النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الُعُ (١٤) - الجِجْر: ١٥ / ٨٧-٩٩
وهناك وجه ثالث مروي أيضاً عن ابن عباس، جعله الرازي هو القول
الأول، حيث قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة، يصدون الناس
عن الإيمان برسول الله وَلّ، ويقرب عددهم من أربعين. وقال مقاتل بن
سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً، بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم،
فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها: لا تغتروا بالخارج منا،
والمدعي للنبوة، فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه، بأنه ساحر، أو
كاهن. أو شاعر، فأنزل الله تعالى بهم خزياً، فماتوا شر ميتة، والمعنى:
أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين(١).
فالمقتسمون: هم القرشيون.
وبعد هذا الإنذار أقسم الله تعالى بذاته العلية على وقوع الحساب على
الأعمال، فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿1﴾ أي فوالله لنسألن جميع
الكفار سؤال توبيخ وتأنيب لهم عن أقوالهم وأعمالهم، وسنجازيهم عليها
الجزاء الأوفى. فسر أبو العالية الآية فقال: يسأل العباد كلهم عن خَلَّتين يوم
القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا به المرسلين.
وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَله: ((يا معاذ،
إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كُحل عينيه، وعن فُتات الطينة
بأصبعه، فلا أُلفَيَنَّك يوم القيامة، وأحدٌ غيرك أسعد بما آتاك الله منك)).
وإذا كانت هذه مهمتك أيها النبي وهو الإنذار وأن الحساب محقق، فما
عليك إلا الجهر بدعوتك، فقد انتهت مرحلة الإسرار في الدعوة، فقال:
﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي فاجهر بتبليغ دعوتك للجميع، وواجه بها المشركين،
ولا تأبه بهم، فإن الله عاصمك وحافظك منهم، وأعرض عن المشركين، أي
(١) تفسير الرازي: ٢١١/١٩ وما بعدها.

٣٨٢
الُعُ (١٤) - الِحْر: ١٥ /٨٧-٩٩
بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك
عن آيات الله.
﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
هذا تأمین رباني وعصمة وصون، أي إنا
٩٥
كفيناك شر المستهزئين بك، المجاهدين في عداوتك، الساخرين منك ومن
القرآن، وهم جماعة ذوو قوة وشوكة من المشركين، وهم خمسة نفر: الوليد بن
المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والأسود بن المطلب،
والأسود بن عبد يغوث.
قال جبريل لرسول الله وَليل: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى عقب الوليد،
فتعلق بثوبه سهم، فأبى تعظماً نزعه، فأصاب عرقاً في عقبه فمات. وأومأ إلى
أخمص العاص بن وائل، فمات بشوكة دخلت فيه، وأشار إلى عيني الأسود
ابن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف ابن الحارث بن قيس فامتخط قيحاً فمات،
وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث، وهو قاعد في أصل شجرة، فأصيب بداء،
فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات(١).
وكان هؤلاء المستهزئون مشركين، لذا وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ أي الذين يتخذون إلهاً آخر مع الله، فيشركون به من لا
يضر ولا ينفع.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم ومآل شرکهم ونتيجة كفرهم. وهذا تهديد
ووعيد لهم بسوء المصير، لعلهم يرتدعون ويؤمنون.
ثم سلّ الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ
صَدْرُكَ﴾ أي وإنا لنعلم يا محمد أنك تتأذى من سخرية المشركين وشركهم،
ويحصل لك ضيق صدر وانقباض، فلا يثنينك ذلك عن إبلاغ رسالة الله،
(١) تفسير الرازي: ٢١٥/١٩، تفسير القرطبي: ٦٢/١٠، تفسير ابن كثير: ٥٥٩/٢
٠١٠٠٠

