النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الجُزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩ وقد شاع هذا الخلق المذموم بين المسلمين، وصار التحدث بغير علم ولا معرفة ولا ثقة ظاهرة منتشرة بسبب ضعف الدين والإيمان، وتفسخ الأخلاق، وانحلال القيم، واتباع الأهواء، وضعف النفوس والانغماس في المادة، وتحلل القيم. لذا حذر القرآن من تلك الظاهرة المرضية، فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ أي إن مفاتيح العلوم والمعارف من السمع والبصر وهما واسطة العلوم الحسية والتجريبية، والفؤاد وبه تتحصل العلوم العقلية، يسأل عنها صاحبها يوم القيامة، وتسأل عنه، فإذا سمع الإنسان مالا يحل له سماعه، وأبصر أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، وعزم على مالا يحل العزم عليه، كان مسؤولاً عنه، معاقباً عليه؛ لأن أدوات المعرفة هذه ينبغي استعمالها في الطاعة لا في المعصية. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِ إِنَ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢/٤٩] وقال بص له فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)). بل إن هذه الأدوات تسأل عن صاحبها بأن يخلق الله فيها الحياة، ثم تشهد على الإنسان، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا (٢٤) ﴾ [النور: ٢٤ /٢٤]. كَانُواْ يَعْمَلُونَ قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأت عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك. وقال قتادة: لا تقل: سمعتُ ولم تسمع، ولا رأيتُ ولم تر، ولا علمتُ ولم تعلم. النوع الثاني عشر - تحريم التكبر والخيلاء: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ هذا هو الأمر الثاني المنهي عنه هنا، وهو تحريم الكبر والتجبر والتبختر في المشية، والمعنى: ولا تمش في الأرض مَرَحاً أي متبختراً متمايلاً مشي الجبارين، فذلك المشي يدل على الكبرياء والعظمة، إنك لن تخرق الأرض أي ٨٢ لُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩ - تنقبها أو تقطعها بمشيك إذا سرت عليها، ولن تبلغ الجبال طولاً، أي لن . تصل بتطاولك وتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك إلى قمم الجبال، وهذا تهكم بالمتکبر والمختال. · بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في صحيح مسلم: ((بينما · رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بُرْدان يتبختر فيهما، إذ خُسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) وأخبر الله تعالى عن قارون أنه يخرج على قومه في زينته، فخسف الله به وبداره الأرض. وفي الحديث الحسن الذي رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ((من تواضع لله رفعه الله)) فهو في نفسه حقير، وعند الله كبير. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥] وقوله سبحانه: ﴿وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩/٣١] . خاتمة معبرة: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ, عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾﴾ كل ما تقدم من الخصال القبيحة المفهومة من الأوامر والنواهي، وهي خمس وعشرون، من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ إلى هنا، كان سيئه أي قبيحه مكروهاً عند ربك، أي مبغوضاً عنده، ومنهياً عنه، ومعاقباً عليه، وإن كان مراداً له تعالى بالإرادة التكوينية التي لا تستدعي الرضا منه سبحانه، كما قال وله: ((ما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن)). وكلمة ﴿ذَلِكَ﴾ تصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ أي ذلك الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، هو مما أوحينا إليك يا ٨٣ الجُ (١٥) - الإنْرَاءِ: ١٧ /٣١-٣٩ محمد من أصول الشريعة والدين، والحكم به، لتأمر به الناس، والمراد بالحكمة: التكاليف المذكورة. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ لا تتخذ إلهاً آخر شريكاً مع الله، فتعاقب بالإلقاء في جهنم ملوماً: تلومك نفسك، ويلومك الله والخلْق، مدحوراً، أي مطروداً مبعداً من رحمة الله تعالى ومن كل خير. والخطاب في هذه الآية للأمة، بواسطة الرسول وَلقوله، فإنه معصوم فيكون المراد به: كل من سمع الآية من البشر. وقد بدأ الله تعالى هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بعين هذا المعنى. والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذِكْر وآخره يجب أن يكون مبتدئاً ومقترناً بالتوحيد، وأن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والتعمق فيه. أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل، ثم تلا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ﴾ الآية. أو إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام، وأولها: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرَ﴾. وقد رتب الله تعالى على الإشراك وترك التوحيد في البداية كون الشخص مخذولاً، وفي آخر الآيات كونه ملوماً مدحوراً، فثبت أن أول الأمر يصير مخذولاً، وآخره أن يصير مدحوراً. والمخذول: ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه، والمدحور: إهانته والاستخفاف به. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية: اً - تحريم وأد البنات خشية الفقر أو العار أو غير ذلك مطلقاً. ٨٤ لالُرُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩ أَ - تحريم الاقتراب من الزنى ودواعيه وأسبابه التي تؤدي إليه عادة. ٣ - تحريم قتل النفس بغير حق شرعي. وللولي الوارث سلطة استيفاء القصاص من القاتل وحده دون غيره، بغير تمثيل ولا قتل غير القاتل، فإنه معان عليه بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى، وبمجموعها ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله سبحانه وتعالى. ٤ - تحريم قربان مال اليتيم إلا بالطريقة الحسنى التي تؤدي إلى الحفاظ عليه وتحقيق مصلحته الظاهرة، إلى أن يبلغ رشده. ة - وجوب الوفاء بالعهد فالإنسان مسؤول عنه، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهی عنه فهو من العهد. أَ - إيفاء الكيل وإتمام الوزن بالحق والعدل دون بخس ولا زيادة ولا نقص، فذلك خير للإنسان عند ربه وأبرك، وأحسن عاقبة. قال الحسن البصري: ذُكر لنا أن رسول الله وَ لَه قال: ((لا يقدر رجل على حرام، ثم يَدَعُه، ليس لديه إلا مخافة الله تعالى إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك)). /٧ - عدم اتباع مالا يعلم به الإنسان ولا يعنيه، قال مجاهد: لا تَذُمّ أحداً بما ليس لك به علم. لكن يجوز الحكم بالقيافة؛ لأن الآية ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْؤٌّ﴾ دل على جواز مالنا به علم، فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه، جاز أن يحكم به. ويجوز أيضاً إثبات الشيء بالقرعة، والخرْص (التقدير والتخمين) لأنه نوع من غلبة الظن، فالقائف يُلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه. وقد أقر النبي وَ ر العمل بالقيافة في إثبات نسب أسامة وكان أسود، من زيد بن حارثة وكان أبيض، ثبت في ٨٥ الُ (١٥) - الإسراء: ١٧ /٣١-٣٩ صحيح مسلم عن عائشة: أن رسول الله و ﴿ دخل علي مسروراً، تبرق أسارير وجهه، فقال: ((ألم تَرَيْ أن تُجَزِّزاً - وكان قائفاً - نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، عليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: ((إن بعض هذه الأقدام ◌َمن بعض)). واستدل جمهور العلماء على القيافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ◌َّه بقول هذا القائف. ولم يأخذ الحنفية بالقيافة متمسكين بإلغاء النبي ◌َّ الشبه في حديث اللعان. ٨ - يسأل كل واحد من السمع والبصر والفؤاد عما اكتسب، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه الإنسان واعتقده، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع. ـة - النهي عن الخيلاء وتحريمه، والأمر بالتواضع والحض عليه. وذكر القرطبي أن إقبال الإنسان على الصيد ونحوه ترفّعاً دون حاجة إليه داخل في هذه الآية، وفيه تعذيب الحيوان. · اَ - استدل العلماء بهذه الآية: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ على ذم الرقص وتعاطيه، قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: قد نص القرآن على النهي عن الرقص، فقال: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ وذمَّ المختال. والرقص أشد المرح والبطر. قال القرطبي: أو لسنا الذين قِسْنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر، فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشِّعْر معه على الظُّنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما (١). ١أَ - هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل تقتضيها حكمة الله عز وجل في