النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
المُعُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٣-٩
وكثيراً - كما قال ابن كثير - ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى
الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله تعالى في الحج: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧/٢] وقوله سبحانه: ﴿يَنِيّ ◌َادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا
يُؤَدِى سَوْءَ اتِكُمْ وَرِيِشًا وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦/٧].
ثم قال سبحانه محذراً من متاهات الطرق: ﴿حَابِرٌ﴾ أي ومن الطرق أو
ج
السبل طريق جائر حائد عن الاستقامة، مؤد إلى الضلال والزيغ عن الحق.
وسبيل الاستقامة هو الإسلام، والجائر منها غيره من الأديان، لنسخها
بالإسلام، ولأن الإسلام دين التوحيد والفطرة الذي ارتضاه لعباده، كما
قال: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ
لِخَلْقِ اُللَّهِ ذَلِكَ الْذِِّرُ الْقَيِّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٣٠
[الروم: ٣٠/٣٠].
ثم أخبر الله تعالى أن الهداية بقدرته ومشيئته تعالى فقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ
◌َدَدِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال المعتزلة: ولو شاء لهداكم جميعاً جبراً وقسراً وإلجاءً.
وقال أهل السنة: الله قادر على هداية جميع الناس، مافي ذلك أدنى شك، وإنما
المراد بالآية: أنه تعالى بيَّن السبيل القاصد المستقيم والجائر، وهدى قوماً
يستحقون الهداية، وقد اختاروا الهدى، وأضل قوماً اختاروا الضلالة
لأنفسهم. والهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ
[البلد: ١٠/٩٠] وهداية توفيق ورعاية كما في قوله سبحانه:
النَّجْدَیْنِ
﴾ [الفاتحة: ٦/١] وقوله هنا: ﴿وَلَوْ شَآءَ
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ
◌َدَنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَنْ فِىِ اٌلْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩/١٠] وقوله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنَّاسَ
أُمَّةٌّ وَجِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ
[هود: ١١٨/١١-
١١٩) @
كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١١٩] .

٤٠٢
لُحُ (١٤) - الْخَلِ: ٣/١٦-٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي:
اً - إن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان دليل واضح على قدرة
الله تعالى ووجوده ووحدانيته.
لكن تعدى الإنسان طوره، وتجاوز حدوده، فناكد وجادل، وكذب ربه
وخاصمه في قدرته.
اً - وكذلك خلق الأنعام بما فيها من منافع امتن الله بها على الإنسان دليل
آخر على قدرة الله وتوحیده.
ودل قوله ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ على مشروعية لباس الصوف، وقد لبسه رسول
الله ◌َل﴾ والأنبياء قبله، كموسى وغيره.
ومنافع الأنعام كثيرة لا نكاد نجد لها شبيهاً، ففيها منفعة الأجسام ذاتها
بأكل لحومها، ومنفعة نتاجها بالدر واللبن والنسل، ومنفعة ما تستر به من
أوبار وأصواف وأشعار، ومنفعة ظهورها للركوب وحمل الأثقال والنقل من
بلد إلى آخر، ومنفعة قواها بالحرث، فالبقرة لا يحمل عليها ولا تركب، وإنما
هي للحرث وللأكل والنسل واللبن، فحق على الإنسان شكر هذه النعمة،
ومقابلتها بالعبادة لله تعالى الذي خلقها وسخرها للناس.
ودلت هذه الآية على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها، ولكن
بقدر المعتاد وقدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل، مع الرفق في السير. وقد
أمر النبي وص له بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها. روى
مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا سافرتم في الخضب،
فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نِقْيها(١)).
(١) السنة: القحط ويبس نبات الأرض، والنِّقي: المخ، والمعنى: أسرعوا في السير بالإبل،
لتصلوا إلى المقصد، وفيها بقية من قوتها، لعدم وجود ما يقويها على السير في الأرض الجدبة.

