النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ الجُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠ ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ أي بأن اعبدوا الله، أي وحّدوه، ﴿وَأَجْتَنِبُواْ﴾ أي اتركوا الأوثان أن تعبدوها، وهو أمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت. والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، والمراد: اجتنبوا ما يدعو إليه مما نهى عنه الشرع، ويشمل الطاغوت الشيطان والكاهن والصنم وکل من دعا إلى ضلال. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اَللَّهُ﴾ فآمن، بأن وفقهم للإيمان بإرشادهم ﴿ وَمِنْهُم مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ أي وجبت عليه الضلالة في علم الله فلم يؤمن، بأن لم يوفقهم ولم يرد هداهم. ووجبت أي ثبتت بالقضاء الأزلي السابق؛ لإصراره على الكفر والعناد. ﴿ فَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي يا معشر قريش ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ رسلهم من الهلاك، مثل عاد وثمود وغيرهم، لعلكم تعتبرون ﴿ إِن تَحْرِصُ﴾ يا محمد ﴿ عَلَى هُدَنْهُمْ﴾ وقد أضلهم الله، لا تقدر على ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ هذا معنى من حقت عليه الضلالة، أي من يريد ضلاله، ولكنه لم يأمره به، وإنما على العكس أمره وأمر العالم كله بالإيمان ﴿وَمَا لَهُم ◌ِّن نَّصِرِينَ﴾ مانعين من عذاب الله، بأن ينصرهم بدفع العذاب عنهم. جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ غاية اجتهادهم فيها ﴿بَلَى﴾ يبعثهم ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان لنفسهما منصوبان بفعلهما المقدر، أي وعد ذلك وحقه حقاً ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أي أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك أي إنهم مبعوثون، إما لعدم علمهم بمقتضى الحكمة التي يراعيها الله عادة، وإما لقصر نظرهم على المألوف، فيتوهمون امتناعه. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ متعلق بقوله: يبعثهم المقدر، أي يبعثهم ليبين ﴿لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مع المؤمنين، من أمر الدين الحق، بتعذيبهم وإثابة المؤمنين ﴿أَنَهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ﴾ في إنكار البعث المميز بين الحق والباطل والمحق ٤٤٢ الزُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠ والمبطل بالثواب والعقاب ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ أردنا إيجاده ﴿فَيَكُونُ﴾ فهو يكون. وهذه الآية: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ﴾ لتقرير القدرة على البعث وبيان إمكانه؛ لأن تكوين الله تعالى بمحض قدرته ومشيئته، ولا يتوقف على سبق المواد والمدد، وإلا لزم التسلسل، فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة، يمكن له تكوينها مرة أخرى. سبب النزول: نزول الآية (٣٨): ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتبعث بعد الموت؟! فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله تعالى هذه الآية. المناسبة: في هذه الآيات شبهتان، أما آيات ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ فهي الشبهة الثالثة لمنكري النبوة بعد إيراد الشبهتين المتقدمتين، وتقريرها: أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة، فقالوا: لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان، سواء جئت أم لم تجئ، ولو شاء الله الكفر، فإنه يحصل الكفر، سواء جئت أو لم تجئ، وإذا كان الأمر كذلك، فالكل من الله، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك، فكان القول بالنبوة باطلاً. وأما آيات: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ فهي الشبهة الرابعة لمنكري النبوة، ومفادها أنهم قالوا: الاعتقاد بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً من وجهين: الأول - إن محمداً كان داعياً إلى التصديق بالمعاد، فإذا بطل ذلك، ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل، فهو ليس رسولاً صادقاً. ٤٤٣ لِلُعُ (١٤) - الفخَلِآ: ١٦ / ٣٥-٤٠ الثاني - إنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته، بناء على الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب، وإذا بطل ذلك، بطلت نبوته. ورد الله عليهم مقالهم كله بأنه كلام قد سبق بمثله المكذبون من الأمم القديمة، وما على الرسل إلا التبليغ، وليس عليهم الهداية، والله تعالى لا يجبر أحداً على الهداية