النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
لِلُعُ (١٤) - النخَلِ: ١٦ / ٦٥-٦٩
القراءات:
﴿ُْقِيكُمْ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (نَسقيكم).
﴿بُيُوتًا﴾:
قرئ:
١- (بُيُوتاً) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بِيُوتاً) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَعْرِشُونَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (يعرُشون).
الإعراب:
﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ،﴾ الهاء تعود على ﴿اُلْأَنْعَمِ﴾، على لغة من ذكّره، فإنه يجوزٍ
فيه التذكير والتأنيث، كما جاء في سورة المؤمنون: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً
تُتْقِيكُ مِّمَا فِى بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١/٢٣] فقد ذكّر سيبويه الأنعام في باب ما
لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش،
ولذلك رجع الضمير إليه هنا مفرداً، وأما في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع.
﴿فَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ الهاء تعود على موصوف محذوف، وتقديره: ما تتخذون
منه. وما: مبتدأ، وتتخذون جملة فعلية صفة لـ ((ما)). وحذفَ الموصوف وأقام
الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
﴾ [الصافات: ٣٧/
ARE
١٦٤] أي إلا من له مقام معلوم، وتقديره: إلا ملك له مقام.
ذُلُلًا﴾ حال من السبل.
٤٨٢
لِلُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٦٥-٦٩
﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ الهاء تعود إلى الشراب، أو إلى القرآن. و﴿شِفَاءٌ﴾ يرتفع
بالظرف على كلا المذهبين، إذا جعل وصفاً لشراب، كما ارتفع ألوانه
بمختلف؛ لأنه وصف للشراب.
البلاغة:
فيهما جناس ناقص.
كُلّـ
مِن
{ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ﴿يَعْرِشُونَ﴾ ﴿يَنَفَكَّرُونَ﴾ فيها سجع.
المفردات اللغوية:
﴿فَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ أي أحياها بإنبات الزرع والشجر وإخراج الثمر. ﴿بَعْدَ
مَوْتِهَاً﴾ يبسها. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَيَةٌ﴾ دالة على البعث. ﴿يَسْمَعُونَ﴾
سماع تدبر وفهم ﴿اُلْأَنْعَمِ﴾ الإبل والبقر والغنم. ﴿لَعِبْرَةً﴾ اعتباراً وعظة،
وأصل العبرة: تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة والمشابهة.
﴿ُشْفِيكُ﴾ بيان للعبرة. ﴿مِّمَّا فِىِ بُطُونِهِ،﴾ أي الأنعام. ﴿مِنْ بَيْنِ﴾ مِن للابتداء
متعلقة بـ ﴿ُْفِيكُ﴾ ﴿فَرَّتِ﴾ خلاصة المأكول في الكرش والأمعاء. ﴿خَالِصًا﴾
مصفى من الشوائب، لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ربح أو
لون، وهو بينهما. ﴿سَآبِغَا لِلشَّرِبِينَ﴾ سهل المرور في الحلق، لا يغص به.
﴿ نَّخِذُونَ﴾ أي ثمر تتخذون منه ﴿سَكَرًا﴾ خمراً يسكر، سميت بالمصدر،
وهذا قبل تحريمها وفي أول مراحل التحريم؛ لأنه وصف الرزق بالحسن، ولم
يوصف السكر بذلك . ﴿ وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ جميع ما يؤكل طازجاً أو غير متخمر من
هاتين الشجرتين كالعنب والزبيب والتمر والخل والدبس. ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾
المذكور ﴿لَآَيَةً﴾ دالة على قدرته تعالى . ﴿يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون.
﴿وَأَوْحَى﴾ ألهم وعلم، كالطبيعة والغريزة في الحيوان. ﴿أَنِ اتَّخِذِى﴾ أن
مفسرة أو مصدرية. ﴿يُوتًا﴾ تأوين إليها، أي أوكاراً. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ بيوتاً.
٤٨٣
الجُزُ (١٤) - الْخَلِ: ١٦ / ٦٥-٦٩
﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ أي مما يبنيه الناس لكِ من الأماكن، أي يصنعونه من
الخلايا من طين أو خشب أو غيرهما. ﴿فَأَسْلُكِ﴾ ادخلي. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ طرقه
ومسالكه لامتصاص الأزهار والثمار وغيرها وتحويلها بقدرة الله عسلاً طيباً.