٣٨٣
لِلُعُ (١٤) - الحِجْر: ٨٧/١٥-٩٩
وتوكل عليه، فإنه كافيك وناصرك عليهم، والجأ إليه لإزالة الانقباض
ـ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ
والجزع. ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ (هم
(٩٩
اَلْيَقِينُ
أي فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، وداوم
على ذلك حتى يأتيك اليقين، أي الموت، وسمي الموت باليقين؛ لأنه أمر
متيقن، والدليل لهذا التأويل: قوله تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ
® وَكُنَا
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ
٤٤
مِنَ الْمُصَلِينَ (٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
﴾ [المدثر: ٤٣/٧٤-٤٧] أي الموت.
٤٧
حَّ أَتَنَا الْيَقِينُ
تُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (®
وهذا دليل على أن علاج ضيق الصدر هو التسبيح والتقديس والتحميد
والإكثار من الصلاة، وأن العبادة كالصلاة واجبة على الإنسان ما دام عقله
ثابتاً، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن
حصين رضي الله عنه أن رسول الله وَّه قال: ((صلّ قائماً، فإن لم تستطع
فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)).
وهو دليل أيضاً على تخطئة بعض الملاحدة القائلين بأن المراد باليقين:
المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة، سقط عنه التكليف عندهم، وهذا -
كما قال ابن كثير - كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم
وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من
التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس، وأكثرهم عبادة ومواظبة على فعل
الخيرات إلى حين الوفاة.
وكان ◌َّهُ إذا حَزَبه أمر، واشتد عليه خَطْب، فَزِع إلى الصلاة. روى أحمد
عن ابن عمار أنه سمع رسول الله وَ له يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا
تعجز عن أربع ركعات من أول النهار، أكفِك آخره)).

٣٨٤
الجُعُ (١٤) - الِحْر: ١٥/ ٨٧-٩٩
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - القرآن العظيم هو النعمة العظمى على النبي وَلَه وعلى المسلمين لا
يقاس بها أي شيء آخر من مال أو ثروة أو غير ذلك.
أَ - الفاتحة سورة من القرآن خصصت بالذكر لفضلها ومزيتها، لاشتمالها
على أصول الإسلام، بل هي أفضل سور القرآن لسببين:
الأول - إفرادها بالذكر مع كونها جزءاً من القرآن، مما يدل على مزيد
الشرف والفضيلة.
الثاني - أنه تعالى لما أنزلها مرتين، دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها. وإنها
نزلت مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة.
٣ - لا يطمح بصر المؤمن إلى زخارف الدنيا، وعنده معارف المولى عز
وجل، قال ◌َ له فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: ((ليس منا من لم يتغنَّ
بالقرآن)) أي من لم يستغن به.
٤ - قال بعضهم: هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوّف إلى متاع الدنيا على
الدوام، وإقبال العبد على مولاه. والحق أنه ليس في دين محمد الرهبانية،
والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية، كما كان في دين عيسى، وإنما
الإسلام دين الحنيفية السمحة ودين الفطرة ودين الوسطية الذي يجمع بين
الروح والمادة، والاشتغال للحياتين معاً الدنيا والآخرة، واستيفاء حظوظ
الجسد المباحة مع الرجوع إلى الله بقلب سليم.
٥ - على المؤمن أن يكون بعيداً من المشركين، ولا يحزن إن لم يؤمنوا، قريباً
من المؤمنين، متواضعاً لهم، محباً لهم، ولو كانوا فقراء.

٣٨٥
الجُزُ (١٤) - الجِجْر: ١٥/ ٨٧-٩٩
أَ - مهمة النبي ◌َّ وكل مؤمن عالم بعده التبليغ لرسالة الله لجميع الخلق،
والإنذار بالعذاب من الكفر والعصيان. وقد كانت دعوة النبي رَّ في بادئ
الأمر سرِّية، ثم صارت جهرية بهذه الآية: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
٩٤
اٌلْمُشْرِكِينَ
لاً - العذاب مقرر على المقتسمين لكتاب الله، بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا
ببعضه الآخر، سواء أكانوا من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) أم من
مشركي قريش.
0 بعمومها تدل على سؤال
٨ - الآية: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
الجميع من الناس، كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب.
والظاهر أن الكافر يسأل، لقوله تعالى: ﴿وَقِفُوُهُمْ إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ
٢٤
إِيَابهم
® ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
إِلَيْنَا
نّ
[الصافات: ٢٤/٣٧] وقوله :
٢٦
[الغاشية: ٢٥/٨٨-٢٦].
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨/٢٨]
[الرحمن: ٣٩/٥٥]
وقوله: ﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُتْئَلُ عَن ذَنْيِهِ، إِنسُ وَلَا جَاتٌّ (9َ)
وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤/٢] وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ
لَّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥/٨٣] فذلك في أحوال خاصة بيوم القيامة؛ لأن للقيامة
مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. قال
عكرمة: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.
وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام، هل عملتم كذا
وكذا؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، فيقول
لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟(١).
(١) تفسير القرطبي: ٦١/١٠