أو الضلالة، وإنما يختار الإنسان لنفسه ما يريد، والله سبحانه خلق للناس قدرة الاختيار بقوله: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ فلا يصح الاحتجاج بمشيئته تعالى، بعد أن خلق لهم من الاختيار ما يكفي. التفسير والبيان: أجاب الله تعالى في هذه الآيات عن شبهتين للكفار منكري النبوة، الأولى منهما هي الشبهة الثالثة لهم المتضمنة اغترارهم بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم الواهي محتجين بالقدر: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ أي وقال المشركون بالله عبدة الأصنام والأوثان، معتذرين عن شركهم، محتجين بالقدر بقولهم: ما نعبد هذه الأصنام إلا بمشيئة الله، فلو شاء الله ما عبدناهم، ولا حرَّمنا هذه المحرّمات من البحائر والسوائب والوصائل(١) ونحو ذلك مما ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، مالم ينزل به سلطاناً، ما حرمناها إلا برضا الله، ولو كان تعالى كارهاً لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه. وهذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَزَّمْنَا مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨/٦]. (١) سبق تفسيرها في آية: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآيَبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلْمٍ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠٣]. ٤٤٤ الجُ (١٤) - التخلِآ: ١٦ / ٣٥-٤٠ وقصدهم من ذلك - كما ذكر الشوكاني في فتح القدير - الطعن في الرسالة، أي لو كان ما قاله الرسول حقاً آتياً من الله من منع عبادة غير الله، ومنع تحريم مالم يحرمه الله، لم يقع منا ما يخالف ما أراده الله منا، فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه كان وما لم يشأ لم يكن، فلما عبدنا غيره وحرمنا ما لم يحرمه، دل على أن فعلنا مطابق لمراده وموافق لمشيئته، وهم في الحقيقة لا يقرون بذلك، ولكنهم قصدوا الطعن على الرسل. ورد الله تعالى عليهم شبهتهم بقوله: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي إن ذلك ليس جديداً في الاعتقاد الفاسد، فمثل قولهم حدث ممن قبلهم من الأمم حين كذبوا الرسل، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فهؤلاء سلكوا سبيل أسلافهم في تكذيب الرسل واتباع الضلال. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّ الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ أي فهم مخطئون فيما يقولون، وليس الأمر كما يزعمون أنه تعالى لم ينكره عليهم، بل قد أنكره عليهم أشد الإنكار، ونهاهم عنه أشد النهي، وأرسل في كل أمة أو قرن أو طائفة من الناس رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن عبادة ماسواه: ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦]. فمنهم من هداه الله ووفقه فآمن وامتثل، ومنهم من أعرض وتنكر، فحقت عليه الضلالة وكلمة العذاب لإصراره على الكفر والعصيان. وما على الرسل الذين أمروا بتبليغ رسالات ربهم إلا إبلاغ الرسالة والوحي وإيضاح طريق الحق، ومنه أن مشيئته تعالى تتوجه بالهداية لمن تعلق بها، كما قال: ﴿فَأَلْهَمَهَا مُجُورَهَا وَتَقْوَتِهَا ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنَهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنِهَا (٣)﴾ [الشمس: ٨/٩١-١٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩/٢٩]. وليس من وظيفة هؤلاء الرسل إلجاء الناس إلى الإيمان، فذلك ليس من شأنهم، ولا هو من الحكمة. ٤٤٥ الجُمُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠ أي إن الثواب والعقاب مرتبطان بأمرين: مشيئة الله تعالى، واتجاه العبد إلى تحصيل الأسباب المؤدية إلى النجاة أو الهلاك. وهداية الله نوعان: هداية إرشاد ودلالة، وهذا ما يقوم به الرسل والكتب المنزلة عليهم، وهداية توفيق وعون، وهذا متعلق بسلوك العبد أصل طريق الهداية والإيمان، فمن آمن زاده الله توفيقاً إلى الخير، ومن ضل وكفر وأعرض أضله الله وأبعده عن جادة الحق والخير. ثم إن أمر الله جميع الناس بالإيمان غير إرادته ومشيئته. ثم أبان الله تعالى عموم بعثة الرسل لكل الأمم فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ أي إن سنته تعالى في خلقه إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله، ونهيهم عن عبادة الطاغوت: وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والكواكب والشيطان وغيرها، فلقد أرسل في كل أمة رسولاً منذ حدث الشرك في قوم نوح، وکان نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد مليار