﴿ ذُلُلًا﴾ جمع ذلول أي مسخرة لك، منقادة طائعة لا تتوعر عليك ولا تلتبس،
وهو حال من السبل، أي لا تعسر عليك وإن توعرت، ولا تضل عن العود
منها وإن بعدت . ﴿شَرَابٌ﴾ هو العسل ﴿مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ﴾ من أبيض وأصفر
وأحمر وأسود، بحسب نوع المرعى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسَِّ﴾ من الأوجاع، إما
بعضها بدليل تنكير كلمة (شِفَاءٌ﴾ كالأمراض البلغمية، وإما كلها مع ضميمة
غيره إليه، كسائر الأمراض، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه.
وقيل: الضمير يعود للقرآن.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتأملون في صنعه تعالى، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك
العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، علم قطعاً أنه لا بد من وجود
قادر حكيم يلهمها ذلك، ويحملها عليه.
المناسبة:
بعد بيان وعد المؤمنين بالجنان، والكافرين بالنيران، وتسلية النبي وَئل عما
ناله من أذى قومه، ونسبة الشرك إلى الله، وحصر مهمته في بيان أحكام
القرآن، عاد تعالى إلى إثبات قدرته ووجوده ووحدانيته بدلائل حسية مشاهدة
لكل راءٍ أمامه صباح مساء، من إنبات الزرع والشجر بالمطر، وإخراج اللبن
من الأنعام، واتخاذ أصناف المآكل من الأعناب والنخيل، وإخراج العسل من
بطون النحل، الذي فيه شفاء للناس.
قال الإمام أبو عبد الله محمد فخر الدين بن عمر الرازي: إن المقصود
الأعظم من القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد،
وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة:
٤٨٤
الجُزُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٦٥-٦٩
الإلهيات، فابتدأ تعالى في أول هذه السورة بذكر دلائل الإلهيات، وهي
الأجرام الفلكية، ثم أردف ذلك بالإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ثم أحوال
البحر والأرض، ثم عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات، فبدأ بذكر الفلكيات،
فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآَ﴾(١).
التفسير والبيان:
بعد أن جعل سبحانه القرآن حياة القلوب الميتة بكفرها، كذلك أخبر أنه
يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء، فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾.
أي إنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء، الذي يكون سبباً لحياة
الأرض بإنبات الزرع والشجر والثمر، بعد أن كانت الأرض ميتة لا حياة
فيها ولا ثمر ولا نفع.
إن في ذلك لآية واضحة ودليلاً قاطعاً على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته
لمن يفهمون الكلام ويدركون معناه، بسماع التدبر والإمعان، لا بمجرد سماع
الآذان. فهذا دليل حسي على توحيد الإله، وتخصيصه بالعبادة، وإفراده
بالألوهية.
وهناك دليل آخر على قدرة الله الباهرة، وهو إخراج اللبن من الضرع،
فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ﴾ أي وإن لكم أيها الناس لعظة وعبرة دالة
على قدرتنا ورحمتنا ولطفنا في الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، فإننا
نسقيكم مما يخرج من بطونها من اللبن الخالص من الشوائب، السائغ شربه في
الحلق، فلا يغص به أحد، اللذيذ طعمه، السهل هضمه، الذي يخلقه الله لبناً
خالصاً وسيطاً بين الفرث (وهو الزبل الذي ينزل إلى الكَرِش) والدم المحيطين
(١) تفسير الرازي: ٦٣/٢٠
٤٨٥
لُهُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٦٥-٦٩
به، أي يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته في باطن الحيوان من بين
خلاصة المأكول في الكرش والأمعاء، والدم في العروق، فإذا هضم الغذاء في
المعدة صرف من عصارته دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة،
وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه،
ولا يتغير أو يتأثر به. وذلك دليل القدرة الإلهية والحكمة البالغة.
وذكّر ضمير ﴿بُطُونِهِ،﴾ مراعاة للفظ ﴿اُلْأَنْعَمِ﴾ فهو لفظ مفرد وضع
الإفادة الجمع، كالرهط والقوم والبقر والغنم، فقد يراعى اللفظ فيكون
ضميره التذكير، وقد يراعى المعنى فيكون ضميره ضمير الجمع وهو التأنيث.
وهناك دليل آخر وهو ما يتخذ من أشربة من ثمرات النخيل والأعناب وهي
بعض منافع النبات المذكورة عقب بيان بعض منافع الحيوانات في الآية
المتقدمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ﴾ أي ولكم أيضاً عبرة
وعظة فيما تشربونه من أشربة متنوعة من ثمرات النخيل والأعناب كالخل
والدبْس والخمر أو النبيذ المسكر قبل تحريمه، وما تأكلونه من ثمار طازجة على
طبيعتها. وهذا دليل على إباحة المسكر قبل تحريمه.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ﴾ أي إن في تلك الأشربة والمآكل الآية واضحة لقوم
يستخدمون عقولهم في النظر والتأمل في الآيات. وذكر العقل هنا أمر مناسب؛
لأنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرمت المسكرات صيانة للعقول.