٣٨٦
الجُ (١٤) - الِحْر: ٨٧/١٥-٩٩
و - تكفلت عناية الله ورعايته بصون النبي وَّل وحمايته من أذى المشركين
بقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن
المبالاة بقولهم، فقد برأك الله عما يقولون.
قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال، قال الرازي: وهو ضعيف؛ لأن
معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم، فلا يكون منسوخاً (١).
أي اصدع بما تؤمر ولا تَخَفْ
٩٥
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
غير الله؛ فان الله كافيك من آذَاك، كما كفاك المستهزئين. وصفة المستهزئين:
الشرك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾.
· اً - التسبيح والتحميد والصلاة علاج الهموم والأحزان، وطريق
الخروج من الأزمات والمآزق والكروب. وغاية القرب من الله تعالى حال
السجود، كما قال ◌َ فيما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة:
((أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأخلصوا الدعاء)) لذا خص
مّنَ السَّجِدِينَ
ن
وَ
السجود هنا بالذكر بقوله :
﴿
راً - المسلم مطالب على سبيل الفرضية بالعبادة التي هي الصلاة على
الدوام حتى يأتيه الموت، ما لم يغلب الغشيان أو فقد الذاكرة على عقله،
والإسلام سمح سهل، فعليه أداء الصلاة بأي كيفية يستطيعها، ولا تسقط عنه
أصلاً إلا في حال الغيبوبة، ويحاسب على كل فريضة تركها أو أهملها عمداً،
كما قال العبد الصالح عيسى عليه السلام: ﴿ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ
حَيَّا﴾ [مريم: ٣١/١٩].
مـ
(١) تفسير الرازي: ٢١٥/١٩

٣٨٧
الُهُ (١٤) السورة (١٦) الفَحَلِ)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ الْحَلِّ
مڪية، وهي مئة وثمان وعشرون آية
تسميتها:
سميت سورة النحل، لاشتمالها في الآيتين [٦٨-٦٩]: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى
النََّلِ﴾ على قصة النحل التي ألهمها الله امتصاص الأزهار والثمار، وتكوين
العسل الذي فيه شفاء للناس، وتلك قصة عجيبة مثيرة للتفكير والتأمل في
عجيب صنع الله تعالى، والاستدلال بهذا الصنع على وجود الله سبحانه.
وسميت أيضاً سورة ((النِّعَم)) لتعداد نعم الله الكثيرة فيها على العباد(١).
ارتباطها بالسورة التي قبلها:
إن آخر سورة الحجر شديد الارتباط بأول هذه السورة، فإن قوله تعالى في
يدل على إثبات
آخر السورة السابقة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
الحشر يوم القيامة وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ
يدل على ذكر الموت، وكل من هاتين الا يتين
٩٩٦
رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ
ظاهر المناسبة لقوله هنا في أول السورة: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ إلا أنه في الحجر أتى
(١) تفسير القرطبي: ٦٥/١٠

٣٨٨
الجُزُ (١٤) السورة (١٦) النَّخَلِ))
بقوله: ﴿يَأْنِيَكَ﴾ بلفظ المضارع، وهنا ﴿أَ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن المراد
بالماضي هنا: أنه بمنزلة الآتي الواقع، وإن كان منتظراً، لقرب وقوعه وتحقق
مجيئه.
وكذلك ترتبط هذه السورة بسورة إبراهيم؛ لأنه تعالى ذكر هناك فتنة
الميت، وما يحصل عندها من الثبات أو الإضلال، وذكر هنا ﴿الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ
الْمَلَئِكَةُ﴾ وما يحصل عقب ذلك من النعيم أو العذاب. وذكر أيضاً النعيم في
سورة إبراهيم، وقال بعده: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَا﴾ [إبراهيم:
٣٤/١٤] وكررت الآية نفسها هنا [١٨] وذكر هنا أنواع النِّعم المختلفة.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة الكلام على أصول العقيدة وهي الألوهية
والوحدانية، والبعث والحشر والنشور، فبدأت بإثبات الحشر والبعث
واقتراب الساعة ودنوها، معبراً تعالى بصيغة الماضي الدال على التحقق
والوقوع قطعاً، مثل قوله تعالى: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةِ
مُعْرِضُونَ (٣) [الأنبياء: ١/٢١] وقوله: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ
[القمر: ١/٥٤] وكل ذلك يدل على أن إخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل
سواء؛ لأنه آتٍ لا محالة.
ثم أثبتت الوحي الذي كان ينكره المشركون كما أنكروا البعث، وأنهم
كانوا يستعجلون الرسول وي لتر أن يأتيهم العذاب الذي هددهم به.
ثم تحدثت السورة عن أدلة القدرة الإلهية في هذا الكون الدالة على وحدانية
الله من خلق السماوات والأرض، وما فيهما من كواكب ونجوم، وجبال
وبحار، وسهول ووديان، ومياه وأنهار، ونباتات وحيوانات، وأسماك ولآلئ
بحرية وبواخر تجري في البحر، ورياح لواقح ومسيرة للفلك، ودعت إلى التأمل
في منافع المطر والأنعام وثمرات النخيل والأعناب، ومهمة النحل، وخلق

