النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ المُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٥-٧٦ ﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًا﴾ والإنفاق إنما يكون من الأعيان لا الأحداث. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ جمع الضمير في الفعل ولم يقل: يستويان، لمكان ﴿وَمَن﴾ لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث؛ ولأنه للجنسين، فإن المعنى: هل يستوي الأحرار والعبيد؟ ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. البلاغة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فيها استعارة تمثيلية، مثّل فيها الوثن بالأبكم الذي لا ينتفع به بشيء، كما مثله في الآية المتقدمة بالمملوك العاجز عن التصرف رأساً. ﴿ِرَّاً وَجَهْرًا﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿مَّمْلُوكًا﴾ صفة تميزه من الحر، فإنه أيضاً عبد الله. ﴿لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ من التصرف مطلقاً لعدم ملكه . ﴿وَمَنْ رَزَقْنَهُ﴾ ﴿وَمَن﴾ نكرة موصوفة أي حراً، لتطابق كلمة ﴿عَبْدًا﴾. ﴿فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًا﴾ أي يتصرف به كيف يشاء، والأول: مثل الأصنام، والثاني: مثله تعالى، والمعنى: مثَّل ما يشرك به: بالمملوك العاجز عن التصرف رأساً، ومثَّل نفسه: بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً كثيراً، فهو يتصرف فيه، وينفق منه كيف يشاء، فالأول مقيد والثاني حر طليق. ﴿هَلْ يَسْتَونَ﴾ أي الجنسان وهما العبيد والأحرار، أي هل يستوي الأحرار والعبيد؟ لا ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كل الحمد له لا يستحقه غيره، فضلاً عن العبادة لأنه مصدر النعم كلها. ﴿بَلْ أَكْتُهُمْ﴾ أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب، فيشركون. ٥٠٢ الُعُ (١٤) - التحَلِ: ١٦ / ٧٥-٧٦ ﴿أَبْكَمُ﴾ الأبكم: الذي ولد أخرس . ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ من الصنائع أو التدابير؛ لأنه لا يَفْهم ولا يُفْهم . ﴿كَلُّ﴾ ثقيل على وليه وقرابته. ﴿مَوْلَئُهُ﴾ ولي أمره. ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهةٌ﴾ يصرفه. ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنُجح وكفاية مهم، وهذا مثل الكافر أو الأصنام. ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَ﴾ الأبكم المذكور. ﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه . ﴿صِرَطِ﴾ طريق، وهذا هو المؤمن، أو الله تعالى، أي إن هذا تمثيل ثانٍ ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام، لإبطال المشاركة بينه وبينها، أو هو مثل للمؤمن والكافر. سبب النزول: أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوًا﴾ قال: نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ قال: نزلت في عثمان ومولى له كان يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وفي عبارة أخرى: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر يسمى ◌ُسَيْد بن أبي العاص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه، ويكفُله، ويكفيه المؤونة، وكان المولى ينهاه عن الصدقة والمعروف. المناسبة: بعد أن نهى الله تعالى عن ضرب الأمثال له؛ لأن الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون، علَّمهم كيف تضرب الأمثال، فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك قد رزقه الله مالاً، فهو يتصرف فيه، وينفق منه کیف شاء. ومثلكم أيضاً في الإشراك مثل من سوَّى بين رجلين: أحدهما أبكم عاجز، ٥٠٣ الُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٥-٧٦ لا يقدر على تحصيل خير، وهو عبء ثقيل على سيده، والآخر ذو فهم ومنطق وكفاية وقدرة ورشد ينفع الناس بالحث على العدل. هل من المعقول التسوية بين الاثنين؟! أي كيف يسوى الجماد بالله تعالى في الألوهية والعبادة؟! أو كيف يسوى الكافر المخذول والمؤمن الموفق؟! هذان مثلان موضحان بطلان عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تجيب. التفسير والبيان: بعد أن نهى الله تعالى عن الإشراك، أبان