والتفاوت في الوصف بين ((السكر والرزق الحسن)) بوصف الرزق بالحسن
في حال أكل الثمرة غير متخمرة دون السكر يؤذن بالتفرقة بينهما وبتقبيح
المسكر، ويمهد لتحريم المسكرات، وهي أول آية نزلت تعرِّض بالخمر أو
المسكر، وقد روي أن النبي وَّلإر قال عند نزول هذه الآية: ((إن ربكم ليقدم في
تحريم الخمر)).
وهو دليل للجمهور غير أبي حنيفة على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل
٤٨٦
الجُزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٦٥-٦٩
والمتخذ من العنب، ومثله حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير
والذرة والعسل، كما أوضحت السنة.
قال ابن عباس: السَّكَر: ما حُرِّم من ثمرتيهما (النخيل والعنب) والرزق
الحسن: ما أُحلّ من ثمرتيهما، كالخل والرُّب (المربَّة) والتمر والزبيب ونحو
ذلك(١). وفي رواية عن ابن عباس: السَّكَر: حرامه، والرزق الحسن: حلاله.
وهذا دليل آخر على أن لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً بعد بيان أدلة إخراج
الألبان من الأنعام، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل
والأعناب، وهو إخراج العسل من النحل، فقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى
النَّحْلِ﴾.
أي وألهم (٢) ربك النحل وجعل في غريزتها وطبعها، وقرر في أنفسها هذه
الأعمال العجيبة التي يعجز عنها عقلاء البشر، فهي تعيش جماعات في الخلية،
ويرأس كل خلية أكبرها جثة وهي الملكة أو اليعسوب، ومعها جماعة الذكور،
وجماعة الإناث وهي الشغَّالات أو العاملات، وتعيش عيشة تعاونية في أدق
نظام، وتقوم بامتصاص رحيق الأزهار، وإفرازه عسلاً وشمعاً.
وتقوم بما يلي:
اً - ﴿أَنِ أَتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أي ألهمها الله وأرشدها أن تتخذ من
الجبال بيوتاً تأوي إليها، ومن الشجر، ومن عرائش الناس التي يصنعونها لها
في البيوت والكروم، فتبني بيوتاً محكمة الإتقان، سداسية الأشكال، من
(١) تفسير ابن كثير: ٢ /٥٧٥
(٢) الإلهام: ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، وهو من قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ
وَمَا سَوَّنَهَا ﴿ فَلْهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقُوَنَهَا (®﴾. والنحل يؤنث في لغة أهل الحجاز، مثل كل جمع
ليس بينه وبين واحده إلا الهاء.
٤٨٧
الُ (١٤) - النحل: ١٦ /٦٥-٦٩
أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض، ولا يوجد فيها خلل، تخزن في
بعضها العسل، وفي بعضها الآخر الشمع لتربية صغار النحل.
وجعلها سداسية لمنع الفُرَج الخالية الضائعة فيما بينها. وإذا نفرت نحلة من
وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها ردوها إلى وكرها
على ألحان الموسيقا والطبول. وكل ذلك دليل على مزيد الذكاء والكياسة.
أَ - ﴿ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ أي ثم امتصي من رحيق جميع الثمار ما
تشائين، حلوة كانت أو مُرَّة أو بين ذلك. وهذا إذن أمر قدري تسخيري أن
تأكل من كل الثمرات.
◌َ - ﴿فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي إذا أكلتِ من الثمار، فاسلكي الطرق
التي ألهمك الله أن تسلكيها في عمل العسل، أو في طلب تلك الثمرات،
والعودة بسلام إلى الخلايا.
وهي في أثناء بحثها عن الغذاء تنقل على أجنحتها من حيث لا تشعر
لقاحات الأزهار من الذكر إلى الأنثى. وتلك مهام أودعها الله في غرائز
النحل، ليست مجرد مصادفة أو طبيعة أو غريزة، وإنما هي جزء من رسالة
الكائنات الحية التي تؤدي أدواراً في الكون، يعود نفعها في النهاية على
الإنسان، فسبحان الله الخالق المالك القادر القاهر الميسر لكل شيء سبباً.
٤ - ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ أي يخرج من بطون النحل عسل مختلف
الألوان، أبيض أو أصفر أو أحمر، فيه شفاء ونفع لكثير من أمراض الناس،
ويدخل في تركيب العقاقير والأدوية. وقد وصفه الله بهذه الصفات الثلاث:
الأولى - كونه شراباً، إما أن يشرب وحده، أو تتخذ منه الأشربة.
