النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الجُزءُ (١٥) - الأشْرَاءِ: ١٧ / ٥٦-٦٠
اَ - لا يملك أحد غير الله عزّ وجلّ كشف الضّر من فقر أو مرض أو بلاء أو
غيره، أو تحويله وتبديله من مكان إلى مكان أو من شخص إلى آخر. وقد تحدّى
الله المشركين في مكة بآية ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ﴾ بأن يَدْعوا ما يعبدون من دون الله،
ويزعمون أنهم آلهة لكشف ما أحدق بهم من قحط سبع سنين.
أَ- لافائدة ولا جدوى من الاستعانة بغير الله من الآلهة المزعومة، فإن
تلك المخلوقات كالملائكة وعيسى وعزير يطلبون من الله الزلفة والقربة،
ويتضرّعون إلى الله تعالى في طلب الجنة. والوسيلة هي القربة.
وهذا إخبار من الله تعالى بأن المعبودين يبتغون القربة إلى ربِّهم، فهم
بأنفسهم بحاجة إلى ربِّهم، فكيف يؤمل منهم الخير ودفع الضّرّ والشّرّ لأتباعهم
وعابدیهم؟!
٣ - مامن قرية ظالمة إلا وسيهلكها وأهلها الله أو يعلِّبها عذاباً شديداً قبل
مجيء يوم القيامة، فليتّق الله المشركون، فإنه مامن قرية كافرة إلا سيحلّ بها
العذاب، قال ابن مسعود: إذا ظهر الزِّنى والرِّبا في قرية أذن الله في هلاكهم.
ولا يكون الإهلاك إلا بظلم من الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى
اُلْقُرَىّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩/٢٨].
٤- لا مانع يمنع الله سبحانه من الإرسال بالآيات التي اقترحها مشركو مكة
إلا أن يكذّبوا بها، فيهلكوا كما فُعل بمن كان قبلهم، لذا أخّر الله تعالى
العذاب عن كفار قريش، لعلمه أن فيهم من يؤمن، وفيهم من يولد مؤمناً.
٥- كان إيتاء ثمود الناقة آية دالّة مضيئة نيِّرة على صدق صالح عليه السّلام،
وعلى قدرة الله تعالى. ولما ظلموا أنفسهم بتكذيبها، أو جحدوا بها، وكفروا
بأنها من عند الله تعالى، استأصلهم الله بالعذاب.
٩- لا يكون الإرسال بآيات الانتقام إلا تخويفاً من المعاصي والكفر.

١٢٢
الجزءُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٦١-٦٥
لاً- بشَر الله نبيَّه عليه الصّلاة والسّلام بأنه أحاط بالناس، أي أهل مكة،
وإحاطته بهم: إهلاكه إياهم، أو أحاطت قدرته بجميع الناس، فهم في قبضته
لا يقدرون على الخروج من مشيئته.
٨- إن آية الإسراء وشجرة الزّقُّوم اختبار للناس وامتحان لهم، ليَكفر من
سبق عليه الكفر، ويصدّق من سبق له الإيمان.
والثابت والأصح أن حادث الإسراء رؤيا عين أُريها النَّي وَ لَ﴾ ليلة أُسري
به إلى بيت المقدس.
والشجرة الملعونة هي شجرة الزّقُوم، وهي في أبعد مكان من الرّحمة.
والله تعالى يخوف المشركين وغيرهم بالزّقوم، فما يزيدهم التّخويف إلا
الكفر.
قصة آدم مع إبليس - أمر الملائكة بالسجود
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ
خَلَقْتَ طِينًاً ﴿ قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ
﴿ قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ
اٌلْفِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّنَهُ: إِلَّا قَلِيلًا
جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا (٨٣) وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ
عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اٌلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ
الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وكيلًا
القراءات:
﴿ أَرَءَيْنَكَ﴾ :

١٢٣
الجُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ /٦١-٦٥
وقرأ الكسائي (أَرَيْتَك).
﴿وَرَجِلِكَ﴾
قرأ حفص (وَرَجِلِكَ) ..
وقرأ الباقون (وَرَجْلِكَ).
الإعراب:
﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: ﴿طِينًا﴾: إما تمييز منصوب، أو حال من هاء
﴿خَلَقْتَ﴾ المحذوفة، وإما منصوب بحذف حرف الجرّ (منصوب بنزع
الخافض)، وتقديره: خلقت من طين، فلما حذف حرف الجرّ، اتّصل الفعل
به، فنصبه.
﴿لَبِنْ﴾ اللام: لام القسم. ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا﴾ الكاف لتأكيد الخطاب، لا محل
له من الإعراب، وهذا مفعول به أول، و﴿ الَّذِى﴾ صفته. والمفعول الثاني
محذوف، لدلالة صلته عليه، أي أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري
بالسّجود له، لَمَ كرمته علي.
﴿جَزَآءُ مَّوْفُورًا﴾ منصوب على المصدر بإضمار فعله، أو حال موطئة لقوله
تعالى: ﴿مَّوْفُورًا﴾.
البلاغة:
﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ استعارة تمثيلية، شبَّه حال الشيطان في
تسلُّطه على الغاوين بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء، للغلبة
علیھم.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ واذكر حين قلنا. ﴿أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾ سجود تحيّة بالانحناء
:

