد والسعادة، وقالوا حين مثلوا أمام ملكهم الجبار الذي يدعى
(دقيانوس) والذي كان يحث الناس على عبادة الأصنام والطواغيت،
ويدعوهم إليها ويأمرهم بها: ربنا هو رب السماوات والأرض، لن ندعو إلهاً
من دونه مطلقاً؛ إذ لا رب سواه، ولا معبود غيره، وأن الذي يصنعه قومهم
من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات
والأرض.
وقد أعلنوا في الجملة الأولى: ﴿رَبُنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ توحيد
الألوهية، وذلك يُقرُّ به عبدة الأصنام، وفي الجملة الثانية: ﴿لَن نَّدْعُوَأْ مِن
دُونِهِ: إِلَهًا﴾ توحيد الربوبية، وذلك ما ينفيه عبدة الأصنام، بدليل ما حكى
القرآن: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٣١/
٢٥] وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣/٣٩] أي عبادة
الأصنام.
وقوله: ﴿لَن﴾ لنفي التأبيد، أي لا يقع منا هذا أبداً؛ لأنا لو فعلنا ذلك
لكان باطلاً، لهذا عللوا اعتقادهم بقولهم:
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا﴾ أي إذا دعونا غير الله، لقد قلنا باطلاً وكذباً وبهتاناً.
والشطط في اللغة: مجاوزة الحد، والبعد عن الحق. والمعنى: لقد قلنا إذن قولاً
شططاً. وهذا يدل على أنهم دُعوا لعبادة الأصنام، ولامهم الملك على ترك
عبادتها.
تنديدهم بعبادة قومهم الأصنام:
﴿هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً﴾ أي قال أصحاب الكهف عن