النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الُ (١٥) - الإِشْرَاةِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
ويكفي في العمل بمقتضى هذه الآية طلب الرحمة لهما مرة واحدة؛ لأن
ظاهر الأمر للوجوب، وظاهر الأمر لا يقتضي التكرار. سئل سفيان: كم
يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر، أو في السنة؟ فقال: نرجو
أن يجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات.
وكفى بالشريعة التي جعلت عقوق الوالدين من الكبائر، أخرج الترمذي
عن عبد الله بن عمر حديثاً: ((رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في
سخط الوالد)).
ثم حذر الله تعالى من التهاون في بر الوالدين فقال: ﴿رَّبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى
نُفُوسِكُمْ﴾ أي أن العبرة بما في القلب وما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص
في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فإن الله تعالى مطلع على مافي نفوسكم، بل
هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها؛ لاختلاطها بالسهو والنسيان وعدم
الإحاطة بالكل، فمن بدرت منه بادرة غير مقصودة، فلا يعاقبه الله عليها ما
دامت نيته حسنة وهو من الصالحين، فإنه سبحانه غفور للتائبين الراجعين إلى
الخير، النادمين على ما فرط منهم من غير قصد. والتائب من الذنب: هو
الرجَّاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله، إلى ما يحبه ويرضاه. والمقصود
من الآية: التحذير من ترك الإخلاص.
ثالثاً - الإحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن السبيل: ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ
حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَابْنَ اُلسَّبِيلِ﴾ لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر
الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، والمعنى: وأعط أيها الإنسان المكلف
القريب والمسكين والمسافر المنقطع في الطريق إلى بلده حقه، من صلة الرحم
والود، والزيارة وحسن المعاشرة، والنفقة إن كان محتاجاً إليها، وإعانة
المسكين ذي الحاجة، ومساعدة ابن السبيل بالمال الذي يكفيه زاده وراحلته إلى
أن يبلغ مقصده. والخطاب للرسول وَ ل * والمراد به أمته من بعده. جاء في

٦٢
لُزْءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
الحديث الذي أخرجه أبو داود عن بكر بن الحارث الأنماري: ((أمك وأباك،
ثم أدناك أدناك)) أو ((ثم الأقرب فالأقرب)) وأخرج الشيخان عن أنس عن النبي
وَ﴿ قال: ((من أحبَّ أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسأ له في أثره، فليصل رَحِمَهُ)).
والأمر في رأي أبي حنيفة بالنسبة للأقارب المحارم كالأخت والأخ
والوالدين للوجوب، وفي رأي الشافعي للندب، ولا تجب عند الجمهور إلا
نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب، وعند الحنابلة: تجب لكل
الأقارب حتى الحواشي.
أما مساعدة المساكين وأبناء السبيل فهي من الصدقات المندوبة.
رابعاً - منع التبذير: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: لما أمر الله تعالى بالإنفاق والبذل
نهى عن الإسراف وبيَّن سياسة الإنفاق، أي لا تنفق المال إلا باعتدال وفي غير
معصية وللمستحقين، بالوسط الذي لا إسراف فيه ولا تبذير، والتبذير لغة:
إفساد المال وإنفاقه في السرف، والوسطية والاعتدال هي سياسة الإسلام
المالية والاجتماعية والدينية، قال تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (َجَ﴾ [الفرقان: ٦٧/٢٥].
ثم نبّه الله تعالى على قبح التبذير بإضافته إلى أفعال الشياطين، فقال: ﴿إِنَّ
الْمُبَذِّرِنَ كَانُوْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي إن المبذرين المنفقين أموالهم في معاصي الله
يشبهون في هذا الفعل القبيح الشياطين، فهم قرناء الشياطين في الدنيا والآخرة،
وأشباههم في ذلك في الصفة والفعل، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ
الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَمُ قَرِيٌ ﴿جَ﴾ [الزخرف: ٣٦/٤٣] وقال تعالى:
﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢/٣٧]. أي قرناءهم من الشياطين.
قال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق، وقال مجاهد: لو أنفق
إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذراً، ولو أنفق مداً في غير حق، كان مبذراً.
وعن علي كرم الله وجهه قال: ما أنفقتَ على نفسك وأهل بيتك في غير سرف