٣٨٩
لُ (١٤) السورة (١٦) النَّلِآ
الإنسان ثم إماتته، والمفاضلة بين الناس في الرزق، وطيران الطيور، وتهيئة
المساكن، وغير ذلك.
وأوضحت السورة نعم الله تعالى الكثيرة المتتابعة، وذكَّرت الناس بنتيجة
الكفر بها، وعدم القيام بشكرها، وإعداد أبواب جهنم للكفار خالدين فيها ،
وإعداد جنات عدن للمتقين الذين أحسنوا العمل في الدنيا. وأبانت فضل الله
سبحانه بإرسال الرسل في كل الأمم، وحصرت مهمتهم الموحدة بالأمر بعبادة
الله واجتناب الطاغوت.
وأبانت السورة مهمة خطيرة للأنبياء في عالم القيامة وهي الشهادة على
الأمم بإبلاغهم الدعوة الحقة إلى دين الله، وعدم الإذن للكافرين في الكلام،
ورفض قبول أعذارهم.
ثم ذكر تعالى أجمع آية في القرآن وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠/١٦] وأعقبها بالأمر بالوفاء بالعهود والوعود، وتحريم
نقضها، وتعظيم شروطها وبنودها، وعدم اتخاذ الأيمان الداخلة في العهود
والمواثيق وسيلة للخداع والمكر.
ثم أمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن،
والتصريح بانعدام سلطانه وتأثيره على المؤمنين المتقين المتوكلين على ربهم،
وبيان أن سلطانه على المشركين.
وأوضح سبحانه أن هذا القرآن نزل به روح القدس على قلب النبي وَ لّه
فهو كلام الله، لا كلام بشر عربي أو أعجمي.
وفي السورة ضرب الأمثال لإثبات التوحيد ودحض الشرك والأنداد من
دون الله والكفر بأنعم الله، ورفع الحرج عمن نطق بالكفر كرهاً، وقلبه
مطمئن بالإيمان، وإعطاء كل نفس حق الدفاع عن نفسها يوم القيامة، وجزاء
كل إنسان بما عمل.

٣٩٠
لُ (١٤) - النَّخَلِ}: ١/١٦-٢
وفي أواخر السورة عقب الحديث عن الأنعام بيان ما حرمه الله منها،
وزجر العلماء عن الإفتاء بالتحريم أو بالتحليل دون دليل، ومقارنة ذلك بما
حرمه تعالى على اليهود بسبب ظلمهم.
ثم ختمت السورة بمدح إبراهيم بسبب ثباته على التوحيد الخالص، وأمر
النبي وَّه باتباع ملته، ثم أمره بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة،
وقصره العقاب على المثل دون تجاوز ذلك، والأمر بالصبر على المصائب
والأحزان، والاعتماد على عون الله للمتقين المحسنين.
إثبات البعث والوحي
يُنَزِّلُ
﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
٢
فَاتَّقُونِ
القراءات:
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عما تشركون).
يُنَزِّلُ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (يُنْزِل).
الإعراب:
﴿أَنَ﴾ بمعنى يأتي، أقام الماضي مقام المستقبل، لتحقيق إثبات الأمر
وصدقه. وقد يقام المستقبل مقام الماضي، مثل قول الشاعر:

