النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
لُ (١٥) - الإِشْرَاةِ: ١٧ / ١٢-١٧
٣ - النهار وقت مناسب للعمل والحركة والتقلب في الأرض لكسب
المعايش وتحصيل الأرزاق.
٤ - كل إنسان معلّق بعمله، وعمله مختص به ولازم له، خيراً أو شراً.
- إن كتاب الإنسان وسجله الذي يلقاه أمامه يوم القيامة حافل بكل ما
قدم وما أخر. وكفى بالإنسان محاسباً لنفسه. قال الحسن البصري: يقرأ
الإنسان كتابه أمّاً كان أو غير أمّي.
٩ - كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، فمن اهتدى فثواب
اهتدائه له، ومن ضلَّ فعقاب كفره علیه.
لاً - إقرار مبدأ المسؤولية الشخصية عدلاً من الله ورحمة بعباده، فلا يحمل
أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه. قال ابن عباس عن آية: ﴿وَلَا
نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٌ﴾: نزلت في الوليد بن المغيرة قال لأهل مكة: اتبعوني،
واكفروا بمحمد، وعلي أوزاركم، فنزلت هذه الآية. ومعناها: أن الوليد لا
يحمل آثامكم، وإنما إثم كل واحد عليه.
أما ما روي عن عائشة رضي الله عنها في الرد على ابن عمر حيث قال النبي
في حديث رواه الشيخان: ((إن الميت ليعذّب ببكاء أهله)) فلا وجه لإنكارها
وتخطئتها؛ إذ لا معارضة بين الآية والحديث؛ فإن الحديث محمول على ما إذا
كان النَّوْحِ مِن وصية الميت وسنته وبسببه، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى
قال طرفة :
إذا مِتُّ فانعيني بما أنا أهله وشُقِّي علي الجيب يا ابنة مَعْبَدٍ
وقال:
إلى الحول، ثم اسمُ السلام عليكما ومن يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر
٨ - لم يترك الله الخلق سدىً، بل أرسل الرسل، وفي هذا دليل على أن

٤٢
لِزُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١٢-١٧
الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، وهذا في رأي الجمهور، في حكم الدنيا، بمعنى
أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار، ولا يهلك الله
القرى قبل ابتعاث الرسل.
وقالت المعتزلة بأن العقل يقبِّح ويحسّن ويبيح ويحظر.
١ - تدل آية ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ على أن أهل الفترة (فترة
انقطاع الرسل) الذين لم تصلهم رسالة، وماتوا ولم تبلغهم الدعوة وهم أهل
الجاهلية وأمثالهم في الجزر النائية الذين لم يسمعوا بالإسلام في زماننا هم
ناجون، من أهل الجنة. ومثلهم أولاد المشركين والكفار الذين ماتوا وهم
صغار قبل التكليف، وآباؤهم كفار، وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف.
أما الناس بعد البعثة - بعثة الرسول و ◌َ﴾ - فهم كما أبان الغزالي رحمه الله
أصناف ثلاثة :
الأول - من لم تبلغهم دعوته، ولم يسمعوا به أصلاً، فهؤلاء في الجنة.
الثاني - من بلغتهم دعوته ومعجزاته ولم يؤمنوا به كالكفار في زماننا،
فهؤلاء في النار.
الثالث - من بلغتهم دعوته و 18 بأخبار مكذوبة أو بنحو مشوه، فهؤلاء
يرجى لهم الجنة.
. ١ - إن عذاب الاستئصال لا يكون إلا بشيوع المعاصي والذنوب
والمنكرات، فإذا أراد الله إهلاك قرية أمر مترفيها وغيرهم بالطاعة والرجوع
عن المعاصي، ففسقوا وظلموا وبغوا، أي آثروا الفسوق على الطاعة، خلافاً
للأمر، فحق عليها القول بالتدمير والهلاك.
وعلى قراءة (أَمَّرْنَا) بالتشديد يكون المعنى: سلطنا شرارها، فعصوا فيها،
فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم.

