النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ اِلُعُ (١٤) - التّخَلِ: ١٦ / ١٠٦-١١١ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ) الأولى دل عليه خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية. المفردات اللغوية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الافتراء، أو على النطق بكلمة الكفر فتلفظ به ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ ◌ِالْإِیمَنِ﴾ لم تتغير عقيدته، وثبت على ماكان عليه، وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب. ﴿ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ له، أي فتحه ووسعه، والمعنى: اعتقده وطابت له نفسه ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ هذا وعيد شديد؛ إذ لا أعظم من جرمه، والغضب: أشد من اللعن الذي هو الطرد من رحمة الله ﴿ذَلِكَ﴾ الوعيد لهم ﴿يِأَنَّهُمُ اُسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ اختاروها أو آثروها وقدّموها. ﴿لَا جَرَمَ﴾ حقاً ﴿الْخَسِرُونَ﴾ إذ ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد، وصاروا إلى النار المؤبدة عليهم. ﴿هَاجَرُواْ﴾ من مكة إلى المدينة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ عذِّبوا أو اختبروا بالعذاب، وتلفظوا بالكفر، كعمار رضي الله عنه. ومن قرأ: ﴿فَتَنُوا﴾ معناه كفروا، أو فتنوا الناس عن الإيمان، كالحضرمي أکره مولاه جبراً، حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ﴿ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ على الجهاد وما أصابهم من المشاق ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ من بعد الفتنة والهجرة والجهاد والصبر ﴿ لَغَفُورٌ﴾ لهم لما فعلوا قبل ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم، منعم عليهم، مجازاة على ما صنعوا بعد. ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ﴾ اذكر، وهو يوم القيامة ﴿ تُحَدِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ تحاج وتجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها، لا يهمها شأن غيرها، فتقول: نفسي نفسي. والنفس الأولى: الجثة والبدن، والنفس الثانية: عينها وذاتها ﴿وَتَوَّقَى ٥٦٢ الجُعُ (١٤) - النَّخَلِ: ١٦/ ١٠٦-١١١ كُلُّ نَفْسٍ﴾ تعطى جزاء ما عملت ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون أجورهم شيئاً. سبب النزول: نزول الآية (١٠٦): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي ◌َ﴿ أن يهاجر إلى المدينة، أخذ المشركون بلالاً، وخبَّاباً، وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تَفيَّة، فلما رجع إلى رسول الله وَه حدَّثه فقال: كيف كان قلبك حين قلت؛ أكان منشرحاً بالذي قلت؟ قال: لا ، فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. روايات أخرى: في آية ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل: ((أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبَّ النبي وَ ثه، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله، قال له: ما وراءك؟ قال شرٌ ما تركتُ، نلتُ منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان، قال: إن عادوا فعُدْ، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَبِنٌّ بِآلْإِيمَنِ﴾)». وروي: ((أن قريشاً أكرهوا عماراً وأبويه ياسراً وسميَّة على الارتداد فأبْوا، فربطوا سمية بين بعيرين، ووُجئت بحربة في موضع عفتها، وقالوا: إنما أسلمتِ ٥٦٣ الُعُ (١٤) - الْخَلِلاَ: ١٦/ ١٠٦-١١١ من أجل الرجال، فقتلوها وقتلوا ياسراً، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل: يارسول الله، إن عماراً كفر، فقال رسول الله وَله: كلا، إن عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله وَ الر، وهو يبكي، فجعل رسول الله و ◌َ* يمسح عينيه، وقال: مالك؟ إن عادوا فعد لهم بما قلت)). نزول الآية (١١٠): ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾: أخرج ابن سعد في الطبقات عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذَّب، حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فُهَيْرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشاً رضي الله عنه (وكان أخا أبي جهل من الرضاعة) وأبا جَنْدل بن سهيل، وسَلَمة بن هشام، وعبد الله بن سَلَمة الثقفي، فتنهم المشركون، وعذبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليَسْلَموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا، وجاهدوا، فنزلت فيهم هذه الآية. المناسبة: بعد أن عظّم الله تعالى تهديد الكافرين الذين تقولوا الأقاويل على النبي وَل ير، فوصفوه بأنه مفتر، وأن ما جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، أردف ذلك ببيان من يكفر بلسانه لا بقلبه