الذي كانت دعوته عامة للإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كان يقول: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ١٢٥ ﴾ [الأنبياء: قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ ٢٥/٢١] وقوله: ﴿ وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ [الزخرف: ٤٣ /٤٥] . ٤٥ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾. والخلاصة: إن المشيئة الشرعية للكفر منتفية غير مرادة؛ لأنه تعالى نهى الناس عن الكفر على ألسنة رسله. وأما المشيئة الكونية وهي تمكين بعض الناس من الكفر وتقديره لهم على وفق اختيارهم، فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حكمة بالغة(١). (١) تفسير ابن كثير: ٥٦٩/٢ ٤٤٦ لُ (١٤) - التّحَلِآَ: ١٦ / ٣٥-٤٠ ثم إنه تعالى أنكر على الكفرة المكذبين بإنزال العقوبة عليهم في الدنيا بعد إنذار الرسل فقال: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ أي فبعض الناس هداهم الله ووفقهم لتصديق الرسل، ففازوا ونجوا، ومنهم من كفر بالله وكذبوا رسله، فعاقبهم الله تعالى. ﴿فَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل، وكذب الحق، كعاد وثمود، كيف أهلكهم الله بذنوبهم: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠/٤٧] فانظروا كيف كان مصير المكذبين رسلهم، لتعتبروا بعاقبتهم. ثم خصص الله الخطاب برسوله مسلياً له عما يقابله قومه من جحود فقال: ﴿إِن تَحْرِصُ عَلَى هُدَنهُمْ﴾ أي إن تحرص يا محمد على هداية قومك، فلا ينفعهم حرصك إذا كان الله قد أراد إضلالهم بسوء اختيارهم، كما قال سبحانه ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١/٥] وقال تعالى حكاية لقول نوح لقومه: ﴿ وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىٌّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ [هود: ٣٤/١١] وقال عزَّ وجلّ لرسوله وَّ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦/٢٨] . ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ أي وليس لمن اختاروا الضلالة ناصرون ينقذونهم من عذاب الله وعقابه؛ لأن أساس الحساب على الإيمان والكفر الاختيار، لا الإكراه والإلجاء. ثم ذكر تعالى الشبهة الرابعة لمنكري النبوة، فقالوا: اعتقاد البعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌ﴾ أي حلف المشركون، واجتهدوا في الحلف، وأغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت، أي إنهم استبعدوا البعث، وكذبوا الرسل في إخبارهم إياهم به؛ لأن الميت يفنى ويزول. ٤٤٧ لُُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٣٥-٤٠ فرد الله تعالى عليهم بقوله: بلى سيكون ذلك، ووعد به وعداً حقاً لا بد منه، ولكن أكثر الناس لجهلهم بقدرة الله خالفوا الرسل ووقعوا في الكفر. وحكمة الله في المعاد هي ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي ليبين للناس الحق فيما يختلفون فيه من كل شيء، ويقيم العدل المطلق فيميز الخبيث من الطيب، والطائع من العاصي، والظالم من المظلوم، ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي وليعلم الكافرون علم اليقين الذين أنكروا البعث والجزاء أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقوالهم: لا يبعث الله من يموت، وتقول لهم زبانية النار: ﴿هَذِهِ النَّارُ اَلَتِى كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿ أَفَسِحُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)) [الطور: ٥٢ /١٤- ١٦]. وناسب الكلام في البعث أنه تعالى أخبر عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ أي إنا إذا أردنا شيئاً من الخلق والإعادة والبعث للأموات والمعاد، فإنما يتم بالأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء الله، دون عناء ولا تردد، ولا بطء ولا تكلف، كما قال سبحانه: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمْيجٍ بِلْبَصَرِ ۵٠ [القمر: ٥٠/٥٤] وقال: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ. [النحل: ٧٧/١٦] وقال: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍّ﴾ [لقمان: ٢٨/٣١] وقال: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ١٨٣ [يس: ٨٢/٣٦]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مايأتي: ٤٤٨ لُعُ (١٤) - النْخَلِ: ١٦ / ٣٥-٤٠ اً - إن بعثة الرسل في كل الأمم عامة شاملة، وهدفها واحد وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الطاغوت أي ترك كل معبود دون الله، كالشيطان والكاهن والصنم، وكذا كل من دعا إلى الضلال. أَ - الناس