٦٣
الُ (١٥) - الإنْراءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة، فذلك حظ الشيطان.
وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقيل له: لا خير في السرف، فقال: لا
سرف في الخير.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ أي وكان الشيطان لنعمة ربه جحوداً؛ لأنه
أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته،
فاستعمل نفسه في المعاصي والإفساد في الأرض، وإضلال الناس.
قال الكرخي: وكذلك من رزقه الله جاهاً أو مالاً، فصرفه إلى غير مرضاة
الله، كان كفوراً لنعمة الله؛ لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل.
وفي صفة الشيطان أنه كفور لربه دلالة على كون المبذر أيضاً كفوراً لربه.
وقال بعض العلماء: خرجت هذه الآية على وفق عادة العرب، وذلك
لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة، ثم كانوا ينفقونها في طلب
الخيلاء والتفاخر، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون أموالهم ليصدوا
الناس عن الإسلام وتوهين أهله، وإعانة أعدائه، فنزلت هذه الآية تنبيهاً على
قبح أعمالهم.
خامساً - الوعد الجميل بالعطاء أو القول الميسور: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَآءَ
رَحْمَةٍ﴾ أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من
التصريح بالرد بسبب الفقر والقلة، بعد أن سألوك، فقل لهم قولاً سهلاً لطيفاً
ليناً، وعدهم وعداً بسهولة ولين بالصلة والعطاء إذا جاء رزق الله، واعتذر
بعذر مقبول.
سادساً - القصد في الإنفاق: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ لما أمر الله
تعالى بالإنفاق ذكر هنا أدب الإنفاق، والاقتصاد في العيش، بذم البخل،
والنهي عن السرف، أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث تبخل على نفسك وأهلك

٦٤
الُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٢٢ -٣٠
في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات، ولا تسرف ولا تتوسع في الإنفاق
توسعاً مفرطاً، فتعطي فوق طاقتك، وتنفق أكثر من دَخْلك، بحيث لا يبقى في
يدك شيء.
والخلاصة: إن أصول الإنفاق هو الاقتصاد في العيش، والتوسط في
الإنفاق، دون بخل ولا سرف، فالبخل إفراط في الإمساك، والتبذير إفراط في
الإنفاق، وهما مذمومان، وخير الأمور أوساطها، والفضيلة وسط بين
رذیلتین.
روى أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما عال من اقتصد))
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((الاقتصاد في النفقة
نصف المعيشة)). وروى الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً: ((التدبير
نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهمّ نصف الهرم، وقلة العيال أحد
اليسارين))(١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((ما
من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملّكان ينزلان من السماء، يقول أحدهما :
اللهم أعطِ مُنْفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)). وروى مسلم
عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً أنفق إلا
عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله)). وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعاً :
((إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم
بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا)).
ثم أبان الله تعالى ربط الرزق بمشيئته وإرادته، ليدرك الناس أن تضييق
الرزق أحياناً على بعضهم ليس لسوء حالهم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ
(١) ورواه القضاعي عن علي رضي الله عنه، وهو حديث حسن.

٦٥
الزُ (١٥) - الإسراء: ١٧ / ٢٢-٣٠
ج
الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي إن ربك أيها الرسول هو الرزاق، القابض
الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، لما له
في ذلك من الحكمة، لذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرً بَصِيرًا﴾ أي أنه تعالى
عالم بأن مصلحة كل إنسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر، فهو خبير بصير
بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر، فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل
البخل، بل لأجل رعاية المصالح، جاء في الحديث الذي ذكره السيوطي في
المسانيد (الجامع الكبير): ((إن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا
الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا
الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه)). وقد يكون الغنى في حق بعض الناس
استدراجاً، والفقر عقوبة.
والمقصود بالآية أنه تعالى عرف رسوله و #* كونه رباً، والرب: هو الذي
يربي المربوب ويقوم بإصلاح مهماته ودفع حاجاته على مقدار الصلاح
والصواب، فيوسع الرزق على البعض، ويضيقه على البعض.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم مما ذكر أن الآيات ترشد إلى الأحكام التالية:
اً - التوحيد أساس الإيمان، والإشراك رأس الكفر والضلال.
أَ - الإحسان إلى الوالدين فرض لازم واجب، وقد أمر الله سبحانه
بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقروناً بذلك، كما قرن شكرهما
بشكره، فقال: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ وقال:
﴿أَنِ أَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤/٣١].
◌َّ - من البر بالأبوين والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبِّهما ولا
لعقوقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف.