٤٣
الُ (١٥) - الأشْراءِ: ١٧ / ١٢-١٧
وذكر قتادة والحسن أن معنى (أَمِرنا) بكسر الميم: أكثرنا، يقال: أَمِر القوم
- بكسر الميم -: إذا كثروا، ومنه الحديث الذي رواه أحمد والطبراني عن سويد
بن هبيرة: ((خير مال المرء: مَهْرةٌ مأمورة، أوسِكَّةٌ مأبُورة(١)) أي مهرة كثيرة
النتاج والنَّسْل، وصف من النخل مأبورة. وفي حديث هِرَقْل - الحديث
الصحيح: ((لقد أَمِرِ أمرُ ابنِ أبي كَبْشة(٢)، ليخافه ملك بني الأصفر)) أي كثر.
(أَ - كم من قوم كثيرين كفروا، فحلَّ بهم الهلاك أو البَوار، وهذا إنذار
ووعيد وتهديد بالعقاب الشديد لكل من كفر بالله وبرسوله محمد واله.
١٢ - إن المعاصي إذا ظهرت ولم تُغيَّر، كانت سبباً لهلاك الجميع.
١٣ - دلَّ قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أنه تعالى عالم
بجميع المعلومات، راءٍ لجميع المرئيات، فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق.
وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات، فكان قادراً على إيصال الجزاء إلى كل
أحد بقدر استحقاقه، وأيضاً أنه منزه عن العبث والظلم، وهذه الصفات
الثلاث (العلم التام، والقدرة الكاملة، والبراءة عن الظلم) أمان لأهل
الطاعة، وخوف لأهل الكفر والمعصية.
(١) السِّكَّة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة.
(٢) يريد: رسول الله صل﴾، وكان المشركون يقولون للنبي وَله: ((ابن أبي كبشة)) شبهوه بأبي كبشة:
رجل من خزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان.

٤٤
لُعُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ١٨-٢١
جزاء من أراد الدنيا ومن أراد الآخرة
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ
وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
يَصْلَنهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا (َّم
فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا (﴿َ كُلَّا تُّمِّدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ
وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ
أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا
٢١
القراءات:
﴿يَحْظُورًا، أَنْظُرْ﴾:
بكسر التنوين وصلاً قرأ: حمزة، وأبو عمرو، وابن ذكوان، وعاصم.
وقرأ الباقون بضمه.
الإعراب:
﴿لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ بدل من ﴿لَهُ﴾ بدل البعض من الكل بإعادة حرف الجر،
مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥/٧] فقوله: ﴿لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله
لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حال
﴿ كُلَّا تُمِدُ﴾ كلاً: مفعول به لـ ﴿نُمِدُ﴾ و﴿هَؤُلَاءٍ﴾ بدل من كل ومعناه:
إنا نرزق المؤمنين والكافرين.
﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾: منصوب بفضلنا، وليس العامل فيه ﴿أُنْظُرْ]

٤٥
لُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ١٨-٢١
لأن ﴿كَيْفَ﴾ معناها الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه
ما قبله.
﴿دَرَجَاتٍ﴾ تمييز منصوب، وكذلك ﴿تَفْضِيلًا
المفردات اللغوية:
﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدٌ﴾ بعمله. ﴿الْعَاجِلَةَ﴾ أي الدنيا، مقصوراً عليها همه، والمراد
الدار العاجلة، فعبر بالنعت عن المنعوت. ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾
قيد المعجَّل والمعجّل له بالمشيئة والإرادة؛ لأنه لا يجد كل متمنّ ما يتمناه، ولا
كل واحد جميع ما يهواه . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ﴾ في الآخرة. ﴿يَصْلَنَهَا﴾ يدخلها.
﴿ مَذْهُومًا﴾ ملوماً. ﴿مَّدْحُورًا﴾ مطروداً من رحمة الله تعالى.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ أي عمل عملها اللائق بها، وهو
الإتيان بما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم.
وفائدة لام ﴿لَهَا﴾ اعتبار النية والخلوص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيماناً صحيحاً
لاشرك فيه ولا تكذيب. ﴿فَأَوْلَئِكَ﴾ الجامعون للشروط الثلاثة: إرادة
الآخرة، والسعي لها بحق، والإيمان. ﴿كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ عند الله
تعالى، أي مقبولاً عنده، مثاباً عليه، فإن شكر الله: الثواب على الطاعة.
(كُلّ﴾ من الفريقين. ﴿قُِّذُ﴾ نعطي مرة بعد أخرى. ﴿ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكٌ﴾ من
معطاه في الدنيا.﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ فيها. ﴿مَحْظُورًا﴾ ممنوعاً عن أحد،
لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر، تفضلاً.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ﴾ في الرزق والجاه. ﴿ وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ﴾ أعظم.
﴿وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾ من الدنيا، أي إن التفاوت في الآخرة أكبر؛ لأن التفاوت
فيها بالجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، فينبغي الاعتناء بالآخرة دون الدنيا.