بالأمثال الواقعية فساد عبادة الأصنام، فذكر مثلين: أولهما - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا﴾ هذا مثل ضربه الله لحالة الأصنام بالمقارنة مع ذاته تعالى، فما مثلكم أيها المشركون في إشراككم بالله الأوثان والأصنام المعبودة التي لا تنفع ولا تضر، إلا كمثل من سوَّى بين عبد مملوك لمالكه، عاجز عن التصرف، لا يقدر على شيء، وبين مالك حر التصرف في ملكه، ينفق منه كيف يشاء، ويتصرف فيه كيف يريد، سراً وجهراً، فالأول - مثل الصنم العاجز، والثاني - مثل الإله القادر. وبما أنه لا يعقل بداهة التسوية بين الشخصين: العبد والحر، ولا يجهل الفرق بينهما إلا كل غبي، فكيف يسوى بين الإله القادر على الرزق والإنفاق، وبين هذه الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء أصلاً؟ وكيف يسوى بين الضار والنافع؟ لذا قال تعالى نتيجة لهذه المقارنة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي الحمد التام الكامل الله، والثناء الشامل الله، والشكر الجزيل الله المنعم بمختلف النعم، فهو وحده المستحق للحمد، لا تلك الأوثان، بل أكثر ٥٠٤ الذُّعْ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٥-٧٦ أولئك الكفار التي يعبدونها لا يعلمون الحق فيتبعوه، ولا يعرفون المنعم الحقيقي بالنعم الجليلة فيخصوه بالتقديس والتنزيه، والعبادة، والحمد والشكر. وثانيهما - هو أيضاً مثل الحق تعالى، ومثل الوثن. وهذا المثل يؤكد ما دل عليه المثل السابق على نحو أوضح، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ﴾. أي وضرب الله مثلاً لنفسه وللوثن أو الآلهة المعبودة من دونه، مثل رجلين: أحدهما - أبكم لا ينطق ولا يتكلم بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء يتعلق بنفسه أو بغيره، وهو مع هذا كَلٌّ أي عيال وكلفة على مولاه الذي يعوله، حيثما أرسله أو بعثه، لا يحقق مطلباً، ولا ينجح في مسعاه، ولا يأتي بخير قط؛ لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا مقال لديه، فلا يُفهَم عنه. والثاني - رجل كامل المواهب والحواس، ينفع نفسه وغيره، يأمر بالعدل أي بالقسط، ويسير على منهج الحق والعدل، ويحكم بالعدل، فمقاله حق، وأفعاله وسيرته مستقيمة، وطريقه مستقيم ودينه قويم. هل يستوي هذان الرجلان؟ الأول عديم النفع، والثاني كامل النفع، والأول كالصنم لا يسمع ولا ينطق، والثاني وهو المتصف بصفات الله الواحد القهار الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، ويأمرهم بالعدل، ويلتزم العدل في نفسه قضاء وحكماً. وإذا كان هذان الرجلان لا يتساويان بداهة، فلا تساوي أصلاً بين الحق تعالى، وبين ما يزعمون أنه شريك له. فقه الحياة أو الأحكام: دل هذان المثلان على ضلالة المشركين وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله المعبود أن يكون مالكاً قادراً على التصرف في الأشياء، وعلى نفع غيره ٥٠۵ الزُ (١٤) - الْخَلِ}: ١٦ / ٧٥-٧٦ ممن يعبدونه، وعلى الأمر بالخير والعدل، والتزام منهج الاستقامة والقسط في سيرته وسلو که. والأصنام في المثل الأول فاقدة الملك، عاجزة عن التصرف هي مثل العبيد المملوكين للسادة الموالي. أما الأحرار الملاك الأغنياء كثيرو الإنفاق سراً وجهراً، فهم القادرون على التصرف. وبما أن العقل لا يجوِّز التسوية بين الحر والعبد في التعظيم والإجلال، مع تساويهما في الخلقة والصورة والبشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء أصلاً؟! وهناك قول آخر: وهو أن هذا مثل للمؤمن والكافر، فالمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فهو باعتبار حرمانه من عبودية الله وطاعته كالعبد الذليل الفقير العاجز. والمراد بقوله ﴿وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن، فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فأبان تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى. قال الرازي: والقول الأول أقرب؛ لأن الآية في إثبات التوحيد، وفي الرد على المشركين. وهذا المثل منتظم مع ما ذكر قبله من بيان نِعَم الله على أولئك المشركين، وعدم توافر تلك النعم من آلهتهم. وقد احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئاً. والأصنام