الثانية - كونه مختلف الألوان من أحمر وأبيض وأصفر وغيرها.
٤٨٨
الدُّءُ (١٤) - الفحم: ١٦ / ٦٥-٦٩
الثالثة - كونه سبباً للشفاء في الجملة لكثير من الأمراض.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَلّ، فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: ((اسقه
عسلاً)) فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يا رسول الله، سقيته عسلاً، فما
زاده إلا استطلاقاً، قال: ((اذهب فاسقه عسلاً)) فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء
فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول الله وَاليه: ((صدق
الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً)) فذهب، فسقاه عسلاً، فبرئ.
أوضح بعض الأطباء القدامى هذه الواقعة فقال: كان لدى هذا الرجل
فضلات في المعدة، فلما سقاه عسلاً، وهو حار، تحللت فأسرعت في الاندفاع
والخروج، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره، مع أنه كان مفيداً
لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه حتى ذهبت الفضلات
الفاسدة كلها المضرة بالبدن، فاستمسك بطنه، وصلَح مزاجه، وزالت الآلام
والأسقام بإرشاده وإشارته عليه الصلاة والسلام(١).
وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((الشفاء في
ثلاثة: في شَرْطة مِحْجم، أو شَرْبة عسل، أو كَيَّة بنار، وأَنْهى أمَّتي عن الكَيّ)).
وروى ابن ماجه القزويني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَالر: ((عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن)).
وذكر الأطباء المحدثون التركيب الكيماوي للعسل وهو ٢٥ - ٤٠
غلوكوز، و٣٠ - ٤٥ ليفيلوز، و١٥ - ٢٥ ماء. ويعطى مقوياً ومغذياً، وضدّ
التسمم من المواد السامة كالزرنيخ والزئبق والذهب والمورفين، وضدّ تسمم
الأمراض كالتسمم البولي بسبب أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية
(١) تفسير ابن كثير: ٥٧٥/٢
٤٨٩
الجُزُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٦٥-٦٩
والمعوية، وتسمم الحميات كالتيفوئيد والتهاب الرئة والسحايا والحصبة،
والذِّتجة الصدرية، وحالات ضعف القلب واحتقان المخ والتهابات الكلى
الحادة.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَّكْرُونَ﴾ إن في كل ما ذكر عن النحل لدلالة
واضحة على وجود الله وقدرته لقوم يتفكرون في عجيب صنع الله وخلقه
ورعايته الحكمة والمصلحة في ترتيب العالم.
فالنحل يختص بتلك العلوم والمعارف الدقيقة كبناء البيوت المسدسة،
ويهتدي إلى أجزاء العسل من الأزهار وأطراف الشجر والأوراق، كما أنه
يهتدي إلى جمع الأجزاء النافعة في جوّ الهواء الملقاة على أطراف الأشجار
والأوراق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يأتي من بيان كمال القدرة وتعداد النعم الإلهية:
اً - أنزل الله من السحاب مطراً يكون سبباً لإحياء الأرض بالنبات
المختلف الأنواع بعد اليبس والجمود، وفي ذلك دلالة على البعث وعلى
وحدانية الله تعالى؛ لأن معبود المشركين كما علموا لا يستطيع شيئاً، فتكون
هذه الدلالة مفيدة لقوم يسمعون عن الله تعالى سماع تدبر وإصغاء بالقلوب، لا
بالآذان.
أَ - إن في الأنعام وهي أصناف أربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز لدلالة
على قدرة الله ووحدانيته وعظمته، فهو يسقي الناس من ألبانها، وحدوث
اللبن يدل على أمرين: وجود الصانع المختار سبحانه، وإمكان الحشر والنشر،
لمرور الطعام بعدة مراحل من التحول والقلب من نبات وعشب، إلى دم، إلى
لبن، فدهن وجبن، وذلك يدل على أنه تعالى قادر على قلب أجزاء أبدان
الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك.
٤٩٠
الجُرُ (١٤) - الفخَلِ}: ١٦ / ٦٥-٦٩
ويخرج اللبن ويتولد مع ثلاثة أشياء في موضع واحد، فالفرث يكون في
أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وهذا دليل
القدرة العظيمة والصنع الإلهي الدقيق.
واستنبط بعض العلماء من عود الضمير مذكَّراً، في قوله: ﴿مِمَّا فِى بُطُونِهِ،﴾
إلى الأنعام أن لبن الفحل يفيد التحريم؛ لأنه جيء به مذكراً لأنه راجع إلى ذَكَر
النعم، واللبن محسوب للذكر.