٤٦
الْجُرُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١٨-٢١
المناسبة:
الآيات مرتبطة بما قبلها بنحو واضح، فبعد أن بيَّن الله تعالى ارتباط كل
إنسان بعمله، قسم العباد قسمين: قسم يريد الدنيا ويعمل لها، وعاقبته النار،
وقسم يريد الآخرة، ومآله إلى الجنان.
وكل من الفريقين يرزقهم ربهم في الدنيا؛ لأن عطاءه ليس ممنوعاً عن
أحد، ولكنهم متفاضلون في الرزق، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من
مراتب تفاوت الدنیا.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تصنيف عام لأحوال الناس في الدنيا، فهم فريقان: فريق
يعمل للدنيا، وفريق يعمل للآخرة. أما الفريق الأول فهو: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ
اُلْعَاجِلَةَ﴾ أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، وكانت الدنيا أكبر همه ومبلغ
علمه، فخصها بكل جهده وعمله، ونسي الآخرة، عجل الله فيها تحقيق أمله
حسبما يشاء ويريد، من سعة الرزق وترف الحياة، فليس كل من طلب الدنيا
ونعمها يحصل له مراده، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، فالعطاء
الدنيوي مقيد بالإرادة والمشيئة الإلهية، والقيد يشمل أمرين: ما يشاؤه الله لا
ما يحبه العبد، ولمن يشاء الله، لا لكل من أراد الدنيا، فهؤلاء الماديون لا
يعطون كل ما يريدون، وإنما يعطون بعض أمانيهم، والكثير من الماديين لا
يعطون شيئاً أبداً، فيجمعون بين فقر الدنيا وفقر الآخرة، وبين الحرمان من
الدنيا والدين.
ولكل من هؤلاء الماديين، سواء أعطوا مرادهم أم لا جهنم يصلونها أي
يقاسون حرها بصفة دائمة، مذمومين من الله والملائكة والناس أجمعين على قلة
الشكر وسوء العمل والتصرف، مطرودين من رحمة الله تعالى.

٤٧
الجُزُ (١٥) - الإسراء: ١٧ / ١٨-٢١
فهذا العقاب ذو أوصاف ثلاثة في الآية: الدوام والخلود، والإذلال
والإهانة، والطرد من رحمة الله. وهذا تهديد للماديين الكفرة وزجر شديد،
فإنهم يحصرون همهم في الدنيا، وربما لم ينلهم شيء منها. روى أحمد عن عائشة
مرفوعاً: ((الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا
عقل له)).
وأما الفريق الثاني وهم المؤمنون الأتقياء فهم الذين أخبر الله تعالى عنهم:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ اُلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ أي ومن طلب الآخرة، وكانت هي
هَّهُ ومقصدَهُ، فعمل لها ما استطاع من القُرَب والطاعات، وهو مؤمن مصدق
بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، فأولئك أهل الكمال المشكورون على
طاعاتهم، المثابون على أعمالهم من قبل الله تعالى.
فلا يثاب هؤلاء ولا ينالون هذا الجزاء الحسن إلا بشروط ثلاثة:
الأول - إرادة ثواب الآخرة وما فيها من النعيم والسرور، جاء في الحديث
الذي رواه الشيخان عن عمر: ((إنما الأعمال بالنيات)).
الثاني - أن يكون العمل من القرب والطاعات ومتابعة الرسول وَله، لا
من الأعمال الباطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان،
والكواكب والملائكة وبعض البشر من الأنبياء، فقوله: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾
أي أعطاها حقها من السعي بالأعمال الصالحة.
الثالث - أن يكون العمل في دائرة الإيمان والتصديق بالثواب والجزاء، فلا
ينفع العمل بغير الإيمان الصحيح. وهذه هي الشرائط الثلاثة في كون السعي
مشكوراً.
قال بعض السلف: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية
صادقة، وعمل مصيب، وتلا هذه الآية.