١٢٤
لُزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ /٦١-٦٥
ءَأَسْجُدُ﴾ استفهام إنكار وتعجّب. ﴿أَرَءَيْنَكَ﴾ أخبرني. ﴿كَرَّمْتَ﴾ فضَّلت.
﴿عَّ﴾ بالأمر بالسّجود له، وأنا خير منه، خلقتني من نار. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّنَهُ﴾ لأستأصلّهم بالإغواء إلا قليلاً، لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، كأنه
أصبح يملكهم. والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾
منهم، ممن عصمته.
﴿قَالَ﴾ تعالى له. ﴿أَذْهَبْ﴾ امضِ لشأنك، منظراً إلى وقت النّفخة الأولى،
فقد خلّيتك وما سولت لك نفسك. ﴿جَزَآءَ قَّوْفُورًا﴾ وافراً كاملاً. ﴿ وَأَسْتَفْزِّزْ﴾
واستخف وأزعج . ﴿بِصَوْتِكَ﴾ بدعائك إلى معصية الله أو الفساد. ﴿ وَأَجْلِبُ
عَلَيْهِم﴾ وصِحْ عليهم، من الْجَبَة: وهي الصياح. ﴿ِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ وهم
الفرسان الركاب، والمشاة في المعاصي. ﴿وَشَارِكُهُمْ فِ الْأَمْوَلِ﴾ المحرمة كالرِّبا
والغصب.﴿وَالْأَوْلَدِ﴾ من الزِّنى. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ بأن لابعث ولا جزاء، وغير
ذلك من المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة، والاتِّكال على كرامة الآباء، وتأخير
التوبة لطول الأمل .﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ بذلك. ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلاً.
وهو اعتراض لبيان مواعيده، والغرور: تزيين الخطأ أو الباطل بما يوهم أنه
صواب أو حقّ.
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾ المؤمنين المخلصين. (سُلْطَانٌ﴾ تسلُّط وقوة على إغوائهم.
﴿وَكِيلًا﴾ حافظاً لهم منك، ورقيباً، فهم يتوكَّلون على الله في الاستعاذة
منك على الحقيقة.
المناسبة:
مناسبة هذه الآية لما قبلها من وجهين:
أحدهما: عقد مشابهة بين محنة النَّبِي وَلَّ ومحنة آدم عليه السّلام من إبليس،
فلما نازع المشركون النَّبِي وَ له في النّبوة، وكذَّبوه حين أخبرهم عن الإسراء
وشجرة الزَّقُوم، واقترحوا عليه الآيات، كبراً منهم وحسداً له على النّبوة،

١٢٥
الزرُ (١٥) - الإسراء: ١٧ /٦١-٦٥
ناسب ذكر قصة آدم عليه السّلام وإبليس، حيث حمله الكبر والحسد على
الامتناع من السجود، فالحسد داء قديم.
والثاني: أنه لما قال تعالى: ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَنًا كَبِيرًا﴾ بيَّن ماسبب
هذا الطغيان، وهو قول إبليس: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ، إِلَّا قَلِيلًا﴾.
هذا .. وقد ذكرت قصة آدم في سبع سور: البقرة، الأعراف، الحجر،
الإسراء، الكهف، طه، ص.
التفسير والبيان:
واذكر أيّها الرسول للنّاس عداوة إبليس لآدم وذريته، وأنها عداوة قديمة
منذ خُلِقِ آدم، والدليل أنه تعالى أمر الملائكة بالسّجود لآدم سجود تحيّة ومحبّة
وتكريم، لاسجود عبادة وخضوع، فسجدوا كلّهم إلا إبليس استكبر وأبى أن
يسجد له، افتخاراً عليه واحتقاراً له، قائلاً: أأسجد له وهو طين، وأنا
مخلوق من النار، كما أخبر تعالى عنه: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِن ثَّارٍ وَخَلَقْنَهُ
﴾ [ص: ٧٦/٣٨].
٧٦
مِن طِينٍ
وقال هنا جرأةً وكفراً: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾ أي أخبرني
عن هذا الذي فضَّلته: لمَ كرَّمته علي، وأنا خير منه؟ فإنه نسب الجور إلى ربِّه في
زعمه أنه أفضل من آدم بسبب عنصر الخلق، فإن عنصر النار أسمى وأرفع،
وعنصر الطين أدنى وأقرب للخمول، والحقيقة أن العناصر كلها من جنس
واحد، أوجدها الله، بل إن الطين أنفع من النار، فبالأول البناء والعمران،
وبالثاني الخراب والهدم والدّمار.
﴿لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي قسماً لئن
أبقيتني إلى يوم القيامة لأستأصلنّ ذريته بالإغواء، ولأستولينّ عليهم
بالإضلال جميعاً، أو لأُضلنّ ذريته إلا قليلاً منهم، وهم العباد المخلصون