في المثل الثاني لا تقدر على شيء، وأما الله فهو القادر على كل شيء، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى، وهل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل، وهو على الصراط المستقيم؟! والآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفاً بالنطق، وإلا لم يكن آمراً. ٥٠٦ الزُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٧-٧٩ ويجب أن يكون قادراً؛ لأن الأمر مشعر بعلو الرتبة، وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادراً. ويجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور، فدل وصفه بالعدل على وصفه بكونه قادراً عالماً. أما الرجل الأول فوصفه بأربع صفات: الأبكم (الأخرس العيي)، ولا يقدر على شيء، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل، وكَلٌّ على مولاه (أي غليظ وثقيل على سيده)، وأينما يوجهه، أي يرسله، لا يأت بخير؛ لأنه عاجز لا يحسن التعبير ولا يفهم الكلام، فهل الموصوف بهذه الصفات الأربع يتساوى مع الموصوف بأضدادها، وهو الآمر غير الأبكم، والقادر غير العاجز الذي لا يقدر على شيء وأنه كَلٌّ على مولاه، والعالم غير الذي لا يأتي بخير. علم الله الغيب وخلقه الإنسان والطير ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ اٌلْبَصَرٍ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمٍْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ ٧٩ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ القراءات: ﴿أَلَمْ يَرَوْأ﴾: وقرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف (ألم تروا). الإعراب: ﴿مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ قرئ بضم الهمزة على الأصل، وبكسرها على الاتباع الكسرة نون ﴿بُطُونِ﴾. ٥٠٧ لُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٧-٧٩ ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ إما منصوب على المصدر، أي لا تعلمون علماً، أو منصوب لأنه مفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ الذي هو بمعنى (تعرِفون) للاقتصار على مفعول واحد، والجملة حال. البلاغة: ﴿كَمْجِ اَلْبَصَرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل. المفردات اللغوية: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي علم ما غاب فيهما، وهو يختص بعلم الغيب، لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد، بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس، وقيل: يوم القيامة، فإن علمه غائب عن أهل السماوات والأرض . ﴿السَّاعَةِ﴾ وقت القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الإنسان في ساعة ما، فيموت الخلق بصيحة واحدة. ﴿كَلَمْجِ اٌلْبَصَرِ﴾ اللمح: النظر بسرعة، ولمح البصر: رجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها .﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ﴾ أو أمرها أقرب منه؛ لأنه بلفظ (كُنْ فَيَكُونُ﴾. والمعنى: ما أمر قيام القيامة في سرعته وسهولته إلا كلمح البصر ﴿اُلسَّمْعَ﴾ أي الأسماع. ﴿وَاُلْأَفْئِدَةُ﴾ جمع فؤاد وهي القلوب.﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كي تعرفوا ما أنعم الله عليكم طوراً بعد طور، فتشكروا وتؤمنوا. ﴿مُسَخَّرَتٍ﴾ مذللات للطيران. ﴿فِى جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الفضاء بين السماء والأرض.﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ عند قبض أجنحتهن أو بسطها أن يقعن. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بقدرته . ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي إن في تسخير الطير للطيران وتمكنها منه، وإمساكها في الهواء وخلق الجو لدلالات على الإله الواحد الخالق .﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعون بها. المناسبة: بعد أن مثّل تعالى الأصنام أو الكفار بالأبكم العاجز، ومثّل نفسه بالآمر ٥٠٨ الجُزُ (١٤) - الْخَلِآ: ١٦ / ٧٧ -٧٩ بالعدل، وهو على صراط مستقيم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان كامل العلم والقدرة، أردف ذلك ببيان كمال علمه وقدرته. أما كمال العلم فهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. وأما كمال القدرة فهو قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ اَلْبَصَرِ﴾. ومن مظاهر كمال قدرته وحكمته: خلق الإنسان في أطواره المختلفة، وتمكين الطير من الطيران في الجو، وهذا وما يأتي بعده من دلائل التوحيد. التفسير والبيان: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي عَلِم الله وحده غيب السماوات والأرض، والتعبير يفيد الحصر، معناه: أن العلم بالمغيبات ليس إلا الله، وهو مختص بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك. إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء. وهذا إخبار عن كمال علم الله تعالى. ثم أخبر عن كمال قدرته وأنه إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، فقال: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ اٌلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ﴾ أي وما شأن الساعة (وهي الوقت الذي تقوم فيه القيامة) في سرعة المجيء إلا كطرف العين أو رجع البصر من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أو هو أقرب من هذا وأسرع؛ لأن أمره فوري الحدوث والتنفيذ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧/٢ ومواضع أخرى] ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨/٣١]. فالله تعالى قادر على إقامة القيامة في أسرع لحظة، ولما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر، ذكره تقريباً للأذهان. ونظير الآية: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ أي فيكون ما يريد كطرف العين. [القمر: ٥٤ /٥٠] ٥٠ وخص قيام الساعة من بين المغيبات، لكثرة الجدل حوله، وإنکاره من کثیر من الناس، فهي محط الأنظار، ومحل البحث والجدل بين المنكرين والموحِّدين. ٥٠٩ الجُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٧-٧٩ والمقصود من الآية: أن شرع التحليل والتحريم إنما يحسن بمن يحيط بالعواقب والمصالح، وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بذلك، فلِمَ تتحكمون؟! ثم ذكر تعالى دليل ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله قادر على كل شيء، ومن مشتملات قدرته: إقامة الساعة في أسرع من لمح البصر أو غمضة العين. ثم ذكر بعض مظاهر قدرته تعالى ومنته على عباده، فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ أي والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، فالإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء، ثم زوده الله بالمعارف والعلوم، فرزقه عقلاً يفهم به الأشياء، ويميز به بين الخير والشر، وبين النفع والضرر، وهيأ له مفاتيح المعرفة من السمع الذي يسمع به الأصوات ويدركها، والبصر الذي يبصر به الأشخاص والأشياء والفؤادِ الذي يعي به الأمور، كقوله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الملك: ٦٧ /٢٣ - ٢٤] . ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا نعم الله عليكم، باستعمال كل عضو فيما خلق من أجله، ولتتمكنوا من عبادة ربكم، وتطيعوه فيما أمركم. وذلك کما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ◌َير أنه قال: ((من عادى لي ولياً، فقد بارزني بالحرب، وما تقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها(١)، ولئن سألني لأُعطينه، (١) هذا من قبيل المجاز عن عون الله وتوفيقه ورضاه. ٥١٠ الُ (١٤) - التْخَلِ: ١٦ / ٧٧-٧٩ ولئن دعاني لأجيبنّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءَته، ولا بد له منه)). أي إن العبد إذا أخلص الطاعة لله، صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي لما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل، مستعيناً بالله في ذلك كله (١). ثم ذكر الله تعالى دليلاً آخر على كمال قدرته وحكمته فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى اُلْطَيْرِ﴾ أي ألم ينظروا إلى الطير المذلل المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحيه في جو السماء، ما يمسكه عن الوقوع إلا الله عز وجل، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة يمكنه معها الطيران، وخلق الهواء أو الجو خلقة يمكن معها الطيران فيه، لما أمكن ذلك، فإنه تعالى أعطى الطير جناحاً يبسطه مرة ويضمه مرة، كما يفعل السباح في الماء، وأوجد له الذيل ليساعده في الهبوط، وخلق الهواء، وجعل ثقله حاملاً الطير، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً. وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ معناه أن جسم الطائر ثقيل، والجسم الثقيل لا يمكنه التحليق في الجو من غير دعامة تحته، فكان الممسك له في الجو هو الله تعالى، بوساطة الهواء. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي إن في خلق جناحي الطير، وتسخير الهواء لحمله، لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، لا للأصنام والأوثان، لمن يؤمن بالله. وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بتلك الآيات، وإن كانت دلائل لكل العقلاء. (١) تفسير ابن كثير: ٥٧٩/٢ .. ٥١١ اِلُ (١٤) - التْخَلِ: ١٦ / ٧٧ -٧٩ ونظير الآية: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْ إِلَى الَّيْرِ فَوَقَهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْبِضْنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا [الملك: ٦٧ /١٩] . الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - إن علم الغيب في السماوات والأرض مختص بالله تعالى، لا يعلم به أحد، إلا من أطلعه الله عليه. وإذا كان الله هو المحيط بالغيب فهو الذي يشرع الحلال والحرام، لا المشركون الجاهلون، الذين لا يدركون عواقب الأمور، ولا يقدرون المصالح. أَ - إن قيام الساعة (أي حدوث وقت القيامة) في أسرع من لمح البصر دليل واضح على قدرة الله التامة، فهو سبحانه القدير على كل شيء، وهو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها؛ أي يقول للشيء: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ٣ - إن من نعمه تعالى ومن مظاهر قدرته خلق الناس من بطون أمهاتهم، لا علم لهم بشيء، ثم تزويدهم بوسائل المعرفة والعلم، وهي السمع والأبصار والأفئدة، فبها يعلمون ويدركون. فالسمع لسماع الأوامر والنواهي، والأبصار لرؤية آثار صنع الله، والأفئدة للوصول بها إلى معرفة الله. وذلك كله لشكر نعم الله وإبصار آثار صنعته. والآية دليل على أن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء، ثم تأتي المعارف والعلوم بالتعلم بوساطة الحواس التي هي السمع والبصر. ٤ - ومن مظاهر قدرة الله ووحدانيته جعل الطير قادرة على التحليق والطيران في الجو (وهو ما بين السماء والأرض) وهي مذللة لأمر الله تعالى، ٥١٢ الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٨٠-٨٣ وما يمسكها في حال القبض والبسط والاصطفاف إلا الله تعالى، وتلك علامات وعبر ودلالات على القدرة الإلهية، لقوم يؤمنون بالله وبما جاءت به رسله، فإنه لولا خلق الطير على وضع يمكنه الطيران، وخلق الجو على حالة يمكن الطيران فيه، لما أمكن ذلك. بعض دلائل التوحيد وأنواع النعم والفضل الإلهي ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَّا وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُودِ الْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمُ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثَاً وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ اُلْجِبَالِ أَكْثَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُغَ يُكِرُونَهَا وَأَكْتُهُمُ عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ٨٣ اُلْكَفِرُونَ القراءات: (بُوتِكُمْ. ٠ قرئ: ١- (بُيُوتكم) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (بُيُوتكم) وهي قراءة الباقين. ﴿ظَعْنِكُمْ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ظَعَنِكم). ٥١٣ الُ (١٤) - الفْلِلاَ}: ١٦ /٨٠-٨٣ ﴿ بَأَسَكُمْ وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (باسكم). ﴿ نِعْمَتَ﴾: رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. البلاغة: ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ ﴿إِقَامَتِكُمْ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ﴾ ﴿يُكِرُونَهَا﴾ بين كل اثنين طباق. ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي والبرد، حذف الثاني استغناء بالأول. المفردات اللغوية: ﴿سَكَنَا﴾ أي مسكناً تسكنون فيه. ﴿بًُّا﴾ كالخيام . ﴿نَسْتَخِفُونَهَا﴾ تجدونها خفيفة للحمل والنقل . ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ سفركم، والظعن بسكون العين أو فتحها : سير أهل البادية لطلب الماء والمرعى . ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ الغنم. ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ الإبل. ﴿ وَأَشْعَارِهَا﴾ المعز. ﴿أَثَثًا﴾ متاع البيوت، كالفرش والثياب وغيرها. وليس للأثاث واحد من لفظه ﴿ وَمَتَاعًا﴾ ما يتمتع وينتفع به، وهو ما يُتّجر به. ﴿ إِلَى حِينٍ﴾ إلى مدة من الزمان، فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ﴾ من البيوت والشجر والغمام. ﴿ظِلَّلًا﴾ جمع ظل: وهو ما يستظل به من الغمام والشجر والجبال وغيرها، للوقاية من حر الشمس . ﴿أَكْنَنَا﴾ جمع كِنّ: وهو ما يستكن فيه وهو الغار في الجبل والسرب أو النفق. ﴿سَرَبِيلَ﴾ جمع سِرْبال: وهو القميص من القطن والكتَّان ٥١٤ لُُُ (١٤) - التحمل: ١٦/ ٨٠-٨٣ والصوف وغيرها، وسرابيل الحرب: الدروع، والسربال يعم كل ما يلبس ﴿تَفِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ أي والبرد. ﴿بَأَسَكُمْ﴾ المراد هنا حربكم، أي تقيكم الطعن والضرب وهي الدروع. والبأس في الأصل: الشدة. ﴿كَذَلِكَ﴾ كإتمام هذه النعم التي تقدمت . ﴿يُثِرُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدنيا، بخلق ما تحتاجون إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿شَُلِمُونَ﴾ توحدون الله، أي لعلكم تنظرون في نِعَم الله، فتؤمنون به، أو تنقادون لحكمه. سبب النزول: نزول الآية (٨٣): ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أن أعرابياً أتى النبي وَرَ، فسأله، فقرأ عليه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا﴾ قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه: ﴿ وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمُ﴾ قال: نعم: ثم قرأ عليه كل ذلك، وهو يقول: نعم، حتى بلغ ﴿ كَذَلِكَ يُئِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولّ الأعرابي، فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ ٨٣ المناسبة: هذه باقة أخرى من فضائل الله ونعمه على بني آدم، ومن دلائل التوحيد، فبعد أن ذكر الله تعالى مامنَّ به على الناس من خلْقهم وما خلق لهم من مدارك العلم، ذكر ما امتن به عليهم مما ينتفعون به في حياتهم، من أمور أخرى غير دوابهم، من بيوت السكن المبنية من الحجارة وغيرها، والخيام أو بيوت الشعر المصنوعة من جلود الأنعام، والأصواف والأوبار والأشعار التي تصنع منها الملابس والأثاث (المفروشات) والأمتعة التي يتجر بها ويعاش من أرباحها، ٥١٥ للزُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٨٠-٨٣ والحصون والقلاع والمعاقل في الجبال، والثياب الواقية من الحر والبرد، والدروع والجواشن(١) الحامية من السلاح في الحرب. التفسير والبيان: هذا امتنان آخر بما أنعم الله على عبيده بالإيواء في المساكن فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي والله جعل لكم بيوتاً هي سكن لكم، تأوون إليها، وتستترون بها، وتنتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع. ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودٍ﴾ أي وجعل لكم أيضاً من جلود الأنعام المعروفة بيوتاً أي من الأدم، في السفر والحضر، تستخفون حملها يوم سفركم وانتقالكم ويوم إقامتكم، وهي الخيام والقباب، يخف حملها عليكم في الأسفار. وجعل من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز ما تتخذونه أثاثاً لبيوتكم، تكتسون به، وتنتفعون به في الغطاء والفراش، وجعل لكم منها متاعاً تتمتعون به من جملة الأموال والتجارات، إلى أجل مسمى وزمن معين في علم الله، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويُتَّخذُ مالاً وتجارة، وهذا كله بحسب عرف العرب في الماضي، وإن تغير الحال اليوم. فالأثاث: متاع البيت من الفرش والأكسية. ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا﴾ أي ومن نعمه تعالى أن جعل لكم من الأشجار والجبال وغيرها ظلالاً تستظلون بها من شدة حر الشمس، وشدة عصف الرياح. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾ أي وجعل لكم من الجبال حصوناً ومعاقل ومغارات وكهوفاً ونحوها، تأمنون فيها من العدو أو حر الشمس أو البرد. (١) الجواشن: جمع جَوْشن وهو الدرع. ٥١٦ الُعُ (١٤) - التّخَلِ: ١٦ / ٨٠-٨٣ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ﴾ أي وجعل لكم ثياباً من القطن والكَتَّان والصوف ونحوها، تقيكم شدة الحر، أي والبرد، لكن ذكر الحر لحاجة العرب في بلادهم الحارة إلى اتقاء الحر، وما يقي الحر يقي البرد. ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي وجعل لكم دروعاً من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، تقيكم البأس والشدة في الحرب والطعن والضرب ورمي النبال، واليوم تقي شظايا القنابل. ﴿كَذَلِكَ يُنِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وحوائجكم، ليكون عوناً لكم على طاعته وعبادته، أو مثل ذلك الإتمام بهذه النعم، يتم نعمة الدنيا والدين عليكم، ونعمة الدنيا والآخرة. ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ يا أهل مكة، أي لتدخلوا في حظيرة الإسلام، وتؤمنوا بالله وحده، وتتركوا الشرك وعبادة الأوثان، فتدخلوا جنة ربكم، وتأمنوا عذابه وعقابه. ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا﴾ أي فإن أعرضوا بعد هذا البيان، وتعداد النعم، فليس عليك شيء، إنما عليك فقط البلاغ لرسالتك، الموضح لمهمتك، المفسر لأصول الاعتقاد ومقاصد الدين، وأسرار التشريع، وقد أديت ذلك، أي إن أعرضوا فلست بقادر على إيجاد الإيمان في نفوسهم، إن عليك إلا البلاغ فحسب. وسبب هذا الإعراض هو ما قاله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي يعرفون أن الله تعالى هو المنعم عليهم بهذه النعم، المتفضل بها عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك بأفعالهم، ويعبدون معه غيره، ويسندون الرزق والنصر إلى غيره، إذ يقولون: إن هذه النعم إنما حصلت بشفاعة هذه الأصنام، فلم يخصوه تعالى بالشكر والعبادة، بل شكروا غير الله تعالى. ٥١٧ الُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٨٠-٨٣ ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ أي وأكثرهم الجاحدون المعاندون، وأقلهم المؤمنون الصادقون. وإنما قال ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ﴾ لأنه كان فيهم من لم يكن معانداً، بل جاهلاً بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وما ظهر له كونه نبياً حقاً من عند الله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على طائفة من النعم التي أنعم الله بها على الناس وهي مايأتي: اً - الآية الأولى فيها تعداد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر بيوت المدن أولاً، وهي للإقامة الطويلة، ثم ذكر بيوت البدو والأعراب والرعاة، وهي بيوت الأدَم وبيوت الشعر وبيوت الصوف. ٣ - وفي الآية الأولى أيضاً أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووَبَر الإبل وشعر المعز، وفي آية أخرى أذن في الأعظم من ذلك وهو ذبحها وأكل لحومها. ولم يذكر القطن والكتان؛ لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما عدّد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا بما عرفوا وألفوا. والآية بعمومها دلت على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، حتى إن المالكية والحنفية قالوا: صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال، ويغسل مخافة أن يكون عَلِق به وسخ. ويؤيدهم حديث أم سلمة عن النبي وَّةِ: ((لا بأس بجلد الميتة إذا دُبغ، وصوفِها وشعرِها إذا غُسِل)). وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس: ((أيما إهاب دبغ فقد طَهُر)). وزاد أبو حنيفة فقال: القَرْن والسِّن والعظم مثل الشعر؛ لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها، فلا تنجس بموت الحيوان. وقال باقي الأئمة: إن ذلك نجس کاللحم. ٥١٨ الجُزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٨٠-٨٣ وأجاز الزهري والليث بن سعد الانتفاع بجلود ميتة الأنعام، وإن لم تدبغ؛ لأن قوله تعالى: ﴿مِّنْ جُلُودِ الْأَنْعَمِ﴾ عام في جلد الحي والميت. وخالفهما جمهور العلماء في ذلك. والظاهر من مذهب مالك: أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة، ولا يُصلّ عليه، ولا يؤكل فيه. وأكثر المدنيين وأكثر أهل الحجاز والعراق على إباحة ذلك وإجازته، للحديث المتقدم: ((أيما إهاب دُبغ فقد طهر)). وذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء، وإن دُبغت؛ لأنها كلحم الميتة، واحتج بحديث عبد الله بن عُكيم عند أبي داود: ((ألّ تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)). وخالفه بقية الأئمة لحديث شاة ميمونة: الذي رواه عنها أبو داود والنسائي ((لو أخذتم إهابها؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: يطهرها الماءُ والقَرَظ)). والمشهور عند المالكية أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث، ولا يتناوله العموم، وكذلك الكلب عند الشافعي والأوزاعي وأبي ثور: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه. أما جلد الكلب ومالا يؤكل لحمه فغير معهود الانتفاع به، فلا يطهر. ◌َّ - دلت الآية الثانية على نعمة الظل والظلال: وهو كل ما يستظل به من البيوت والشجر، وعلى نعمة الأكنان جمع كِنّ: وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك، وهي المغاور والكهوف في الجبال، يأوي إليها الناس في البراري، ويتحصنون بها من الأمطار والسيول والأعاصير وغير ذلك. ودلت أيضاً على نعمة السرابيل أي القمص، والدروع التي تقي الناس في الحرب. ٥١٩ الُ (١٤) - الْخَلِ: ١٦ / ٨٠-٨٣ وفي قوله تعالى: ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ﴾ دليل على اتخاذ العباد عُدّة الجهاد، ليستعينوا بها على قتال الأعداء. ودل آخر الآية: ﴿كَذَلِكَ يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ على إكمال نعم الله وأفضاله بإتمام نعمة الدين والدنيا والآخرة. وكل هاتيك النعم لتكون سبباً للانقياد والطاعة لله عزَّ وجلّ، شكراً على نعمه. ٤ - تشير الآية الثالثة إلى أن مهمة النبي ◌َّلقول هي التبليغ، وأما الهداية فإلى الله، فإن أعرض الناس عن النظر والاستدلال والإيمان، فعليهم تبعة إعراضهم. ٥ - الآية الرابعة صريحة في أن الكفار يعرفون أن النعم من عند الله، ولكنهم ينكرونها بقولهم: إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، أو بوساطة شفاعة الأصنام. ويعرفون نبوة محمد رَّيل ثم يكذبونه، ويعرفون نعم الله بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم، ولا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى. ٥٢٠ الزُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٨٤-٨٩ وعيد المشركين وأحوالهم يوم القيامة بعث الشاهد عليهم وعلى المؤمنين وعدم تخفيف العذاب ومضاعفته عليهم وتكذيب المعبودات لهم ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴿ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوْ اُلْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَ هُمْ يُنظَرُونَ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ شُرَكَآءَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا وَأَلْقَوْاْ إِلَى اَللَّهِ يَؤْمَئِذٍ ٨٦ نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمِّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ ◌ِبْيَكِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩ القراءات: يُؤْذَثُ﴾ : لا وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (لا يُوذَن). ﴿وَجِئْنَا﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وجينا). المفردات اللغوية: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ واذكر ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ جيل من الناس ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِم﴾ هو نبيهم يشهد لها وعليها بالإيمان والكفر يوم القيامة ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