٦٦
الجُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
٤ - عقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن بِرَّهما
موافقتهما على أغراضهما، فتجب طاعتهما في المباح المعروف غير المعصية،
ولا تجب طاعتهما في المعصية.
روى الترمذي عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبّها، وكان أبي
يكرهها، فأمرني أن أطلّقها فأَبَيْت، فذكرت ذلك للنبي وَّ فقال: ((يا عبد الله
ابن عمر، طلِّق امرأتك)).
هَ - لا يختص بِرّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل يجب برهما ولو كانا
كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد، قال الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ اَلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨/٦٠]. وفي
صحيح البخاري عن أسماء قالت: ((قدِمت أمّي وهي مشركة في عهد قريش
ومُدّتهم، إذ عاهدوا النبي ◌ََّ، مع أبيها فاستفتيت النبي ◌َّ فقلت: إن أمي
قدمت، وهي راغبة (١)، أفأصلها؟ قال: نعم، صِلي أمَّك)).
أَ - من الإحسان إلى الأبوين والبِرّ بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد الولد
إلا بإذنهما. روى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي وَله
يستأذنه في الجهاد، فقال: ((أحيّ والداك))؟ قال: نعم، قال: ((ففيهما
فجاهد)) .
أما الوالدان المشركان فكان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما، وقال
الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما.
لاً - من تمام برّ الوالدين: صلة أهل وُدّهما، ففي صحيح مسلم عن ابن
عمر قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن من أبرّ البرّ: صلة الرجل أهل وُدِّ
أبيه، بعد أن يُولِي)) وقد ذكر حديث أبي أُسيد الساعدي البدري.
(١) أي راغبة في بري وصلتي.

٦٧
لُ (١٥) - الإنْراءِ: ١٧ /٢٢-٣٠
٨ - هناك رقابة خاصة من الله تعالى على معاملة الأبوين؛ لقوله سبحانه:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ﴾ أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما، أو
من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر برهما رياءً.
ـة - وكما أمر الله بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقهما، أمر أيضاً بصلة
الرحم، وبالتصدق على المسكين وابن السبيل.
٠ ١َ - يحرِّم الإسلام التبذير، والتبذير كما قال الشافعي رضي الله عنه:
إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. وهذا قول الجمهور. وقال
مالك: التبذير: هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف،
وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ﴾ أي أنهم في
حکمهم؛ إذ المبذر ساعٍ في إفساد كالشياطين.
راً - من أنفق ماله في الشهوات زائداً على قدر الحاجات، وعرَّضه بذلك
للنفاد فهو مبذر، ومن أنفق درهماً في حرام فهو مبذر، ويحجر عليه. ومن أنفق
ربح ماله في شهواته، مع المحافظة على أصل رأس المال، فليس بمبذر.
١٢ - الأدب الرفيع هو رد ذوي القربى بلطف ووعدهم وعداً جميلاً
بالصلة عند اليسر، والاعتذار إليهم بما هو مقبول وفيه تطييب الخاطر، ولا
يعرض الشخص عنهم إعراض مستهين وهو في حال الغنى والقدرة، فَيَحْرِمهم
حقهم. لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ أي إن أعرضت يا محمد عن إعطائهم
لضيق يد، فأحسن القول، وابسط العذر، وادع لهم بسعة الرزق، وقل:
إذا وجدتُ فعلتُ وأكرمتُ، فإن ذلك يعمل في مَسَرَّة نفسه عمل
المواساة.
١٣ - الإنفاق في الإسلام: هو التوسط والاعتدال من غير بخل ولا
إسراف، ولا تضييع المنفق عياله في المستقبل، أو ألا يبقى من يأتي بعد ذلك لا
شيء له، فإن الإسراف وإتلاف المال بغير حق يوقع المسرف في الحسرة
والندامة والملامة. والملوم: الذي يلام على إتلاف ماله، أو يلومه من لا يعطيه.

٦٨
لِخُرُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
١٤ - إن الله أعلم بمصالح عباده وبأحوالهم، فيرزق من يشاء، ويمنع من
يشاء على وفق الحكمة والمصلحة.
أصول أخرى
لنظام المجتمع الإسلامي
﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْسَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا
(مَثَ وَلَا نَقْتُلُواْ
كَبِيرًا ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَ
وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَتِ هِىَ
٣°م
يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا
وَأَوْفُواْ اُلْكَيْلَ
٣٤
أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ اُلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
إِذَا كِتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢٥) وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ
وَلَا
لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
كُلُّ ذَلِكَ
٣٧
تَّمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ ◌ُولًا
كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿ ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا
٣٩
تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَّمَ مَلُوْمًا مَّدْخُورًا
القراءات:
[خِطْئًا﴾: قرئ:
١- (خِطَاءً) وهي قراءة ابن كثير.
٢- (خَطَأ) وهي قراءة ابن ذكوان.
٣- (خِطْأ) وهي قراءة الباقين.
﴿فَلَا يُسْرِف﴾ :