٤٨
لُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ١٨-٢١
هؤلاء المؤمنون الصلحاء الذين اختاروا غنى الآخرة لا يبالون بشيء
بعدها، فإن أوتوا حظاً من الدنيا شكروا ربهم، وإن حرموا منه صبروا،
ورضوا؛ لأن ما عند الله خير وأبقى.
ثم أبان الله تعالى أن الرزق في الدنيا مضمون مكفول لكلا الفريقين، فقال:
كُلَّا تُمِّدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ أي إنه تعالى يمد الفريقين: مريدي
الدنيا ومريدي الآخرة بالأموال والأرزاق والأولاد وغيرها من مظاهر العز
والزينة في الدنيا، فإن عطاءه لا يمنع عن أحد، مؤمناً كان أو كافراً؛ لأن
الكل مخلوقون في دار العمل، فاقتضى عدل الله ورحمته ألا يترك لأحد مجالاً
للعذر، وأبان أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع، لتوفير متطلبات
الحياة ومقوماتها.
ثم أوضح الله تعالى أن عطاءه لكلا الفريقين متفاوت فقال:
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍٍ﴾ أي انظر بعين الاعتبار کیف جعلنا
الفريقين متفاوتين في عطاء الدنيا، وكيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق
ومتاع الدنيا، فمنحناه مؤمناً، وحجبناه عن مؤمن آخر، وأعطيناه كافراً،
ومنعناه عن كافر آخر، وذلك لحكمة بالغة نحن أعلم بها، كما قال: ﴿نَحْنُ
فَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣] وفي آية أخرى: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ
بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥/٦] وقال سبحانه أيضاً:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ
﴾ [الشورى: ٤٢ /٢٧].
٢٧
بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ
﴿ وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتِ﴾ أي والتفاوت في الآخرة أكبر وأعظم، والتفاضل
في درجات منافع الآخرة أكبر من التفاضل في درجات منافع الدنيا،
فالدرجات أكبر، والتفاضل أعظم؛ لأن الآخرة ثواب وأعواض وتفضل

٤٩
الُزُ (١٥) - الإسْراءِ: ١٧ / ١٨-٢١
وكلها متفاوتة، فأهل النار في دركات سفلى متفاوتة، وأهل الجنة في درجات
عليا متفاضلة، فإن الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين، كما بين السماء
والأرض، جاء في الصحيحين: ((إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين،
كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء)) وقال بعضهم: أيها المباهي بالرفع
منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة، وهي
أكبر وأفضل)».
وهذه واقعة طريفة معبرة مناسبة للآية، رواها ابن عبد البر عن الحسن
البصري قال: حضر جماعة من الناس فيهم الأشراف ومن دونهم من العامة
باب عمر رضي الله عنه، وفيهم سُهيل بن عمرو القرشي (أحد أشراف مكة)
وأبو سفيان بن حَرْب، ومشايخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر،
وكان يحبهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليُؤذَن لهؤلاء العبيد،
ونحن جلوس لا يُلتفت إلينا، فقال سهيل وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله
قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، إنهم
دُعُوا ودُعينا - يعني إلى الإسلام - فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف
التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة
أکبر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - الناس في مجال العمل في الدنيا صنفان: صنف يريد الدنيا، وصنف
يريد الآخرة، أما الصنف الأول: فلا يعطيه الله من الدنيا إلا ما يشاء، ولمن
يشاء، ثم يؤاخذه بعمله، وعاقبته دخول النار حال كونه مذموماً على سوء
تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي، مدحوراً مطروداً مبعَداً من رحمة
الله. قال القرطبي: وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبسون

٥٠
المُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ١٨-٢١
الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك
العمل منهم في الآخرة، ولا يُعطون في الدنيا إلا ما قُسم لهم(١).
وأما الصنف الثاني وهو الذي يريد الدار الآخرة، ويعمل لها عملها من
الطاعات، وكان مؤمناً؛ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن، فيكون عمله
مقبولاً غير مردود.
٢ - اقتضت حكمة الله ورحمته أن يرزق المؤمنين والكافرين، فلا يكون
عطاؤه محبوساً ممنوعاً عن أحد، غير أن الناس في الدنيا متفاوتون في الرزق،
بين مُقلّ ومُكْثر، ولا يرتبط التفاوت في الرزق بالإيمان والكفر، فقد يكون
مؤمن غنياً وآخر فقيراً، وقد يكون كافر موسراً مترفاً وآخر معسراً معدماً.
أما في الآخرة فدرجات تفاضل المؤمنين أكبر وأكثر، فالكافر وإن وُسِّع
عليه في الدنيا مرة، وقُتّ على المؤمن مرة، فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة
بأعمالهم، فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيها.
◌َّ - إن هذه الآية: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ مقيدة لإطلاق آية
هود: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا
يُبْخَسُونَ ﴿﴾ [١٥] وآية الشورى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى
حَرْثٍِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْيِّهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
﴾ [٢٠].
٤ - في الآية نفسها ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ فوائد ثلاث:
الأولى - العقاب مضرة مقرونة بالإهانة والذم الدائمين.
الثانية - إن الرفاهية في الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى؛
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٥/١٠