عباده، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة. (١) تفسير القرطبي: ٢٦٣/١٠ ٨٦ الْجُرُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ تقريع على نسبة الولد والشريك إلى الله تعالى ﴿أَفَأَصْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَالَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ فَوْلًا عَظِيمًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَُّواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ: ٤٠ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعِرِْ سِيلًا سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا ٤٣ كَبِيرًا ﴿ تُسَعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ٤٤ القراءات: ﴿ اَلْقُرْءَانِ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران). (بَدگرُوا﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لِيَذْكروا). ﴿ كَمَا يَقُولُونَ﴾ : قرئ: ١- (كما يقولون) وهي قراءة ابن كثير، وحفص. ٢- (كما تقولون) وهي قراءة الباقين. ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عما تقولون). ﴿ تُسَيِّحُ لَهُ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (يسبح له). ٨٧ ٠ الْجُ (١٥) - الأشْرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ البلاغة: ﴿أَفَأَصْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾؟ الهمزة للإنكار والتوبيخ. ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ: ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ وارد على سبيل الفرض والاحتمال. المفردات اللغوية: ﴿أَفَأَصْفَنَكُمْ﴾ اختاركم وخصكم يا أهل مكة، والإصفاء: جعله خالصاً له ﴿إِنَا﴾ بنات لنفسه بزعمكم ﴿لَنَقُولُونَ﴾ بذلك ﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ عظيم الإنكار، بإضافة الأولاد إليه ﴿صَرَّقْنَا﴾ بيَّنَا ﴿فِى هَذَا اُلْقُرْءَانِ﴾ من الأمثال والوعد والوعيد ﴿لِيَذِّكَّرُواْ﴾ يتعظوا ويتذكروا ﴿ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نَقُورًا﴾ وما يزيدهم ذلك إلا نفوراً عن الحق وقلة طمأنينة إليه، والنفور: البعد عن الشيء. ﴿قُل﴾ لهم أي للمشركين ﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ﴾ أي مع الله ﴿لََّبَغَوْ﴾ طلبوا ﴿ إِلَى ذِى اُلْعَرْشِ﴾ أي الله ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً، وللكلام معنيان: الأول - هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى، لغلب بعضهم بعضاً، والثاني - لو كانت هذه الأصنام كما تقولون أيها الكفار من أنها تقربكم إلى الله زلفى، لطلبت لأنفسها أيضاً قربة إلى الله تعالى، وسبيلاً إليه، وأعدت لأنفسها المراتب العالية، فلما لم تقدر على اتخاذ سبيل لأنفسها إلى الله، فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله؟! ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له ﴿وَتَعَلَى﴾ تعاظم ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من الشركاء. (عُلُوَا كَبِيرًا﴾ تعالياً متباعداً غاية البعد عما يقولون، فإنه في أعلى مراتب الوجود، وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته، وأما اتخاذ الولد فمن أدنى مراتبه، فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه. ﴿تُسَيِّحُ لَهُ﴾ تنزهه ﴿وَإِن﴾ ما ﴿مِّن شَىْءٍ﴾ من المخلوقات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بَدِهِ﴾ إلا ينزهه تنزيهاً مقترناً بحمده، فيقول: سبحان الله وبحمده ﴿لَّا نَفْقَهُونَ﴾ لا ٨٨ الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ تفهمون ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ لأنه ليس بلغتكم ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم، غفوراً لمن تاب منكم. المناسبة: بعد أن حذر الله تعالى من الشرك، نَّه إلى جهل من أثبت لله شريكاً، وندّد بالمشركين وقرّع الذين أثبتوا لله ولداً، وجعلوا البنين لأنفسهم، مع علمهم بعجزهم ونقصهم، ونسبوا البنات لله، مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا غاية له، مما يدل على نهاية جهلهم. ثم أبان أنه ضرب في القرآن الأمثال للناس ليتدبروا ويتأملوا فيها، وذكر أنه لو كانت هذه الأصنام تقرب إلى الله زلفى، لطلبت لنفسها القربة إلى الله، ولكنها لم تفعل ذلك، فبان خطؤهم في ادعائهم أن الملائكة بنات الله، وتبين إبطال تعدد