٤٠٣
الجُزُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٣-٩
وهذا دليل الرفق بالحيوان.
ما - كذلك الدواب الأخرى التي خلقها الله وهي الخيل والبغال والحمير
دليل آخر على القدرة الإلهية، ومزيد فضل الله تعالى، قال العلماء: ملَّكنا الله
تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا، وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها، رحمةً منه
تعالى لنا، وما ملكه الإنسانُ وجاز له تسخيره من الحيوان، فکراؤه له جائز
بإجماع أهل العلم.
واختلف العلماء فيمن اكترى دابة بأجر معلوم إلى موضع معين، فتعدى
وتجاوز ذلك المكان، ثم رجع إلى المكان المأذون له فيه، فقال أبو حنيفة:
لصاحبها الأجرة المسماة، ولا أجر له فيما لم يسمِّ؛ لأنه خالف فهو ضامن إذا
هلكت الدابة.
وقال الشافعي وفقهاء المدينة السبعة: على المستأجر الكراء المسمى، وكراء
المثل فيما جاوز ذلك، ولو عطبت لزمته قيمتها.
وقال أحمد: عليه الكراء والضمان.
وقال ابن القاسم تلميذ مالك: إذا عطبت الدابة في حال التجاوز،
فلصاحبها كراؤه الأول، وله الخيار في أخذ كراء الزائد بالغاً ما بلغ، أو قيمة
الدابة يوم التعدي.
واستدل بالآية مالك وأبو حنيفة وغيرهما على تحريم لحوم الخيل؛ لأنه تعالى
قال: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ فجعلها للركوب والزينة ولم
يجعلها للأكل، ولا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير؛ لأن الله تعالى لما
نص على الركوب والزينة، دل على أن ماعداه بخلافه. أما في الأنعام فقال:
﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها.
ويؤيده حديث أحمد وأبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن خالد بن

٤٠٤
لالُرُ (١٤) - التّخَلِآَ: ٣/١٦-٩
الوليد أن رسول الله وَ لل نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير،
وكل ذي ناب من السباع أو شِخْلَب من الطير. وهو لفظ الدارقطني.
قال القرطبي المالكي: الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل
لحوم الخيل، وأن الآية والحديث لا حجة فيهما لازمة؛ أما الآية فلا دليل
فيها على تحريم الخيل؛ إذ لو دلت عليه لدلّت على تحريم لحوم الحمر، والسورة
مكية، وأي حاجة كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحمر عام خيبر، وقد ثبت في
الأخبار تحليل الخيل على ما يأتي. وأيضاً لما ذكر تعالى الأنعام ذكر الأغلب من
منافعها وأهم مافيها، وهو حمل الأثقال والأكل، ولم يذكر الركوب ولا
الحرث بها ولا غير ذلك مصرّحاً به، وقد تُرکب ويحرث بها.
وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها، وثبت ذلك في السنة، روى مسلم من
حديث جابر قال: نهى رسول الله وَّله يوم خَيْبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن
في لحوم الخيل. وقال النَّسائي عن جابر: أطعمنا رسول الله وَل يوم خيبر لحوم
الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر(١).
واستدل جمهور العلماء بالآية أيضاً على أن الخيل لا زكاة فيها؛ لأن الله
سبحانه منّ علينا بما أباحه منها وكرمنا به من منافعها، فغير جائز أن يلزم
فيها كلفة إلا بدليل.
وقال أبو حنيفة: إن كانت إناثاً كلها، أو ذكوراً وإناثاً، ففي كل فرس
دينار إذا كانت سائمة، وإن شاء قوّمها، فأخرج عن كل مئتي درهم خمسة
دراهم. واحتج بأثر عن النبي ◌َّ أنه قال: ((في الخيل السائمة في كل فرس
دينار)) لكنه كما قال الدارقطني: تفرد به ضعيف جداً، ومن دونه ضعفاء.
٤ - لم ينقطع فضل الله وكرمه، فقد خلق لنا غير الأنعام والدواب فقال:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا يشمل كل وسائل النقل والركوب الحديثة.
(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٧٦ - ٧٧

٤٠٥
الجُزءُ (١٤) - الْخَلِ: ١٦ / ١٠-١٦
٥ - على الله تفضلاً وكرماً بيان السبيل المستقيم وهو الإسلام، وحذر من
اتباع السبل الجائرة الحائدة عن الحق من الملل والأهواء الأخرى. والهداية
بمشيئة الله تعالى، والتوفيق للهداية مقرون باختيار الإنسان لها.
أدلة أخرى لإثبات الألوهية والوحدانية
﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْنُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ
◌ُسِيمُونَ
الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ بِأَمْرِهٍٍ إِكَ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنَّهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا
طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ
مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ وَأَنْهَا وَسُبُلَاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
القراءات:
﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ﴾:
قرئ:
١- (والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ) وهي قراءة ابن عامر.
٢- (والشمسَ والقمرَ والنجومُ مسخراتٌ) وهي قراءة حفص.
٣- (والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ) وهي قراءة الباقين.