◌َّ - في هذه الآية دليل على جوازالانتفاع بالألبان من الشرب وغيره، فأما
لبن الميتة فلا يجوزالانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر في وعاء نحس؛ لأن ضرع الميتة
نجس، واللبن طاهر، فإذا حُلب صار مأخوذاً من وعاء نجس. وأما لبن المرأة
الميتة فهو طاهر؛ لأن الإنسان طاهر حياً وميتاً، وقيل: إنه نجس لتنجسه
بالموت.
٤ - وفي هذه الآية أيضاً دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة
وتناولها، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده، ولكن إذا أخذ من غير
سَرَف ولا إكثار.
٥ - اللبن غذاء كامل يغذي الطفل مدة من الزمن وينمي الجسد، روى أبو
داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أُتي رسول الله وَله بلبن
فشرب، فقال رسول الله وَلير: ((إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا
فيه، وأطعمنا خيراً منه، وإذا سُقِي لبناً، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا
منه، فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن)).
٩ - ومن منافع النبات ما يدل أيضاً على القدرة الإلهية، فقد أخرج الله لنا
من ثمرات النخيل والأعناب الرزق الحسن: وهو ما أحله من ثمرتيهما على
الطبيعة، والسَّكَر هو النبيذ، وهذا قبل التحريم النهائي البات له، في رأي
الجمهور، فالنبيذ (وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب
٤٩١
الجُزُ (١٤) - التحَلِآ: ١٦ / ٦٥-٦٩
ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد) حرام عندهم، لإسكاره، وقول النبي ◌ّ فيما رواه
العقيلي عن علي، والنسائي عن ابن عباس: ((حرَّم الله الخمر بعينها والسَّكَر من
غيرها)) والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
٠
وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله ما لم يصل إلى حد السُّكْر، محتجاً بهذه
الآية الدالة على أن السَّكَر حلال؛ لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة،
ولأن الحديث السابق دلَّ على أن الخمر حرام: ((الخمر حرام لعينها)) وهذا
يقتضي أن يكون السَّكَر شيئاً غير الخمر، والمغايرة تقتضي أنه النبيذ المطبوخ.
والحق أن الآية ليس فيها ما يدل على الحل؛ إذ الكلام في الامتنان بخلق
الأشياء لمنافع الإنسان، ولم تنحصر المنافع في حل التناول.
وختْم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ دليل على قدرة الله
تعالى؛ لأن من كان عاقلاً، علم بالضرورة أو البداهة أن هذه الأحوال لا
يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، مما يدل على وجود الإله القادر الحكيم.
لا - كما أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من
ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاطعة على أن لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً
حكيماً، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع على إثبات هذا المقصود.
وفي النحل منافع كثيرة للأشجار والنباتات نفسها، وللإنسان أيضاً،
وكذلك في العسل والشمع منافع للإنسان، فالعسل شفاء من كثير من
الأمراض، والشمع للإضاءة وصناعات أخرى ..
وذلك كله دليل على وجود الإله الصانع الملهم في اعتقاد كل من أعمل
فكره، وتأمل ونظر في أعمال النحل وآثاره العجيبة.
1
٤٩٢
الجزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٠-٧٤
بعض عجائب أحوال الناس
الدالة على قدرة الله وتوحيده
﴿وَلَّهُ خَلَقَكُمْ نُمَّ يَنَوَقَّكُمْ وَمِنْكُ مَن يُرَّةُ إِلَّ أَوْذَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ
وَاللَّهُ فَضَّلَى بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ
شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (ا
فُضِلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٍ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ
يَجْحَدُونَ الَّـ
وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيَِّتِ أَفَلْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا
﴿ فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
يَسْتَطِيعُونَ
٧٤٦
القراءات:
﴿وَبِنِعْمَتِ﴾ :
رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
﴿لِكَْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ منصوب بـ ﴿عِلْمٍ﴾ على مذهب
البصريين على إعمال الثاني؛ لأنه أقرب. وبـ ﴿يَعْلَمَ﴾ على مذهب الكوفيين،
على إعمال الأول.
ج
﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَآءُ﴾ جملة اسمية، في موضع نصب؛ لأنها وقعت جواباً
للنفي، وقامت هذه الجملة الاسمية مقام جملة فعلية، وتقديره: فما الذين
فضِّلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم، فَيَسْتَوُوا.
٤٩٣
لُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٠-٧٤
﴿رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ إما بدل منصوب من ﴿رِزْقًا)
كأنه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم شيئاً، وإما منصوب برزق،
أي أن يرزقَ شيئاً، والوجه الأول أوجه؛ لأن الرزق اسم، والاسم لا يعمل
إلا شاذاً، ولأن البدل أبلغ في المعنى.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الواو عائد إلى ضمير ((ما)) حملاً على المعنى.