٦٩
المُعُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (فلا تسرف).
﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾: قرئ:
١- (بالقِسْطَاس) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (بالقُسْطَاس) وهي قراءة الباقين.
﴿سَبِّئُهُ
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (سَيّئةً).
الإعراب:
﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ نصب على التمييز، التقدير: وساء سبيله سبيلاً، أي لأنه
يؤدي إلى النار.
﴿إِنَّهُ, كَانَ مَنْصُورًا﴾ الهاء إما أن تعود على القتل أو على المقتول أو على
الولي.
﴿ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ منصوب على المصدر، ومن قرأ: (مَرِحاً)
بكسر الراء كان منصوباً على الحال.
﴿ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من
الجبال أو من الفاعل.
: مبتدأ، و﴿ ذَلِكَ﴾:
٨ ٣
﴿ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَيِّكَ مَكْرُوهًا
إشارة إلى المذكور المتقدم من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى هذا الموضع.
و﴿سَبِّئُهُ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾، و﴿مَكْرُوهًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. و﴿عِندَ رَبِّكَ﴾
ظرف حشو، أو أنه خبر ﴿ كَانَ﴾ أي كائناً عند ربك مكروهاً، و﴿مَكْرُوهًا﴾:
حال من المضمر في الظرف. ومن قرأ: (سيئةً) بالتنوين، جعل اسم ﴿كَانَ

٧٠
الجُزُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
ضميراً يعود إلى ﴿كُلُّ﴾ و(سيئةً): خبرها، و﴿مَكْرُوهًا﴾: صفة. وقال:
مكروهاً لا مكروهة؛ لأن تأنيث السيئة مجازي غير حقيقي، أو أنه خبر آخر
لكان، وذكّره لأن ضمير ﴿كُلُّ﴾ مذكر، ويكون ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ متعلقاً بقوله:
﴿مَكْرُوهًا﴾.
البلاغة:
﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ اُلزِّ﴾ أبلغ من القول: لا تأتوه، أو لا تزنوا.
(كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ عبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك؛ لأنها حواس لها
إدراك، وجعلها مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فعبر عنها بأولئك.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ﴾ بالوأد ﴿خَشْيَةً إِمْلَقِّ﴾ خوف الفقر ﴿مَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ
وَإِيَّاكُمْ﴾ قدّم هنا رزق الأبناء على رزق الآباء؛ لأن قتل الأولاد كان خشية
وقوع الفقر بسببهم، فقدم رزقهم، وفي سورة الأنعام ﴿فَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَاهُمٌ﴾ [١٥١] قدم رزق الآباء على رزق الأولاد، لأن قتلهم كان بسبب
فقر الآباء ﴿خِطْئًا﴾ إثماً ﴿كَبِيرًا﴾ عظيماً.
﴿فَاحِشَةً﴾ فعلة قبيحة ظاهرة القبح ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ بئس طريقاً هو،
لأنه اعتداء على الأعراض، وغصب الأبضاع المؤدي إلى اختلاط الأنساب
وقطعها، وتهييج الفتن ﴿لِوَلِّهِ،﴾ لوارثه ﴿سُلْطَانًا﴾ تسلطاً على القاتل
بمؤاخذته على القتل، بإشراف الحاكم وحكمه، أو بالقصاص من القاتل،
فإن قوله تعالى: ﴿مَظْلُومًا﴾ يدل على أن القتل قتل عمد عدوان؛ لأن الخطأ لا
يسمى ظلماً ﴿فَلَا يُسْرِف﴾ يتجاوز الحد المشروع ﴿فِ الْقَتْلِّ﴾ بأن يقتل غير
القاتل، أو بغير ما قتل به، أو أكثر من شخص، منعاً لعادة الأخذ بالثأر في
الجاهلية.

٧١
الجزءُ (١٥) - الإسْراءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
﴿ِلِّ هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي الطريق التي هي أحسن ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ﴾ عهد الله
أي تكاليفه، أو عهد الناس الذي تبرمونه معهم إبراماً موثقاً مؤكداً ﴿مَسْئُولًا﴾
عنه، ومطلوباً من المعاهد ألا يضيعه ويفي به ﴿وَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ﴾ أتموه
﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِّ﴾ الميزان السوي أو العدل ﴿تَأْوِيلًا﴾ مآلاً أو عاقبة ﴿وَلَا
نَقْفُ﴾ لا تتبع ما لا تعلم ﴿ وَالْفُؤَادَ﴾ القلب ﴿مَسْئُولًا﴾ صاحبه: ماذا فعل به؟
فكل هذه الأعضاء يسأل صاحبها عما فعل بها، وأجراها مجرى العقلاء، لما
كانت مسؤولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها.
﴿مَرَحًا﴾ فخراً وتكبراً، أو ذا مرح بالكبر والخيلاء ﴿لَن تَّخْرِفَ الْأَرْضَ﴾
تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك أو لن تجعل فيها طرقاً بشدة وطأتك ﴿وَلَنْ
تَبِّلُغَ الَِالَ طُولًا﴾ أي لا تبلغ هذا المبلغ، فكيف تختال؟! ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ المذكور
من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إلى هذا الموضع ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنَ
اُلْحِكْمَةِ﴾ هي معرفة الحق سبحانه لذاته، والخير والموعظة للعمل بهما. ﴿ وَلَا
تَجَعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن
من لا قصد له لا يقبل عمله، ومن قصد بفعله أو تركه غير التوحيد، ضاع
سعيه، وأنه - أي التوحيد - رأس الحكمة وملاكها ﴿مَلُومًا﴾ تلام نفسك
﴿مَدْ حُورًا﴾ مطروداً من رحمة الله. ثم رتب على الشرك نتيجته في الآخرة، وهو
الإلقاء في جهنم.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بخمسة أشياء أولاً هي (التوحيد، والاشتغال بعبادة
الله بإخلاص والاحتراز عن عبادة غير الله، والإحسان إلى الوالدين والتواضع
لهما، وإيتاء ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، والقول الميسور) ثم ذكر
أدب الإنفاق وهو التوسط دون إسراف ولا تقتير، أتبعه بالنهي عن ثلاثة
أشياء وهي (النهي عن الزنى، وعن القتل إلا بالحق، وعن قربان مال اليتيم
إلا بالتي هي أحسن).

٧٢
الجزءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
ثم أتبعه بأوامر ثلاثة: هي الوفاء بالعهد، وإيفاء الكيل، ووزن الميزان
بالقسط أو العدل. ثم نهى عن ثلاثة أشياء: اتباع ما لا علم له به، والتكبر
والخيلاء، واتخاذ الشركاء آلهة مع الله.
والخلاصة: إنه تعالى جمع في هذه الآيات وما قبلها خمسة وعشرين نوعاً من
التكاليف وهي ما يأتي، مبتدئاً بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مختتماً به
أيضاً، للتنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر
التوحيد(١):
١ - نبذ الشرك: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾.
٢ - الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة غير الله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ
إِلَّ إِيَّاهُ﴾.
٣ - الإحسان إلى الوالدين: ﴿ وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾.
٤-٨- نواحي الإحسان للوالدين وهي خمسة: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ وَلَا
ثَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل
رَبِّ أَرْجَمْهُمَا﴾.
٩- ١١ - إيتاء المستضعفين الثلاثة: ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ﴾.
١٢ - عدم التبذير: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
١٣ - القول الميسور: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾.
١٤ - عدم البخل والتقتير: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾.
١٥-١٦ - تحريم وأد البنات أو قتل الأولاد: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ
إِمْلَقِّ﴾، وتحريم الزنا.
(١) تفسير الرازي: ٢١٣/٢٠

٧٣
لُزْعُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
١٨،١٧ - تحريم القتل إلا بالحق: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِالْحَقِّ﴾، ومنع الاقتراب من مال اليتيم إلا بالحق.
١٩ - حق الولي في القصاص: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ،
سُلْطَانًا﴾.
٢٠ - تحريم الإسراف في القصاص: ﴿فَلاَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ﴾.
٢١ - الوفاء بالعهد: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ﴾.
٢٢ - إيفاء الكيل: ﴿وَأَوْفُوْ اَلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾.
٢٣ - الوزن بالعدل: ﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ﴾.
٢٤ - عدم اتباع الظن: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ﴾.
٢٥ - تحريم التكبر والخيلاء: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحَّاً﴾.
مكرر مع الأول - تحريم الشرك: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرَ﴾.
التفسير والبيان:
هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات التي تبين
دعائم المجتمع الإسلامي(١)، وهو تحريم وأد البنات، فبعد أن بيَّن تعالى كيفية
البر بالوالدين، بيَّن كيفية البر بالأولاد.
والمعنى: ولا تقتلوا بناتكم خوف الفقر أو العار، فنحن نرزقهم لا أنتم،
ونرزقكم أيضاً، إن قتلهم خوف الفقر أو العار كان إثماً وذنباً عظيماً، وخطأ
جسيماً. وقدم الإخبار برزق الأولاد هنا؛ لأنه خاطب الموسرين منهم وذكر
(١) والأنواع الأربعة السابقة: هي الأمر بالتوحيد، والاشتغال بعبادة الله تعالى دون غيره،
والأمر ببر الوالدين، وإيتاء القريب والمسكين وابن السبيل حقه دون بخل ولا تبذير. وحق
الوالدين خمسة أشياء: عدم التأفيف، وعدم الانتهار بكلام زاجر، والقول الكريم الطيب،
والمبالغة في التواضع، والدعاء لهما بالرحمة.