١٢٦
لُرُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٦١-٦٥
الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر:
٤٢/١٥]، أي إن عبادي الصالحين لا تقدر أن تغويهم.
فأجابه الله إلى طلبه حين سأل التأخير وأخَّره:
﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي امض لشأنك الذي اخترته لنفسك
خذلاناً وتخليةً، فمن أطاعك واتَّبعك منهم، فإن جهنم مقرّكم ومأواكم
وجزاؤكم جميعاً تجازون فيها جزاءً وافراً أو موفراً أي محفوظاً كاملاً لا ينقص
لكم منه شيء، ونظير الآية: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
٣٨)
[الحجر: ٣٧/١٥-٣٨].
{وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ أي استخف واستنفر بدعوتك إلى
معصية الله، بكلّ ماأوتيت من قوة وإغراء ووسوسة، وصوته: دعاؤه إلى
معصية الله تعالى.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي واجمع عليهم جندك فرساناً ومشاةً،
وهذا تمثيل، والمراد به: تسلّط عليهم بكلّ ما تقدر عليه، واجمع لهم كلّ
مكايدك، ولا تدّخر وسعاً في إغوائهم، مستخدماً كلّ الأتباع والأعوان.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اٌلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ أي بتحريضهم على كسب الأموال
وإنفاقها في معاصي الله تعالى من ربا وسرقة وغصب وغش وخديعة، وعلى
إنجاب الأولاد بالزِّنى أو التّخلّص منهم بالقتل أو الوأد أو إدخالهم في غير
الدِّين الذي ارتضاه الله تعالى، وغير ذلك من تسميات غير شرعية، وتجاوز
حدود الشّرع في الزّواج والطّلاق والرّضاع والنّسب والنّفقة وغيرها.
﴿ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي عدهم المواعيد الكاذبة
الباطلة من شفاعة الآلهة المزعومة، والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، أو
بالتّسويف في التوبة ومغفرة الذّنوب بدونها، والاتِّكال على الرّحمة، وشفاعة

١٢٧
الجُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ /٦١-٦٥
الرّسول في الكبائر، وإيثار العاجل على الآجل، وألا جنّة ولا نار، ونحو
ذلك، مما سيظهر بطلانه حينما يقول إبليس يوم القضاء بالحقّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ اٌلْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢/١٤].
وقوله تعالى هنا :
﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي لا يعدهم الشيطان إلا كذباً وباطلاً
وإظهاراً للباطل في صورة الحقّ، فمواعيده كلها خُدعة وتزيين كاذب، وهذه
الأوامر للشيطان واردة على سبيل التهديد والخذلان والتّخلية، كما يقال
للعصاة: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١].
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي إن عبادي المخلصين الصالحين
ج
لا تقدر أن تغويهم، فهم محفوظون محروسون من الشيطان الرجيم.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي كفى بالله حافظاً ومؤيِّداً ونصيراً للمؤمنين
الصالحين المتوكلِّين عليه، الذين يستعينون به على التّخلّص من وساوس
الشيطان.
وهذا دليل على أن المعصوم من عصمه الله، وأن الإنسان بحاجة إلى عون
الله جلّ جلاله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على مايلي :
اً - إن تمادي المشركين وعتوهم على ربهم يذكِّر بقصة إبليس حين عصى ربَّه
وأبى السّجود، وقال: إن آدم من طين، وهو من نار، وجوهر النار خير من جوهر
الطين، مع أن الجواهر متماثلة، وقال مخاطباً ربَّه: أخبرني عن هذا الذي فضَّلته
عليّ، لَم فضَّلته؟ وقال أيضاً متحدِّياً: لأستأصلنّ ذرية آدم بالإغواء والإضلال،