البلاغة:
﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ صيغة مبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ ولم تكونوا شيئاً. ﴿ثُمَّ يَنَوَفَّنكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم.
﴿أَزْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أردئه وأخسه، بسبب الهرم والخرف، قال عكرمة: من قرأ
القرآن لم يصر بهذه الحالة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بتدبير خلقه. ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يريده.
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِ الْرِّزْقِّ﴾ أي فاوت بين أرزاقكم، فمنكم
غني وفقير ومالك ومملوك. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ﴾ الأغنياء والسادة ﴿مِآدِى
رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ أي بمعطي رزقهم من الأموال وغيرها
المماليكهم، وجاعليها شركة بينهم وبين مماليكهم . ﴿فَهُمْ﴾ أي المماليك
ج
والسادة (الموالي) ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شركاء. والمعنى: ليس لهم شركاء من مماليكهم
في أموالهم، فكيف يجعلون بعض مماليك الله شركاء له . ﴿يَجْحَدُونَ﴾ يكفرون
حيث يجعلون له شركاء. وقرئ (تجحدون).
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ أي جعلها لكم من جنسكم لتأنسوا
بها، ولتكون أولادكم مثلكم . ﴿وَحَفَدَةً﴾ أي أولاد الأولاد جمع حفيد. ﴿مِّنَ
الطَِّبَتِ﴾ من أنواع الثمار والحبوب والحيوان ونحوها من اللذائذ أو من
الحلالات. ومن للتبعيض، فإن المرزوق في الدنيا أنموذج من الطيبات.
٤٩٤
لُ (١٤) - النّخَلِ: ١٦ / ٧٠-٧٤
﴿أَفِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي بالأصنام. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أضافوا
نعمه إلى الأصنام، بإشراكهم، أو حرموا ما أحلّ الله لهم. وتقديم الصلة على
الفعل إما للاهتمام بها، أو للتخصيص مبالغة، أو للمحافظة على فواصل
الآيات بالسجع.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره. ﴿رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ﴾ بالمطر. ﴿ وَالْأَرْضِ﴾
بالنبات . ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ولا يقدرون على شيء، وهم الأصنام. ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ
لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ لا تجعلوا لله أشباهاً أو أمثالاً تشركونهم به، أو تقيسونهم عليه،
فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ ألا مثل له، وفساد القياس
الذي تقيسونه.﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علمتم لما جرأتم عليه. وهو
تعليل للنهي. أو أنه يعلم كنه الأشياء، وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون
نصه.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب
أحوال الناس، فذكر مراتب عمر الإنسان وهي أربعة: سن النشوء والنماء
(الطفولة) وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، وذلك دليل على
كمال قدرة الله ووحدانيته.
ثم ذكر تفاوت الناس في أرزاقهم، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِىِ
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣] وهي من قسمة الخلاق. ثم ذكر نعمة ثالثة
ورابعة وهي جعل الأزواج من جنس الذكور، والرزق من الطيبات من نبات
كالثمار والحبوب والأشربة، ومن حيوان مختلف الأنواع.
التفسير والبيان:
تستمر الآيات في تعداد مظاهر قدرة الله وعظمته وألوهيته ونعمه، وهي
٤٩٥
الجُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٠-٧٤
متعلقة هنا بالإنسان، فيذكر تعالى مراحل نشوء الإنسان، وأنه هو سبحانه
الذي أنشأ الناس من العدم، ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى
يدركه الهرم، وهو الضعف في الخلقة، فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾.
أي والله أوجدكم يا بني آدم، ولم تكونوا شيئاً، ثم حدد لأعماركم آجالاً
معينة، فمنكم من يتوفاه عند انقضاء آجالكم، ومنكم من يهرم ويصير في أرذل
العمر وأسوئه وهو حال ضعف القوى والحواس والخرف، أو فقدها، وقلة
الحفظ والعلم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ [الروم: ٥٤/٣٠] وقال
سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِ الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨/٣٦] وقال عز
وجل ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنْسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيِ ﴿٣ ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ
٥
[التين: ٤/٩٥-٥] .
وروى البخاري وابن مردويه عن أنس بن مالك أن رسول الله وَلّ كان
يدعو: ((أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر، وعذاب القبر،
وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات)) وفي حديث سعد بن أبي وقاص: ((وأعوذ
بك أن أردّ إلى أرذل العمر)). وروي عن علي رضي الله عنه: أرذل العمر:
: خمس وسبعون سنة. وهذا أمر غير مطرد، وربما كان هذا هو الغالب في
الماضي.