٤٠٦
لُ (١٤) - الْحَمِ: ١٦ / ١٠-١٦
الإعراب:
﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ﴾ بالنصب عطفاً على ما قبله، ومن قرأ بالرفع فهو
مبتدأ، و﴿مُسَخَّرَتٌ﴾ خبره.
﴿ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتُ﴾ مبتدأ وخبر، ومن قرأ بالنصب فهو حال.
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ معطوف بالجر على ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ﴾ أي إن في ذلك وما ذرأ لكم، أو معطوف على ﴿اَلَيَّلَ﴾ أي وسخر
لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ﴾ ﴿مُخْتَلِفًا﴾ حال.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول لأجله، أي كراهة أن
تميد بكم، أو لئلا تميد بكم، والوجه الأول أوجه؛ لأن حذف المضاف أكثر
من حذف ((لا)).
﴿وَعَمَتَّ﴾ منصوب بالعطف على قوله ﴿سَخَّرَ﴾ أي سخر الليل والنهار
وعلامات، أو منصوب بتقدير: خَلَق، أي وخلق لكم علامات.
المفردات اللغوية:
﴿ تُسِيمُونَ﴾ أي تَرْعَوْن دوابكم، والسوم: الرعي، ومنه الإبل السائمة
﴿إِنَ فِي ذَلِكَ لَيَةً﴾ أي إن في ذلك المذكور لعلامة دالة على وحدانيته
تعالى ﴿لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ في صنعه، فيؤمنون، ويستدلون على وجود الصانع
وحكمته، فإن من تأمل الحبة تقع في الأرض، ثم يخرج منها الزرع أو الشجر،
ثم ينمو منها الأوراق والأزهار والثمار ذات الأجسام والأشكال المختلفة، مع
اتحاد المواد، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة
الأضداد والأنداد والشركاء.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَِّلَ وَالنَّهَارَ﴾ بأن هيأها لمنافعكم ﴿بِأَمْرِفْهُ﴾ بإرادته
(يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون ﴿ذَرَأَ﴾ خلق ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ من حيوان ونبات وغير

٤٠٧
الُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠-١٦
ذلك ﴿أَلَّوَنُهُ﴾ أشكاله وأصنافه ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون ﴿سَخَّرَ اُلْبَحْرَ﴾
ذلَّله للركوب والاصطياد والغوص فيه ﴿لَحْمًا طَرِيًا﴾ هو السمك ﴿حِلِيَةً
تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى﴾ تبصر ﴿اٌلْفُلْكَ﴾ السفن
﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ تمخر الماء، أي تشقه بجريها فيه، مقبلة مدبرة بريح واحدة
﴿وَلِتَبْتَغُواْ﴾ تطلبوا، معطوف على ﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ ﴿مِن فَضْلِهِ،﴾ تعالى
بالتجارة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ تعرفون نعم الله، فتقومون بحقها.
﴿رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلا تتحرك بكم، أو
خوف أن تضطرب يميناً وشمالاً بكم، والميد: الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً
﴿وَسُبُلًا﴾ طرقاً ﴿َهْتَدُونَ﴾ إلى مقاصدكم.
﴿وَعَلَمَتٍ﴾ أمارات ومعالم تستدلون بها على الطرق نهاراً، كالجبال
والسهول . ﴿ وَبِالنَّجْمِ﴾ أي النجوم ﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى الطرق والقبلة ليلاً.
المناسبة:
هذه الآيات تتمة لأدلة إثبات وجود الله وتوحيده، ذكر منها هنا خلق
النبات وأحواله، وأحوال العناصر الأربعة (الماء والتراب والنار والهواء) أما
الماء فيشمل المطر والبحر والأنهار، وأما التراب فيفهم من كلمة الأرض،
وأما الحرارة فمن الشمس، وأما الهواء فهو أساس حياة الإنسان والحيوان
والنبات، وكان واسطة تسيير الفلك في البحار.
التفسير والبيان:
تتابع الآيات التنبيه إلى أدلة أخرى لإثبات الذات الإلهية من حركة الكون
وعالم النبات، والبحار، والجبال، وبدأ بعالم النبات الذي يتسبب بإنزال المطر
من السماءِ، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إي إن الذي
خلق السماواتِ والأرضَ والإنسان والأنعام والدواب، هو الذي هيّأ ظروف