١٢٨
الجُزُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٦١-٦٥
ولأجتاحتَّهم ولأُضلنَّهم إلا القليل المعصومين منهم الذين ذكرهم الله في
قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢/١٥].
وإنما قال إبليس ذلك ظنّاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ
ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠/٣٤]، أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم،
أو بنى كلامه على قول الملائكة: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ
اُلْدِمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠/٢].
والظاهر أن المأمور بالسجود لآدم هم جميع الملائكة في الأرض والسماء،
وسجد الملائكة لآدم من أول ماكملت حياته.
أَ- كان جواب الحقّ تبارك وتعالى في غاية الإهانة والتّحقير، فقال له:
﴿ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ﴾ الآية، أي اجهد جهدك فقد أنظرناك، فمن أطاعك من
ذرية آدم، فجزاؤكم جميعاً جهنم.
واستزلّ واستخفّ بدعوتك إلى معصية الله تعالى، واجمع عليهم كل ماتقدر
عليه من مكايدك، واجعل لنفسك شركة في الأموال بإنفاقها في معصية، وفي
الأولاد بجعلهم أولاد الزِّنى، وعدهم الأماني الكاذبة، وأنه لاقيامة ولا
حساب.
ولكن عبادي المؤمنين الصالحين لا سلطان ولا تسلُّط لك عليهم. وكفى بالله
عاصماً من القبول من دعاوى إبليس، وحافظاً من كيده وسوء مكره.
◌َّ- قال القرطبي: دلّت آية ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾ على
تحريم المزامير والغناء واللهو؛ لأن صوته: كلُّ داع يدعو إلى معصية الله تعالى،
وكلّ ماكان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التّنزه عنه.
وروی نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمَّارة، فوضع أصبعيه في أذنيه،
وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يانافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فمضى

١٢٩
الجُزْءُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٦٦ -٧٠
حتى قلت له: لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول
الله وَّرُ سمع صوت زمّارة راعٍ، فصنع مثل هذا(١).
بعض نِعَم الله تعالى على الإنسان
﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِّ إِنَّهُ كَانَ
بِكُمْ رَحِيمًا ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّاهُ فَمَّا نَجَنَّكُمْ
إِلَى الْبَرِّ أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (٣) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ
يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ
تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ فَاصِفًا مِّنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَغَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َدَمَ وَثَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم
عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا
٦٩
٧٠
مِنَ الطَّيِبَتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
القراءات:
﴿يَخِْفَ﴾، ﴿يُرْسِلَ﴾، ﴿يُعِيدَكُمْ﴾، ﴿فَيْسِلَ﴾، ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾
:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (نخسف، نرسل، نعيدكم، فنرسل،
فنُغرقگم).
الإعراب:
﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ﴾ ﴿بِكُمْ﴾ حال أو صلة ليخسف. ﴿إِلَّ إِيَّهُ﴾ الظاهر أنه
استثناء منقطع؛ لأنه لم يندرج في قوله: ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ إِذ المعنى: ضلت آلهتهم
أي معبوداتهم، وهم لا يعبدون الله.
(١) تفسير القرطبي: ٢٩٠/١٠

١٣٠
لُجُزْءُ (١٥) - الإِسْرَاةِ: ١٧ / ٦٦ -٧٠
البلاغة:
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ تذييل كالتعليل لما سبق من تسيير السفن بقصد
التجارة وطلب الرزق.
﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ كالتعليل للإعراض عن الإيمان والتوحيد.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنجوتم
فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض.
المفردات اللغوية:
﴿يُزْجِى﴾ يجري ويسيّر، والأصل فيه أنه يسوق حيناً بعد حين. ﴿اَلْفُلْكَ﴾
السفن. ﴿لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهٍِ﴾ تطلبوا من فضله تعالى بالتجارة و﴿فَضْلِهِ﴾﴾:
هو رزقه. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ في تسخيرها لكم، وتهيئة ما تحتاجون
إليه، وتسهيل ما تعسر من الأسباب. ﴿الضُّرُّ﴾ الشدة أو خوف الغرق بتقاذف
الأمواج.﴿ضَلَّ﴾ غاب عنكم وعن ذاكرتكم. ﴿مَن تَدْعُونَ﴾ تعبدون من
الآلهة، فلا تدعونه ﴿إِلَّ إِيَّاهُ﴾ تعالى، فإنكم تدعونه وحده؛ لأنكم في شدة
لا يكشفها إلا هو. ﴿فَمَّا نَجَنَّكُمْ﴾ من الغرق. ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمان والتوحيد
كَفُورًا﴾ جحوداً للنعم، والمراد بالإنسان الكفار.
﴿ أَفَأَمِنْتُمْ﴾ أي أنجوتم فأمنتم، فأعرضتم، فإن من قدر أن يهلككم في
البحر بالغرق، قادر أن يهلككم في البر بالخسف وغيره. ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ
الْبَرِّ﴾ أي يقلبه الله وأنتم عليه، أو يقلبه بسببكم، كما فعل بقارون،
والخسف: انهيار الأرض. وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم لما وصلوا الساحل،
كفروا وأعرضوا، وأن الجوانب والجهات في قدرته سواء، لامعقل يؤمن فيه
من أسباب الهلاك.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي يرميكم بالحصباء والحجارة كقوم لوط،