﴿لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِ شَيْئًا﴾ أي نرده إلى أرذل العمر، ليصبح غير عالم
بشيء، وجاهلاً كما كان وقت الطفولة، ونسَّاء لضعف ذاكرته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله عليم بكل شيء، فيجعل الإنسان في حال
من القوة والضعف على وفق الحكمة، وقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء
أبداً.
هذا شأن تفاوت الناس في الأعمار، أردفه ببيان تفاوتهم في الأرزاق فقال
:
٤٩٦
لُهُ (١٤) - الْخَلِآ: ١٦ / ٧٠-٧٤
﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾ أي إن الله تعالى جعلكم متفاوتين في الأرزاق، فهناك
الغني والفقير والمتوسط لحكمة اقتضتها ظروف المعيشة، والمصلحة للإنسان
نفسه، وليتخذ بعضكم بعضاً سُخرياً.
﴿فَمَا الَّذِيْنَ فُضِلُواْ﴾ أي فما الذين فضِّلوا بالرزق وهم السادة الملاك أو
الموالي بجاعلي أرزاقهم شركة على قدم المساواة بينهم وبين مماليكهم.
وهذا مثل ضربه الله للعبرة، مفاده أنه إذا كنتم لم ترضوا بهذه المساواة بينكم
وبين خدمكم، وهم أمثالكم في الإنسانية، فكيف تسوون بين الخالق
والمخلوق، وبينه وبين هذه الأصنام، وتشركون به ما لا يليق به من عبيده
ومخلوقاته؟
ويوضح المثل آية أخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنِ شُرَكَاءَ فِى مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ
كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨/٣٠].
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي أتشركون بالله بعبادتكم الأصنام، فتجحدون
بنعمة الله عليكم؟ لأن من أثبت شريكاً لله، فقد نسب إليه بعض النعم
والخيرات، فكان جاحداً لكونها من عند الله تعالى. أو أتجحدون بنعمة الله
عليكم بعد تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه الدلالات على وحدانية الله،
والتي يفهمها كل عاقل؟! فهذا إنكار على المشركين جحودهم نعم الله عليهم.
ومن جليل نعمه تعالى على عباده أمور أخرى منها: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾ أي والله جعل لكم أيها العبيد المخلوقون لله أزواجاً من جنسكم
وشكلكم لتحقيق الأنس والانسجام والائتلاف وقضاء المصالح، ولو جعل
الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، فمن رحمته جعل
الذكور والإناث من جنس واحد.
٤٩٧
الجُزءُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٧٠-٧٤
ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والخَفَدة، أي أولاد البنين.
﴿وَرَزَقَّكُمْ مِنَ الطَّيَِّتِ﴾ أي ورزقكم من طيبات الرزق التي تستطيبونها في
الدنيا، من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ومركب.
﴿أَفِلْبَطِلٍ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي أيصدقون بالباطل وهو أن الأصنام شركاء لله في
النفع والضرر، وأنها تشفع عنده، وأن الطيبات التي أحلها الله لهم كالبحيرة
والسائبة والوصيلة هي حرام عليهم، وأن المحرمات التي حرمها الله عليهم
كالميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النُّصُب هي حلال لهم؟
وهذا توبيخ وتأنيب لهم على تلك الأحكام الباطلة، وعلى إنعام الله في
تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات.
﴿ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي ويجحدون بهذه النعم الجليلة، فينسبونها إلى
غير الخالق من صنم أو وثن؟! ويسترون نعم الله عليهم. جاء في الحديث
الصحيح: ((إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتناً عليه: ألم أُزوجْك؟ ألم
أُكرمْك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرُك ترأس وتربع؟)).
ثم أخبر الله تعالى عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم
المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من
الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض
شيئاً، فقال:
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي ويعبد هؤلاء المشركون بالله ما لا يستطيع
تقديم الأرزاق لهم من السماء والأرض، فلا يقدر على إنزال المطر، ولا إنبات
الزرع والشجر، بل ولا يملكون ذلك لأنفسهم، فليس لهم الإمداد بالرزق
لأنفسهم ولغيرهم، ولا يقدرون عليه، لو أرادوه.
وفائدة قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ نفي الملك وتحصيل الملك، فمن لا يملك
٤٩٨
الُءُ (١٤) - التْخَلِ: ١٦ / ٧٠-٧٤
شيئاً قد يكون مستطيعاً أن يتملكه بطريق ما، فأبان تعالى أن هذه الأصنام لا
تملك، وليس في استطاعتها أيضاً تحصيل الملك(١). وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالواو
والنون المختص بأولي العلم اعتباراً لما يعتقدون فيها أنها آلهة.