٥١
الجُزُ (١٥) - الإشراةِ: ١٧ / ١٨-٢١
لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها المصير إلى عذاب الله وإهانته، وهذا تنبيه
للجهال الذين يغترون بالدنيا إذا أقبلت عليهم، ويظنون أن ذلك لأجل
كرامتهم على الله تعالى.
الثالثة - قوله تعالى ﴿لِمَن تُرِيدٌ﴾ يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل
أحد، بل كثير من الكفار والضلال بطلبون الدنيا، ويبقون محرومين منها ومن
الدين، وفي هذا زجر عظيم لهم، فهم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم
في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
٥ - إن قبول الأعمال عند الله مشروط بشرائط ثلاث: الإيمان الصحيح،
والنية الطيبة الحسنة، والعمل الصالح الذي يرضي الله تعالى.
٩ - إن رزق الله وعطاءه مكفول لكل إنسان بشرط السعي والعمل، وليس
الرزق محظوراً عن أحد من المؤمنين والكفار.
لاً - ليس الرزق معطى بدرجة متساوية ونسبة واحدة، وإنما هناك تفاوت
في الأرزاق، لا يرتبط ذلك بالإيمان والكفر، وإنما يقسمه الله تعالى بين
الخلائق على وفق ما يراه من الحكمة والمصلحة.
٨ - إن التفاوت في الدركات للكفار والفساق في نار جهنم وفي الدرجات
للمؤمنين الأخيار الأتقياء في الجنة أشد بكثير من التفاوت في الدنيا، فالجنة
مثلاً مئة درجة، ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض.

٥٢
الجُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
أصول تنظيم المجتمع المسلم
التوحيد أساس الإيمان
وترابط الأسرة المسلمة دعامة المجتمع
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
٢٢
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْهُومَا تَخْذُولًا
تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
وَاخْفِضْ
كِلَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّكُمَا أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْجَمْهُمَا كما رَبَيَنِى صَغِيرًا ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا (١٥) وَءَاتِ ذَا
الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْدِيرًا ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ
وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ
إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا ([®
وَلَا تَجْعَلْ يَدَلَكَ مَغْنُولَةً إِلَى عُنُفِكَ وَلَا
مِّن رَّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا
نَبْسُطُهَا كُلَّ اٌلْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا (٣٦) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ
٣٠
وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيراً بَصِيرًا
القراءات:
﴿يَبْلُغَنَّ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يَبْلُغَانِّ).
﴿أُفٍ﴾: قرئ:
١- (أفِّ) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (أفَّ) وهي قراءة ابن كثير، ونافع.

٥٣
الجُزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٢٢ -٣٠
٣- (أفّ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرئ: ﴿يَبْلُغَنَّ﴾: وحدَّ الفعل لمجيء الفاعل بعده واحداً،
فإن الفعل متى تقدم توحَّد، والفاعل: أحدُهما. ومن قرأ: (يبلُغانٌ): فيكون
﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ بدلاً من ألف (يبلغانٌ) أو تكون الألف لمجرد التثنية
ولا حظّ للاسمية فيها، فيرتفع ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ بالفعل الذي قبلهما
على لغة من قال: قاما أخواك، وأكلوني البراغيث. و﴿إِمَّا﴾: هي إن الشرطية
زيدت عليها ما تأكيداً.
﴿أُفٍ﴾ اسم من أسماء الأفعال، فكانت مبنية، والبناء إما على الكسر
لالتقاء الساكنين، أو على الفتح لأنه أخف الحركات، أو على الضم لأنه أتبع
الضمَّ الضمَّ. ومن نون ﴿أُنٍّ﴾ أراد به التنكير، ومن لم ينوِّن أراد التعريف.
وفي ﴿أُنٍ﴾ إحدى عشرة لغة، مثل ((هيهات)).
﴿أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ ﴿أَبْتِغَّةَ﴾: مصدر منصوب في موضع الحال،
أي: وإما تعرضنَّ عنهم مبتغياً رحمة من ربك ترجوها. وجملة ﴿تَرْجُوهَا﴾ حال
منصوب، أي راجياً إياها.
البلاغة:
﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ استعارة مكنية، شبّه الذل بطائر ذي جناح،
ثم حذف الطائر، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الجناح، فهذه استعارة في
الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والخدم للسادة.
﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: استعارة
تمثيلية، مثَّل للبخيل الذي حبس يده عن العطاء بمن شُدَّت يده إلى عنقه،
بحيث لا يستطيع مدّها، وشبّه السرف ببسط الكف، حيث لا تمسك شيئاً.