١٣١
المُرُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٦٦ -٧٠
والمراد: الريح الشديدة الخاصبة، وهي التي ترمي بالحصى الصغيرة.
﴿وَكِيلًا﴾ حافظاً منه. ﴿أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ في البحر. ﴿نَارَةً أُخْرَى﴾ مرة
ثانية . ﴿قَاصِفًا مِّنَ الرِّيجِ﴾ أي ريحاً شديدة لاتمر بشيء إلا قصفته فهي تكسر
الشجر وغيره.
والخلاصة: إن الحاصب: الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء،
والقاصف: الريح التي تقصف الشجر وغيره وتكسره أو هي الريح الشديدة
الصوت. ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ بكفركم. ﴿يَبِيعًا﴾ ناصراً ومعيناً وتابعاً يطالبنا بما
فعلنا بكم.
كَرَّمْنَا﴾ فضلنا. ﴿بَنِيّ ءَدَمَ﴾ بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال
القامة، والتمييز بالعقل والعلم، والإفهام بالنطق والإشارة، والاهتداء إلى
أسباب المعاش والمعاد، والتسلط على مافي الأرض، والتمكن من
الصناعات، والطهارة بعد الموت، أي إن التكريم بالخلق في أحسن تقويم،
وبالعقل أداة العلم والمعرفة والتقدم والتمدن . ﴿وَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ﴾ أركبناهم في
الماضي والحاضر على الدواب، وفي الحاضر على السيارات والطائرات
ونحوها. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ على السفن. ﴿الَطَيَِّتِ﴾ المستلذات. ﴿ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾ كالبهائم والوحوش، ومن: بمعنى ما، أو بمعناها
الأصلي وتشمل الملائكة، والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم منه تفضيل أفراده،
إذ الملائكة أفضل من البشر غير الأنبياء. والمراد: فضلناهم بالغلبة
والاستيلاء، أو بالشرف والكرامة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى وصف المشركين في اعتقادهم آلهتهم، وأنها تضر
وتنفع، وأتبع ذلك بقصة إبليس مع آدم، وتمكينه من وسوسة ذريته، ذكر
ما يدل من أفعاله على وحدانيته، وأنه هو النافع الضارّ، المتصرف في خلقه بما

١٣٢
لُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٦٦-٧٠
يشاء، وتلك المخلوقات هي نعم إلهية على الإنسان، سواء في البر والبحر،
ودلائل القدرة الإلهية، فهو تعالى الذي يزجي الفلك في البحر، وينجي من
الغرق، ومن تمام نعمته: تكريم الناس ورزقهم وتفضيلهم على جميع الخلق،
مما يستوجب الإفراد بالعبادة.
التفسير والبيان:
ربكم اللطيف بعباده هو الذي يوفر مصالح خلقه ويسهل لهم سبل الحياة،
فيجري ويسيّر لكم السفن في البحر بمختلف القوى كالريح أو الطاقة البخارية
أو الكهربائية أو الذرية، لنقل الأشخاص للسياحة أو للارتزاق بين بلاد
الدنيا، ونقل البضائع والسلع التجارية من إقليم إلى إقليم، وطلب الرزق من
فضل الله، إنه كان بكم رحيماً، أي إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته
بکم.
ومن رحمته تعالى وفضله ما أخبر به: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِي الْبَحْرِ﴾ أي وإذا
أصابكم أيها الناس ضر أو شدة وجهد في البحر، ذهب عن تصوراتكم
وخواطرکم کل من تدعونه في حوادثکم وتعبدونه من دون الله من صنم أو
ملك أو بشر إلا إياه سبحانه، فلا تتذكرون إلا الله، ولا تلجؤون لسواه
لكشف الضر عنكم.
وذلك كما حدث لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارّاً من رسول الله وَله
حين فتح مكة، وركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتها ريح عاصف، فقال
القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة
في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم
لك عليّ عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن یدي في ید محمد، فلأجدنه
رؤوفاً رحيماً، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله وَسير، فأسلم وحسن
إسلامه رضي الله عنه وأرضاه.