الآلهة، وإثبات الوحدانية الله، والتنزيه له؛ لأن كل ما في الكون تدل أحواله على توحيد الله وتقديسه وعزته، ولكنكم بسبب الجهل والغفلة لا تدركون دلالة تلك الأدلة. التفسير والبيان: بعد أن فند الله تعالى زعم من نسب لله شريكاً، شنع هنا على من نسب له الولد، وردَّ الله تعالى في هذه الآية على المشركين الذين جعلوا الملائكة إناثاً، ثم ادعوا أنهن بنات الله، ثم عبدوهن، مقرعاً لهم ومنكراً عليهم، ومبيناً خطأهم العظيم قائلاً: أيكرمكم ربكم فيخصكم بالذكور من الأولاد، ويختار لنفسه على زعمكم البنات، وأنتم تئدونهن ولا ترضونهن لأنفسكم. ثم يشدد الإنكار عليهم قائلاً: إنكم في زعمكم أن الله ولداً، وهو من الإناث اللاتي تأنفون أن يكن لكم، لَتفترون على الله الكذب، وتقولون على الله قولاً عظيماً إثمه، ٨٩ الجُزُ (١٥) - الإِسِرادةِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ موجباً العذاب عليكم، منافياً لأبسط مبادئ العقول بنسبة الضعيف للقوي، [النجم: ٢٢/٥٣] أي جائرة. والقوي للضعيف . ﴿تِلَّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا ٨٩٦ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا (ج) أَنْ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿ إِن كُلُّ مَن فِى دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ عَنِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَّقَدْ أَحْصَنْهُ وَعَذَّهُمْ عَذَّا (١) وَكُلُّهُمْ (٥)) [مريم: ٨٨/١٩-٩٥]. ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ثم نبّه الله تعالى إلى كون هذه المناقشة وذلك الكلام غاية في الوضوح بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا اُلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَُّواْ﴾ أي ولقد بينا في هذا القرآن الحجج والبينات والمواعظ، وأوضحنا الأمثال لهم، وحذرنا وأنذرنا ليتعظوا وينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، وهم مع ذلك ما يزيدهم التذكير إلا نفوراً عن الحق وبعداً عنه. ثم رد الله تعالى على المشركين الذين يتخذون شريكاً لله، فقال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُرْ ءَاِهَةٌ﴾ قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يزعمون أن لله شريكاً من خلقه، ويتخذون مع الله إلهاً آخر: لو كان الأمر كما تقولون، وأن الله معه آلهة تُعْبَد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون المتخذون آلهة يعبدونه، ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة بعبادتهم، فاعبدوه أنتم وحده، كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه تعالى لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة أنبيائه ورسله، ثم نزه نفسه الكريمة عن ذلك فقال : ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّ كَبِيرًا (®﴾ أي تنزه الله تعالى عما لا يليق به، وتعالى، أي ارتفع وعلا عما يقول هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في ٩٠ لُزُرُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ زعمهم أن معه آلهة أخرى، تعالياً كبيراً، بل هو الله الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وفي وصف العلو بالكبر إشارة إلى وجود التغاير المطلق بين ذاته وصفاته تعالى، وبين نسبة الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد إليه، لوجود المنافاة بين القديم والمحدث، وبين الغني والمحتاج، منافاة لا يتصور الزيادة عليها، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ اَلْجِبَالُ هَذَّا ﴿َّ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (4)﴾ [مريم: ٩٠/١٩-٩١] .. ثم أبان الله تعالى مبلغ عظمته فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ﴾ أي تقدسه وتنزهه السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المخلوقات عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته، وما من شيء من المخلوقات (الحيوانات والجمادات والنباتات) إلا يسبح بحمد الله تعالى، أي يشهد ويدل بخلقه من غيره على وجوب وجود الله تعالى الخالق لكل الأكوان، فالتسبيح من الناس هو قولهم: سبحان الله، وهذا حقيقة، ومن الجمادات وغيرها: معناه الدلالة على تنزيه الله تعالى، وهذا مجاز. وقال بعضهم: إنه حقيقة أيضاً. ﴿ وَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ﴾ أي ولكن لا تفهمون أيها البشر تسبيحهم؛ لأنه بخلاف لغاتكم، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح، من شجر أو غيره. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ إنه تعالى كان وما يزال حليماً لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، وإنما يمهل ويؤجل، ويغفر لمن تاب منكم. فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: ٩١ الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ اً - إن نسبة الملائكة بجعلها بنات الله افتراء كبير وقول عظيم الإثم عند الله عز وجل. وهذا تنديد بقول بعض العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. أَ - بالرغم من بيان القرآن الشافي للحجج والبينات الدالة على توحيد الله ووحدانيته المطلقة، والاتعاظ بما فيها، فإن المشركين المعاندين الظالمين لا يزدادون بعد هذا البيان إلا التباعد عن الحق، والغفلة عن النظر والاعتبار، لسوء نظرهم وخلل تفكيرهم، واعتقادهم في القرآن أنه حيلة وسحر، وكهانة وشعر. ◌َّ - لو كان هناك آلهة شفعاء مع الله كما يزعم المشركون، لكانت هذه الآلهة بحاجة إلى التقرب إلى الله، بالعبادة والتعظيم، لتجعل لنفسها مكانة عند الله، وتلتمس الزُّلْفة عنده؛ لأنهم دونه، والمشركون اعتقدوا أن الأصنام تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا اعتقدوا في الأصنام أنها محتاجة إلى الله سبحانه وتعالى، فقد بطل أنها آلهة، وكان الأحرى بعبدتها أن يعبدوا الإله الحقيقي وهو الله جل جلاله. وهذا ردّ على عباد الأصنام، كما أن الآية الأولى ردّ على الذين يجعلون الملائكة بنات الله. ٤ - ما من مخلوق في السماوات والأرض إلا يسبح بحمد الله تعالى، وتسبيح البشر العقلاء هو حقيقة بأن يقولوا: سبحان الله أي تنزيهاً لله تعالى وتمجيداً وتقديساً، وتسبيح غير البشر مجاز، والمراد به تسبيح الدلالة أي دلالة هذه المخلوقات بذاتها على وجود الإله الخالق، فكل مُحْدَث يشهد على نفسه بأن الله عز وجل خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح أيضاً حقيقة، وكل شيء بصفة عامة يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه؛ لأن الآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه. وثبت في السنة أنه يخفف على الأموات بالأشجار في حديث الصحيحين عن ابن عباس مرفوعاً المتضمن تعذيب صاحبي القبرين بسبب ٩٢ الُُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٤٠-٤٤ عدم الاستنزاه من البول والنميمة. قال القرطبي: وإذا خُفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟! فالثابت أنه يصل إلى الميت ثواب ما يُهدى إليه. وهو رأي المذاهب الأربعة. أخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عمر: أن النبي ◌َّ قال: ((إن نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يُرْزَق كل شيء)). والخلاصة: إن الرازي وجماعة يرون أن تسبيح الجمادات مجاز وهو تسبيح الدلالة، وأن القرطبي وآخرين يرون أن كل شيء من الموجودات على الصحيح يسبح؛ للأخبار الدالة عليه، ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود؟ كما حكى القرآن: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَذَكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ: أَوَّابُ ﴾ [ص: ١٧/٣٨ -١٨] وإنما إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ١٧ ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح، وقد نصت السنة على ما دلّ عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء، فالقول به أولى. قال رسول الله وَام - فيما رواه ابن ماجه ومالك عن أبي سعيد الخدري -: ((لا يسمع صوت المؤذن جِنٌّ ولا إنس ولا شجر ولا حَجَر ولا مَدَر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)). ٥ - من صفات الله السامية أنه حليم عن ذنوب عباده في الدنيا، غفور للمؤمنين في الآخرة إذا تابوا وأنابوا إليه، وحلمه أنه لا يعاجل المشركين بالعقوبة على غفلتهم وسوء نظرهم وجهلهم بالتسبيح والشرك. ٩٣ الُ (١٥) - الإسْرَاةِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ حماية النبي وقَكلّ من أذى المشركين إذا قرأ القرآن ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ ٤٥ وَحْدَمُ وَلَوْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ نُفُورًا ﴿٨ ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ تَجْوَ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٦) أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ ٤٨ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا القراءات: ﴿قَرَأْتَ﴾. وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (قرات). ﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران). ﴿مَسْحُورًا، اُنْظُرْ﴾: بكسر التنوين وصلاً، قرأ حمزة، وأبو عمرو، وابن ذكوان، وعاصم. وقرأ الباقون بضمه كذلك. الإعراب: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أي ذا سِتْر، على النَّسَب، مثل: امرأة حائض وطالق وطامث أي ذات حيض وطَمْث وطلاق، أو بمعنى ساتر، فيجيء مفعول بمعنى فاعل، كما يجيء فاعل بمعنى مفعول، مثل: سرّ كاتم، وماء دافق، أي سر مكتوم، وماء مدفوق. ﴿وَحْدَهُ﴾ مصدر وقع موقع الحال، أي واحداً. ٩٤ لُعُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ ﴿وَإِذْ هُ تَجْوَى﴾ إما جمع تَجِيّ، كجريح وجرحى، وقتيل وقتلى، وإما مصدر، مثل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُثُ مِن تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧/٥٨]. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ قبله. المفردات اللغوية: [حِجَابًا﴾ وحجباً: أي منعاً من الوصول إلى الشيء، والمراد: حاجباً. ﴿قَسْتُورًا﴾ أي ساتراً لك عنهم، فلا يرونك. ﴿أَكِنَّةَ﴾ أغطية، جمع كنان. ﴿أَنَ يَفْقَهُوهُ﴾ أي منعناهم أن يفهموه، أو كراهة أن يفهموه. ﴿وَقْرًا﴾ ثقلاً وصمماً يمنعهم عن استماعه استماع تأمل في لفظه، وتدبر في معناه. ﴿وَحْدَهُ﴾ واحداً غير مشفوع به آلهتهم، قال الزمخشري: وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة، ووحده هنا: مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحداً وحده. ﴿بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِةَ﴾ بسببه من الهزء. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إلى قراءتك. تَجْوَىّ﴾ يتناجون بينهم، أي يتحدثون. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَِّمُونَ﴾ في تناجيهم. ﴿إِن﴾ ما تتبعون. ﴿مَّسْحُورًا﴾ مخبول العقل، كقولهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّ رَجُلٌ بِهِ، جِنّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥/٢٣]. ﴿كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمسحور والكاهن والشاعر.﴿فَضَلَّوْ﴾ جاروا عن طريق الهدى. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقاً إليه. سبب النزول: نزول الآية (٤٥): ﴿ وَإِذَا قَرَأَتَ اُلْقُرْءَانَ﴾ الآية: أخرج ابن المنذر عن ابن شهاب الزهري قال: كان رسول الله وَ له إذا تلا القرآن على مشركي قريش، ودعاهم إلى ٩٥ الُ (١٥) - الاشِرَاةِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ الكتاب قالوا يهزؤون به: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَا تَدْعُوْنَآ إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَانِنَا وَقُّرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥/٤١]، فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ الآيات. وروى ابن عباس: أن أبا سفيان، والنضر بن الحارث، وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي وَّر، ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد، غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء، وقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقوله حقاً، وقال أبو جهل: هو مجنون، وقال أبو لهب: هو كاهن، وقال حويطب بن عبد العُزَّى: هو شاعر، فنزلت هذه الآية. وكان رسول الله وسل# إذا أراد تلاوة القرآن، قرأ قبلها ثلاث آيات، وهي قوله في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [٥٧] وفي النحل: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [١٠٨] وفي حم الجاثية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَّهُ﴾ [٢٣] إلى آخر الآية، فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين(١). فهذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله و ◌َل و إذا قرأ القرآن على الناس. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن، قام عن يمينه رجلان، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفّقون ويصْفِرون، ويُخُلِّطون عليه بالأشعار. نزول الآية (٤٦): ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرَّءَانِ وَحْدَهُ﴾ : قيل: دخل ملأ قريش على أبي طالب يزورونه، فدخل رسول الله وَلّه، فقرأ، ومرَّ بالتوحيد، ثم قال: يا معشر - (١) تفسير الرازي: ٢٢١/٢٠ ٩٦ الجُزءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ قريش، قولوا: لا إله إلا الله، تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، فولّوا، فنزلت هذه الآية. قال أبو حيان: والظاهر أن الآية في حال الفارّين عند وقت قراءته القرآن، ومروره بتوحيد الله تعالى، والمعنى: إذا جاءت مواضع التوحيد، فرَّ الكفار إنكاراً له، واستبشاعاً لرفض آلهتهم، واطراحها (١). المناسبة: بعد أن تكلم الله تعالى في المسائل الإلهية، وجادل المشركين بضرب الأمثال لهم، تكلم في هذه الآية فيما يتعلَّق بتقرير النّبوة، والنّعي عليهم بعدم فهمهم للقرآن ونفورهم منه وهزئهم به، وإيذائهم النَِّي ◌َّةِ، واتِّهامهم له بأنه كاهن أو ساحر أو مجنون أو شاعر. التفسير والبيان: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالبعث ولا بالثواب والعقاب، جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستوراً، أي حائلاً مانعاً يمنع قلوبهم عن فهم معاني القرآن وتدبُّر آياته، وجعلنا على قلوبهم أغطية بحيث لا يتسرّب إليها فهم مدارك القرآن ومعرفة أحكامه وأسراره وغاياته، وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته. فمعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي لئلا يفهموا القرآن، والوقر: هو الثقل الذي يمنع من سماع القرآن سماع انتفاع واهتداء به. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِىّ ءَاذَانِنَا وَقُرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥/٤١]. (١) البحر المحيط: ٤٢/٦ ٩٧ ◌ِلُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ والحجاب المستور أي الساتر، فهو يستر البصائر عن أن تبصر حقائق الأشياء، ومعنى جعل الأكنة على القلوب: أي جعل القلوب في الأكنّة، والأكنّة جمع كنان: الذي يغشى القلب، فصار التغليف والحيلولة دون الفهم من الظاهر والباطن والأعلى والأسفل، وأوصد الله الآذان وصمها عن السّماع سماع وعي وفهم وتدبُّر، فهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، والمراد بالآية منعهم عن الإيمان، ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره، ولا يفهمون دقائقه وحقائقه، وذلك لتأصُّل الشرك في نفوسهم، وعدم إعمال أفكارهم في حقائق الدِّين. وقد تقدّم ما روي أنه ◌َّلهم كان إذا قرأ القرآن، قام عن يمينه رجلان وعن يساره آخران من ولد قُصَّ يصفّقون، ويصْفِرون، ويخلّطون عليه بالأشعار. ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ أي وإذا وحَّدت الله في تلاوتك وقلت: لا إله إلا الله، ولم تقل: والَّلات والعُزّى، ولَّوا أي أدبروا راجعين على أدبارهم نافرين نفوراً، تكثُّراً من ذكر الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اُللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥/٣٩] وذلك لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتّوحيد نفروا. ﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهَِ﴾ نحن يا محمد أعلم بالنّحو الذي يستمعون به حين يستمعون إليك هزءاً وسخريةً وتكذيباً، وأعرف بما يتناجى به رؤساء كفار قريش، ويتسارّون، حين جاؤوا يستمعون قراءتك سرّاً قائلين: إنك رجل مسحور، أو مجنون، أو كاهن، لذا قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي تأمل يا محمد كيف مثَّلُوا لك الأمثال، وأعطوك الأشباه، فقالوا: هو مسحور، وهو شاعر مجنون، فحادوا عن سواء السَّبيل، ولم يهتدوا إلى الحقّ لضلالهم، ولم يجدوا إليه مخلصاً يتخلّصون من متاهة ما هم فيه من الضَّياع. وهذا وعيد لهم وإيناس لرسول الله وَلؤ. ٩٨ الُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٤٥-٤٨ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - الثَّابت الذي دلَّ عليه القرآن والسِّيرة أن الله تعالى حجب رسوله وَل عن أبصار كفار قريش عند قراءة القرآن، فكانوا يمرّون به ولا يرونه. اً - حجب الله القرآن عن أبصار المشركين وعقولهم وأفهامهم، وجعل على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه أو كراهية أن يفقهوه، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنّواهي، والْحِكَم والمعاني، وجعل أيضاً في آذانهم وَقْراً أي صمماً وثقلاً أن يسمعوه، وإذا