٥٤
الزُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٢٢ -٣٠
﴿فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا﴾ لف ونشر مرتب، أعاد لفظ ﴿مَلُومًا﴾ إلى البخيل،
ولفظ ﴿تَحْسُورًا﴾ إلى الإسراف.
ج
﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ الخطاب للرسول وَّلَه والمراد به أمته، أو
الخطاب لكل أحد . ﴿فَقْعُدَ﴾ إما بمعناها الأصلي، أي فتعجز عن تحصيل
الخيرات، أو بمعنى: تصير، مأخوذ من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت
كأنها حربة، أي صارت مثل الحربة. ﴿مَذْمُومًا﴾ يذمك الملائكة والمؤمنون.
﴿تَخْذُولًا﴾ يخذلك الله تعالى، وتصير: لا ناصر لك؛ لأنك أشركت معه إلهاً
آخر. وهذا بناء على المفهوم يدل على أن الموحد يكون ممدوحاً منصوراً.
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ﴾ حكم وأمر أمراً مقطوعاً به. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بألا تعبدوا.
﴿إِلَّ إِيَّاهُ﴾ حصر العبادة بنفسه تعالى؛ لأن غاية التعظيم لا يستحقها إلا لمن
له غاية العظمة وغاية الإنعام ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ أي وبأن تحسنوا لهما
إحساناً، بأن تبروهما، أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً؛ لأنهما السبب الظاهر
للوجود والمعيشة. ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإحسان؛ لأنه صلته وهي لا
تتقدم عليه . ﴿ أَفٍ﴾ اسم صوت يدل على التضجر والاستثقال، أي تباً وقبحاً.
﴿وَلَا نَهُرْهُمَا﴾ تزجرهما، والنهر: الزجر بغلظة. ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾ جميلاً
ليناً.
﴿جَنَاحَ الذُّلِ﴾ ألن لهما جانبك الذليل، والمراد به التواضع والتذلل، أو
حسن الرعاية والعناية. ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي لرقتك عليهما وفرط رحمتك بهما.
﴿أَرْحَمْهُمَا كَا﴾ رحماني حين. ﴿رَبََّنِى صَغِيرًا﴾ أو رحمة مثل رحمتهما علي.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمْ﴾ من إضمار البر والعقوق. ﴿إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ﴾
طائعين الله، قاصدين للصلاح. ﴿لِلْأَوَّبِينَ﴾ للتوابين أو الرجاعين إلى طاعته.

٥٥
الُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
﴿غَفُورًا﴾ لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة، وهم لا يضمرون عقوقاً.
﴿وَءَاتِ﴾ أعط. ﴿ذَا اُلْقُرْبَ﴾ القرابة. ﴿حَقَّهُ﴾ من البر والصلة ﴿ وَلَا نُبَذِّرْ
تَبْذِيرًا﴾ التبذير: إنفاق المال في غير موضعه الموافق للشرع والحكمة. ﴿إِخْوَنَ
الشَّيَاطِينِ﴾ أي قرناءهم وعلى طريقتهم ﴿كَفُورًا﴾ شديد الكفر لنعمه. فكذلك
قرينه المبذر.﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أي وإن أعرضت عن المذكورين من ذي
القربى والمسكين وابن السبيل، حياء من الرد، فلم تعطهم . ﴿أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن
رَّيِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي لطلب رزق تنتظره يأتيك، فتعطيهم منه ﴿قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ ليناً
سهلاً، بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق.
﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ أي لا تمسكها عن الإنفاق تماماً،
والمغلولة: المقيدة بالغل: وهو القيد الذي يوضع في اليدين والعنق، وهو تمثيل
لمنع الشح وكناية عن البخل.﴿ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اٌلْبَسْطِ﴾ أي تتوسع في
الإنفاق، وهو تمثيل وكناية لمنع الإسراف . ﴿فَنَقْعُدَ مَلُومًا﴾ فتصير ملوماً عند
الله وعند الناس بالبخل، فهو راجع للأول: البخل. ﴿فَّحْسُورًا﴾ نادماً، أو
منقطعاً لاشيء عندك، وهو راجع للثاني: الإسراف . ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾
يوسعه لمن يشاء. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه لمن يشاء. ﴿إِنَُّ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا﴾
عالماً بسرهم وعلنهم، فيرزقهم على حسب مصالحهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٦):
﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ : أخرج الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: لما
نزلت: ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله وََّ فاطمة، فأعطاها فَدَك.
قال ابن كثير: هذا مشكل، فإنه يشعر بأن الآية مدنية، والمشهور خلافه. لكن
ذكر في مطلع السورة أن هذه الآية مدنية. وروى ابن مردويه عن ابن عباس
مثله.