١٣٣
الُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٦٦-٧٠
﴿فَمَّا نَجَّتِكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَغْرَضْتُمْ﴾ أي فلما أمنتم وأنقذكم، وأوصلكم إلى
شاطئ البر والسلامة، واستجاب دعاءكم، أعرضتم، أي نسيتم ماعرفتم من
توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه، وعُدْتم إلى الإشراك به.
وعلة ذلك ما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ أي وكانت سجية الإنسان
وطبعه أن ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله تعالى.
ثم ناقشهم تعالى محذراً من جحود النعمة فقال:
﴿أَفَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ أي أفحسبتم بخروجكم إلى البر أنكم
أمنتم من انتقام الله وعذابه، بأن يخسف بكم جانب البر الذي تقطنون فيه
بتغييبه في باطن الأرض، أو أن يرسل عليكم حاصباً، وهو المطر الذي فيه
حجارة من السماء أو الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء وهي الحصى
الصغار، كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي لا تجدون بعدئذ
ناصراً تَكِلون إليه أموركم، وينقذكم منه، ومن يتوكل بصرف ذلك عنكم؟!
وجانب البر: ناحية الأرض.
والحاصب أخبر تعالى عنه في آيات، مثل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ
[القمر: ٣٤/٥٤] ومثل ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن
(٣٤
سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤/١٥].
لُوطٍ ◌ََّيْتَهُم بِسَخَرٍ
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ أي أم أمنتم أيها المعرضون عنا، بعدما اعترفتم
في البحر بتوحيدنا، وخرجتم إلى البر، أن يعيدكم في البحر مرة ثانية، فيرسل
عليكم وأنتم راكبون في السفن ريحاً قاصفاً تقصف السواري، وتغرق
المراكب، فالقاصف: ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها، ولها قصيف
أي صوت شديد، كأنها تتقصف أي تتكسر.
ا
﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي يغرقكم بسبب كفركم وإعراضكم عن الله
تعالی.

١٣٤
لُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٦٦-٧٠
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا﴾ أي نفعل مانفعل بكم، ثم لا تجدوا
أحداً يطالبنا بما فعلنا، انتصاراً منا، ودَرْكاً للثأر من جهتنا، أي لاتجدوا
أحداً يأخذ بثأركم بعدكم. وقوله ﴿رَبِعًا﴾ أي نصيراً يأخذ بالثأر، أو يطالب
[الشمس: ١٥/٩١]. وفي
١٥
بالحق. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
قوله وعيد شديد وتهديد بسوء العاقبة.
ومن تمام نعمة الله وفضله ورحمته تكريم الإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ
ءَدَمَ﴾ أي ولقد كرمنا بني آدم، أي جعلنا لهم كرماً أي شرفاً وفضلاً(١)،
بخلقهم على أحسن صورة وهيئة، ومنحناهم السمع والبصر والفؤاد للفقه
والفهم، وجملناهم وميزناهم بالعقل الذي يدركون به حقائق الأشياء،
ويهتدون به إلى الصناعات والزراعات والتجارات، ومعرفة اللغات،
ويفكرون في اكتشاف خيرات الأرض، والإفادة من الطاقات، وتسخير ما في
العالم العلوي والسفلي، وما في الكون من وسائل النقل وأسباب الحياة
والمعيشة، والتمييز بين الأشياء وخواصها ومضارها في الأمور الدينية
والدنيوية.
وحملناهم في البر على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي الوقت
الحاضر على القطارات والطائرات وغيرها، وفي البحر أيضاً على السفن
الكبيرة والصغيرة، وهو حمل لا يصح لغير بني آدم بإرادته وقصده وتدبيره.
ورزقناهم من الطيبات، أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع
الطعوم والألوان المشتهاة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة.
والخلاصة: إن الطيبات هي لذيذ المطاعم والمشارب، وتشمل تبعاً سائر
أنواع الزينة المستطابة.
(١) وهذا كرم نفي النقصان، لا كرم المال.

١٣٥
لُعُ (١٥) - الإشِرَاةِ: ١٧ / ٦٦ -٧٠
وفضلناهم على كثير ممن خلقنا وهو ما سوى الملائكة، أو فضلناهم على
أصناف المخلوقات وسائر أنواع الحيوانات بالغلبة والاستيلاء والحفظ والتمييز
والثواب والجزاء.
وعلى التفسير الثاني استدل بهذه الآية الكريمة كما ذكر ابن كثير على أفضلية
جنس البشر على جنس الملائكة، روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو، وعبد
الرزاق عن زيد بن أسلم موقوفاً، وابن عساكر عن أنس بن مالك مرفوعاً عن
النبي ◌ُّ قال: ((إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون
فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبّح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو،
فكما جعلت لهم الدنيا، فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من
خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فيكون)). وقد عرفنا أن الحق تفضيل الملائكة
على البشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً - لله تعالى على الإنسان أفضال ونِعَم كثيرة غير الرزق والحياة، منها
تسخير السفن في البحار، لركوب الركاب وتيسير وسائل المواصلات ونقل
التجارات، مما يقتضي شكر تلك النعم، وعدم الإشراك به شيئاً آخر.
أَ - من نعمه تعالى ورحمته إنقاذ الإنسان من مخاطر البحر وأهواله أثناء
هياجه واضطرابه، فلا يجد المضطر ملجأ غير الله يلجأ إليه لكشف الضر عنه.
وكل واحد يعلم بالفطرة علماً يقينياً أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد
العظام.
لكن الإنسان ظلوم كفار للنعم إلا من عصمه الله، والمراد بالإنسان في
قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ هو الجنس الشامل للمؤمن والكافر.