أمام دعوة الرسل فريقان: فريق أرشده الله إلى دينه وعبادته، وفريق أضله الله في قضائه السابق حتى مات على الكفر، وكل من الفريقين اختار لنفسه ما يحلو، وعلم الله واسع محيط بكل شيء، علم الله من كل فريق ما سيختار، فكان قضاؤه السابق مطابقاً لما سيحدث، وعلم الله لا يتغير. وسنة الله قديمة مع العباد، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان، وينهاهم عن الكفر، ثم يخلق الإيمان في فريق، والكفر في فريق، حسبما علم من توجه العبد إلى منحاه. ◌َّ - العاقل من يعتبر ويتعظ بما حل بفريق الضالين المكذبين، كيف آل أمرهم إلى الدمار والخراب والعذاب والهلاك. ٤ - لا جدوى ولا فائدة من حرص النبي وَّل أو غيره على هداية أحد بجهده وتصميمه إن سبق في علم الله الضلالة له، فإنه تعالى لا يرشد من أضله، بعد أن ضل سواء السبيل. وليس للضالين من ناصرين ولا من شافعين ولا من رفاق ينقذونهم من العذاب الذي استحقوه على ضلالهم وكفرهم. ٥ - الكل يعجب من حماقة المشركين وجهلهم حينما يغلظون الأيمان ويؤكدون القسم بأن الله لا يبعث من يموت. لذا رد الله عليهم بأن البعث حق مؤكد لا شك فيه، ولا بد من وقوعه، وإن كان أكثر الناس يجهلون أنهم مبعوثون. أَ - الحكمة من البعث والمعاد واضحة وهي إظهار الله الحق فيما يختلف ٠ ٤٤٩ الُ (١٤) - الْخَلِآَ: ١٦ / ٤١-٥٠ فيه الناس من أمر البعث وكل شيء، وإعلام الكافرين بالبعث الذين أقسموا على إنكاره أنهم كانوا كاذبين في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت. لاً - لله القدرة المطلقة الهائلة، فإذا أراد أن يبعث من يموت فلا تعب عليه ولا نصب في إحيائهم، ولا في غير ذلك مما يحدثه في الكون؛ لأنه إنما يقول له: کن فیکون. كيا الله وَسَّلم جزاء المهاجرين وبشرية الرسل ومهمة النبي في بيان القرآن، وتهديد الكافرين ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى الَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِ الذُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ اَلْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوَ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ ٤٢ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِّ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ ٤٣ تَعْلَمُونَ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ (®) يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( ٤٥ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلِِّهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَّخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمُ دَاخِرُونَ ٤٨ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْمَئِكَةُ وَهُمْ لَا ٥٠ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤٩ يَسْتَكْبِرُونَ ( القراءات: ﴿فَسْئَلُواْ﴾: وقرأ ابن كثير، والكسائي، وحمزة وقفاً (فَسَلوا). ﴿لَرَءُوفٌ﴾ : ٤٥٠ الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٤١-٥٠ قرئ: ١- (الرؤوف) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص. ٢- (لرؤف) وهي قراءة الباقين. ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْأ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (أو لم تروا). ﴿يَنَفَيَّوْاْ﴾ : وقرأ أبو عمرو: (تتفيَّؤْا). الإعراب: ﴿حَسَنَةٌ﴾ صفة للمصدر، أي لنبوئنهم تبوئة حسنة. ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ الذين: إما بدل مرفوع من ﴿وَأَلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ وإما بدل منصوب من الهاء والميم في ﴿لَنُوِّتَنَّهُمْ﴾ أو منصوب بتقدير: أعني. ﴿عَلَى تَخُوُفٍ﴾ حال من الفاعل أو المفعول. ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ حال من الظلال ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿ظِلَلْهُ﴾ الذي هو في معنى الجمع ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم﴾ حال. ﴿مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال من: هم. البلاغة: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ﴾ استفهام بمعنى الإنكار. ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة. ٤٥١ لُرُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٤١- ٥٠ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ عطف خاص على عام لتعظيم الملائكة وتكريمهم. ﴿يَكَّرُونَ﴾ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَشْعُرُونَ﴾ ﴿دَخِرُونَ﴾ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُؤْمَرُونَ﴾ بأسلوب السجع اللطيف. ﴿اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِىِ اللَّهِ﴾ هم النبي ◌َِّ وأصحابه، وقد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة في صدر الإسلام فرضاً، ثم قال النبي ◌َّلام فيما أخرجه الشيخان عن ابن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) أي إن الهجرة أصبحت هي ترك سيئات الأعمال: ((والمهاجر: من هجر ما نهى الله عنه)) والهجرة: ترك الوطن في سبيل الله لإقامة دينه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ بالأذى من أهل مكة ﴿لَنُوِّثَنَّهُمْ﴾ لنزلنهم في الدنيا منزلاً حسناً ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ﴾ أي إن الجنة أعظم ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للكفار، أي لو علموا أن الله يمنح المهاجرين خير الدارين لوافقوهم، أو للمهاجرين، أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للمتخلفين عن الهجرة، أي لو علموا ما للمهاجرين من الكرامة لبادروا إلى الهجرة. وفي هذا ترغيب في الهجرة وفي طاعة الله تعالى؛ لأنه بالهجرة قوي الإسلام. ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ هم الصابرون على الشدائد من أذى المشركين، والهجرة لإظهار الدين. ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي منقطعين إلى الله تعالى مفوضين إليه الأمر كله. ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ لا ملائكة، وهو رد لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً. وفي هذا دلالة واضحة أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، وليس في النساء نبية . ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ العلماء بالتوراة والإنجيل، أي ٤٥٢ لُ (١٤) - الْخَلِآَ: ١٦ / ٤١-٥٠ أهل الكتاب العالمين ﴿إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فإنهم يعلمونه، وأنتم أقرب إلى تصديقهم من تصديق المؤمنين بمحمد وَلِ ﴿ِالْبَيِّنَتِ﴾ متعلق بمحذوف، أي أرسلناهم بالبينات أي الحجج الواضحة، والبينة: هي المعجزة الدالة على صدق الرسول ﴿وَالزُّبْرِ﴾ الكتب، أي كتب الشرائع وتكاليف العباد، جمع زبور ﴿الذِّكْرَ﴾ القرآن، وسمي ذكراً؛ لأنه موعظة وتنبيه ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ لتوضح أسرار التشريع ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في القرآن من الحلال والحرام، والتبيين: أعم من أن ينص على المقصود، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس ودليل العقل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي وإرادة أن يتأملوا فيه، فيتنبهوا للحقائق، ويعتبروا. ﴿مَكَرُواْ﴾ المكرات السيئات، والمكر: السعي بالفساد خفية ﴿اُلسَّيِّئَاتِ﴾ أي الأعمال التي تسوء عاقبتها، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الذين مكروا بالنبي ◌َّ في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في سورة الأنفال [٣٠] وراموا صد أصحابه عن الإيمان ﴿يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ مثلما فعل بقارون، أي بأن يذهبهم ويغوِّر بهم في أعماق الأرض . ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي من جهة لا تخطر ببالهم، بأن يأتيهم العذاب بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط، وكما أهلك المشركين في بدر، ولم يكونوا يقدرون على النجاة. ﴿فِى تَقَلُبِهِمْ﴾ في أسفارهم في البلاد للتجارة، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ (١٦) [آل عمران: ١٩٦/٣]. ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار من العذاب ﴿تَخْوَّفٍ﴾ مع تخوف وتوقع للبلايا أو تنقص شيئاً فشيئاً في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعر أبو كبير يصف ناقته: ٤٥٣ المُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٤١-٥٠ تخوّف الرحل منها تامكاً قَرِداً كما تخوف عود النبعة السَّفِرُ(١) فقال عمر: عليكم بديوانكم، لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ﴿مِن شَىْءٍ﴾ له ظل كشجرة وجبل ﴿يَنَفَيَّؤْ ظِلَلُهُ﴾ يميل من جانب إلى جانب، وقرئ (تتفيأ) وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع، والظلال: جمع ظل: وهو ما يكون أول النهار قبل أن تناله الشمس ﴿ وَالشَّمَابِلِ﴾ جمع شمال، والمراد باليمين والشمائل: أي عن جانبي الشيء أول النهار وآخره . ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ أي خاضعين له بما يراد منهم، والسجود: الانقياد والخضوع ﴿وَهُمْ﴾ الظلال، نزلوا منزلة العقلاء ﴿دَخِرُونَ﴾ صاغرون منقادون. ﴿مِن دَآبَةٍ﴾ نسمة تدب على السماء والأرض، أي تخضع له بما يراد منها، وغلب في الإتيان بما: مالا يعقل لكثرته ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتكبرون عن عبادته ﴿يَحَافُونَ﴾ أي الملائكة، حال من ضمير ﴿لَا يَسْتَكْبُونَ﴾. ﴿مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ حال، أي عالياً عليهم بالقهر والغلبة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧/٧]. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى موقف الكفار في إنكار البعث والقيامة، الدال على التمادي في الغي والجهل والضلال، أبان حكم الهجرة عن تلك الديار ورغب فيها، تخلصاً مما يقدم عليه أولئك الكفار من إيذاء المسلمين وإضرارهم وعقوبتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة: صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، وعابس، وجبير، مَوْلَيْنَ لقريش، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا (١) التامك القرد: اللحم المتراكم بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسيّ. ٤٥٤ لُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٤١-٥٠ رجل كبير إن كنت لكم، لم أنفعكم، وإن كنت عليكم، لم أضركم، فافتدى منهم بماله، فلما رآه أبو بكر قال: ربح البيع ياصهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله، لم يعصه، وهو ثناء عظيم، يريد به: لو لم يخلق الله النار لأطاعه، فكيف ظنك به، وقد خلقها؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام، فتركوا عذابهم، ثم هاجروا، فنزلت هذه الآية(١). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال في هذه الآية: هؤلاء أصحاب محمد بَير، أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوّأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين. ثم ذكر الله تعالى الشبهة الخامسة لمنكري النبوة الذين قالوا : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحداً من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا، لكان يبعث ملكاً، ثم أجاب عن هذه الشبهة بأن سنة الله تعالى وعادته أن يبعث رسولاً من البشر. ثم هددهم بخسف الأرض بهم، أو بعذاب من السماء بغتة؛ لأن الله قدرة كاملة في السماء والأرض، والمخلوقات كلها تنقاد له وتخضع لأمره. التفسير والبيان: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ﴾ هذه الآية تحدد جزاء المهاجرين في سبيل الله، ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان، رجاء ثواب الله وجزائه، والمعنى: والذين فارقوا ديارهم وأوطانهم، وتركوا أموالهم وأولادهم في سبيل الله، وحباً في إرضائه، وذهبوا إلى ديار أخرى، بعد أن ظلموا، وأوذوا من (١) تفسير الرازي: ٣٤/٢٠ ٤٥٥ الجُ (١٤) - الْخَلِ: ١٦ / ٤١-٥٠ الأعداء، لننزلنهم في الدنيا داراً أو بلدة حسنة، ومنزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب. فالحسنة: هي المنزلة الطيبة والمسكن المرضي والموطن الأصلح وهو المدينة، كما قال ابن عباس والشعبي وقتادة. وقال مجاهد: هي الرزق الطيب، قال ابن كثير: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيراً منها في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله، عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك أصبحوا سادة العباد والبلاد. فالحسنة: هي المنزلة الرفيعة المادية والمعنوية. ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ﴾ أي وثوابهم في الآخرة على هجرتهم أعظم مما أعطيناهم في الدُّنيا؛ لأن ثوابه هو الجنة ذات النعيم الدائم الذي لا يفنى، ﴿لَوَّ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾: الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدُّنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. أو لو علم المتخلفون عن الهجرة معهم ما ادَّخر الله لمن أطاعه واتَّبع رسوله. أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاءً قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربّك في الدُّنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكثر. ثم وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي هم الذين صبروا أو أعني الذين صبروا على الأذى من قومهم والعذاب، وعلى مفارقة الوطن المحبوب، وهو حرم الله، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله، وعناء السفر ومتاعب الغربة، وتوكّلوا على ربهم، أي فوّضوا أمورهم إليه، فأحسن عاقبتهم في الدُّنيا والآخرة. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون سبب نزول الآية في مهاجرة الحبشة الذين ٤٥٦ لُرُ (١٤) - التّخَلِآَ: ١٦ / ٤١-٥٠ اشتدّ أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكّنوا من عبادة ربّهم. ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله وَّر، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرّسول وَليل، وأبو سلمة بن عبد الأسود، في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صدِّيق وصدِّيقة رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدُّنيا والآخرة (١)، وهذا هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية، كما ذكر ابن عطية. ثم أجاب الله تعالى عن الشُّبهة الخامسة لمنكري النّبوة المذكورة في هذه السورة وهي بشريّة الرُّسل، فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي وما أرسلنا للناس رسولاً من أهل السماء أي ملائكة، وإنما أرسلنا رجالاً من أهل الأرض نوحي إليهم أوامرنا ونواهينا، فلم نرسل إلى قومك يا محمد إلا كما أرسلنا إلى من قبلهم من الأمم، أي رسلاً من جنسهم وطبيعتهم: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣/١٧]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠/١٨]. قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً وَليل رسولاً، أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ الآية [يونس: ٢/١٠]. ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أي فاسألوا أهل العلم وأهل الكتب الماضية: أبشراً كانت الرُّسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون محمد وَل رسولاً. ﴿يِاَلْبَيِّنَتِ وَالزُّبْرِ﴾ أي أرسلناهم بالحجج والدلائل التي تشهد لهم بصدق (١) تفسير ابن كثير: ٥٧٠/٢ ٤٥٧ الُعُ (١٤) - التّحَلِآ: ١٦ / ٤١-٥٠ نبوّتهم، وبالكتب المشتملة على التّشريع الرَّبَّاني. والزُّبر: جمع زبور أي كتاب، تقول العرب: زبرت الكتاب: إذا كتبته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ ١٠٥) @ [الأنبياء: ١٠٥/٢١]، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ﴾ [القمر: ٥٢/٥٤]. ٥٢ وفي الآية: ﴿بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبْرِ﴾ تقديم وتأخير، أي ما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبر إلا رجالاً، أي غير رجال، فكلمة ﴿إِلَّا﴾ بمعنى غير، كقوله: لا إله إلا الله. ﴿ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أي وكما أنزلنا الكتب إلى من قبلك يا محمد، أنزلنا إليك القرآن، لتبيِّن للناس ما أنزل إليهم من ربّهم من الشرائع والأحكام والحلال والحرام وقصص الأمم الماضية التي أبيدت وأهلكت لتكذيبها الأنبياء، لعلمك بمعاني ما أنزل الله عليك. ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي ومن أجل أن يتفكَّروا وينظروا في حقائق الكون وأسرار الحياة وعبر التاريخ، فيهتدون، ويفوزون بالنّجاة في الدَّارين. وبعد فتح باب الأمل أمامهم، حذَّرهم تعالى سوء ما هم عليه من الكفر والعصيان، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ أي إنه تعالى يخبر عن حلمه وإمهاله العصاة الذین یعملون السَّیئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم لما هم عليه من الضلال. والمكر في اللغة: عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء. والمعنى: أفأمن الذين مكروا السيئات برسول الله وصله وهم أهل مكة، وحاولوا صدّ الناس عن الإيمان بدعوته، أحد أمور أربعة: الأول - أن يخسف بهم الأرض، كما فعل بقارون. الثاني - أو يأتيهم العذاب فجأة من حيث لا يشعرون به، كما صنع بقوم لوط. ٤٥٨ الُءُ (١٤) - الْخَلِ}: ١٦ / ٤١-٥٠ الثالث - أو يأخذهم في تقلُّبهم في الليل والنهار أو في أسفارهم ومتاجرهم واشتغالهم في المعايش والأشغال الملهية، فلا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. الرابع - أو يأخذهم على تخوّف أي في حال خوفهم بأن يهلك الله قوماً، فيتخوّفوا، فيأخذهم بالعذاب، وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فإن العذاب المتوقّع مع الخوف الشديد أبلغ وأشدّ من حال المفاجأة؛ لأن العقاب في حال الإرهاب، وإنهاك الأعصاب، وإخافة النفوس أشدّ من العقاب المفاجئ. وقيل: التّخوّف: التّنقص من الأموال والأرزاق، والأنفس، على لغة هذيل كما بيَّا. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي إن الله تعالى لم يعجل بعذابهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ لأنه رؤوف رحيم بعباده، فترك لهم وقتاً يتمكنون من تلافي التّقصير، واستدراك الأخطاء، والعدول عن الضّلال. ثبت في الصحيحين: ((لا أحد أصبر على أذىّ سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم)) وثبت فيهما أيضاً: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اٌلْقُرَى ﴾ [هود: ١٠٢/١١])). ١٠٢ وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ ونظير الآية: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيَّتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَ [الحج: ٤٨/٢٢] . ٤٨) اُلْمَصِيرُ والتّخويف والإنذار يناسبه التّذكير بالقدرة الإلهية الهائلة، والعظمة والجلال والكبرياء الذي خضع له كل شيء، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ أي ألم ينظر هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من المخلوقات ذات الظلال كالجبال والأشجار والمباني والأجسام القائمة، تتميل ظلاله من جانب إلى جانب، ذات اليمين وهو المشرق، وذات الشمال وهو ٤٥٩ الجُزءُ (١٤) - الْخَلِآ: ١٦ / ٤١- ٥٠ المغرب، وذلك بكرةً وعشيّاً أي في الغداة أول النهار، وفي المساء آخر النّهار، قال الأزهري: تفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس، والظّل: ما يكون بالغداة: وهو ما لم تنله الشمس. والخطاب في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ﴾ لجميع الناس. وقوله تعالى: ﴿مِن شَىْءٍ﴾ أراد: من شيء له ظلّ من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، بدليل ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ﴾ وهو الشيء الكثيف الذي يقع له ظلّ على الأرض. وقوله تعالى: ﴿ظِلَلُهُ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه: الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا؛ لأن الذي عاد إليه الضمير، وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ إلا أنه كثير في المعنى. ونظيره . قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُرْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣/٤٣]، فأضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة، وهو قوله تعالى: ﴿مَا تَرَّكَبُونَ﴾. ﴿سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمَّ دَخِرُونَ﴾ أي إن الظلال ساجدة لأمر الله وحده، والسّجود: الانقياد والاستسلام، وهم صاغرون خاضعون منقادون لله، والدّخور: الصّغار والذّل، لأن الظلال تتحوّل من جهة المشرق إلى جهة المغرب، فهي في أول النهار من جهة المشرق، ثم تتقلّص، وتنتقل من حال إلى حال في آخر النهار، مائلة إلى جهة المغرب، وهذا الانتقال دليل على القدرة الإلهية. وقوله تعالى: ﴿دَخِرُونَ﴾ جمع بالواو؛ لأن الدّخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل، فغلب العقلاء. ومجمل معنى الآية: أولم ينظروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيِّئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها وشقّيه - استعارة ٤٦٠ لُهُ (١٤) - النحل: ١٦ / ٤١ -٥٠ من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء - ترجع الظلال من جانب إلى جانب، منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التّفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله لا تمتنع(١). وهذا في الجمادات، ثم ذكر سجود الأحياء فقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ أي ولله يخضع كل ما في السماوات والأرض من دابة تدبّ عليها، وكذلك الملائكة، والحال أنهم لا يستكبرون أبداً عن عبادته وعن أي شيء كلفوا به، أو عن مراد الله فيما أراد، فهم في تذلل وخضوع لله تعالى. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ يخاف هؤلاء الملائكة والدّواب الأرضية الذي خلقهم، وهو دائماً من فوقهم بالقهر والغلبة، ويفعلون أي الملائكة كل ما يؤمرون به، فهم مثابرون على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره. فالمراد بالفوقية: الفوقية بالرّتبة والشّرف والقدرة والقوة. ونظير الآية كثير مثل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَّهَا [الرعد: ١٥/١٣] . وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ (هَا﴾ والخلاصة: إن على أهل مكة الماكرين بالنَّبي وبالمؤمنين أن يحذروا عقاب الله، فإن الله قادر على تعذيبهم عاجلاً أو آجلاً، ودليل قدرته وعظمته وكبريائه خضوع كل شيء له في السماوات والأرض، من جماد ونبات وحيوان وإنس وجنّ وملائكة. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات ما يأتي: اً - جزاء المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وصبروا على الأذى، (١) الكشاف: ٢/ ٢٠٥