٧٤
المُرعُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
الاهتمام برزقهم، وقدم الإخبار برزق الآباء في سورة الأنعام ﴿فَّحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَإِتَاهُمٌ﴾ [١٥١] لأنه خاطب الفقراء، ونهاهم عن قتلهم من
فقر، فالأرزاق للآباء والأولاد بيد الله، وقتل الأولاد خوف الفقر من سوء
الظن بالله، وإن كان خوف العار، والغيرة على البنات، فهو سعي في تخريب
العالم.
والآية دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه نهى عن
قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث. وكان أهل الجاهلية لا
يورثون البنات دائماً، ويقتلون البنات أحياناً بوأدهن أحياء في التراب؛
لعجزهن عن الكسب، وقدرة البنين عليه بالغارة والنهب والسلب، وأيضاً
كانوا يخافون من أن فقر البنات ينفر الأكفاء عن الرغبة فيهن، فيحتاجون إلى
تزويجهن من غير الأكفاء.
جاء في الصحيحين عن ابن مسعود: ((قلت: يارسول الله، أي الذنب
أعظم؟ قال: أن تجعل الله ندّاً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل
ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)).
النوع السادس - تحريم الزنى: وبعد أن أمر الله تعالى بالأشياء الخمسة
المتقدمة، أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء هي الزنى والقتل وأكل مال اليتيم،
وبدأ بتحريم الزنى، لأنه نوع من الإسراف، عقب النهي عن قتل الأولاد
الذي هو مظهر من مظاهر البخل، فقال سبحانه: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَىِّ إِنَّهُ كَانَ
فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا (3) أي لا تقتربوا من الزنى، ولا من أسبابه
ودواعيه؛ لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه، والزنى فعلة فاحشة شديدة القبح،
وذنب عظيم، وساء طريقاً ومسلكاً؛ لأن فيه هتك الأعراض، واختلاط
الأنساب، واقتحام الحرمات، والاعتداء على حقوق الآخرين، وتقويض
دعائم المجتمع بهدم الأسرة، ونشر الفوضى، وفتح باب الاضطراب، وانتشار

٧٥
الْجُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
الأمراض الفتاكة، والوقوع في الفقر والذل والهوان. قال القفال: إذا قيل
للإنسان: لا تقرب هذا، فهذا آكد من أن يقول له: لا تفعله، ثم إنه تعالى
علل هذا النهي بكونه ﴿فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾.
أخرج ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعاً إلى النبي و سلم قال:
((مامن ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل
له)».
وقد علَّم النبي وَ له في حديث أخرجه أحمد فتى شاباً درساً بليغاً واقعياً في
أن الزنى كما هو مبغوض مكروه في أمهات الإنسان وبناته وأخواته وعماته
وخالاته، فكذلك هو مبغوض لا يحبه الناس لأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم
وعماتهم وخالاتهم، ثم وضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهر
قلبه، وأحصن فرجه)) فلم يكن ذلك الفتى بَعْدُ يلتفت إلى شيء.
أما بلاد الشرق والغرب التي تبيح الزى ولو علانية، فإنها لا تهتم باختلاط
الأنساب، ولا بما يسمى بالعرض، فقد رُفع هذا من القيم الأخلاقية
عندهم، وجعلوا الاستمتاع بالمرأة كالطعام والشراب، وهذا نذير سوء،
وقلب للأوضاع، ونكسة في الفطرة الإنسانية.
وقد وصف الله تعالى الزنى بصفات ثلاث: كونه فاحشة، ومقتاً في آية
أخرى، وساء سبيلاً. أما كونه فاحشة: فلاشتماله على فساد الأنساب الموجبة
لخراب العالم، ولاشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج، وهو أيضاً
يوجب خراب العالم. وأما المقت: فلأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة، حتى في
الأوساط المتحللة، وذلك يوجب عدم السكن والازدواج، وأن لا يعتمد
الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه. وأما أنه ساء سبيلاً: فلأنه لا

٧٦
لِلُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكور بالإناث،
وأيضاً يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة، من غير أن يصير مجبوراً
بشيء من المنافع(١).
النوع السابع - تحريم القتل: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ﴾ هذا هو ثاني الأمور
المنهي عنها، وسابع أحكام المجتمع، وناسب ذكره بعد الزنى؛ لأن الزنى يؤدي
إلى عدم وجود الإنسان، ويقلل من النسل البشري، أما القتل فيهدم وجود
الإنسان، وهو إعدام الناس بعد وجودهم، وهو حرام لكونه اعتداء على خلق
الله، وهدم له؛ لأن الإنسان ليس ملكاً لنفسه، إنما هو ملك لخالقه، وثروة
لمجتمعه ودولته، ولذلك حُرِّم الانتحار وحُرِّم قتل النفس إلا بالحق، فمن قتل
نفسه فهو آثم معتد، ومن قتل غيره فهو أيضاً معتد أثيم.
ومعنى الآية: ولا تقتلوا النفس الإنسانية التي حرم الشرع قتلها إلا إذا كان
بحق شرعي، وهو أحد أمور ثلاثة: كفر بعد إيمان (ردة) وزنی بعد إحصان،
وقتل معصوم الدم عمداً، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود أن
رسول الله ﴿ قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك
لدينه المفارق للجماعة)). وثبت في السنن للترمذي والنسائي عن ابن عمرو:
((لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مسلم)).
فالقتل بغير حق جريمة عظمى؛ لأنه إفساد والله تعالى لا يحب الفساد،
وضرر واعتداء، وإخلال بالأمن، وإحداث للاضطراب في المجتمع، وسبيل
لانقراض الإنسانية.
وبعد أن استثنى الله تعالى من تحريم القتل حالة القتل بالحق بقوله: ﴿إِلَّا
(١) تفسير الرازي: ١٩٨/٢٠ - ١٩٩