بسبب الخوف والإكراه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معاً. ثم ذكر بعده حال من هاجر بعدما فتن، وهم المستضعفون في مکة. ٥٦٤ اِلُرُ (١٤) - التْخَلِ: ١٦ / ١٠٦-١١١ التفسير والبيان: من كفر بوجود الله وتوحيده بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، فعليه غضب من الله ولعنته، وله عذاب شديد في الآخرة، لعلمه بالإيمان، ثم عدوله عنه، ولأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدم على الردة، ولم يهد الله قلبه، ولم يثبته على الدين الحق، فطبع على قلبه، فهو من الغافلين عما يراد، ومن الذين لا يعقلون شيئاً ينفعهم، وقد ختم على سمعه وبصره، فهو لا ينتفع بها، ولا أغنت عنه شيئاً. ثم استثنى الله تعالى ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه من أكره فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ﴾ أي إلا إذا أكره بسبب الضرب والأذى، وقلبه يأبى ما ينطق به في الظاهر، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإكراه، كما فعل عمار بن ياسر حينما عذبه مشركو مكة. وأصل الاطمئنان: سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان، ومعنى قوله: ﴿ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي فتحه ووسعه لقبول الكفر. ثم ذكر الله تعالى سبب سخطه على المرتد، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ﴾ أي ذلك الجزاء والغضب من الله والعذاب العظيم من أجل أنهم آثروا الدنيا على الآخرة. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى﴾ أي وأن الله لا يوفق المصرِّين على الكفر، الذين أمعنوا في إنكار توحيد الله ونبوة محمد رَله. ﴿أُوْلَنَّهِكَ الَّذِينَ طَبَعَ﴾ أولئك الذين ارتدوا أو كفروا بعد إيمانهم هم الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فلا يؤمنون ولا يسمعون كلام الله ولا يبصرون البراهين والأدلة إبصار تبصر، وأولئك هم الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم؛ لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها. ٥٦٥ لُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠٦-١١١ س﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ أي حقاً أو لابد أنهم هم الهالكون في الآخرة، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. هؤلاء المرتدون الخاسرون حَكَمَ الله عليهم بستة أحكام هي: اً - أنهم استوجبوا غضب الله. أَ - أنهم استحقوا العذاب الأليم. ءَّ - أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. ٤ - أنه تعالى حرمهم من الهداية للطريق القويم. ٥ - أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. أَ - أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة. ثم ذكر الله تعالى حكم المستضعفين في مكة، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم في مكة بعدما حاول المشركون فتنهم عن دينهم، وجاهدوا المشركين بعدئذ في المعارك، وصبروا على جهادهم، بالعون والنصر والتأييد والمغفرة والستر لذنوبهم، والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد توبتهم وصدق إسلامهم. فهؤلاء صنف آخر من المؤمنين كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة والنطق بالكفر ظاهراً، ثم إنه أمكنهم الخلاص بالهجرة إلى المدينة، تاركين بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا على الأذى، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم. ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب برحيم أو بإضمار فعل: اذكر، ٥٦٦ الجُ (١٤) - النحل: ١٦/ ١٠٦-١١١ أي إنه غفور رحيم بهم يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي، كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ [عبس: ٨٠/ ٣٧]. ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٧/ ٣٨]، ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣/٦] ونحو ذلك. ﴿وَتُوَنَّى كُلُّ نَفْسِ﴾ أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على جزاء الشر، ولا يظلمون نقيراً، أي شيئاً حقيراً أو صغيراً. فقه الحياة أو الأحكام: اشتملت الآيات على الأحكام التالية : اً - جزاء المرتدين يوم القيامة هو ستة أوصاف ذكرناها. وأما جزاؤهم في الدنيا فهو القتل، لحديث ابن عباس عند الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة): ((من بدل دينه فاقتلوه)). أَ - الترخيص للمستكره بالنطق بالكفر ظاهراً مع اطمئنان القلب بالإيمان، فقد أمر النبي ◌ّ ر عماراً أن يعود إلى مجاراة المشركين في القول إن عادوا إلى إكراهه، لكن عدم المجاراة أفضل. أ - قال العلماء: إن الأمر في الحديث للإباحة، والصارف له عن الوجوب إليها: ما روي عن خُبَيْب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه أنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي وَّ خيراً من عمار في إعطائه التقية. ثم إن في الصبر على المكروه إعزازاً للدين والإسلام وغيظاً للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه حينئذ إنما ٥٦٧ ◌ِلُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠٦-١١١ هو إسقاط المأثم فقط، كما قال ◌َّله فيما رواه الطبراني عن ثوبان، وهو صحيح: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فألحق المكره بالمخطئ والناسي، وفي رواية أخرى لابن ماجه عن أبي ذر: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان .. )) إلخ. وكذلك بلال الحبشي أبى على المشركين المجاراة في القول، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: أَحَدٌ، أحدٌ، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حَبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مُسَيْلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو ثابت على ذلك. ورواية القصة هي: ((أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضاً، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله وَّه فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له))(١). والخلاصة: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل، أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة. ب - لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة - عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا أكره الإنسان عليها لم يؤاخذ بما قال أو فعل، ولم يترتب عليه حكم. (١) الكشاف: ٢١٩/٢، تفسير ابن كثير: ٥٨٨/٢، تفسير القرطبي: ١٨٨/١٠ ومابعدها. ٥٦٨ الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠٦-١١١ جـ - قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خَشي على نفسه القتل: أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلماً. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، فإنه مخالف لهذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾. د - اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه، فذهب الحنفية إلى أن الطلاق ونحوه يلزمه؛ لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا ويحقق الاختيار. وغير الحنفية ذهبوا إلى عدم لزومه، استدلالاً بالحديث المتقدم: ((رفع عن أمتي)) وحمله الحنفية على رفع الحكم الأخروي وهو الإثم. هـ - وأما بيع المكره والمضطر فله حالتان: الأولى - أن يبيع ماله في حق وجب عليه: فذلك نافذ لازم لا رجوع فيه؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى صاحبه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك، كان بيعه اختياراً منه، فلزمه. الثانية - بيع المكره ظلماً أو قهراً: فهو بيع غير لازم، وهو أولى بمتاعه، يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم؛ فإن تلف المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك، على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. و - للإكراه مراتب: الأولى - أن يجب الفعل المكره عليه، مثل الإكراه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، هنا يجب الأكل؛ لأن صون الروح عن الهلاك واجب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢]. ٥٦٩ الُهُ (١٤) - الْحَلِآَ: ١٦ / ١٠٦-١١١ الثانية - أن يصير ذلك الفعل مباحاً لا واجباً، كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر، يباح ولا يجب. الثالثة - ألا يجب ولا يباح بل يحرم، كالإكراه على قتل إنسان أو قطع عضو آخر، يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. أما القصاص فيسقط في رأي، ويجب في رأي آخر(١). قال القرطبي: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يَقْدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة(٢). والخلاصة: ثلاثة أمور لا تباح بحال هي الكفر والقتل والزنى. ويرخص في إجراء كلمة الكفر على اللسان فقط دون استباحة ذلك. ز - هل يحد الزاني مكرهاً؟ فيه رأيان: قال بعضهم: عليه الحد؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره، وقال الأكثرون: لا حد عليه، وهو الصحيح. وإذا استكرهت المرأة على الزنى، فلا حد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ وقوله ◌َله: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَمِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣/٢٤] يريد الفتيات. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة. ح - هل يجب الصداق (المهر) للمستكرهة؟ قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لها صداق مثلها. وقال الحنفية والثوري وأصحاب مالك: إذا أقيم الحد على الذي زنى بها، بطل الصداق. قال ابن المنذر: القول الأول صحيح. (١) تفسير الرازي: ١٢٢/٢٠ (٢) تفسير القرطبي: ١٨٣/١٠ ٥٧٠ الُ (١٤) - الفخَلِ: ١٠٦/١٦-١١١ ط - إذا أكره إنسان على إسلام (تسليم) أهله (زوجته) لما لم يَحِلّ، أسلمها فيما ذكر القرطبي، ولم يقتل نفسه دونها، ولا احتمل أذية في تخليصها. وإن أمكنه الدفاع عن عرضه وجب ذلك. ي - يمين المكره غير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء؛ لأن نيته مخالفة لقوله. وقال الحنفية: إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث؛ لأن المكره له أن يورِّي في يمينه كلها، فلما لم يورِّ، فقد قصد إلى اليمين. ك - إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال، كأصحاب المكس (الجمارك) وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مالك: لا تَفيَّة له في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه، لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث، وإن درأ عن ماله، ولم يخف على بدنه. ل - قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر، فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك، كان كافراً؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثل أن يقول: أكفر باللاهي، بزيادة الياء، وكافر بالنبي بالتشديد، أي المكان المرتفع من الأرض، أو بالنبيء أي المخبر. م - حد الإكراه: عند مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء هو الوعيد المخوف، والسجن، والضرب، والإخافة، والإيثاق، والقيد ونحو ذلك. ونقل عن الحنفية أنهم لم يجعلوا السجن والقيد إكراهاً على شرب الخمر وأكل الميتة؛ لأنه لا يخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراهاً في إقرار الشخص: لفلان عندي ألف درهم. ٣ - المرتدون استوجبوا غضب الله وعذابه؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وحرموا من هداية الله، وطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلوا من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة. ٥٧١ الجُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٢ -١١٣ ٤ - كتب الله المغفرة والرحمة للذين هاجروا من بعد ما فتنوا أي قبلوا فتنة مشركي مكة، ثم جاهدوا مع المؤمنين، وصبروا على الجهاد، وهؤلاء هم المستضعفون، مثل عمار بن ياسر، وجبر مولى الحضرمي الذي أكرهه سیده، فكفر، ثم أسلم مولاه، وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا، ومثل المذكورين في سبب النزول: عياش وأبي جندل وسلمة بن هشام وعبد الله بن سلمة، ومثل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح الذي ارتد ولحق بالمشركين، فأمر النبي ◌َّ بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان، فأجاره النبي ◌َّ، ثم صار والياً على مصر. وقد ذكرت قصة عمار، وأشير للمعذبين المستضعفين بإيجاز. قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله وَله، وأبو بكر، وخَبَّاب، وصُهَيب، وبلال، وعمار، وشَية. أما الرسول فحماه أبو طالب، وأما أبو بكر فحماه قومه، وأُخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس، فبلغ منهم الجهد بحرّ الشمس والحديد، وأتاهم أبو جهل يشتُمهم ويوبخهم، ويشتم سمية، ثم طعنها بحربة في ملمس العفة. عاقبة كفران النّعَم في الدنيا ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ١٢ ١١٣ ظَلِمُونَ الإعراب: ﴿قَرْيَةٌ﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ٥٧٢ اِلُحُ (١٤) - الفخَلِ}: ١٦ / ١١٢-١١٣ ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة حال. البلاغة: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً﴾ المراد أهلها على سبيل المجاز المرسل، لأجل أنها مكان الأمن وظرف له، والظروف توصف بما حل فيها. ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ استعارة مكنية في أذاقها، حذف منها المشبه به، شبه ذلك اللباس لكراهته بالطعام المرّ، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإذاقة، على طريق الاستعارة المكنية، أي إنه استعار الذوق لإدراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه، نظراً إلى المستعار له. المفردات اللغوية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أي وجعلها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا، فأنزل الله بهم النقمة، أو لمكة ﴿قَرْيَةٌ﴾ هي مكة، والمراد أهلها، وقال الرازي: والأقرب أنها غير مكة؛ لأنها ضربت مثلاً لمكة، وهو غير مكة ﴿ءَامِنَةٌ﴾ من الغارات، لا تهاج. ﴿مُّطْمَيِنَّةً﴾ لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أو خوف .﴿رِزْقُهَا﴾ قوتها. ﴿رَغَدًا﴾ واسعاً. ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها . ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أي بنعمِه، جمع نِعْمة، كدرع وأدرع، أو جمع نُعْم كبؤس وأبؤس، وكفرانها بتكذيب النبي ◌ََّ ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ فقحطوا سبع سنين. ﴿وَالْخَوْفِ﴾ بتهديدهم بسرايا النبي وَ﴿ ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ بصنعهم. ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ محمد بَ. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الجوع والخوف . ﴿وَهُمْ ظَلِمُونَ﴾ حال التباسهم بالظلم. ٥٧٣ الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٢-١١٣ : المناسبة: بعد أن هدد الله تعالى الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة، هددهم أيضاً بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف. التفسير والبيان: ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغداً أي هنيئاً سهلاً واسعاً من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، أي جحدوا بها، فعمَّهم الله بالجوع والخوف، وبدلوا بأمنهم خوفاً، وبغناهم جوعاً وفقراً، وبسرورهم ألماً وحزناً، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته، بسبب أفعالهم المنكرة. وجاءهم رسول من جنسهم، فكذبوه فیما أخبرهم به من أنه رسول إلیھم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه ويشكروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذبوا بعذاب الاستئصال الشامل، حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم: وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبداً. والمثل: قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة، سواء كان ذلك الشيء موجوداً أو لم يكن موجوداً، وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية يحتمل أن تكون شيئاً مفروضاً، ويحتمل أن تكون قرية معينة، وهذه القرية إما مكة أو غيرها، وأكثر المفسرين على أنها مكة وأهلها، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، فجحدت بآلاء الله، وأعظمها بعثة محمد ◌َلتر، فأذاقها الله شدة الجوع والخوف، بعد. الرفاه والأمن، وأبوا إلا معاندة الرسول وَ ل﴿، فدعا عليهم بقوله: ((اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سِنين كسِني يوسف)) فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء وابتلوا بالقحط، فاضطروا إلى أكل الجيف والكلاب الميتة ٥٧٤ الجُعُ (١٤) - التحَلِ: ١٦ / ١١٢-١١٣ والعظام المحرقة، والعَلْهز: وهو وبر البعير المخلوط بدمه إذا نحروه. ثم قتل رؤساؤهم في بدر. وقال الرازي: والأقرب أنها غير مكة؛ لأنها ضربت مثلاً لمكة، ومثل مكة يكون غير مكة. أي إن هذا المثل عبرة لكل قرية، وعلى التخصيص مكة إنذاراً من مثل عاقبتها، وهي مثل لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته. وقوله: ﴿ءَامِنَةً﴾ إشارة إلى الأمن، وقوله: ﴿مُّطْمَبِنَّةً﴾ إشارة إلى الصحة بسبب طيب الهواء والمناخ، وقوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ إشارة إلى الكفاية(١). وبعد أن وصفت القرية بهذه الصفات الثلاثة قال: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ والأنعم جمع نعمة، وهو جمع قلة، أي أنها كفرت بأنواع قليلة من النعم، فعذبها الله. والمقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان كفران النعم القليلة موجباً العذاب، فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب. وهذه الصفات، وإن وصفت بها القرية، إلا أن المراد في الحقيقة أهلها، لذا قال في آخر الآية: ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وسماه الله لباس الجوع والخوف؛ لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى وجوب الإيمان بالله وبالرسل، وإلى عبادة الله وحده، وشكره على نعمه وآلائه الكثيرة، وإلى أن العذاب الإلهي لا حق بكل من كفر بالله وعصاه، وجحد نعمة الله علیه. (١) قال بعضهم مبيناً أهمية هذه العناصر الثلاثة للحياة: ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية ٠ ٥٧٥ الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٤-١١٩ وهذا إنذار ووعيد لأهل كل قرية اتصفوا بالظلم أي بالكفر والمعاصي؛ إذ لا ظلم أشد من ظلم الكفر والمعصية، في حق الله تعالى. والعذاب أو العقاب من جنس العمل، فإن أهل هذه القرية لما بطروا بالنعمة، بدلوا بنقيضها، وهو محقها وسلبها، ووقعوا في شدة الجوع بعد الشبع، وفي الخوف والهلع بعد الأمن والاطمئنان، وفي انعدام موارد العيش بعد الكفاية. الحلال الطيب والحرام الخبيث من المأكولات ﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِيرِ وَمَآ أُهِلَّ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (9) لِغَيْرِ اللَّهِ بِّ فَمَنِ اضْطُرَ عَيِّرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥) وَلَا نَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ١١٦ مَنَعٌ قَلِيلٌ وَلَهَمْ عَذَابٌ وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا فَصَصْنَا عَلَيَّكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم (١١٩ ) القراءات: ﴿نِعْمَتَ﴾: رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. ﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾ : ٥٧٦ لُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٤-١١٩ قرئ : ١- (فمنِ اضطُر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- (فمنُ اضطُر) وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ﴾: ما مع الفعل بعدها: في تأويل المصدر. ﴿اَلْكَذِبَ﴾ مفعول ﴿تَصِفُ﴾. ومن قرأه بالجر كان بدلاً مجروراً من (ما) أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم. البلاغة: حَلٌ﴾ ﴿حَرَامٌ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿فَكُلُواْ﴾ أيها المؤمنون، أمرهم تعالى بأكل ما أحل الله لهم، وشكر ما أنعم عليهم، بعدما زجرهم عن الكفر، وهددهم عليه. ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ﴾ أي لوصف ألسنتكم، والمراد: لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول من غير دليل، فمن قال: له وجه يصف الجمال، وعين تصف السحر، أراد أنه جميل، وأن عينه فتانة، وهنا جعل الكذب كأنه حقيقة مجهولة، وكذبهم يشرح تلك الحقيقة .. ﴿هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ لما لم يحله الله ولم يحرمه . ﴿مَتٌَ قَلِيلٌ﴾ أي لهم متاع في الدنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي ولهم في الآخرة عذاب مؤلم. ﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ﴾ أي اليهود. ﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ في آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦/٦]. ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ صِل ٥٧٧ اِلُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٤-١١٩ بتحريم ذلك. ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك. ﴿اَلُّوْءَ﴾ الشرك. ﴿ثُمَّ تَابُواْ﴾ رجعوا. ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ عملهم . ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ الجهالة أو التوبة. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم. ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم. المناسبة: بعد أن هدد الله تعالى الكفار على كفران النعم، وزجرهم عن الكفر بضرب المثل، أمر المؤمنين بأكل ما أحل الله لهم، وشكر ما أنعم عليهم، والمعنى: أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر، فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة، واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم ونحوهما، ثم أوضح لهم أن التحليل والتحريم ليسا بالهوى والشهوة ومحض العقل، وإنما لا بد من دليل أو نص شرعي، وأن ما حُرِّم على اليهود هو ما ذكر سابقاً في سورة الأنعام، وأن من يعمل السوء (وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي) بجهالة أي بطيش وعدم تدبر العواقب (وكل من عمل السوء، فإنما يفعله بالجهالة) ثم يتوب بعدئذ، فإن الله یغفر له معصیته ویرحمه. التفسير والبيان: هذا انتقال من الإنذار والتخويف إلى الاطمئنان، وتهدئة الخواطر، وتطييب النفوس المؤمنة، والإذن بمتع الحياة الحلال، لا الخبيثة الحرام كالميتة والدم، فكلوا أيها المؤمنون من رزق الله الحلال الطيب، واشكروه على ذلك، فإنه المنعم المتفضل الذي يستحق العبادة وحده لاشريك له، إن كنتم تعبدونه حقاً، فتطيعونه فيما أمر، وتنتهون عما نهى، والمراد بالجملة الأخيرة التحريض على العبادة والاستمرار عليها. والحلال أكثر بكثير من الحرام، ولكنه على وفق ما أذن الله به، لا على النحو الذي كان عليه عرب الجاهلية من تحريم ما أحل الله، لذا ناسب ذلك ٥٧٨ لُعُ (١٤) - الفخَلِآ: ١٦ / ١١٤-١١٩ بيان المحرّمات القليلة أمام الحلال الكثير الواسع، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ﴾ أي إنما حرَّم عليكم ربكم محرَّمات أربعة فقط؛ لأن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، وهي أكل الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما ذبح على النصب للأصنام، وهو داخل تحت قوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٌِ﴾ أي ذبح على غير اسم الله، جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس: ((ملعون من ذبح لغير الله)) فلا تحرموا شيئاً مما أحله الله لكم. وقد ذكرت هذه الأنواع الأربعة في سور ثلاث سابقة هي سورة البقرة المدنية: ﴿إِذَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣/٢] وسورة المائدة المدنية أيضاً: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣/٥] وسورة الأنعام المكية كهذه السورة: ﴿إِلََّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥/٦]. وأما المذكور