١٣٦
لُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٦٦-٧٠
والله قادر على إهلاك الناس في البر، وإن سلموا من البحر، ولن يجدوا من
دون الله حافظاً ونصيراً يمنع من بأس الله، والله تعالى إما أن يهلك الناس
بالزلزال (خسف جانب من الأرض) أو بإرسال ريح شديدة وهي التي ترمي
بالحصباء.
وإذا تم الإنجاء من الغرق، فربما يعود الإنسان إلى ركوب البحر، فيتم
الإغراق بقاصف من الريح: وهو الريح الشديدة التي تَكْسر بشدة، بسبب
الكفر والضلال، دون أن يجد الناس من يثأر لهم أو يوجد نصير يطلب لهم
بثأر أو غيره.
٣- ومن نعم الله تعالى الجليلة على الإنسان: الأشياء الأربعة التي بها فضل
الإنسان على غيره: وهي تكريم بني آدم بخلقهم في أحسن تقويم وبالعقل
والتفكير، والحمل في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وغيرها من
الوسائل الحديثة، وفي البحر على السفن، والرزق من الطيبات، والتفضيل
على كثير من المخلوقات، لا على الكل.
والفرق بين التكريم والتفضيل: أن الأول يكون بالأمور الخَلْقية الطبيعية
الذاتية مثل العقل والنطق والتخطيط والصورة الحسنة والقامة المديدة، والثاني
يكون بتمكينه بالعقل والفهم من اكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة(١)
وهل الإنسان أفضل أو الملائكة؟
يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، وليس في
الآية نص على التفضيل بين الصنفين، كالآية التي تصرح بتفضيل بعض
الأنبياء على بعض.
تفسير الرازي: ١٦/٢١

١٣٧
◌ِلُُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ /٧١-٧٢
فقال بعض العلماء بتفضيل المؤمنين على الملائكة، محتجين بالحديث المتقدم
عن عبد الله بن عمرو أو أنس أو زيد بن أسلم، وبما قال أبو هريرة: ((المؤمن
أكرم على الله من الملائكة الذين عنده)).
وقال آخرون بأن الملائكة أفضل من البشر على الإطلاق، عملاً بهذه
الآية، وهو دليل الخطاب: وهو أن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال
في القليل بالضد.
والظاهر هو الرأي الثاني، فإن قوله تعالى: ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا﴾ هو
ما سوى الملائكة، قال الزمخشري: وحسب بني آدم تفضيلاً أن ترفع عليهم
الملائكة ذوو المنزلة العالية عند الله(١).
أحوال الناس مع قادتهم يوم القيامة
﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ
وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِىِ
يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
٧٢
اْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
الإعراب:
﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍِ بِإِمَِهِمْ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: ظرف منصوب متعلق بفعل دل
عليه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ فكأنه قال: لا يظلمون فتيلاً يوم ندعو كل أناس
بإمامهم، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿نَدْعُواْ﴾ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا
يعمل فيما قبله وهو المضاف، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿فَضَّلْنَا﴾ في الآية
المتقدمة؛ لأن الماضي لا يعمل في المستقبل.
(١) الكشاف: ٢٤٠/٢