٧٧
الجُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
بِالْحَقِّ﴾ أثبت الحق في تنفيذ القصاص بإشراف الدولة لولي الدم، مع تقييده
بحصر القتل في القاتل نفسه دون غيره، فقال: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا﴾ أي ومن قتل ظلماً وعدواناً بغير حق يوجب قتله، فقد جعلنا
لمن يلي أمره من وارث أو سلطان حاكم عند عدم الوارث سلطة على القاتل
ومنحه الخيار بأحد أمرين: إما القصاص (القَوَد) منه بعد حكم قضائي
وبإشراف القاضي، وإما العفو عنه على الدية أو مجاناً كما ثبت في السنة، لقوله
تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصَاصُ فِ اَلْقَبْلِ﴾ [البقرة: ١٧٢/٢].
وقوله صل﴿ فيما رواه أبو داود والنسائي عن أبي شُريح الْخُزاعي: ((من قُتِل له
قتيلٌ بعد مقالتي هذه، فأهله بين خِيَرَتين: إما أن يأخذوا العَقْل - الدية - أو
يقتلوا)».
وهذا السلطان لولي الدم مقيد بألا يسرف في القتل، أي فلا يسرف الولي في
قتل القاتل بأن يمثل به، أو يقتص من غير القاتل، كعادة أهل الجاهلية والجاهلين
اليوم الذين يقتلون الجماعة في الواحد تشفياً واستعلاء، قال مهلهل بن أبي ربيعة
حين قُتل بُجَير بن الحارث بن عباد: بُؤْ بشِسْع نعل كليب أخي، أي أنت تساوي
نعل كليب، ولا يكفيني في كليب إلا قتل آل مُرَّة جميعاً.
لا تسرف أيها الولي في استيفاء القتل، فإنك معانٌ منصورٌ على القاتل شرعاً
وقدراً، حيث وجب لك القصاص، ويعوضك الله خيراً في الدنيا والآخرة،
بتكفير الخطايا، وتعذيب القاتل في النار.
والمقصود بذلك: أن الأولى ألا يقدم ولي الدم على استيفاء القتل، وأن
يكتفي بأخذ الدية، أو يعفو مجاناً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ
فَتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨/٢] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ
تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢].
النوع الثامن - تحريم أكل مال اليتيم: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيِمِ﴾ بعد أن

٧٨
المُجُزْءُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ /٣١-٣٩
حرم الله تعالى إتلاف الأنفس حرم إتلاف الأموال، والمعنى لا تتصرفوا في
مال اليتيم ولا تقربوا منه أكلاً وإتلافاً إلا بما يحقق الفائدة أو المصلحة
الظاهرة لليتيم، وهي الطريقة الحسنى بحفظ ماله وتثميره حتى يبلغ رشيداً،
ويبلغ أشده مبلغ الرجال، ويكتمل عقله، فالمراد بالأشد: بلوغه إلى سن
یتمکن فيه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله، وعند الرشد تزول ولاية
غيره عنه، وهو حد البلوغ رشيداً. فإن بلغ غير عاقل أو غير رشيد، بقيت
الولاية السابقة عليه. وبلوغ العقل: هو أن يكمل عقله وقواه الحسية
والحركية.
ونظير الآية: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌٌّ
وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦/٤]. فيجوز لولي اليتيم إذا كان
فقيراً أن يأخذ شيئاً من مال اليتيم للحاجة بقدر المعروف.
ولما نزلت آية ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ﴾ شق ذلك على الصحابة، فكانوا لا
يخالطون اليتامى في طعام ولا غيره، مما أدى إلى إهمال شؤون الأيتام، فأنزل
الله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ﴾
[البقرة: ٢ /٢٢٠] .
النوع التاسع - الوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾:
بعد أن أمر الله تعالى بخمسة أشياء أولاً، ثم نهى عن ثلاثة أشياء (الزنى،
والقتل إلا بالحق، وقربان مال اليتيم) أمر بأوامر ثلاثة: أولها - الوفاء
بالعهد، والمعنى: وفّوا بالعهد الذي تعاهدون عليه الناس، وبالعقود التي
تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد، كل منهما يسأل صاحبه عنه، ونظير الآية:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١/٥] فالعهد فضيلة وميثاق،
والعقد التزام وارتباط، والإخلال بالعهد خيانة ونفاق، والتحلل من العقد
إهدار للثقة وتضييع للحقوق، فيجب شرعاً الوفاء بالعهد، وتنفيذ مقتضى