في سورة المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي (ذبح حياً) فهو داخل في الميتة. ثم استثنى تعالى حالة الضرورة فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾ أي فمن دعته الضرورة وألجأته، واحتاج من غير بغي ولا عدوان إلى تناول شيء من هذه المحرّمات، لمجاعة غلب على ظنه الهلاك فيها، غير باغ على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله، فيهلك الآخر، ولا عاد أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع أي قدر الضرورة، مما يدل على تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين، فإن الله غفور ستار لذنبه أو هفوته، لا يؤاخذه على ذلك، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك. وفي هذا تيسير وتوسعة على هذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر. ثم نهى الله تعالى عن سلوك سبيل المشركين بالتحليل والتحريم بآرائهم، وما ابتدعوه شرعاً في جاهليتهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، وتحليل الميتة والدم وغيرهما، فقال: ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٥٧٩ لُ (١٤) - الفخَلِآ: ١٦ / ١١٤-١١٩ اَلْكَذِبَ﴾ أي ولا تحللوا وتحرموا بالرأي والهوى والجهالة، دون اتباع شرع الله، ولمجرد وصف ألسنتكم الكذب دون دليل. وهذه مبالغة في تأكيد حصر المحرمات في الأربع السابقة. ﴿لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَّ﴾ أي لتصير عاقبة أمركم إسناد التحليل والتحريم إلى الله كذباً، من غير إنزال شيء فيه، فإن من حلل أو حرم شيئاً برأيه دون دليل أو وحي من الله، كان من الكاذبين على الله تعالى. فيدخل في هذا النهي كل من حلل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله بمجرد رأيه وهواه، وكل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي. ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ، مَتَحُ قَلِيلٌ﴾. أي إن الذين يختلقون الكذب على الله، لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلهم متاع قليل زائل وعرض زائل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم جداً، كما قال: ﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: ٢٤/٣١] . والآية في الأصل خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة. وبعد بيان الحلال والحرام والمباح للضرورة لهذه الأمة، ذكر تعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل نسخها، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَمْنَا﴾ أي وقد حرمنا على اليهود ما أخبرناك به أيها الرسول في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَّ أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦/٦] فلا يصح لكم أيها العرب التحريم والتحليل من عند أنفسكم، ولا تقليد اليهود فيما حرمنا عليهم، فلم نحرم عليهم إلا ما ذكر. ٥٨٠ الزُهُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١١٤-١١٩ وسبب التحريم هو: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ أي وما كان التحريم بظلم منا، ولكن كان بسبب ظلم ارتكبوه، فإنهم ظلموا أنفسهم بعصيان ربهم ومعاندة رسلهم، وتجاوز حدودهم، فاستحقوا ذلك، وعوقبوا بما حرمناه عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلٍْ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠/٤]. وهو صريح في أن التحريم كان بسبب الظلم والبغي، عقوبة وتشديداً. ثم أبان الله تعالى إمكان قبول التوبة تكرماً وامتناناً على العصاة والمفترين على الله، والمنتهكين حرماته، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ﴾ أي إن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة، فإن ربك غفور ستار رحيم بالذين افتروا عليه بالتحليل والتحريم، وعملوا السوء: وهو كل ما لا ينبغي من الكفر والمعاصي، بسبب الجهالة؛ لأن كل من عمل السوء، فإنما يفعله بالجهالة، فلا يرضى أحد بالكفر مع العلم بكونه كفراً، ولا تصدر المعصية عنه إلا إذا غلبت الشهوة على العقل والعلم. لكن المغفرة والرحمة مرتبطان بالتوبة والإنابة، والندم على ما فعلوا، وإصلاح الأعمال على وفق مراد الله ورسوله، فمن تاب من بعد ذلك، أي من بعد تلك السيئة أو الجهلة، وأصلح عمله، فآمن بالله ورسوله وأطاع الله ورسوله، فإن الله يغفر ذنبه، ويرحمه في الآخرة والدنيا. وقد أعاد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ على سبيل التأكيد، ثم قال ﴿لَغَفُورٌ زَحِيمٌ﴾ أي لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة. وهذا يدل على أن ارتكاب الذنب يكون غالباً بسبب غلبة الشهوة على ميزان العقل والعلم، أو بسبب جهالة الشاب وطيشه. ويدل أيضاً على أن من أقدم على الكفر والمعاصي ولو دهراً طويلاً، ثم تاب وآمن وعمل صالحاً، فإن الله يقبل توبته، ويخلصه من العذاب.