٣٩١
الُ (١٤) - الفَلِآَ: ١/١٦-٢
وإذا مررت بقبره فانحر له كُوَم الهجان وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح
أي فلقد كان. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الضمير إما أن يعود على الله وإما أن يعود
على العذاب، وكلاهما متلازم.
﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ إما بدل من قوله ﴿يَالرُّوح﴾ وإما منصوب بتقدير حذف حرف
الجر، أي بأن أنذروا، فحذف الباء، فاتصل الفعلُ به.
البلاغة:
﴿فَاتَّقُونِ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى خطاب المستعجلين.
المفردات اللغوية:
﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قرب ودنا، أي إن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق
من حيث إنه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا
خلاص لكم عنه وإنه واقع لا محالة. ويقال في العادة لما يجب وقوعه: قد أتى،
وقد وقع. و﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ تعذيبه الكافرين وعقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب
رسوله . ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له عن الشريك. ﴿الْمَلَبِكَةَ﴾ أي جبريل ﴿بِالرُّوح﴾
الوحي أو القرآن، فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام
الروح في الجسد ﴿مِنْ أَمْرِهِ،﴾ بأمره وإرادته ﴿أَنْ﴾ مفسرة ﴿أَنذِرُوّا﴾ خوّفوا
بالعذاب ﴿فَأَتَّقُونِ﴾ خافوا عقابي، لمخالفة أمري وعبادة غيري.
سبب النزول:
كان المشركون يستعجلون ما أوعدهم الرسول وَله من قيام الساعة، أو
إهلاك الله تعالى إياهم، كما فعل يوم بدر استهزاء وتكذيباً، ويقولون: إن
صح ما يقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت. أخرج ابن مردويه عن

٣٩٢
اِلُعُ (١٤) - الْخَلِ: ١/١٦-٢
ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ذعر أصحاب رسول الله وَّو حتى
نزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكنوا.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوايد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن
أبي بكر بن أبي حفص قال لما نزلت: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قاموا، فنزلت: ﴿فَلاَ
تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
فموضوع الآية الأولى إعلان أن الأمر الموعود به وهو قيام الساعة متحقق
حادث لا محالة، وأنه تعالى منزه عن الشريك والولد. وموضوع الآية الثانية
الإخبار بأن نزول الوحي بوساطة الملائكة، والتنبيه على التوحيد الذي هو
منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة
العملية، وأن النبوة عطائية. والمراد من قوله: ﴿أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ معرفة
الحق لذاته، وأما المراد من قوله: ﴿فَأَتَّقُونِ﴾ فهو معرفة الخير لأجل العمل به.
التفسير والبيان:
كان الكفار يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم
استهزاء وتكذيباً بالوعد، فقيل لهم: ﴿أَنَ أَمْرُ اَللَّهِ﴾.
فلما أكثر ◌َله من تهديد الكفار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولم يروا
شيئاً، نسبوه إلى الكذب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿أَنَى أَمْرُ
الَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قد حصل أمر الله وحكمه ووجد من الأزل إلى الأبد،
وتحقق بنزول العذاب، إلا أن المأمور به والمحكوم به إنما لم يحصل ولم ينفَّذ؛
لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين، فلا تستعجلوه، ولا تطلبوا حصوله
قبل مجيء ذلك الوقت، أي إن الحكم صدر مع وقف التنفيذ في أمد معين.
وكذلك لما أكثر قدر من تهديدهم بقيام الساعة أجيبوا بأنه قد اقتربت
الساعة ودنت، معبراً عن المستقبل بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع

٣٩٣
لُزُ (١٤) - التّحَلِآ: ١/١٦-٢
﴾ [القمر: ١/٥٤]
لا محالة، كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ
وقوله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ
[الأنبياء: ١/٢١] أي إن أمر الله بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظراً، فلا
تستعجلوه قبل حضور الوقت المقدرّ في علمه تعالى، أي قرب ما تباعد، فلا
تتعجلوا وقوعه.
وهذا تهديد للكفار وإعلام لهم بقرب عذابهم وهلاكهم.
﴿سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى﴾ تبرأ الله تعالى وتنزه وتقدس عما ينسبون له من
الشريك والولد وعبادتهم ما سواه من الأوثان والأنداد. وهذا إبطال لما عقدوا
عليه الآمال من شفاعة الأصنام.
ولما كان استعجال العذاب وقيام القيامة تكذيباً للنبي واستهزاء به وبوعده،
وهو كفر، قرن تعالى النهي عن الاستعجال بإثبات التنزيه له عن الشرك
والشركاء، وهو رأس الكفر.
ثم أجاب الله تعالى عن شبهة ثالثة تتعلق بتكذيب النبوة والنبي، فقال:
يُنَزِّلُ الْمَتَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ،﴾ أي ينزل تعالى الملائكة بالوحي على من يريد
من عباده الذين اصطفاهم واختارهم للرسالة. وعبر عن الوحي بالروح؛ لأنه
يحيي موات القلوب كما تحيي الروح موات الأبدان، كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن
كَانَ مَيْنًا فَأَخْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ
ج
الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢/٦]. واستعمال الروح بمعنى الوحي
شائع في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا
كُنْتَ تَدْرِى مَا اُلْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ
عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢/٤٢].
وقوله: ﴿مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ هم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتْهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ

٣٩٤
الْجُزْءُ (١٤) - الْحَ}: ١/١٦-٢
الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ﴾ [الحج: ٧٥/٢٢] وقال: ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ،
عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥/٤٠]. وهذا رد لقولهم:
[الزخرف: ٤٣/
٣١
﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ اٌلْفَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ
٣١] .
وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ،﴾ [النحل: ٢/١٦] يعني أن التنزيل والنزول للوحي لا
يكونان إلا بأمره تعالى، كما حكى عن الملائكة: ﴿وَمَا نَثَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ﴾
[مريم: ٦٤/١٩] فلا يستطيع الملائكة فعل شيء إلا بأمر الله تعالى وإذنه.
ودلت الآية على أن الوحي من الله إلى أنبيائه لا يكون إلا بوساطة الملائكة.
ثم بيّن تعالى مهمة الرسل فقال: ﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ أي لينذروا الناس الكفرة
ويعلموهم أنه لا إله إلا الله، فاتقوا عقابي لمن خالف أمري وعبد غيري.
فقه الحياة أو الأحكام:
أجابت الآيات عن شبهات ثلاث للمشركين: قيام الساعة ونزول
العذاب، والشرك والشركاء، والنبوة والوحي.
أما الموضوع الأول: فقد أعلن تعالى أن قيام الساعة ونزول العذاب
والهلاك متحقق كائن لا محالة، ولكنه مرتبط بوقت معين مقدر في علم الله
تعالى، وهو أمر قريب، فلا داعي للاستعجال بوقوعه، والتعجيل بحدوثه.
وأما الموضوع الثاني: فقد نزه الله تعالى نفسه عن الشرك والإشراك، وعن
الشريك والولد وعن الأوثان والأنداد، وعما يصفونه به من أنه لا يقدر على
قيام الساعة، لقولهم: لا يقدر أحد على بعث الأموات، فوصفوه بالعجز
الذي لا يوصف به إلا المخلوق. والتنزيه يتضمن إثبات القدرة المطلقة لله،
والوحدانية التامة، واستحقاق العبادة المستقلة به المخلصة له، وإبطال مازعموه
من شفاعة الأصنام.

٣٩٥
المُعُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٣-٩
وأما الموضوع الثالث: فقد أبان تعالى أنه الذي ينزل بالروح، أي بالوحي
وهو النبوة، على من اختارهم الله للنبوة، من طريق الملائكة، ولا يحدث شيء
من تنزل الوحي إلا بأمره وإذنه تعالى، وختمت الآية بالتحذير من عبادة
الأوثان، والإنذار بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فليتقوا عقاب الله
إذا خالفوا أمره وعبدوا غيره.
وأفادت الآية كما لا حظنا أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا
يكون إلا بالملائكة، كما قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢] فبدأ بذكر الله سبحانه، ثم أتبعه
بذكر الملائكة؛ لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير وساطة،
وذلك الوحي هو الكتب، والملائكة يوصلون الوحي إلى الأنبياء والرسل،
فكان الترتيب متناسباً متدرجاً موضحاً رتبة الملائكة والأنبياء(١).
أدلة وجود اللَّه ووحدانيته
خَلَقَ
٣
(خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقَّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
اْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴿ وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ
دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
تَسْرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ
رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٣ وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ
(١) تفسير الرازي: ٢٢٠/١٩