٧٩
الُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
العقد، فمن أخلف بوعده، ولم يوف بعهده، ولم ينفذ التزام عقده، وقع في
الإثم والمعصية، وأخل بمقتضى الإيمان والدين، والعهد: أمر عام يشمل كل
مابين الإنسان وبين الله والنفس والناس. والعقد: كل التزام يلتزمه الإنسان،
كعقد اليمين والنذر، وعقد البيع والشركة والإجارة والصلح والزواج.
وكل عقد لأجل توثيق الأمر وتوکیده، فهو عهد.
لذا تواردت الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والعقود، كقوله
تعالى: ﴿وَأَلْمُؤُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧/٢] وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ
[المؤمنون: ٨/٢٣ والمعارج ٣٢/٧٠] وقوله :
لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥/٢] وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَضِ مِّنْكُمْ﴾
[النساء: ٢٩/٤].
والوفاء بالعهد أو بالعقد: تنفيذ مقتضاه، والحفاظ عليه على الوجه
الشرعي، وعلى وفق التراضي الذي لا يصادم الشرع.
النوع العاشر - إيفاء الكيل والوزن بالعدل: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ هذا هو الأمر الثاني من الأوامر الثلاثة المذكورة في هذه
الآية، وهو إتمام الكيل وإتمام الوزن، أي أتموا الكيل من غير تطفيف ونقص،
وأتموا الوزن بالعدل دون جور أو حيف، فإن كلتم لأنفسكم أو وزنتم فلا
تزيدوا في الكيل أو الوزن، ولا مانع إن نقصتم عن حقكم . ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي
فإن عاقبة الوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والوزن بالعدل خير لكم في الدين والدنيا
في معاشكم ومعادكم، وأحسن مآلاً ومنقلباً في آخرتكم، فلا تؤاخذون أو
تعاقبون يوم القيامة، ويرغب الناس في معاملتكم، ويثنون عليكم، ولا
تتعرضون لإساءة السمعة، أو عقاب السلطة، فقد ثبت بالتجربة أن التاجر
الثقة الصدوق هو المحبوب الرابح الذي يقبل عليه الناس، وأن التاجر الذي
يطفف الكيل أو الوزن هو المنبوذ المبغوض الخاسر الذي يعرض الناس عنه.

٨٠
الجزءُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٣١-٣٩
وقد وردت آيات كثيرة في معنى هذه الآية، منها ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
الرحمن: ٩/٥٥] ومنها: ﴿وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ
وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ
أَشْيَآءَهُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥/٧]
ج
ومنها: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
وَإِذَا
الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
[المطففين: ١/٨٣-٣].
وكل من الوفاء بالعقود والعهود وإتمام الكيل والميزان قاعدة حضارية
اجتماعية سامية، وأساس راسخ ضروري في صرح التعامل بين الناس،
يؤدي إلى توفير الثقة والطمأنينة، ويكون سبباً لتنمية العلاقات وزيادة الكسب
والأرباح.
النوع الحادي عشر - التخمين وسوء الظن: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ،
عِلْمُ﴾ أي أنه تعالى بعد بيان الأوامر الثلاثة عاد إلى ذكر النواهي، فنهى عن
ثلاثة أشياء:
أولها - القول بالحدس والتخمين وسوء الظن، فهذا عيب في السلوك،
وتشويه الحقائق، وطعن في الآخرين بغير حق، وإهدار لقدسية العلم
والحقيقة. والمعنى: ولا تتبع ولا تقتف مالا علم لك به من قول أو فعل،
والمقصود النهي عن الحكم على الأشياء بما لا يكون معلوماً علماً صحيحاً،
ولا دليل عليه. وهذا يشمل نهي المشركين عن الاعتقاد الفاسد في القضايا
الإلهية والنبوات، بسببٍ تقليد أسلافهم، واتباع الهوى: ﴿إِن يَتَّعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣/٥٣].
ويشمل أيضاً شهادة الزور وقول الزور، والقذف ورمي المحصنين
والمحصنات (العفائف) بالأكاذيب، والكذب والبهتان والافتراء، والطعن في
الآخرين بالظن وتتبع العورات، وتزييف الحقائق العلمية والأخبار وغير
ذلك، فلا يصح لإنسان أن يقول مالا يعلم، أو يعمل بما لا علم له به، أو
أن يذم أحداً بما لا يعلم.