٥٦
الزُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٢٢ -٣٠
نزول الآية (٢٨):
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن عطاء الخراساني قال: جاء
ناس من مُزَيْنة يستحملون رسول الله وسلّ فقال: لا أجد ما أحملكم عليه،
فتولوا وأعينُهم تفيض من الدمع حزناً، ظنوا ذلك، من غضب رسول الله
حَلّه، فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ الآية. والرحمة: الفيء.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت في كل من كان يسأل النبي وَلّ
من المساكين. قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله وَلقره،
فيأبى أن يعطيهم؛ لأنه كان يعلم منهم نفقة المال في فساد.
نزول الآية (٢٩):
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن سيار أبي الحكم قال: أتى
رسولَ الله وَلهبزّ (ثياب) وكان معطياً كريماً، فقسمه بين الناس، فأتاه قوم،
فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَلَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا
نَبْسُطُهَا﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه وغيره عن ابن مسعود قال: جاء غلام إلى النبي وَل
فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، قال: ما عندنا شيء اليوم، قال: فتقول
لك: اكسني قميصاً، فخلع قميصه، فدفعه إليه، فجلس في البيت حاسراً،
فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه أيضاً عن أبي أمامة أن النبي وَيّ قال لعائشة: أُنفق ما
على ظهر كفي، قالت: إذن لا يبقى شيء، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً
إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية. قال السيوطي: وظاهر ذلك أنها مدنية.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن الناس فريقان: فريق يريد بعمله الدنيا فقط،

٥٧
الجُرُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
وعاقبتهم العذاب والعقاب، وفريق يريد بعمله طاعة الله، وهم أهل الثواب
بشروط ثلاثة: هي إرادة الآخرة، والسعي بحق لطلب الآخرة، وأن يكون
مؤمناً، أتبعه ببيان حقيقة الإيمان وأن جوهره التوحيد ونفي الشركاء
والأضداد.
وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان، أتبعه بذكر شعائر الإيمان
وشرائطه، ودعائم بنيان المجتمع الإسلامي، مبتدئاً بأصول نظام الأسرة،
وتقوية الروابط بين أفرادها.
التفسير والبيان:
يخاطب الله تعالى الرسول وَله لبيان حقيقة الإيمان وهو التوحيد ونفي
الشركاء، والمراد بالخطاب: المكلفون من الأمة، إذ لم يكن له وَ﴾ في ذلك
الوقت أبوان.
ومضمونه: لا تجعل أيها الإنسان المكلف شريكاً مع الله تعالى في ألوهيته
وعبادته، وإنما أفرد له الألوهية والربوبية، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا
معبود بحق إلا هو، فإن جعلت مع الله إلهاً آخر، صرت ملوماً على إشراكك
به، مخذولاً لا ينصرك ربك، بل يتركك إلى من عبدته معه، وهو لا يملك ضراً
ولا نفعاً. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال
رسول الله وَ له: ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها
بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل)). والخلاصة: إن أول دعامة
للمجتمع المسلم: توحيد الله وعدم الشرك به.
وبعد بيان الركن الأعظم في العقيدة والإيمان وهو التوحيد، ذكر تعالى
شعائر الإيمان ومظاهره، وهي ما يأتي:
أولاً - عبادة الله تعالى وحده: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ أي أمر

٥٨
الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ٢٢-٣٠
الله تعالى ألا تعبدوا غيره، وهذا يتضمن أمرين: الاشتغال بعبادة الله تعالى،
والتحرز عن عبادة غير الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، ولا يستحق ذلك
غير الله عز وجل؛ لأنه مصدر النعم والإنعام من إعطاء الوجود والحياة
والقدرة والعقل.
ثانياً - الإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ قرن الله في كثير من
الآيات الأمر بعبادته بالأمر ببر الوالدين والإحسان لهما إحساناً تاماً في
المعاملة؛ لأنهما بعد الله الذي هو السبب الحقيقي لوجود الإنسان، كانا
السبب الظاهري في وجود الأولاد وتربيتهم في جو مشحون بالحنان واللطف
والعطف والإيثار، والمعنى: وأمر بالوالدين إحساناً، أو وأن تحسنوا إلى
الوالدين وتبروهما، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلَوَلِدَيْكَ إِلَىَّ
اُلْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤/٣١] وذلك لشفقتهما على الولد، وإنعامهما عليه، وبذل
أقصى الجهد في تربيته وصونه حتى يصبح رجلاً سوياً، فكان من الوفاء
والمروءة رد شيء من الجميل والمعروف لهما، إما بالمعاملة الحسنة والأخلاق
المرضية، وإما بالإمداد المادي إذا كانا بحاجة وكان الولد موسراً، لذا أبان
تعالى بعض وجوه الإحسان إليهما، فقال:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ الْكِبَرَ﴾ أي إذا بلغ الوالدان أو أحدهما سن الكبر،
وصارا عندك في آخر العمر بحال من الضعف والعجز، كما كنتَ عندهما في
بدء حياتك، فعليك اتباع الواجبات الخمسة التالية:
الأول - ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ﴾ أي لا تسمعهما قولاً سيئاً فيه أدنى تبرّم،
حتى ولا التأفف وهو التضجر والتألم الذي هو أدنى مراتب القول السيِّئ،
وذلك في أي حال، ولا سيما حال الضعف والكِبَر والعجز عن الكسب، لأن
الحاجة إلى الإحسان حينئذ أشد وأولى وألزم، لذا خص حالة الكِبَر؛ لأنها
الحالة التي يحتاجان فيها إلى البر، للضعف والكِبَر.