٣٩٦
الُعُ (١٤) - الفخَلِ: ٣/١٦-٩
القراءات:
﴿عَمَّا يُشْرِكُنَ)
.
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عما تشركون).
﴿لَرَءُوفٌ﴾:
قرئ:
١- (الرؤوف) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص.
٢- (لرؤف) وهي قراءة الباقين.
﴿قَصْدُ﴾:
بإشمام الصاد صوت الزاي، قرأ: حمزة، والكسائي، وخلف.
وقرأ الباقون بالصاد الخالصة.
الإعراب:
﴿بَلِغِيهِ﴾ الهاء في موضع جر بالإضافة.
﴿ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ﴾ هذه الأسماء كلها معطوفة بالنصب على قوله:
﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ﴾ وتقديره: وخلق الخيل والبغال والحمير.
﴿وَزِينَةٌ﴾ إما منصوب بفعل مقدر، أي وجعلها زينة، وإما منصوب على
أنه مفعول لأجله، أي لزينة.
البلاغة:
(خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ صيغة مبالغة.

٣٩٧
لُعُ (١٤) - النحل: ١٦/ ٣-٩
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قدم الظرف مراعاة للفاصلة آخر الآيات.
﴿تُرِبِحُونَ﴾ ﴿تَسْرَحُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ بِالْحَقِّ﴾ أي أوجد السماوات والأرض محقاً على مقدار وشكل وأوضاع
وصفات مختلفة، وقدّرها وخصصها بحكمته ﴿تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تعاظم
عما يشركون به من الأصنام، وهذا يدل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام
المادية ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ المراد مادة التلقيح التي تكون سبباً للحمل ﴿خَصِيمٌ﴾
مناظر مجادل شديد الخصومة ﴿مُّبِينٌ﴾ مظهر للحجة قائل: من يحيي العظام
وهي رميم؟ روي أن أبي بن خلَف أتى النبي وَلّ بعظم رميم، وقال: يا محمد،
أترى أن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رمَّ؟ فنزلت. ﴿رِفْءٌ﴾ ما تستدفئون به
من الكساء والرداء من أشعارها وأصوافها ﴿وَمَنَفِعُ﴾ من النسل والدر
والركوب.
﴿جَمَالُ﴾ زينة في أعين الناس، والمراد جمال الصورة وتركيب الخلقة
﴿ تُرِيِحُونَ﴾ تردونها بالعشي من المرعى إلى مَراحها (حظيرتها) ﴿تَسْرَحُونَ﴾
تُخرجونها بالغداة (صباحاً) إلى المرعى ﴿أَثْقَالَكُمْ﴾ أحمالكم ﴿لَّمْ تَكُونُواْ
بَكَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ﴾ لم تكونوا واصلين إليه على غير الإبل إلا بجهد
الأنفس أو بالمشقة الزائدة ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ بكم حيث خلقها لكم . ﴿ وَزِينَةٌ﴾
أي لتزينوا بها زينة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من الأشياء العجيبة الغريبة.
﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي بيان الطريق المستقيم ﴿حَآَبِرٌ﴾ حائد أو مائل عن
ج
الاستقامة ﴿وَلَوْ شَآءَ﴾ هدايتكم ﴿لَدَنَكُمْ﴾ إلى قصد السبيل هداية مستلزمة
للاهتداء ﴿أَجْمَعِينَ﴾ فتهتدون إليه باختيار منكم.

٣٩٨
لُرُ (١٤) - الْخَلِآَ: ٣/١٦-٩
سبب النزول:
نزول الآية (٤):
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾: نزلت الآية في أُبي بن خلَف الجمحي حين جاء بعظم
رميم إلى رسول الله وَّل﴿ فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما رمَّ؟ ونظير
الآية قوله تعالى في سورة يس: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا
هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ إلى آخر السورة.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أنه منزه عن الشريك والولد، وأنه الإله الواحد،
وأمر بإخلاص العبادة له، ذكر أدلة وجود الإله الصانع الواحد وكمال قدرته
وحكمته، وهي خمسة: خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وخلق
الأنعام، وخلق النبات، وخلق العناصر الأربعة. والأخيران هما موضوع
الآيات التالية.
التفسير والبيان:
خلق الله تعالى وأبدع العالم العلوي وهو السماوات، والعالم السفلي وهو
الأرض بما حوت، وذلك مخلوق بالحق، أي على أساس من الحكمة والتقدير
المحكم، لا عبثاً، وانفرد بخلقه ذلك، فتنزه الله عن المعين والشريك، لعجز ما
سواه عن خلق شيء، فلا يستحق العبادة إلا هو، فقوله ﴿وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، فهو المستقل بالخلق وحده
لا شريك له، فيستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
ثم ذكر الله تعالى خلق جنس الإنسان من نطفة، أي مهينة ضعيفة، فقال:
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةِ﴾ أي خلق الإنسان من ماء مهين ضعيف، فلما
استقل وكبر، إذا هو يخاصم ربه تعالى، ويكذبه وهو إنما خلق ليكون عبداً، لا

٣٩٩
الُ (١٤) - الفخَلِ: ٣/١٦-٩
ضداً، وخلق من شيء ضعيف، فتراه يجادل ويقول: ﴿مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ
رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨/٣٦]. ونظير الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ
نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِیًا
[الفرقان: ٥٤/٢٥-٥٥].
روي أن المراد بالآية أبي بن خلف الجمحَي، جاء إلى النبي ◌َّ بعظم
رميم، فقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رمَّ؟ وفي هذا أيضاً نزل ﴿أَوَلَمْ يَرَ
﴾ [يس: ٧٧/٣٦].
VV
الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ
ثم امتن الله تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر
والغنم، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج، فقال: ﴿وَالْأَنْعَمَ
◌َلَقَهَأُ لَكُمْ﴾ أي وخلق الله لكم الأنعام ذات المصالح والمنافع المختلفة
لكم، من أصواف وأوبار وأشعار للبس والأثاث (أو الفراش) ومن ألبان
للشرب، ونسل للأكل.
ولكم في هذه الأنعام جمال، أي زينة حين الرواح: وهو وقت رجوعها
عشاء من المراعي، ووقت الشّروح: وهو وقت الغدوة والذهاب من مُراحها
إلى مسارحها أو المرعى. وخص تعالى هذين الوقتين بالذكر لاهتمام الرعاة
بهما حين الذهاب والإياب، وفي ذلك مفاخرة بالقطيع، وقدم الرَّواح على
الشروح؛ لأن الفائدة فيه أتم، لمجيئها شبعانة، فتدر الحليب، وتملأ النفس
سروراً، والعين متعة، فهي عنصر للغذاء وأداة إنتاج في الاقتصاد.
وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة والتركيب والصورة.
وكذلك هي أداة عمل وركوب وحمل أمتعة، فقال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ
أَثْقَالَكُمْ﴾ أي وهي أيضاً تحمل أمتعتكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها
وحملها من بلد إلى آخر لا تبلغونه إلا بمشقة شديدة، مثل الحج والعمرة
والجهاد والتجارة ونحو ذلك من أنواع الاستعمال ركوباً وتحميلاً، كما قال

٤٠٠
لُرُ (١٤) - الفخَلِ}: ١٦ / ٣-٩
تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً نُسْفِيَكُمْ مِّمَا فِ بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ
[المؤمنون: ٢١/٢٣-٢٢] وقال
٢٢
وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
سبحانه: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُوْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ
(٨٠) ﴾ [غافر: ٤٠ /٧٩-٨٠] .
تُحْمَلُونَ
وتظل الأنعام ثروة اقتصادية في كل زمان ومكان، ونعمة كبرى، لذا ختم
تعالى الآية بقوله: ﴿إِنَ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي ربكم الذي قيض لكم
هذه الأنعام وسخرها لكم كثير الرأفة والرحمة بعباده، فقد جعلها لهم مصدر
رزق وخير كبير، وأداة منافع وجلب مصالح، كما قال سبحانه: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ أَنَّاً
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا
خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ
® [يس: ٧١/٣٦-٧٢].
وامتن الله تعالى على الناس بثروة حيوانية أخرى هي: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ﴾ وخلق لكم الخيل والبغال والحمير أيضاً، وجعلها للركوب والزينة
بها أي تتزينون بها، مع منافع أخرى.
ثم جاء دور الامتنان بوسائل النقل والمواصلات الحديثة: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ أي ويخلق لكم غير هذه الحيوانات من وسائل النقل كالقطارات
والسيارات والسفن والطائرات وغيرها.
ثم في هذا العالم السماوي والأرضي والحيواني، يرشد تعالى إلى الطريق
السوي من الطرق المعنوية الدينية والحياتية فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
أي وعلى الله فضلاً وتكرماً بيان الطريق الواضح الموصل إلى الحق والخير،
بإقامة الأدلة وإنزال الكتب وإرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾
[الأنعام: ١٥٣/٦] وقال سبحانه: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ (+َ﴾ [الحجر:
١٥/ ٤١] .