٤٠٨
الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠-١٦
الحياة للإنسان بإنزال المطر من السماء، فجعله عذباً زُلالاً يسوغ لكم شرابه،
ولم يجعله ملحاً أجاجاً، وأخرج به شجراً ترعون فيه أنعامكم، وأنبت به لكم
زرعاً وزيتوناً ونخيلاً وأعناباً، ومن كل الثمرات على اختلاف أصنافها
وألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها، رزقاً لكم تستطيعون به تحقيق قوام
الحياة، والمراد بالشجر هنا: النبات مطلقاً، سواء كان له ساق أم لا، كما
نقل عن الزجاج، وهو حقيقة في الأول ويستعمل في الثاني بمعنى الكلأ؛ لأنه
الذي يعلف.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً﴾ أي في ذلك المذكور كله من إنزال الماء والإنبات
لدلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، لقوم يتعظون ويتفكرون في تلك الأدلة؛
لأنه لا مبدع ولا موجد لها غير الله الخالق الأحد، المستحق للتمجيد
والعبادة، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ
السَّمَآءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلُّبِتُواْ
﴾﴾ [النمل: ٢٧ /٦٠].
٦٠
شَجَرَهَأْ أَعِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
ثم نبّه الله تعالى على آياته الكونية العظام، ممتناً بنعمه عليكم، فقال:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي وصير لكم ما ينفعكم من تعاقب الليل
والنهار للنوم والاستراحة والسعي وكسب المنافع وقضاء المصالح، ودوران
الشمس والقمر للإنارة وانتفاع الإنسان والحيوان والنبات بالحرارة والضوء
ومعرفة عدد السنين والشهور، وتزيين السماء بالنجوم الثوابت والسيارات في
أرجاء السماوات، نوراً وضياء، ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في
فلكه بنظام دقيق وحركة مقدرة، لا زيادة فيها ولا نقص، وكل ذلك خاضع
لسلطان الله وقهره، كقوله تعالى: ﴿إِثَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَأَلْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
[الأعراف: ٧ / ٥٤] .
اُلْعَلَمِينَ

٤٠٩
لُعُ (١٤) - النّخَلِآَ: ١٦ / ١٠-١٦
﴿إِنَ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ إن في المذكور كله دلالات على قدرته تعالى
الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله كلامه، ويفهمون حججه.
والسبب في ختم الآية السابقة بقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَنَّفَكَّرُونَ﴾ وختم هذه الآية
بقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لأن دلالة الأدلة السماوية العلوية على قدرة الله
ووحدانيته ظاهرة لا تحتاج إلا لمجرّد العقل دون تأمل، وأما الأدلة الأرضية
من الزرع والنخيل وغيرها فتحتاج في دلالتها على إثبات وجود الله إلى تفكر
وتأمل وتدبر.
وبعد أن نبّه الله تعالى على معالم السماء، نبّه على ما خلق في الأرض من
عجائب فقال: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي وما خلق لكم في
الأرض من أشياء مختلفة الألوان والأشكال والمنافع والخواص من نباتات
ومعادن وجمادات وحيوانات.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً﴾ أي إن في المذكور جميعه لدلالات على قدرة الله،
لقوم يذكّرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، وختمت هذه الآية الثالثة
بالتذكر بعد ختم الأولى بالتفكر والثانية بالتعقل؛ للتنبيه على أن المؤثر فيما
وجد في الأرض هو الفاعل المختار الحكيم وهو الله سبحانه وتعالى.
وبعد أن احتجّ تعالى على إثبات الإله أولاً بأجرام السماوات، وثانياً ببدن
الإنسان ونفسه، وثالثاً بعجائب خِلْقة الحيوانات، ورابعاً بعجائب طبائع
النباتات، ذكر خامساً الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال
العناصر، مبتدئاً بعنصر الماء، فقال:
﴿وَهُوَ اُلَّذِى سَخَّرَ اُلْبَحْرَ﴾ أي والله تعالى يمتن على عباده أيضاً بتذليله
البحر لهم، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته السّمك حيّاً وميتاً، في الحلّ
والإحرام، وخلقه اللآلئ والجواهر النفيسة فيه، وتيسير استخراج العباد له
من قراره، حليةً يلبسونها، وكذا الاستفادة من المرجان الذي ينبت في قيعانه:

14
٤١٠
الجُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠-١٦
﴾ [الرحمن: ٢٢/٥٥]، وتسخيره البحر لحمل
٢٢)
﴿يَخْرُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ
السفن التي تمخره، أي تشقه وتجتازه من بلد إلى آخر، ولتبتغوا من فضله، أي
ولتطلبوا فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، ولتشكروا نعمه وإحسانه عليكم بما
يشّره لكم في البحار.
وفي وصف اللحم بالطراوة بيان قدرة الله في إخراج العذب من المالح،
ويدل أيضاً على أنه يطلب أكله بسرعة؛ لأنه يتسارع إليه الفساد.
ثم ذكر الله تعالى بعض النعم التي خلقها في الأرض فقال: ﴿ وَأَلْقَى فِى
اُلْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ وهي نعم ثلاث:
الأولى - تثبيت الأرض بالجبال الرواسي، أي الثوابت لتقرّ ولا تضطرب
أثناء دورانها بما عليها من كائنات حيّة، كما قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا
[النازعات: ٣٢/٧٩].
(٣٢
الثانية - إجراء الأنهار على وجه الأرض، ففيها حياة الأنفس والنبات
والحيوان. وذكرها بعد الجبال؛ لأن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها من الجبال.
وتلك الأنهار كثيرة في العالم، منها القصير والغزير والطويل ومنها غير ذلك،
وتتجه يميناً أو يساراً، أو جنوباً أو شمالاً، أو شرقاً أو غرباً. والأودية التي
تحدث أحياناً ترفد تلك الأنهار.
الثالثة - إيجاد السبل وهي الطرق والمسالك التي تسهل العبور والانتقال
من أرض إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد غيره، بل ومن جبل إلى سهل، كما قال
تعالى في صفة الجبال: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا
(٢) [الأنبياء: ٣١/٢١].
فِيجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي لتهتدوا بتلك السُّبل إلى مآربكم ومقاصدكم.
﴿ وَعَلَمَتٍ﴾ أي وأظهر في الأرض علامات مخصوصة ومعالم معينة تؤدي