٥٩
لُعُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ٢٢ -٣٠
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((رغم أنفه، رغم
أنفه، رغم أنفه)) قيل؛ من يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك والديه عند الكبر
أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)).
الثاني - ﴿وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾ أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح. والفرق بين
النهي عن التأفف والنهي عن الانتهار: أن الأول للمنع من إظهار الضجر
بالقليل أو الكثير، وأن الثاني للمنع من إظهار المخالفة في القول، بالرد أو
التكذيب، فالتأفف: الكلام الرديء الخفي، والنهر: الزجر والغلظة.
الثالث - ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي وقل لهما قولاً ليناً طيباً حسناً
مقروناً بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجم. ويلاحظ أنه تعالى قدم النهي
عن المؤذي، ثم أمر بالقول الحسن والكلام الطيب؛ لأن التخلي مقدم على
التحلي، ومنع الأذى أولى من إحسان القول والفعل. قال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه مفسراً القول الكريم: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه، أي لا
يدعوهما بأسمائهما، ولا يرفع الصوت أمامهما، ولا يحملق بنظره فيهما،
وسئل سعيد بن المسيِّب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد
الفظّ.
الرابع - ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي تواضع لهما بفعلك،
والمقصود منه المبالغة في التواضع وإلانة الجانب، فإن خفض الجناح كناية عن
فعل التواضع، وتشبيه بحال الطائر إذا ضم إليه فرخه، فیخفض له جناحه.
والتواضع ينبغي أن يكون رحمة بهما وشفقة عليهما، لا لأجل امتثال الأمر
وخوف العار والنقد فقط.
الخامس - ﴿ وَقُل رَّبِّ أَرْجَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِ صَغِيرًا﴾ أي اطلب لهما الرحمة من
الله في حال كبرهما وعند وفاتهما. قال القفال رحمه الله تعالى: إنه لم يقتصر في
تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال، بل أضاف إليه تعليم الأفعال، وهو

٦٠
لُعُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ /٢٢-٣٠
أن يدعو لهما بالرحمة، فيقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ ولفظ الرحمة جامع لكل
الخيرات في الدين والدنيا. وقوله ﴿كما رَبَّانِى صَغِيرًا﴾ أي أحسن إليهما كما
أحسنا إلي في تربيتهما إياي، والتربية: هي التنمية، وخصها بالذكر ليتذكر
العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقاً لهما وحناناً
عليهما.
وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه الترمذي والحاكم
عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما: أن النبي وَّر صعد المنبر، ثم قال: ((آمين
آمين آمين، قيل: يا رسول الله، علامَ أمَّنتَ؟ قال: أتاني جبريل، فقال: يا
محمد، رغم أنف رجل ذكرتَ عنده، فلم يصل عليك، قل: آمين، فقلت:
آمين. ثم قال: رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، ثم خرج، فلم يغفر
له، قل: آمين، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو
أحدهما، فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين)).
والبر يكون في حال الحياة وبعد الموت أيضاً بدليل ما أخرجه أحمد وأبو
داود وابن ماجه عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند
رسول الله 8﴿ إذا جاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هل بقي علي
من برّ أبوي شيء بعد موتهما أبرُّهما به؟ قال: ((نعم، خصال أربع: الصلاة
عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم
التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما)).
فإذا كان الوالدان كافرين فللولد أن يدعو لهما حال الحياة بالهداية
والإرشاد، وأن يطلب لهما الرحمة بعد حصول الإيمان. أما بعد الموت فقد نهى
القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات، ولو كانوا أولي قربى في الآية: ﴿مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَ﴾
[التوبة: ١١٣/٩]. فيعامل المسلم أبويه الذميين معاملة حسنة إلا الترحم لهما بعد
موتهما على الكفر.