١٣٨
الُرُ (١٥) - الإِسْرَةِ: ١٧ / ٧١-٧٢
وباء ﴿بِإِمَمِهِمْ﴾ متعلقة بـ ﴿نَدْعُواْ﴾؛ لأن كل إنسان يُدعى بإمامه يوم
القيامة، أو متعلقة بمحذوف في موضع الحال، أي يوم ندعو كل أناس
مختلطين بإمامهم.
﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اَلْأَخِرَةِ أَعْمَى﴾ هو من عَمَى القلب،
ولو كان من عَمَى العين، لقال: فهو في الآخرة أشد عمى؛ لأن عمى العين
شيء ثابت كاليد والرجل، فلا يتعجب منه إلا بأشد أو نحوه من الثلاثي.
وأفعل: الذي للتفضيل يجري مجرى التعجب.
البلاغة:
﴿كُلَّ أُنَسٍ بِإِمَِهِمْ﴾ استعارة، استعار الإمام الذين يتقدم الناس في
الصلاة لكتاب الأعمال، لملازمته الإنسان وتقدمه يوم القيامة.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ استعارة تمثيلية، أي لا ينقصون من ثواب أجورهم
ولو بمقدار خيط شق النواة، وهو مثل للقلة.
﴿فَمَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ﴾ ﴿وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾ تفصيل بعد إجمال،
بعد ذكر كتاب الأعمال.
المفردات اللغوية:
. ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ﴾ اذكر يوم ندعو، وهو يوم القيامة. ﴿يإِمَِهِمْ﴾ بمن ائتموا به
ـصى
من نبي أو مقدم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل
دين كذا، وكتاب كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب
الخير، ويا أصحاب كتاب الشر، كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ
شُبِينٍ﴾ [يس: ١٢/٣٦] ﴿فَمَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ،﴾ أي فمن أوتي منهم كتابه
بيمينه، وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا . ﴿فَأَوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ﴾ قيل
أولئك؛ لأن من أوتي في معنى الجمع، وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم

١٣٩
الُ (١٥) - الإنْرَاءِ: ١٧ / ٧١-٧٢
لشعورهم بالسعادة، فهم يقرؤون كتابهم أحسن قراءة وأبينها ولا يقنعون
بقراءتهم وحدهم، حتى يقول القارئ لأهل المحشر: ﴿هَاؤُمُ أُقْرَءُواْ كِنَبِيَهُ﴾
[الحاقة: ١٩/٦٩] وأما أصحاب الشمال فكأنهم لا يقرؤون كتابهم، لعجزهم
عن النطق السوي والقول الصحيح، بسبب ما ينتابهم أمام العقاب من حياء
وخجل وانخزال وحبس لسان وتعتعة.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ولا ينقصون من ثواب أعمالهم أدنى شيء، كقوله
تعالى: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠/١٩] ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه:
١١٢/٢٠] والفتيل: الخيط المستطيل في شَقِّ النواة. وهو يضرب به المثل في
الشيء الحقير التافة القليل، ومثله: النقير والقطمير.
﴿ وَمَن كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ أي ومن كان في الدنيا
أعمى فليس المراد بالعمى الحقيقة، وإنما المجاز هو عمى البصيرة، فقد استعير
الأعمى لأعمى القلب أو البصيرة عن حجة الله وبيناته، أو من لا يهتدي إلى
طريق النجاة، وهو دليل على وقوع المجاز في القرآن. ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أبعد
طريقاً عنه.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أنواعاً من کرامات الإنسان وأفضاله عليه في الدنيا، ذکر
شيئاً من أحوال الآخرة وما فيها من تفاوت شديد بين أهل السعادة وأهل
الضلال والانحراف عن معالم الهدى الإلهي وأنه تعالى يحاسب كل أمة
بإمامهم، أي بنبيهم فيقال: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا
أمة محمد؛ أو بكتابهم الذي أنزل على نبيهم؛ أو بكتبهم التي فيها رصد
أعمالهم، وهو الأرجح.
التفسير والبيان:
اذكر يا محمد ذلك اليوم الذي نحاسب فيه كل أمة بإمامهم أي بكتاب

١٤٠
لُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٧١-٧٢
أعمالهم، وهو القول الأرجح كما ذكر ابن كثير؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامِ مُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢/٣٦] وقوله سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَرَى
الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩/١٨] فالكتاب يسمى إماماً لأنه يُرجع
إليه في تعرّف أعمالهم.
ويحتمل أن المراد ﴿بِإِمَمِهِمْ﴾ أي بقائدهم الذي يأتمون به، فأهل الإيمان
ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم، كما قال تعالى:
{وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١/٢٨]. إلا أن الراجح
هو ما ذكر ابن كثير، بدليل قوله تعالى بعده :.
﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِمِينِهِ، فَأُوْلَِّكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ﴾ أي فمن أعطي
من هؤلاء المدعوين كتابه بيمينه، فأولئك يقرؤونه بفرح وسرور بما فيه من
العمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِى كِنَهُ بِيَعِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ
[الحاقة: ١٩/٦٩].
كِنَبِيَهْ
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، والفتيل: هو
الخيط المستطيل في شق النواة، ونحو الآية: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠/١٩]
وآية ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢/٢٠].
أخرج الترمذي والحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
وَلَهُ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍِ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: ((يدعى
أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدُّ له في جسمه، ويُبَيَّض وجهه، ويجعل على
رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون:
اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا، فإن لكل رجل
منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسودُّ وجهُه، ويُمَدُّ له في جسمه، ويراه أصحابه
فيقولون: نعوذ بالله من هذا أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم
فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا)).