٤١١
لُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٠-١٦
إلى المقصود، فالعلامات: هي معالم الطرق، وهي الأشياء التي بها يهتدى،
وهي الجبال والرياح ونحوها يستدل بها المسافرون برّاً وبحراً، ومن كثرت
أسفاره لطلب المال أو غيره مثل قريش، كان علمه بمنافع الاهتداء بالنجوم
أوفى وأتم.
﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي والناس يهتدون في ظلام الليل بالنّجوم. وهذا
يومئ إلى علم النّجوم أو الفلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادتنا الآيات فوائد عديدة هي:
اً - الله تعالى هو منزل المطر بقدرته وحكمته، والمطر: ماء عذب صالح
للشرب، ينبت الله به أشجاراً وعروشاً وكروماً ونباتاً ومراعي للأنعام، والماء
سبب الحياة البشرية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٌّ﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١].
وفي ذلك الإنزال والإنبات دلالة على قدرة الله ووجوده ووحدانيته لقوم
يتأملون ويتفكرون.
أَ - والله سبحانه سخّر لعباده الليل والنهار للسكون والأعمال، كما قال
تعالى: ﴿وَمِنْ زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيِّلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن
فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣/٢٨]، وسخّر أيضاً الشمس والقمر والنّجوم مذللات
لمعرفة الأوقات، ونضج الثمار والزروع، والاهتداء بالنجوم في الظلمات.
◌َّ - والله عزّ وجلّ سخّر ما ذرأ (خلق) في الأرض لكم، فما ذرأه الله
سبحانه مسخّر مذلّل كالذّواب والأنعام والأشجار وغيرها. هذا مع العلم بأن
بعض المخلوقات غير مذلل لنا، بدليل ما رواه مالك في الموطأ عن كعب
الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهودُ حماراً، فقيل له: وما هنّ؟
فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله

٤١٢
الجُرُ (١٤) - النّخَلِآ: ١٦ / ١٠-١٦
التامات التي لا يجاوزهنّ بَرُّ ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت
منها وما لم أعلم، من شرّ ما خلق وبَرَأ وذَرَأ.
٤ - إن في اختلاف ألوان المخلوقات لعبرة لقوم يذكَّرون أي يتّعظون
ويعلمون أن في تسخير هذه الكائنات لعلامات على وحدانية الله تعالى، وأنه
لا يقدر على ذلك أحد غيره.
٥ - والله سبحانه أنعم علينا بتسخير البحر لتناول اللحوم (الأسماك)
واستخراج اللؤلؤ والمرجان، وللركوب، والتجارة، وللدفاع عن البلاد من
أذى محتل وعدوان مستعمر. وتسخير البحر: هو تمكين البشر من التّصرف فيه
وتذليله بالرّكوب والتّجارة وغير ذلك.
ويلاحظ أن الحنفية لا يجيزون أكل السمك الطافي على سطح ماء البحر أو
النهر، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣/٥]، ولحديث ضعيف
أخرجه أبو داود وابن ماجه عن جابر عن النَّبي ◌َِّ: ((ما نَضَب عنه الماء
فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا)).
وأباح الجمهور أكل الطافي، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ
مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦/٥]، ولحديث أبي هريرة عند أحمد ومالك
وأصحاب السنن الأربعة وابن أبي شيبة عن البحر ((هو الطّهور ماؤه، الحلُّ
میتته)).
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لو حلف لا يأكل اللحم، فأكل لحم السّمك،
لا يحنث؛ لأنه ليس بلحم عرفاً. وقال الجمهور: إنه يحنث؛ لأنه تعالى نصّ
علی کونه لحماً في هذه الآية، ولیس فوق بیان الله بیان.
وبما أن الله تعالى امتن على الرجال والنساء امتناناً عاماً بما يخرج من
البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرّم الله تعالى على الرِّجال الذهب

٤١٣
الُ (١٤) - الْخَلِآ: ١٦ / ١٧-٢٣
والحرير، روي في صحيح الشيخين عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله
وَنفر: ((لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدُّنيا، لم يلبسه في الآخرة».
وجمهور العلماء على تحريم اتّخاذ الرجال خاتم الذهب، ويجوز لهم التّختم
بخاتم الفضة؛ لأنه وَيَ اتَّخذ خاتماً من فضة، فاتَّخذ الناس خواتيم الفضة،
وقال: ((إني اتّخذت خاتماً من ورِق، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقشن
أحد على نقشه)). وهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه.
ومن حلف ألا يلبس حليّاً، فلبس لؤلؤاً لم يحنث عند أبي حنيفة، عملاً
بالعرف والعادة، والأيمان تختص بالعرف.
أَ - والله تعالى جعل في الأرض نعماً ثلاثاً تستحق الشكر هي إلقاء الجبال
الرواسي فيها لئلا تميد وتضطرب، وإجراء الأنهار، وجعل السُّبل والطُرق
منافذ عبور وانتقال بأمان. قال القرطبي: وفي هذه الآية: أدل دليل على
استعمال الأسباب، وقد كان الله قادراً على تسكينها دون الجبال.
وجعل تعالى في الأرض علامات، أي معالم الطرق بالنهار، وجعل النّجوم
وسائل اهتداء إلى المقاصد.
خواص الألوهية
الخُلْق وعلم السر والعلن والحياة الأبدية
﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
ج
وَإِن تَعُدُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا
١٧
تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ()
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَأٍْ
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (4)
قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْثِرُونَ
﴿ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ

٤١٤
الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٧-٢٣
القراءات:
تَذَكَّرُونَ﴾
٠
قرئ:
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تَذََّّرون) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَدْعُونَ﴾ :
وهي قراءة عاصم، وقرأ الباقون (تدعون).
الإعراب:
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاءٍ﴾ خبر ثانٍ، أي هم
مخلوقون أموات. ويجوز أن ترفع ﴿أَمْوَتُّ﴾ على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم
أموات . ﴿أَيَّنَ يُبْعَثُونَ﴾ استفهام عن الزمان بمعنى (متى)، و﴿أَيَّنَ﴾: مبني
لتضمنه معنى الحرف، وهو همزة الاستفهام، وبني على حركة لالتقاء
الساكنين، وهي الفتحة؛ لأنها أخف الحركات.
البلاغة:
ج
﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ صيغة
مبالغة.
﴿نُسِرُّونَ﴾ و﴿تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق.
﴿ أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَاْءٍ﴾ و﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فيهما إطناب تأكيداً
السفاهة من عبد الأصنام.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بينهما جناس ناقص.

٤١٥
الُعُ (١٤) - النحل: ١٦ / ١٧-٢٣
المفردات اللغوية:
ج
﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ هو الله سبحانه وتعالى. ﴿كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ كل ما عبد من دون
الله تعالى من الملائكة وعيسى والأصنام. وغّب فيه أولو العلم منهم،
وأجريت الأصنام مجرى أولي العلم؛ لأنهم سموها آلهة، ومن حقّ الإله أن
يعلم . ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فتعرفوا فساد ذلك، فإنه لجلائه كالحاصل
للعقل الذي يستحضره بأدنى تذكُّر والتفات. والمراد بالآية إنكار التسوية بين
الخالق والمخلوق، بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرة الله تعالى وتناهي
حكمته وتفرده بالخلق.
﴿لَا تُخْصُوهَاً﴾ لا تضبطوها، فضلاً عن أن تطيقوا شكرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم . ﴿اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا
يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد وتزييف
للشرك باعتبار العلم.
﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهم الأصنام. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ينحتون
ويصورون من الحجارة وغيرها، فهي مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإله
ينبغي أن يكون واجب الوجود. ﴿أَمْوَتُّ﴾ لا روح فيهم. ﴿غَيِّرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ لا يعلمون، أي الأصنام. ﴿أَيَّانَ﴾ وقت. ﴿يُعَثُونَ﴾ أي
لا يشعرون بزمان بعثهم أو بعث عبدتهم الخلق، فكيف يعبدون؟ إذ لا يكون
إلهاً إلا الخالق الحيّ العالم بالغيب، المقدّر للثواب والعقاب، وفيه تنبيه على أن
البعث من توابع التكليف.
ج
(إِلَهُكُمْ﴾ المستحقّ للعبادة منكم ﴿إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ لا نظير له في ذاته ولا في
صفاته، وهو الله تعالى، وهذا تكرير للمدَّعى بعد إقامة الحجج . ﴿قُلُوبُهُم
◌ُكِرَةٌ﴾ جاحدة للوحدانية. ﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متكبِّرون عن الإيمان بها . ﴿لَا
جَرَمَ﴾ حقّاً . ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم بذلك.
﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْرِينَ﴾ أي يعاقبهم.

٤١٦
لُ (١٤) - التّخَلِ: ١٦/ ١٧-٢٣
المناسبة:
بعد ذكر الدلائل الدّالة على وجود الإله القادر الحكيم، مع بيان أنواع نعم
الله تعالى، ذكر الله تعالى خواص الألوهية: وهي الخلق والإبداع، وعلم الشّرّ
والعلن، والحياة الدائمة، مما يدلّ على أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم،
ويدلّ على إبطال عبادة غير الله تعالى، ثم ذكر تعالى أسباب الإشراك: وهي
تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فبقي أصحابه على الجهل والضّلال، علماً بأن
أشدّ القبح عبادة تلك الأصنام الجمادات المحضة، التي ليس لها فهم ولا قدرة
ولا اختيار.
التفسير والبيان:
نبّه الله تعالى في هذه الآيات على عظمته، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له، دون
ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ
كَمَن لَا يَخْلُقُ﴾ أي أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها، كمن لا يخلق، بل
لا يقدر على شيء من الخلق أصلاً، أفلا تذكّرون أي تعتبرون وتتعظون؟! فإن
معرفة ذلك لا تحتاج إلى تدبُّر وتفكّر ونظر. والاستفهام إنكار عليهم ورميهم
بالجهل وسوء التقدير. ونظير الآية: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ
مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١/٣١].
ثم نبههم تعالى على كثرة نعمه وإحسانه إليهم ليرشدهم إلى أن العبادة لا
تليق إلا بالمنعم الأعظم، فقال: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أي وإن أردتم
حساب نعم الله وضبطها، لا تستطيعوا إحصاءها وضبط عددها، فنعم الله
كثيرة دائمة، والعقل عاجز عن الإحاطة بها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورُ﴾ أي إنه تعالى كثير المغفرة يتجاوز عنكم وعن تقصيركم
في الشّكر، رحيم بكم فينعم عليكم مع استحقاقكم للحرمان بسبب الإشراك
والكفر، فلو طالبكم بشكر جميع نعمه، لعجزتم عن القيام بذلك، ولو عذَّبكم

٤١٧
لُ (١٤) - النحل: ١٦/ ١٧-٢٣
لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على
اليسير، ومهما عمل الإنسان من الطاعات فلن يقابل نعمة واحدة من نعم الله
تعالی.
والخلاصة: إنه تعالى بعد أن بَيَّن بالآية المتقدِّمة: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ﴾ أن
الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ، بَيَّن بهذه الآية: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ﴾ أن العبد
لا يمكنه الإتيان بعبادة الله وشكر نعمه على وجه أتم.
وبعد أن أبطل عبادة الأصنام لعجزها عن الْخَلْق والإنعام، أبطل عبادتها
بوجه آخر وهو كونها جمادات لا تعلم شيئاً، فقال: ﴿اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ)
أي والله يعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل
بعمله يوم القيامة، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، فهو عالم الغيب والشّهادة،
والظاهر والباطن.
ثم وصف تعالى الأصنام بما يجردها عن أهلية العبادة، ليدلّ على غباء
المشركين صراحة، فقال ذاكراً ثلاثة أوصاف:
أَ - ﴿ وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ﴾ أي إن الأوثان والأصنام لا
يخلُقون شيئاً، بل هي مخلوقة، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ
٩٥
[الصافات: ٣٧ /٩٥ -٩٦] .
٩٦
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
أَ - ﴿أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاءٍ﴾ أي هي جمادات لا أرواح فيها ولا حياة لها
أصلاً، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، فلا تفيدكم شيئاً.
فقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ لبيان أنه لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في
موتها، فهي ليست كبعض المواد التي يمكن طروء الحياة عليها، كالنّطف التي
ينشئها الله حيواناً، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها.
أما الإله فهو الحيّ الذي لا يطرأ عليه موت أصلاً، فبان الفرق بينهما وهو
أن الإله دائم الحياة، والأصنام دائمة الموت.

٤١٨
الُعُ (١٤) - النَّخَلِآ: ١٦ / ١٧-٢٣
◌َ - ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وتلك الأصنام لا تدري متى
يبعث عَبَدَتها ومتى تقوم الساعة؟ فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو
جزاء؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء، وهو خالق كل شيء. وعبَّ
عن الأصنام كما يعبّر عن الآدميين لزعمهم أنها تعقل عنهم وتشفع لهم عند
الله تعالى، فجرى خطابهم على حسب زعمهم.
وهذا إيماء إلى أن البعث من لوازم التكليف، للجزاء على العمل من خير أو
شرّ، وتصريح بأن من لوازم الألوهية معرفة يوم القيامة، وهو تهكُم بالمشركين
الذين لا يحسنون الفهم والتّقدير.
وبعد هدم عبادة الأصنام، صرّح تعالى بالمطلوب فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَجِدٌ﴾ أي إن إلهكم أيها الناس إله واحد، لا إله إلا هو، ومعبودكم الذي
يستحقّ العبادة والطاعة بحقّ هو الإله المعبود الواحد. ثم ذكر سبب شركهم
وإنكارهم التوحيد، فقال تعالى:
﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ أي فالذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها
ولا يصدِّقون بها، ولا يؤمنون بالوحدانية قلوبهم منكرة للتّوحيد، وهم
مستكبرون عن الإقرار بالوحدانية وعن عبادة الله، فلا يرغبون في حصول
الثواب، ولا يرهبون من الوقوع في العقاب.
والمعنى أن الكافرين تنكر قلوبهم الوحدانية، كما قال تعالى واصفاً تعجبهم
﴾ [ص: ٥/٣٨]. وقال
٥
منها: ﴿أَجَعَلَ الْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ
تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
٤٥
[الزمر: ٣٩ /٤٥] .
ثم هددهم تعالى وأوعدهم على أعمالهم، فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾
أي حقّاً، إنّ ربَّك يعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون وما يعلنون، ويعلم إصرارهم
على كفرهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، إنه لا يحبّ المستكبرين عن

٤١٩
الجُزُ (١٤) - النّخَلِآ: ١٦ / ١٧-٢٣
التوحيد وهم المشركون، بل وكل مستكبر، أي يعاقبهم ويجازيهم. وهذا
الوعيد يتناول كل المتكبِّرین.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات مناقشة حادّة مع المشركين، فيها إنكار لعبادتهم الأصنام،
وتهكُّم بهم، وبيان فساد تفكيرهم وسوء تقديرهم، وسوء صنيعهم،
وصدودهم عن الحقّ، وإعلان تصميمهم على الكفر والشّرك.
وأول فساد في تفكيرهم أن الأصنام مخلوقة وعاجزة عن خلق غيرها، فهي
لا تضرّ ولا تنفع، فكيف تتخذ آلهة؟!
ومن كان قادراً على خلق الأشياء، كان بالعبادة أحقّ ممن هو مخلوق لا
يضرّ ولا ينفع.
٠
والفساد الثاني أنهم ينكرون نعم الله وإحسانه لهم، وأبسط مبادئ التدين
والأخلاق مقابلة النعمة وشكرها، وهم لم يشكروها.
والفساد الثالث أن الأصنام جمادات لا تعلم شيئاً، فكيف توصف
بالألوهية؟ والإله ينبغي أن يكون عالماً بالترائر والظواهر، محيطاً بأحوال
العابدين، حتى يلبي مطلبهم، ويجازي مقصرهم ومسيئهم.
ثم صرّح تعالى بأوصاف الأصنام الثلاثة المناقضة تماماً لمن يستحقّ وصفه
بالألوهية والعبادة والطاعة، وهي العجز عن خلق شيء، وكونهم أمواتاً غير
أحياء، لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر، أي هي جمادات فكيف تعبدونها
وأنتم أفضل منها بالحياة، وكونهم - أي الأصنام - يجهلون وقت البعث وقيام
الساعة للحساب والجزاء على الأعمال.
والألوهية الحقّة بعد بيان استحالة الإشراك بالله تعالى هي ألوهية الله

٤٢٠
اِلُ (١٤) - التخلِآ: ١٦/ ٢٤-٢٩
الواحد الأحد الفرد الصّمد، المعبود الواحد الذي لا ربَّ غيره، ولا معبود
سواه.
أما المشركون الذين لا يؤمنون بالآخرة فلا يقبلون الوعظ ولا التّذكير،
ولوآمنوا بالآخرة حقّاً لآمنوا بوحدانية الله، ولكنهم قوم متكبِّرون متعظمون
عن قبول الحقّ.
والله حقّاً يعلم ما يسرّون من القول والعمل وما يعلنون، فيجازيهم على
أفعالهم، إنه لا يحبّ المستكبرين أبداً، أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم.
صفات المستكبرين
إنكار المشركين الوحي المنزل والنّبوة وجزاؤهم
﴿ لِيَحْمِلُواْ
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَآءُ
مَا يَزِرُونَ ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ
اُلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِيهِمَّ
قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى الْكَفِرِينَ * الَّذِينَ تَفَُّهُمُ
الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِّ أَنفُسِهِمّ فَأَلْقَوْ السَّلَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعَّ بَىّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَلَِئْسَ مَثْوَى
٣٨
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٩
الْمُتَكَِّنَ
القراءات:
﴿قِيلَ﴾:
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بكسرة خالصة.