ذكر النَّبِي رَجّ ربه عند تلاوة القرآن فقال: لا إله إلا الله وحده، ولّ المشركون نافرين نفوراً من سماع كلمة الحقّ والتّوحيد. ءَّ - الله تعالى أعلم بالنّحو الذي يستمع فيه المشركون إلى القرآن حين يقول الظالمون منهم كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأمثالهما للناس لتنفيرهم عن النَّبي: ما تتبعون إلا رجلاً مسحوراً، قد خَبَله السِّحر، فاختلط عليه أمره، يقولون بينهم متناجين: هو ساحر وهو مسحور، بعد أن قرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التّوحيد، وقال: ((قولوا: لا إله إلا الله لتطيعكم العرب، وتدين لكم العجم)» فأبوا. ٤ - تعجيب من الله لرسوله من صنع المشركين كيف يقولون تارة: ساحر، وتارة مجنون، وتارة شاعر، فضلوا الطريق، فأصبحوا لا يستطيعون حيلة في صدّ النّاس عن النَّبِي ◌ََّ، وضّوا عن الحقّ، فلا يجدون سبيلاً إلى الهدى. ٩٩ لِلُعُ (١٥) - الإسراء: ١٧ / ٤٩-٥٢ إنكار المشركين البعث والزّد عليهم قُلْ كُنُواْ ٤٩ ﴿وَقَالُواْ أَِذَا كُنَا عِظَامًا وَرُفَنَا أَِنَا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿ أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِىِ فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَّ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوْ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ٥٢ القراءات: ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَنَّا أَِنَا﴾: قرئ: ١- (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا) وهي قراءة نافع، والكسائي. ٢٠ - (إذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿أَِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ عامل (إذا) مقدّر، أي أئذا كنّا عظاماً ورُفاتاً بُعثنا؟ ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿لَمَبْعُونُونَ﴾ لأن ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها. ﴿أَوْ خَلْقًا﴾ مصدر أو حال أي بعثاً جديداً. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: اذكروا يوم يدعوكم، أو نعيدكم يوم يدعوكم، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿من يُعِيدُنَا﴾ [الإسراء: ٥١/١٧] فعلى التقدير الأول يكون مفعولاً، وعلى التقدير الثاني يكون ظرفاً، وهو أوجه الوجهین. . ١٠٠ الجُ (١٥) - الاشِرَاءِ: ١٧ / ٤٩-٥٢ والباء في ﴿بِحَمْدِهِ،﴾ للحال أي تستجيبون حامدين له. البلاغة: ﴿أَعِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ استفهام إنكاري. ﴿أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ﴾ كرر الهمزة لتأكيد الإنكار، ثم أكَّده بإنّ واللام، لإفادة قوة الإنكار. ﴿ قُلْ كُنُوْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا تعجيز وإهانة. المفردات اللغوية: ﴿ وَقَالُواْ﴾ أي قال المشركون منكرين للبعث. ﴿ وَرُفَنَا﴾ بقايا ما تكشّر وبلي من كل شيء. ﴿﴿ قُلْ كُنُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥) أي قل لهم يا محمد: كونوا أي شيء، حجارةً أو حديداً، ولا تكونوا عظاماً، فإنه يقدر على إحيائكم، والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة، وإلى رطوبة الحيّ وغضاضته، بعدما كنتم عظاماً يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحيّ، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فالله قادر على أن يردّها إلى حالتها الأولى. ولو كنتم أبعد شيء عن الحياة ورطوبة الحي، بأن تكونوا حجارة يابسة، أو حديداً، مع أنها تتصف بالصّلابة، لكان الله قادراً على أن يردّكم إلى حال الحياة. ﴿أَوْ خَلْقًا ◌ِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: أو خلقاً مما يكبر عندكم عن قبول الحياة، ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه، فإنه يحييه، وينفخ فيه الرّوح. ﴿من يُعِيدُنَا﴾ إلى الحياة؟ ﴿فَطَرَّكُمْ﴾ خلقكم. ﴿أَوَّلَ مَرَّةَ﴾ ولم تكونوا شيئاً؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون. ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ سيحرّکون رؤوسهم تعجّباً واستهزاء . ﴿ وَيَقُولُونَ﴾ استهزاء. ﴿مَى هُوٌ﴾ أي البعث. ﴿أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ خبر أو ظرف أي في زمان قريب. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل . ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ أي