ونتيجة ما ذكر: ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أي لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً
وأمثالاً، ولا تشبهوه بخلقه، قال ابن عباس - فيما رواه ابن المنذر وابن أبي
حاتم في هذه الآية -: أي لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو،
وأنتم بجهلكم تشركون به غيره. وإن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب
الشديد، بسبب عبادة هذه الأصنام، فاتركوا عبادتها، وأنتم لا تعلمون
ذلك، ولو علمتموه لتركتم عبادتها. وهذا تهديد شديد على عظم جرمهم
وكفرهم ومعاصيهم، وردّ على عبدة الأصنام.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:
اً - إن الله تعالى هو المتصرف في شؤون الإنسان من حياة أو موت، فهو
خَلَقه وهو يتوفاه في أجل معين، وهو الذي يحميه من الأمراض، أو يرده إلى
أرذل العمر حال الكبر يعني أردأه وأوضعه، وهو الخرف ونقص القوة والعقل
وسوء الحفظ وقلة العلم، فيصبح كالصبي الذي لا عقل له، ولا يعلم ما كان
يعلم قبلُ من الأمور لفرط الكبر. ودلت الآية أيضاً على تفاوت الناس في
الأعمار. وهذا دليل على وجود إله عالم فاعل مختار، وعلى صحة البعث
والقيامة؛ لأن الانتقال من العدم إلى الوجود كالعودة إلى الوجود مرة أخرى.
(١) تفسير الرازي: ٨٢/٢٠
٤٩٩
لُعُ (١٤) - الفَلآ: ١٦ / ٧٠-٧٤
أَ - لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، فجعل منهم
الغني والفقير والمتوسط، ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم
بعضاً، ويحجب عن الإنسان انزلاقه في المعاصي، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ
بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ
تَصِيرُ
[الشورى: ٢٧/٤٢] فالآية دليل على أن التفاوت في الأرزاق
٢٧
كالتفاوت في الأعمار.
ورتَّب الله على هذا التفاوت في الأرزاق نتيجة منطقية تمس الاعتقاد في مثل
ضربه الله لعبدة الأصنام وهو: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء، فكيف تجعلون
عبيدي معي سواء؟ فلما لم يجيزوا لأنفسهم أن يشركهم عبيدهم في أموالهم، لم
يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في عبادة غيره من الأوثان وغيرها مما عُبد،
کالملائكة والأنبياء، وهم عبيده وخلقه.
والتفاوت ليس مختصاً بالمال، بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن
والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والقبيح.
◌ً - من نعم الله على عباده جعل الزوجات من جنس الأزواج وشكلهم،
وفي هذا ردّ على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوَّج الجن وتباضعها.
ومن نعمه سبحانه إنجاب الذرية من بنين وبنات وحفدة (أولاد البنين).
ومن نعمه رزق الطيبات من الثمار والحبوب والحيوان وغير ذلك.
والآية تومئ إلى ضرورة التعاون بين الأزواج والبنين والحفدة؛ لأنهم أسرة
واحدة. ومن السنة النبوية أن الرجل يعين زوجته؛ روت عائشة أن النبي تَل
كان يكون في مِهْنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج. ومن أخلاق النبي ◌َّ: أنه
كان يخصِف النعل، ويقُمُّ البيت، ويخيط الثوب.
ومن قدر على نفقة خادمة واحدة أو أكثر فعل، على قدر الثروة والمنزلة.
٥٠٠
اِلُعُ (١٤) - التَّخَلِآَ: ١٦ / ٧٥-٧٦
وهذا أمر متروك للعرف، فنساء الريف والأعراب والبادية يخدمن أزواجهن،
ونساء المدن يعينهن الزوج، أو يستأجر لهن الخادمة إذا كان من أهل الثروة.
٤ - من حماقة المشركين وجهالتهم أنهم يعبدون أصناماً لا تضر ولا تنفع
ولا تشفع، فلا تملك إمداد غيرها ولا أنفسها بالرزق من إنزال المطر وإنبات
النبات، ولا يقدرون أي الأصنام على شيء، فلا تشبهوا بالله هذه الجمادات؛
لأنه واحد قادر لا مثل له.
مثلان الأصنام والأوثان
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا
حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ
وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ
٦
بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
القراءات:
﴿صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قبل (سراط).
الإعراب:
﴿عَبْدًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿مَمْلُوكًا﴾ صفة قيد بها العبد للتمييز من الحر،
فإنه أيضاً عبد لله.
﴿وَمَنْ زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: رَزَق: فعل يتعدى إلى مفعولين، الأول
منهما الهاء في ﴿رَزَقْنَهُ﴾ والثاني: ﴿رِزْقًا﴾ وهذا ليس مصدراً؛ لأنه قال: